لعلنا بعد أن بسطنا هاته النظرة العامة والمقتضبة عن أبرز المدارس التي طبعت حركة الفكر التربوي في العصور الإسلامية. بحاجة إلى وقفة تأمل ومراجعة لهاته الاتجاهات التربوية في عمومها وكلياتها من خلال عرض دراسة مقارنة لمختلف التوجهات الفكرية التي اعتمدتها المدارس موضوع البحث؛ وهي وقفة لن تكون طويلة - مع شدة الحاجة إلى هذا الوقوف الطويل- . تحتاج إلى عمل مستقل. فمن المهم بداية الإشارة إلى أن التربية في المجتمع الإسلامي قد مرت بتطورات “وظروف عديدة تعرضت فيها مقومات الثقافة السائدة في البلاد الإسلامية لتغيرات كثيرة» استجابة لحاجات عديدة فرضت نفسها على حياة المسلمين في العصور المختلفة؛ والفكر التربوي سريعي الاستجابة لتلك التغيرات والتطورات”(1) التي أسبمت في تشكيل صورة الفكر التربوي الإسلامي من خلال المدارس الفكرية العديدة التي أفرزتها تطورات الفكر في الحياة والمجتمع. وقد عكست هذه المدارس الأجواء العلمية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في ذلك الإبان» ومدى تأثيرها على المفاهيم ولذلك فإننا بصدد فكر تعددت مجالاته؛ ولكل مجال منبج خاص في التفكير وطريقة مخصوصة في الاشتغال التربوي. الفقباء له منبج يختلف عن منهج المتكلمينء. وهؤلاء لهم نيج لا يتماثل مع نبج الفلاسفة: وكل هؤلاء يختلفون كثيرا عن طريقة الصوفية: وهذا ما يجعلنا نطرح تساؤلا بخصوص مدى اتساق عناصر الفكر التربوي الإسلامي؟ لعل مدارس الفكر التربوي الإسلامي موضوع البحث “تلتقي في كثير من المواصفات. تراثنا التربوي الإسلامي. وتبتم بالصفات الأخلاقية للمعلم والمتعلم الظاهرة منها والباطنة» وكلبا ينطلق من مرجعية القرآن الكريم» ومن أو عددا منها على الأقل. الفكرية التي ينتسب إلها المؤلف. وتستشهد في ذلك بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلمء وهي في الغالب تتشابه فيما تورده من الآيات والأحاديث”(3). ثم إن معظم هذه المدارس تلتقي في الكثير من أهدافها وخططهاء ولا تكاد مدرسة منها تغفل الحديث عن حقوق وواجبات كل من المعلم والمتعلم: فليس من السهل أن نجد مدرسة خالصة تماما في تميزها عن المدارس الأخرى. فجميع هذه المدارس الفكرية تجعل من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المرجعية العامة لتوجهاتها التربوية: والتي تجعلها تندرج ضمن ما يسمى بالفكر التربوي الإسلامي» ويكفي في هذا المقام أن نلاحظ شيئا من أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه المدارس. التربوي الإسلامي وتمثيله. يستطيع المتتبع للتراث التربوي الإسلامي أن يقرر “أن الجزء الأكبر من مصنفات التراث الإسلامي بصورة عامة يقع ضمن مدرسة الرأي أو مدرسة الحديث التي يحلو لبعض الباحثين تسميتها بمدرسة النقل”(4): وذلك راجع كما لا يخفى إلى تأثير هذه المدرسة في عامة الناس وخاصتهم: لأصالة علومباء وصفاء منابعباء وبعدها عن التعقيد والالتواء» ثم لا ننسى أن مدرسة الفقهاء والمحدثين التربوية وقفت وقفة ثابتة صلبة في وجه النزعات المغالية؛ فبي “تقدم الدين في صورة بسيطة بعيدة كل البعد عن الجدل والنظريات الفلسفية الصعبة, ”(5). وتظبر هنا مشكلة حقيقية متعلقة بمسألة التمايز بين العقل والنقل. فإن معظم علماء المسلمين الذين كتبوا في التربية وغير التربية كانوا يعتمدون على العقلء وأن ما دار من خلاف بين العقل والنقل. بل إن فكرة تقديم العقل على النقل أو العكس هي فكرة زائفة. ليس في الرتبة وانما في الوظيفة. ومبما كان الأساس الذي يعتمد عليه في تصنيف المدارس أو التيارات الفكرية في التراث الإسلامي: فإن العقل والنقل حاضران بقوة. “لكن من غير الممكن أن يكون العقل غائبا حتى في عملية النقل والاتباع: لأن اختيار النقل والاتباع هو في الأساس اختيار عقليء. فالغزالي مثلا وهو يركز على ما يسميه العلوم الدينية يقرر أن إدراكها يحتاج إلى كمال العقل. فهو يقول: وليس يخفى أن العلوم الدينية. بكمال العقل وصفاء الذكاء”(6). وهذا الجمع كان ظاهرة معروفة في تاريخ العلوم عند المسلمين وعند غيرهمء. المجالات. إلخ. كما وجدنا أن مدرسة المتكلمين تعتمد على المنطق العقلي والتعامل مع النخبة. والدفاع عنه. بأساليب جديدة دخل فيها النظر العقلي والكلام المنطقيء والمناظرة والجدلء وكان من هؤلاء فقباء ومحدثون ومفسرون» وغيرهم. ويبدو أن بعض أصحاب هذه المدرسة حاول صبغ عقيدة الإسلام ومفاهيمه بأفكاره وآرائه رغم محاولات بعض أصحابها الآخرين مغالبة الملحدين والضالين ونشر مبادئ المتكلمينء والاعتماد على التأويل. وقد نظر بعض السلف إلى علم الكلام نظرة حذر ومحافظة: وتصدوا لهم يفندون آراءهم ويردون عليها. وقد رأينا المدرسة الكلامية في جملة من الآراء التربوية المعتمدة لدى القاضي عبد الجبار المعتزلي من خلال العمل الكبير المسمى ” 1 أما المدرسة الفلسفيةء فعلى الرغم من أنها تلتقي مع المدرسة الكلامية في اعتماد المنطق العقلي. إلا أنها تستند إلى الانفتاح على الثقافات غير الإسلامية التي دخلت المجتمع الإسلامي عن طريق ترجمة علوم الفرس واليونان. المسلمين. ومحاولة التقريب بين الدين والفلسفة. كما وجدنا ذلك عند إخوان صفاء ومسكويه. لأغراض التربية والتهذيب والتعليم. وهي رفضهم التعصب. الحقيقة. والرفض المطلق للتعصب. وقد أظيرت المدرسة الفلسفية حاجتها “إلى علوم أخرى لم تظبر أهمية الاشتغال بها لدى المدارس الأخرى. مثل علوم الطب والفلك والرياضيات واللغة. إضافة إلى أن الكتابات التربوية للفلاسفة ركزت على فهم النفس الإنسانيةء وتطور مدارك الإنسان في مراحل عمره”(8) ومن هذا التسليم بالانفتاح العقلي استطاعوا أن يسبقوا عصرهم إلى معرفة أهمية الخلاف العقلي وتنوع المذاهب الفكرية في تنمية الحركة العلمية وزيادة نبض التقدم العقلي والاجتماعي قوة وتدفقا. وجدنا كذلك من أطلق على المدارس الكلامية والفلسفية مسى المدرسة العقلية. ثم إن أتباع المدارس العقلية لجؤوا إلى اعتماد “الحس والتجرية والمنطق العقلي في تقديم المادة للمتعلمين: وليم طريقتهم المنطقية في فهم الصلة بين العلم والتعليم والتعلم”(9). وهو “طريق القلب بعد أن يصفى من شوائبه. النفس بعد أن تتجرد عن لذاتها وما يتعلق بها من أمور الدنيا”(10): إذ “يقوم المنبج التربوي عند معظم فرق الصوفية على مبدأ التتقشف والزهد. وأداة ذلك في مجمله هو عمل القلب. ومن هنا تكاد تنحصر أهدافيهم التربوية في مسألة تربية المريدين واحسان التحكم في غرائزهم: وتدريهم على الصبر وتحمل المشاق. والانعزال عن الناس: ومحاولة الانقطاع إلى الذكر. ويعتقدون بالكرامات والخوارق”(11). “فإذا كانت المدارس الفقهية والحديثية تعتمد المأثور في بيان والمدارس الكلامية والفلسفية تغلب المنطق والجدل واعمال العقلء فإن المدرسة الصوفية تعتمد على الصلة الوثيقة بين الشيخ والمريد. المريد في أضيق أحواله: لأنه يلتزم بما يؤمر به من أوراد تؤدى بكيفيات محددة. ”(12). وقد سبق أن أشرنا إلى أن التصوف اتجاه سلوي وليس مدرسة فكرية فحسب. “ولا شك في أن التراث التربوي الإسلامي يتضمن ما يوضح أن الميل إلى الزهد والانقطاع إلى العبادة لم يقتصر على شيوخ التصوف وحلقاتهم. وانما كان صفة لكثير من الفقهاء والمحدثين. لكن المتصوفة أفرطوا في الزهد والذكر من جبة”(13). إن المدرسة الصوفية في التربية لا ميتم بالصغار كما هو الشأن بالنسبة للمدارس التربوية الأخرى. وانما ركزت على الكبارء وأن لكنها اهتمت أكثر بالتربية الروحية. وتهذيب السلوك, والتحكم بالغرائز والشهوات: وايثار حب الله ورسوله والآخرة. وترديد أدعية وأوراد معينة بكيفيات محددة. والسير على توجيهات الشيخ. والرضا والقناعة التامة بأهليته وقدراته. والقبول بكل الأوامر التي هي من خصائص الطريقة التي يرسمها شيخها والتي من شأنها أن توصله إلى مبتغاه. فالتعلم الذاتي الفردي يكاد يكون منعدما في الفكر التربوي الصوني. “أمنا أفاكنخ التربية الصوفية فري في الغالب أماكن خاصة تبتعد عن أماكن تجمع الناس في المساجد والجوامع. لذلك فضلوا الزوايا والربط والخوانقء وان كان لبعضهم مساجد خصصوا لأنفسهم فبها زوايا لحلقات الدرس والذك ر"(14). هذه أمثلة خمسة من مدارس الفكر التربوي الإسلاميء ولا تكفي طبعا هذه النماذج المختصرة في إعطاء الصورة الحية الكاملة؛ أو وريما نستطيع الحديث عن مدارس أخرى غيرهاء مثل أديب معروفء لكنه متكلم معتزلي. فقد عرفت المدرسة الفقهية مذاهب وتوجهات متبوعة. ومثل ذلك يقال عن المدارس.