قيل : إنه من آنس بالمد بمعنى علم فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء : ٦] فالاستئناس طلب العلم. فالذي يريد أن يدخل بيت غيره مكلّف قبل الدخول أن يستأنس ، فهو بمعنى الاستئذان. وقد فسره بذلك ابن عباس كما أخرجه ع عنه ابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن جرير وابن مردويه. ويدل على أن المراد بالاستئناس الاستئذان قوله تعالى : وإِذا بَلَغَ الأطفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فإنّ المراد بالذين من قبلهم هم المخاطبون في الآية التي معنا. وقد سمّى الله تعالى استئناسهم استئذانا. فإن القادم على بيت غيره مستوحش لا يدري أيؤذن له بالدخول أم لا ، وذلك الالتماس إنما يكون بالاستئذان. وقيل: إن المراد بالاستئناس إعلام الطارق أهل البيت إعلاما تاما أنه قادم عليهم ، ويدل له ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال : قلنا يا رسول الله ما الاستئناس ؟ فقال : يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت» «۲». وقيل: إن المراد بالاستئناس فعل ما يؤنس أهل البيت ، ويدفع عنهم الوحشة التي كانت تلم بهم لو لم يفعل. وذلك يكون بالتنحنح وما يشبهه، فهذه معان أربعة للاستئناس : الأول : أن القادم يطلب العلم برأي أصحاب البيت في دخوله. والثالث : أنه يعلمهم إعلاما مؤكدا بقدومه. وأنت ترى أنّ مآل المعنيين الأولين للاستئناس هو الاستئذان فيكون القادم منهيا عن ا الدخول قبل أن يأتي بعبارة صريحة تدلّ على الاستئذان، إذ لا معنى للاستئذان دون أن ينتظر الإذن ، فيكون تأويل الآية هكذا : لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ويؤذن لكم، ويدل على هذا المضمر قوله تعالى بعد : فإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ. وبهذا قال مجاهد وعكرمة، إذ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان هي أن اقتحام البيوت بغير إذن قد يؤدي إلى أن يقع نظر الداخل على ما لا يحل النظر : إليه ، فكل من الاستئذان والسلام مطلوب غير أنّ الطلب فيهما متفاوت ، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب والطلب في السلام على سبيل الندب ، وظاهرها أيضا تقديم الاستئذان على السلام ، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان ، وحجتهم في ذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلّم فيما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه : «السلام قبل الكلام وما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب» عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلّم، وما أخرجه ابن أبي شيبة وابن وهب عن زيد بن أسلم قال : أرسلني أبي إلى ابن عمر رضي الله عنهما فجئته فقلت األج؟ فقال : ادخل ، فلما دخلت قال : مرحبا يا ابن أخي ، فإذا قيل : وعليك ، فقل : أأدخل؟ فإذا قالوا : ادخل ، وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال : استأذن عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلّم فقال : السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟ وإن كانت عينه لا تقع على أحد منهم قدّم الاستئذان على السلام. فإنّه يمكن أن تحمل على الحالات التي يكون فيها القادم بحيث يرى أهل البيت. فالأصل أن يقدّم الاستئذان على السلام كما هو ظاهر الآية إلا أن يكون القادم بحيث يرى أهل الدار ، فينبغي أن يحييهم أولا بالسلام ، جمع بين وظاهر الآية أن الاستئذان غير مقيد بعدد فإن استأذن مرة فأجيب بالإذن دخل ، فمن لم يؤذن له بعدهن فليرجع ،