المقامة المضيرية " لبديع الزمان الهمذاني وَمَعِي أَبُو الْفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ رَجُلُ الفَصَاحَةِ يَدْعُوهَا فَتُجِيبُهُ، وَتَتَرَجْرَجُ في الغَضَارَةِ وَتُؤْذِنُ بِالسَّلَامَةِ، فَلَمَّا أَخَذَتْ مِنَ الخِوَانِ مَكَانَهَا، وَيَثْلِبُهَا وَطَابِخَهَا، وَتِرِكِ مُسَاعَدَةَ الإِخْوَانِ، فَقَالَ: قِصَّتِي مَعَهَا أَطْوَلُ مِنْ مُصِيبَتِي فِيهَا ، وَلَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِهَا لَمْ آمَنِ الْمَقْتَ وَإِضَاعَةَ الوَقْتِ، إِلَى أَنْ أَجَبْتُهُ إِلَيْهَا، وَيَصِفُ حِذْقَهَا فِي صَنْعَتِهَا، وَهِيَ تَدُورُ فِي الدُّورِ، وَعُمُومَتُها عُمُومَتِي، حَتَّى انْتَهَينَا إِلَى مَحَلَّتِهِ، وَالنُّقْطَةِ من دَائِرِتَها، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، وَوَرَاءَ الفَاقَةِ، وَإِذَا نُقِرَ طَنَّ، مَنِ اتَّخَذَهُ يا سَيِّدِي ؟ اتَّخَذَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مَحَمَّدٍ البَصْرِيُّ، وَهُوَ وَاللَّهِ رَجُلٌ نَظِيفُ الأَثْوَابِ، بَصِيرٌ بِصَنْعة الأَبْوَابِ خَفِيفُ اليَدِ فِي العَمَلِ، اللَّهِ دَرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِحَياتِي لا اسْتَعَنْتَ إلا بِهِ عَلى مِثْلِهِ، ثُمَّ انْقُرْهَا وَأَبْصَرْهَا ، وَبِحَياتِي عَلَيْكَ لا اشْتَرَيْتَ الحَلَقَ إِلَّا مِنْهُ؛ تَأَمَّلْ بِاللَّهِ مَعَارِجَهَا، وَسَلَّني كَيْفَ حَصَّلْتَهَا؟ وَكَمْ مِنْ حِيلَةٍ احْتَلْتَهَا ، وَمِنَ الصَّامِتِ مَا لا يَحْصُرُهُ الوَزْنُ، وَمَزَّقَهُ بَيْنَ النَّرْدِ وَالقَمْرِ، وَقَدْ فَاتَنِي شِرَاهَا ، إِلَى يَوْمِ المَماتِ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ مَحْمُودٌ، بِعَوْن اللَّهِ تَعَالَى وَدَوْلَتِكَ، وَزَمَنَ الغَارَاتِ وَكُنْتُ أَطْلُبُ مِثْلُهُ مُنْذُ الزَّمَنِ الْأَطول فَلَا أَجِدُ، وَصَنْعَتَهُ وَلَوْنَهُ، لا يَقَعُ مِثْلُهُ إِلَّا فِي النَّدْرِ، وَإِنْ كُنْتَ سَمِعْتَ بأبي عِمْرَانَ الحَصِيرِي فَهُوَ عَمَلُهُ، وَنَعُودُ إِلَى حَدِيثِ الْمَضِيرَةِ، فَفَعَلَ الغُلَامُ ذَلِكَ، شَبَهُ الشَّامِ وَصَنْعَةُ العراق، ليسَ مِنْ خَلْقَانِ الْأَعْلاقِ قَدْ عَرَفَ دُورَ الْمُلُوكِ وَدَارَهَا، يَا غُلامُ الإِبْرِيقُ، أَرْسِلِ المَاءَ يَا غُلامُ، فَقَدْ حَانَ وَقْتُ الطَّعَامِ، وَصَافٍ كَقَضِيبِ البِلَّوْرِ، دَخَلَ فِي سَرَاوِيلَهَا عِشْرُونَ ذِرَاعاً ، وانْتَزَعْتُ مِنْ يَدِهَا هَذَا القَدَرَ انْتِرَاعاً، يَاغُلَامُ الْخُوَانَ، وَعَجَمَهُ بِالْأَسْنَانِ، وَأَطْرَفَ صَنَّاعَهَا، عَجِّلْ يَا غُلامُ الطَّعَامَ، وَكَيْفَ انْتَقَذَهَا،