لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%) تلخيص بواسطة الذكاء الاصطناعي
مقدمة شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات الجماعية. غير أنّ الأنماط التقليدية لتسييره، القائمة على التدرّج الهرمي والرقابة على المدخلات والخضوع الصارم للقواعد والإجراءات، اصطدمت منذ سبعينيات القرن العشرين بأزمات مالية وبنيوية حادّة، وبتصاعد مطالب المواطنين بجودة الخدمة العمومية وبترشيد النفقة العامة. ومن رحم هذه الأزمة برزت حركة إصلاحية عالمية عُرفت بـ«التسيير العمومي الحديث» (La Nouvelle Gestion Publique / New Public Management)، سعت إلى إعادة تشكيل الإدارة العمومية عبر استعارة مفاهيم القطاع الخاص وآلياته، والانتقال من منطق الامتثال للإجراءات إلى منطق النتائج والأداء. وإذا كان فهم واقع المرفق العام وآفاق إصلاحه يقتضي الإحاطة بهذه الحركة، فإنّ ذلك لا يتحقق بالوقوف عند مظاهرها الإجرائية فحسب، بل بالنفاذ إلى مرتكزاتها المفاهيمية والتاريخية، وأسسها النظرية، ونماذجها التطبيقية المتباينة. ومن هنا تتحدد إشكالية هذه الدراسة في التساؤل الآتي: إلى أي مدى استطاعت حركة التسيير العمومي الحديث، بما أفرزته من أبعاد مفاهيمية وسياقات تاريخية وترسانة نظرية، وما تولّد عنها من نماذج تطبيقية متباينة، أن تؤسس لإصلاح فعلي للمرفق العام؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية نعتمد المنهج الوصفي التحليلي لضبط المفاهيم والأسس النظرية، والمنهج التاريخي لتتبّع السياقات والتحولات، والمنهج المقارن لإبراز أوجه الاختلاف بين النماذج التطبيقية، وذلك وفق الخطة الآتية: المحور الأول: الأبعاد المفهومية والسياقات التاريخية؛ المحور الثاني: الترسانة النظرية (الإبستمولوجية) لنقل آليات القطاع الخاص إلى القطاع العام؛ المحور الثالث: النماذج التطبيقية وأوجه الاختلاف بينها من حيث الأهداف والآليات. المحور الأول: الأبعاد المفهومية والسياقات التاريخية أولاً: الأبعاد المفهومية للتسيير العمومي الحديث
-
تحديد المفهوم يُقصد بالتسيير العمومي الحديث مجموعة من المبادئ والأساليب الإدارية المستمدة من علم التسيير ومن ممارسات المؤسسة الخاصة، تُطبَّق على الإدارات والمرافق العمومية بغرض رفع فعاليتها وكفاءتها وتحسين جودة خدماتها وترشيد استخدام مواردها. وقد استُخدم مصطلح «الإدارة العمومية الجديدة» في أدبيات علم الإدارة العامة للدلالة على هذا التوجه، وارتبط بالباحث البريطاني كريستوفر هود (Christopher Hood) الذي صاغ في مقاله المنشور سنة 1991 سبعة مكونات عقائدية له، هي: • التسيير المهني الميداني: إسناد المسؤولية لمسيّرين مهنيين ظاهرين وقادرين على اتخاذ القرار. • المعايير ومؤشرات الأداء الواضحة: تحديد الأهداف وقياس النتائج بدقة. • التركيز على الرقابة على المخرجات والنتائج بدل الرقابة على الإجراءات. • تفكيك الوحدات الإدارية الكبرى إلى وحدات أصغر مستقلة نسبياً. • تعزيز المنافسة داخل القطاع العام وبينه وبين القطاع الخاص عبر التعاقد والمناقصات. • اعتماد أساليب التسيير المعمول بها في القطاع الخاص، ومنها المرونة في التوظيف والمكافأة. • الانضباط والاقتصاد في استخدام الموارد، أي «فعل المزيد بموارد أقل». ويتضح من ذلك أنّ جوهر هذه الحركة هو الانتقال من منطق «الإدارة» (Administration) المتمحور حول احترام القواعد والإجراءات، إلى منطق «التسيير» (Management) المتمحور حول الأهداف والنتائج والمساءلة عن الأداء.
-
التمييز بين النموذج التقليدي والتسيير العمومي الحديث يتبيّن مدى القطيعة التي أحدثها التسيير العمومي الحديث بمقارنته بالنموذج البيروقراطي التقليدي، كما يوضحه الجدول الآتي: الجدول رقم (1): مقارنة بين الإدارة العمومية التقليدية والتسيير العمومي الحديث معيار المقارنة الإدارة العمومية التقليدية التسيير العمومي الحديث المرجعية الفكرية القانون الإداري والنظرية البيروقراطية (فيبر)، ومبادئ ويلسون وتايلور وفايول علم التسيير والاقتصاد المؤسساتي الجديد والاختيار العمومي منطق العمل احترام القواعد والإجراءات (مشروعية الإجراء) تحقيق النتائج والأداء (مشروعية النتيجة) نمط الرقابة رقابة سابقة على المدخلات والوسائل رقابة لاحقة على المخرجات والنتائج البنية التنظيمية هرمية مركزية موحدة وحدات مفككة ومستقلة نسبياً (وكالات، مراكز مسؤولية) صورة المستفيد مرتفق أو مُدار خاضع للسلطة العامة زبون أو مستعمل له حقوق ومعايير جودة تسيير الموارد البشرية وظيفة عمومية مغلقة، أقدمية وأمان وظيفي عقود، تقييم للأداء، حوافز ومرونة الميزانية ميزانية الوسائل والبنود ميزانية البرامج والأهداف والنتائج
-
التمييز عن المفاهيم المجاورة يتداخل التسيير العمومي الحديث مع مفاهيم قريبة ينبغي ضبط الفرق بينها. فـ«الخوصصة» تعني نقل الملكية أو النشاط كلياً أو جزئياً إلى القطاع الخاص، في حين يُبقي التسيير العمومي الحديث النشاط في دائرة القطاع العام ويُعيد فقط تنظيم أساليب تسييره. أما «الحوكمة» (Governance) فمفهوم أوسع يشمل شبكة الفاعلين من دولة وسوق ومجتمع مدني في صنع السياسات العمومية وتنفيذها، بينما ينحصر التسيير العمومي الحديث في أدوات تسيير الإدارة ذاتها. وأما «عصرنة الإدارة» فتعبير عام عن التحديث التقني والتنظيمي قد يشمل التسيير العمومي الحديث وقد يتجاوزه. ثانياً: السياقات التاريخية لنشأة التوجه الإداري وتطوره
-
الجذور: النموذج التقليدي ودولة الرفاه ارتكز تنظيم الإدارة العمومية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين على الفصل بين السياسة والإدارة كما دعا إليه وودرو ويلسون (Woodrow Wilson) سنة 1887، وعلى النموذج البيروقراطي العقلاني الذي صاغه ماكس فيبر (Max Weber)، ومبادئ التنظيم العلمي للعمل لدى تايلور (Taylor) وفايول (Fayol). وبعد الحرب العالمية الثانية توسّع دور الدولة توسعاً كبيراً في إطار «دولة الرفاه» أو «الدولة الراعية»، فتضخمت المرافق العامة والجهاز الإداري، وارتبطت الشرعية بقدرة الدولة على توفير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية.
-
أزمة الدولة الراعية في سبعينيات القرن العشرين مثّلت الصدمة النفطية لسنة 1973 وما تلاها من ركود تضخمي (Stagflation) نقطة تحول، إذ عجزت السياسات الكينزية عن معالجة تزامن التضخم مع البطالة. وتفاقمت العجوزات الموازنية والمديونية العمومية، وارتفع عبء النفقات الاجتماعية، وتزايد النقد الموجّه إلى الجهاز الإداري باعتباره بطيئاً مكلفاً غير مرن وبعيداً عن حاجات المواطن. وهكذا تآكلت الثقة في قدرة الإدارة التقليدية على الاستجابة، ونشأ مناخ مواتٍ لمراجعة جذرية لدور الدولة وأساليب تسييرها.
-
الصعود الفكري والسياسي لليمين الجديد تزامنت الأزمة مع صعود الفكر الليبرالي الجديد (مدرسة شيكاغو وميلتون فريدمان، وفريدريش هايك) الذي حمّل الدولة مسؤولية الأزمة ودعا إلى تقليص حجمها وتحرير الأسواق. وتجسّد ذلك سياسياً مع وصول مارغريت تاتشر إلى الحكم في بريطانيا سنة 1979 ورونالد ريغان في الولايات المتحدة سنة 1981، حيث أُطلقت برامج لتخفيض النفقات العامة وإعادة هيكلة القطاع العام وإدخال المنافسة والتعاقد في تقديم الخدمات.
-
التجارب الرائدة وانتشار الحركة بدأ التطبيق المنهجي في الثمانينيات، ففي بريطانيا أطلقت الحكومة برنامج «الخطوات التالية» (Next Steps) سنة 1988 الذي أفضى إلى إنشاء وكالات تنفيذية تفصل بين وظيفة التنفيذ ووظيفة وضع السياسات. وفي نيوزيلندا، شهدت المرحلة 1984-1990 إصلاحاً شاملاً من أبرز نصوصه قانون المؤسسات المملوكة للدولة (1986) وقانون القطاع العام (1988) وقانون المالية العمومية (1989)، اعتُبر الأكثر جذرية في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE). كما انخرطت أستراليا وكندا في إصلاحات مماثلة، وجاء كتاب أوزبورن وغايبلر «إعادة اختراع الحكومة» (1992) ثم مبادرة «المراجعة الوطنية للأداء» (1993) في الولايات المتحدة لتمنحا الحركة بُعداً عالمياً.
-
دور المؤسسات الدولية والعولمة أسهمت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، من خلال لجنتها للتسيير العمومي (PUMA) منذ مطلع التسعينيات، في تعميم الخطاب والأدوات. كما ساهم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في إطار برامج التكيف الهيكلي و«إجماع واشنطن»، في نقل هذه المقاربة إلى الدول النامية بوصفها شرطاً مصاحباً للإصلاح الاقتصادي، وهو ما يفسّر حضورها في إصلاحات الدول المغاربية ومنها الجزائر.
-
مراحل تطور الحركة • مرحلة التأسيس (1979 - 1990): تجارب منفردة في بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا بنزعة سوقية واضحة. • مرحلة الانتشار (1990 - 2000): تعميم عبر المنظمات الدولية وتبنّي بلدان أوروبا القارية وأمريكا الشمالية لصيغ معدّلة. • مرحلة المراجعة (2000 - 2008): بروز النقد الأكاديمي وظهور مقاربات «ما بعد التسيير العمومي الحديث» (Post-NPM) مثل الحوكمة والقيمة العمومية. • مرحلة الرقمنة والتهجين (منذ 2008): تأثير الأزمة المالية العالمية وصعود الحكومة الإلكترونية، وتعايش آليات متعددة في نموذج هجين. المحور الثاني: الترسانة النظرية (الإبستمولوجية) لنقل آليات القطاع الخاص إلى القطاع العام لم يكن نقل آليات القطاع الخاص إلى القطاع العام مجرد خيار تقني، بل استند إلى حقل معرفي متكامل يوفّر له المسوّغات العلمية. ويمكن إرجاع هذه الترسانة إلى مصدرين رئيسيين: الاقتصاد المؤسساتي الجديد بمختلف نظرياته (الاختيار العمومي، الوكالة، تكاليف المعاملات)، وعلم التسيير والمقاربة «التسييرية» (Managerialism). وتشترك هذه المصادر في قاعدة ابستمولوجية واحدة تقوم على الفردانية المنهجية والعقلانية الاقتصادية والمقاربة الوضعية التي ترى أنّ المنظمات، عامة كانت أم خاصة، تخضع لقوانين عامة واحدة. أولاً: نظرية الاختيار العمومي (Public Choice) طوّرها جيمس بيوكانن (James Buchanan) وغوردون تولوك (Gordon Tullock)، وتطبّق أدوات التحليل الاقتصادي على السلوك السياسي والإداري. وتفترض أنّ الفاعلين في القطاع العام، من ناخبين وسياسيين وموظفين، يسعون كغيرهم إلى تعظيم منافعهم الذاتية. وقد قدّم ويليام نيسكانين (Niskanen، 1971) نموذج «البيروقراطي المعظِّم للميزانية»، الذي يرى أنّ المسؤول الإداري يسعى إلى توسيع ميزانية مصلحته لأنها ترتبط بمكانته وسلطته، مما يؤدي إلى تضخم الإدارة وعدم كفاءتها. وانتهت هذه النظرية إلى توصيات عملية: إدخال المنافسة، وتفكيك الاحتكارات الإدارية، وتحديد سقوف للنفقات، وفصل وظائف الشراء عن وظائف تقديم الخدمة. ثانياً: نظرية الوكالة (Agency Theory) صاغها جنسن وميكلينغ (Jensen & Meckling، 1976) لتفسير العلاقة بين «الموكِّل» (Principal) و«الوكيل» (Agent) حين تتعارض مصالحهما وتختل المعلومات بينهما. وتُسقَط على الإدارة العمومية بالنظر إلى سلسلة علاقات الوكالة فيها: المواطن موكِّل للسياسي، والسياسي موكِّل للإدارة، والمسؤول الأعلى موكِّل للمصالح التنفيذية. ولمواجهة مخاطر الانتهازية وعدم تماثل المعلومات تقترح النظرية الإحلال التدريجي للعقود محل الأوامر الهرمية: عقود الأهداف والأداء، ومؤشرات القياس، وآليات الحوافز والمراقبة، وهو ما يفسّر ظهور «عقود النجاعة» و«عقود الأهداف والوسائل» في الإدارات الحديثة. ثالثاً: اقتصاديات تكاليف المعاملات وحقوق الملكية انطلاقاً من أعمال رونالد كواز (Coase، 1937) وأوليفر ويليامسون (Williamson)، ترى هذه المقاربة أنّ الاختيار بين إنتاج الخدمة داخل التنظيم (الهرمية) أو شرائها من السوق (التعاقد) تحدده تكاليف المعاملات. وإذا كانت تكاليف التنسيق الداخلي أعلى من تكاليف السوق وجب تفويض النشاط أو التعاقد عليه. وقد غذّت هذه الأطروحة سياسات المناولة والتعهيد (Outsourcing) والشراكة بين القطاعين العام والخاص وتفويض المرفق العام. أما نظرية حقوق الملكية فتؤكد أنّ غياب ملكية خاصة واضحة يُضعف حوافز الكفاءة، وتُبرّر من ثمّ إدخال آليات تشبه الملكية والمسؤولية الفردية داخل القطاع العام. رابعاً: المقاربة التسييرية (Managerialism) هي الركيزة الثانية للحركة، وتنطلق من الاعتقاد بأنّ التسيير وظيفة مهنية عامة قابلة للتطبيق في أي منظمة بصرف النظر عن طبيعتها. وقد استفادت من أعمال التنظيم العلمي ومن كتابات بيتر دراكر (Drucker) عن «التسيير بالأهداف»، ومن أدبيات «البحث عن التميز» (Peters & Waterman، 1982) التي روّجت لثقافة المؤسسة والمبادرة والتوجه نحو الزبون. وقد وصف كريستوفر بوليت (Pollitt، 1990) هذه الإيديولوجيا بأنها ترى في تحسين التسيير حلاً لمعظم مشكلات المرافق العمومية. ومن خلالها دخلت إلى الإدارة العمومية مفاهيم التخطيط الاستراتيجي، والتسيير بالنتائج، ولوحات القيادة، وقياس الرضا، والمقارنة المرجعية (Benchmarking). خامساً: من النظرية إلى الآليات المنقولة يلخص الجدول الآتي العلاقة بين الأسس النظرية والآليات التي نُقلت إلى القطاع العام: الجدول رقم (2): الأسس النظرية والآليات المنقولة إلى القطاع العام النظرية الفكرة المحورية الآليات المنقولة الاختيار العمومي البيروقراطي فاعل عقلاني يعظّم مصلحته، والاحتكار الإداري مصدر للهدر المنافسة، فتح الأسواق العمومية، تحديد سقوف الإنفاق، فصل الشراء عن التقديم نظرية الوكالة تعارض المصالح واختلال المعلومات بين الموكِّل والوكيل عقود الأهداف والأداء، مؤشرات القياس، الحوافز، التقييم والمساءلة تكاليف المعاملات وحقوق الملكية الكفاءة تتحدد باختيار الشكل التنظيمي الأقل تكلفة التعهيد، تفويض المرفق العام، الشراكة بين القطاعين، الوكالات المستقلة المقاربة التسييرية التسيير وظيفة عامة، والنتيجة أهم من الإجراء التخطيط الاستراتيجي، ميزانية البرامج، لوحات القيادة، التوجه نحو المستفيد، المقارنة المرجعية
سادساً: النقد الإبستمولوجي لهذه الترسانة لم تسلم هذه الأسس من نقد جوهري على المستوى المعرفي والعملي، يمكن إجماله في النقاط الآتية: • اختلاف طبيعة المنظمة العمومية: بيّن غراهام أليسون (Allison، 1980) أنّ الإدارتين العامة والخاصة متشابهتان في الأمور غير الجوهرية فقط، فالقطاع العام تحكمه اعتبارات المشروعية الدستورية والمساواة والاستمرارية والمساءلة السياسية، لا الربحية وحدها. • اختزال المواطن في زبون: فالمواطن صاحب حقوق وشريك في تحديد الصالح العام، وليس مجرد مستهلك للخدمة، كما نبّه دنهارت (Denhardt) في طرحه «الخدمة العمومية الجديدة». • الفردانية المنهجية: تتجاهل أخلاقيات الخدمة العمومية وقيم المصلحة العامة التي قد تدفع الموظف إلى ما يتجاوز حساب المنفعة الذاتية. • مفارقات التطبيق: بيّن هود وبيترز (Hood & Peters، 2004) أنّ الإصلاحات أنتجت أحياناً نتائج معاكسة لأهدافها، مثل تعاظم القواعد الرقابية رغم دعوى التخفيف منها. • «مجتمع التدقيق»: حذّر مايكل باور (Power، 1997) من أن الإفراط في المؤشرات والتدقيق يُحوّل الإدارة إلى ملاحقة للأرقام على حساب جوهر الخدمة، ويفتح الباب للتلاعب بالمؤشرات. • التجزئة وصعوبة التنسيق: تفكيك الوحدات الإدارية وتعدد الوكالات يُضعف الانسجام والتنسيق في السياسات العمومية. المحور الثالث: النماذج التطبيقية الناتجة عن التطور وأوجه الاختلاف بينها أبرزت الدراسات المقارنة، وفي مقدمتها دراسة بوليت وبوكيرت (Pollitt & Bouckaert) حول إصلاح التسيير العمومي، أنّه لا يوجد نموذج واحد للتسيير العمومي الحديث، بل مسارات متعددة تتشكل وفق التقاليد الإدارية والنظم السياسية والسياق الاقتصادي لكل بلد. ويمكن حصر أهم النماذج فيما يأتي: أولاً: النموذج الأنجلوساكسوني السوقي (المملكة المتحدة، نيوزيلندا، أستراليا) يُعدّ النموذج الأكثر جذرية وأقربه إلى الأصل النظري للحركة. هدفه تقليص حجم الدولة وتخفيض النفقات وتعزيز الكفاءة الاقتصادية بإدخال منطق السوق إلى قلب القطاع العام. ومن أبرز آلياته: الوكالات التنفيذية المستقلة (Next Steps في بريطانيا)، والمناقصة التنافسية الإلزامية للخدمات المحلية، ومبادرة التمويل الخاص (PFI، 1992) لإنجاز المرافق، وميثاق المواطن (1991) لضمان معايير الجودة، وفي نيوزيلندا: تقنين تحويل المؤسسات التجارية الحكومية إلى شركات، وعقود الأداء لكبار المسؤولين (Chief Executives)، وفصل «المشتري» عن «مقدّم الخدمة»، وميزانية المخرجات والمحاسبة على أساس الاستحقاق. ثانياً: النموذج الأمريكي «إعادة اختراع الحكومة» يقوم على فكرة «الحكومة المقاولاتية» كما صاغها أوزبورن وغايبلر عبر عشرة مبادئ، منها: حكومة تقود ولا تجدّف (Steering rather than rowing)، وحكومة تنافسية، وموجّهة بالمهمة، وبالنتائج، وبالمستعمل، ولا مركزية. هدفه تحسين الأداء وتخفيض الكلفة وكسب ثقة المواطنين دون تفكيك الدولة الاجتماعية، وتجسّد في برنامج «المراجعة الوطنية للأداء» (1993) الذي قاده نائب الرئيس آل غور، وقانون الأداء والنتائج الحكومي GPRA (1993) الذي ألزم الوكالات الفيدرالية بوضع خطط استراتيجية ومؤشرات وتقارير أداء سنوية. وتتميز آلياته بالتركيز على قياس الأداء والتعاقد مع القطاع الخاص ومنح الإدارات المحلية هامش مبادرة أوسع. ثالثاً: النموذج الأوروبي القاري: «الدولة الفيبرية الجديدة» في بلدان مثل فرنسا وألمانيا، حيث يترسخ تقليد دولة القانون والوظيفة العمومية المهنية، لم تُستورد الآليات السوقية بحدّتها، بل أُدمجت في إطار الدولة الفيبرية مع تحديث وظيفتها. وقد وصف بوليت وبوكيرت هذا النموذج بـ«الدولة الفيبرية الجديدة» (Neo-Weberian State) التي تحافظ على دور الدولة والقانون الإداري والوظيفة العمومية، وتضيف إليها التوجه نحو المواطن والنتائج وتحديث التسيير. وهدفه إصلاح الدولة دون التضحية بالمشروعية والمساواة. ومن أبرز تطبيقاته فرنسا بالقانون العضوي المتعلق بقوانين المالية (LOLF) لسنة 2001 الذي أقام ميزانية على أساس المهام والبرامج والأعمال مع مشاريع وتقارير للأداء، ثم المراجعة العامة للسياسات العمومية (RGPP، 2007) وتحديث العمل العمومي (MAP، 2012)، وفي ألمانيا «نموذج التوجيه الجديد» (Neues Steuerungsmodell) الذي طورته الهيئة المحلية للتسيير الإداري (KGSt) سنة 1993 ويركز على المنتجات والتسيير بالأهداف في الجماعات المحلية. رابعاً: النموذج الاسكندنافي (الشمالي) اتسمت إصلاحات الدول الشمالية بالتدرج والتوافق وبقاء دولة الرفاه الشاملة وارتفاع مستوى الثقة بين المواطن والإدارة. هدفه تحسين الخدمات الاجتماعية وتقريبها من المستفيدين دون تفكيك المرفق العام. وأهم آلياته: اللامركزية الواسعة لصالح الجماعات المحلية، ومشاركة المستعملين في تسيير المرافق، وحرية اختيار مقدّم الخدمة في بعض القطاعات، والتسيير بالنتائج بصيغة ليّنة أقل صرامة من النموذج الأنجلوساكسوني، مستفيداً من تقليد الوكالات المستقلة المعروف في السويد. خامساً: نموذج الحوكمة والقيمة العمومية (ما بعد التسيير العمومي الحديث) برز نتيجة نقد النماذج السابقة وفشل بعضها في معالجة التجزئة وضعف الثقة. هدفه استعادة قيم المصلحة العامة وتحقيق التنسيق والتكامل وإشراك المواطنين في إنتاج السياسات العمومية. ومن مرتكزاته نظرية «القيمة العمومية» لمارك مور (Moore، 1995) التي تُعرّف مهمة المسيّر العمومي بخلق قيمة للمجتمع لا بمجرد خفض الكلفة، و«الخدمة العمومية الجديدة» لدنهارت (2000) التي ترى أنّ الإدارة «تخدم ولا توجّه فقط»، و«حوكمة العصر الرقمي» (Digital-Era Governance) لدنليفي وزملائه (2006) التي تركّز على إعادة تجميع الوحدات المفككة وتبسيط الإجراءات عبر الرقمنة. وتتمثل آلياته في الشبكات والشراكات المتعددة الفاعلين، والتشاور والمشاركة، والإدارة الإلكترونية، والتسيير المشترك للخدمات. سادساً: التجربة الجزائرية في تبنّي آليات التسيير العمومي الحديث انخرطت الجزائر في هذا المسار تدريجياً منذ التسعينيات في سياق الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، ثم برز مع مطلع الألفية عمل اللجنة الوطنية لإصلاح هياكل ومهام الدولة. ومن أهم تجليات هذا التوجه في الإطار القانوني: القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 المتعلق بقوانين المالية، الذي أرسى الميزانية على أساس البرامج والأهداف ومؤشرات الأداء بدل ميزانية الوسائل، وبدأ العمل به الكامل ابتداءً من سنة 2023؛ والتنظيم المتعلق بالصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام (المرسوم الرئاسي 15-247 ثم القانون 23-12) الذي يتضمن مبادئ المنافسة والشفافية والنجاعة؛ إضافة إلى مشاريع الإدارة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات وتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن. غير أن التطبيق يواجه عقبات مثل ثقل التقاليد البيروقراطية والمركزية، ونقص الكفاءات المتخصصة في التسيير بالنتائج، وضعف ثقافة التقييم والمساءلة، مما يجعل التجربة أقرب إلى النموذج الأوروبي القاري في طابعها المدمج منها إلى النموذج السوقي. سابعاً: مقارنة بين النماذج من حيث الأهداف والآليات الجدول رقم (3): مقارنة بين النماذج التطبيقية النموذج الأهداف الآليات الأنجلوساكسوني السوقي (بريطانيا، نيوزيلندا) تقليص حجم الدولة، خفض النفقات، رفع الكفاءة الاقتصادية بمنطق السوق الوكالات المستقلة، المناقصة الإلزامية، الشراكة مع الخاص (PFI)، عقود الأداء، فصل المشتري عن المقدّم، المحاسبة بالاستحقاق الأمريكي (إعادة اختراع الحكومة) حكومة مقاولاتية أكفأ وأقل كلفة وأقرب إلى المواطن قياس الأداء (GPRA)، التعاقد، اللامركزية، توجه الزبون، المراجعة الوطنية للأداء الأوروبي القاري (الدولة الفيبرية الجديدة) تحديث الدولة مع حفظ المشروعية والمساواة والوظيفة العمومية الميزانية بالبرامج (LOLF)، مشاريع وتقارير الأداء، التسيير بالأهداف في الجماعات المحلية، تبسيط الإجراءات الاسكندنافي تحسين الخدمات الاجتماعية مع بقاء الدولة الراعية والثقة العالية اللامركزية، مشاركة المستعملين، حرية الاختيار، تسيير بالنتائج ليّن الحوكمة والقيمة العمومية استعادة قيم المصلحة العامة، التنسيق والمشاركة، خلق قيمة للمجتمع الشبكات والشراكات، التشاور، الإدارة الإلكترونية، إعادة تجميع الوحدات
وتتلخص أوجه الاختلاف الجوهرية بين هذه النماذج في أربعة معايير: أولها، موقع السوق والدولة، إذ يجعل النموذج الأنجلوساكسوني السوق مرجعاً أعلى في حين يُبقي النموذج القاري والاسكندنافي الدولة والقانون في المركز؛ وثانيها، حدّة القطيعة مع التقاليد الإدارية، فهي جذرية في النموذج السوقي وتدريجية ومدمجة في النماذج الأخرى؛ وثالثها، طبيعة الآليات، فهي صلبة تعاقدية تنافسية في النموذج السوقي، وإجرائية وتنظيمية في النموذج القاري، وتشاركية شبكية في نموذج الحوكمة؛ ورابعها، صورة المستفيد، من زبون ومستهلك في النموذج السوقي والأمريكي إلى مواطن شريك في النموذج التشاركي. خاتمة خلصت هذه الدراسة إلى أنّ التسيير العمومي الحديث ليس مجرد تقنيات إدارية، بل هو حركة إصلاحية متكاملة نشأت في سياق أزمة الدولة الراعية وصعود الفكر الليبرالي الجديد، وتأسست على ترسانة نظرية مصدرها الاختيار العمومي ونظرية الوكالة وتكاليف المعاملات والمقاربة التسييرية، وتجسدت في نماذج تطبيقية متعددة تتباين أهدافها وآلياتها بتباين السياقات. وقد أثبتت التجارب أنّ هذه الحركة حقّقت مكاسب في ترشيد النفقات وتحسين الأداء وتوضيح المسؤوليات، غير أنّها أفرزت أيضاً مفارقات كالتجزئة وهيمنة المؤشرات وخطر التضحية بالقيم الخاصة بالمرفق العام كالمساواة والاستمرارية. ومن هنا الاتجاه الراهن نحو نماذج هجينة تجمع بين الاستفادة من أدوات التسيير الحديث وبين استعادة قيم المصلحة العامة والمشاركة والرقمنة. وبالنسبة للجزائر، فإنّ نجاح إصلاح المرفق العام لا يتوقف على استيراد آليات جاهزة، بل على ملاءمتها مع خصوصية الدولة والنظام القانوني الإداري. ويمكن في هذا الشأن الاقتراح بما يأتي: ترسيخ ثقافة التسيير بالنتائج والتقييم والمساءلة، وتكوين المسيّرين العموميين، وتعميم الرقمنة، وإشراك المواطن في تقييم الخدمة، وتحقيق التوازن بين النجاعة وضمانات المشروعية والمساواة. قائمة المراجع Allison, G. T. (1980). Public and Private Management: Are They Fundamentally Alike in All Unimportant Respects? in Setting Public Management Research Agendas. Denhardt, R. B. & Denhardt, J. V. (2000). The New Public Service: Serving Rather than Steering. Public Administration Review, 60(6). Dunleavy, P., Margetts, H., Bastow, S. & Tinkler, J. (2006). New Public Management Is Dead: Long Live Digital-Era Governance. Journal of Public Administration Research and Theory, 16(3). Hood, C. (1991). A Public Management for All Seasons? Public Administration, 69(1). Hood, C. & Peters, G. (2004). The Middle Aging of New Public Management: Into the Age of Paradox? Journal of Public Administration Research and Theory, 14(3). Jensen, M. & Meckling, W. (1976). Theory of the Firm: Managerial Behavior, Agency Costs and Ownership Structure. Journal of Financial Economics, 3(4). Moore, M. (1995). Creating Public Value: Strategic Management in Government. Harvard University Press. Niskanen, W. (1971). Bureaucracy and Representative Government. Aldine-Atherton. Osborne, D. & Gaebler, T. (1992). Reinventing Government. Addison-Wesley. Pollitt, C. & Bouckaert, G. (2011). Public Management Reform: A Comparative Analysis. Oxford University Press. Power, M. (1997). The Audit Society: Rituals of Verification. Oxford University Press. Williamson, O. (1985). The Economic Institutions of Capitalism. Free Press. Wilson, W. (1887). The Study of Administration. Political Science Quarterly, 2(2). القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 المتعلق بقوانين المالية. القانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 أوت 2023 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية، والمرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام (الملغى).
النص الأصلي
مقدمة
شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات الجماعية. غير أنّ الأنماط التقليدية لتسييره، القائمة على التدرّج الهرمي والرقابة على المدخلات والخضوع الصارم للقواعد والإجراءات، اصطدمت منذ سبعينيات القرن العشرين بأزمات مالية وبنيوية حادّة، وبتصاعد مطالب المواطنين بجودة الخدمة العمومية وبترشيد النفقة العامة. ومن رحم هذه الأزمة برزت حركة إصلاحية عالمية عُرفت بـ«التسيير العمومي الحديث» (La Nouvelle Gestion Publique / New Public Management)، سعت إلى إعادة تشكيل الإدارة العمومية عبر استعارة مفاهيم القطاع الخاص وآلياته، والانتقال من منطق الامتثال للإجراءات إلى منطق النتائج والأداء.
وإذا كان فهم واقع المرفق العام وآفاق إصلاحه يقتضي الإحاطة بهذه الحركة، فإنّ ذلك لا يتحقق بالوقوف عند مظاهرها الإجرائية فحسب، بل بالنفاذ إلى مرتكزاتها المفاهيمية والتاريخية، وأسسها النظرية، ونماذجها التطبيقية المتباينة. ومن هنا تتحدد إشكالية هذه الدراسة في التساؤل الآتي:
إلى أي مدى استطاعت حركة التسيير العمومي الحديث، بما أفرزته من أبعاد مفاهيمية وسياقات تاريخية وترسانة نظرية، وما تولّد عنها من نماذج تطبيقية متباينة، أن تؤسس لإصلاح فعلي للمرفق العام؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية نعتمد المنهج الوصفي التحليلي لضبط المفاهيم والأسس النظرية، والمنهج التاريخي لتتبّع السياقات والتحولات، والمنهج المقارن لإبراز أوجه الاختلاف بين النماذج التطبيقية، وذلك وفق الخطة الآتية: المحور الأول: الأبعاد المفهومية والسياقات التاريخية؛ المحور الثاني: الترسانة النظرية (الإبستمولوجية) لنقل آليات القطاع الخاص إلى القطاع العام؛ المحور الثالث: النماذج التطبيقية وأوجه الاختلاف بينها من حيث الأهداف والآليات.
المحور الأول: الأبعاد المفهومية والسياقات التاريخية
أولاً: الأبعاد المفهومية للتسيير العمومي الحديث
تحديد المفهوم
يُقصد بالتسيير العمومي الحديث مجموعة من المبادئ والأساليب الإدارية المستمدة من علم التسيير ومن ممارسات المؤسسة الخاصة، تُطبَّق على الإدارات والمرافق العمومية بغرض رفع فعاليتها وكفاءتها وتحسين جودة خدماتها وترشيد استخدام مواردها. وقد استُخدم مصطلح «الإدارة العمومية الجديدة» في أدبيات علم الإدارة العامة للدلالة على هذا التوجه، وارتبط بالباحث البريطاني كريستوفر هود (Christopher Hood) الذي صاغ في مقاله المنشور سنة 1991 سبعة مكونات عقائدية له، هي:
• التسيير المهني الميداني: إسناد المسؤولية لمسيّرين مهنيين ظاهرين وقادرين على اتخاذ القرار.
• المعايير ومؤشرات الأداء الواضحة: تحديد الأهداف وقياس النتائج بدقة.
• التركيز على الرقابة على المخرجات والنتائج بدل الرقابة على الإجراءات.
• تفكيك الوحدات الإدارية الكبرى إلى وحدات أصغر مستقلة نسبياً.
• تعزيز المنافسة داخل القطاع العام وبينه وبين القطاع الخاص عبر التعاقد والمناقصات.
• اعتماد أساليب التسيير المعمول بها في القطاع الخاص، ومنها المرونة في التوظيف والمكافأة.
• الانضباط والاقتصاد في استخدام الموارد، أي «فعل المزيد بموارد أقل».
ويتضح من ذلك أنّ جوهر هذه الحركة هو الانتقال من منطق «الإدارة» (Administration) المتمحور حول احترام القواعد والإجراءات، إلى منطق «التسيير» (Management) المتمحور حول الأهداف والنتائج والمساءلة عن الأداء.
التمييز بين النموذج التقليدي والتسيير العمومي الحديث
يتبيّن مدى القطيعة التي أحدثها التسيير العمومي الحديث بمقارنته بالنموذج البيروقراطي التقليدي، كما يوضحه الجدول الآتي:
الجدول رقم (1): مقارنة بين الإدارة العمومية التقليدية والتسيير العمومي الحديث
معيار المقارنة الإدارة العمومية التقليدية التسيير العمومي الحديث
المرجعية الفكرية القانون الإداري والنظرية البيروقراطية (فيبر)، ومبادئ ويلسون وتايلور وفايول علم التسيير والاقتصاد المؤسساتي الجديد والاختيار العمومي
منطق العمل احترام القواعد والإجراءات (مشروعية الإجراء) تحقيق النتائج والأداء (مشروعية النتيجة)
نمط الرقابة رقابة سابقة على المدخلات والوسائل رقابة لاحقة على المخرجات والنتائج
البنية التنظيمية هرمية مركزية موحدة وحدات مفككة ومستقلة نسبياً (وكالات، مراكز مسؤولية)
صورة المستفيد مرتفق أو مُدار خاضع للسلطة العامة زبون أو مستعمل له حقوق ومعايير جودة
تسيير الموارد البشرية وظيفة عمومية مغلقة، أقدمية وأمان وظيفي عقود، تقييم للأداء، حوافز ومرونة
الميزانية ميزانية الوسائل والبنود ميزانية البرامج والأهداف والنتائج
التمييز عن المفاهيم المجاورة
يتداخل التسيير العمومي الحديث مع مفاهيم قريبة ينبغي ضبط الفرق بينها. فـ«الخوصصة» تعني نقل الملكية أو النشاط كلياً أو جزئياً إلى القطاع الخاص، في حين يُبقي التسيير العمومي الحديث النشاط في دائرة القطاع العام ويُعيد فقط تنظيم أساليب تسييره. أما «الحوكمة» (Governance) فمفهوم أوسع يشمل شبكة الفاعلين من دولة وسوق ومجتمع مدني في صنع السياسات العمومية وتنفيذها، بينما ينحصر التسيير العمومي الحديث في أدوات تسيير الإدارة ذاتها. وأما «عصرنة الإدارة» فتعبير عام عن التحديث التقني والتنظيمي قد يشمل التسيير العمومي الحديث وقد يتجاوزه.
ثانياً: السياقات التاريخية لنشأة التوجه الإداري وتطوره
الجذور: النموذج التقليدي ودولة الرفاه
ارتكز تنظيم الإدارة العمومية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين على الفصل بين السياسة والإدارة كما دعا إليه وودرو ويلسون (Woodrow Wilson) سنة 1887، وعلى النموذج البيروقراطي العقلاني الذي صاغه ماكس فيبر (Max Weber)، ومبادئ التنظيم العلمي للعمل لدى تايلور (Taylor) وفايول (Fayol). وبعد الحرب العالمية الثانية توسّع دور الدولة توسعاً كبيراً في إطار «دولة الرفاه» أو «الدولة الراعية»، فتضخمت المرافق العامة والجهاز الإداري، وارتبطت الشرعية بقدرة الدولة على توفير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية.
أزمة الدولة الراعية في سبعينيات القرن العشرين
مثّلت الصدمة النفطية لسنة 1973 وما تلاها من ركود تضخمي (Stagflation) نقطة تحول، إذ عجزت السياسات الكينزية عن معالجة تزامن التضخم مع البطالة. وتفاقمت العجوزات الموازنية والمديونية العمومية، وارتفع عبء النفقات الاجتماعية، وتزايد النقد الموجّه إلى الجهاز الإداري باعتباره بطيئاً مكلفاً غير مرن وبعيداً عن حاجات المواطن. وهكذا تآكلت الثقة في قدرة الإدارة التقليدية على الاستجابة، ونشأ مناخ مواتٍ لمراجعة جذرية لدور الدولة وأساليب تسييرها.
الصعود الفكري والسياسي لليمين الجديد
تزامنت الأزمة مع صعود الفكر الليبرالي الجديد (مدرسة شيكاغو وميلتون فريدمان، وفريدريش هايك) الذي حمّل الدولة مسؤولية الأزمة ودعا إلى تقليص حجمها وتحرير الأسواق. وتجسّد ذلك سياسياً مع وصول مارغريت تاتشر إلى الحكم في بريطانيا سنة 1979 ورونالد ريغان في الولايات المتحدة سنة 1981، حيث أُطلقت برامج لتخفيض النفقات العامة وإعادة هيكلة القطاع العام وإدخال المنافسة والتعاقد في تقديم الخدمات.
التجارب الرائدة وانتشار الحركة
بدأ التطبيق المنهجي في الثمانينيات، ففي بريطانيا أطلقت الحكومة برنامج «الخطوات التالية» (Next Steps) سنة 1988 الذي أفضى إلى إنشاء وكالات تنفيذية تفصل بين وظيفة التنفيذ ووظيفة وضع السياسات. وفي نيوزيلندا، شهدت المرحلة 1984-1990 إصلاحاً شاملاً من أبرز نصوصه قانون المؤسسات المملوكة للدولة (1986) وقانون القطاع العام (1988) وقانون المالية العمومية (1989)، اعتُبر الأكثر جذرية في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE). كما انخرطت أستراليا وكندا في إصلاحات مماثلة، وجاء كتاب أوزبورن وغايبلر «إعادة اختراع الحكومة» (1992) ثم مبادرة «المراجعة الوطنية للأداء» (1993) في الولايات المتحدة لتمنحا الحركة بُعداً عالمياً.
دور المؤسسات الدولية والعولمة
أسهمت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، من خلال لجنتها للتسيير العمومي (PUMA) منذ مطلع التسعينيات، في تعميم الخطاب والأدوات. كما ساهم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في إطار برامج التكيف الهيكلي و«إجماع واشنطن»، في نقل هذه المقاربة إلى الدول النامية بوصفها شرطاً مصاحباً للإصلاح الاقتصادي، وهو ما يفسّر حضورها في إصلاحات الدول المغاربية ومنها الجزائر.
مراحل تطور الحركة
• مرحلة التأسيس (1979 - 1990): تجارب منفردة في بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا بنزعة سوقية واضحة.
• مرحلة الانتشار (1990 - 2000): تعميم عبر المنظمات الدولية وتبنّي بلدان أوروبا القارية وأمريكا الشمالية لصيغ معدّلة.
• مرحلة المراجعة (2000 - 2008): بروز النقد الأكاديمي وظهور مقاربات «ما بعد التسيير العمومي الحديث» (Post-NPM) مثل الحوكمة والقيمة العمومية.
• مرحلة الرقمنة والتهجين (منذ 2008): تأثير الأزمة المالية العالمية وصعود الحكومة الإلكترونية، وتعايش آليات متعددة في نموذج هجين.
المحور الثاني: الترسانة النظرية (الإبستمولوجية) لنقل آليات القطاع الخاص إلى القطاع العام
لم يكن نقل آليات القطاع الخاص إلى القطاع العام مجرد خيار تقني، بل استند إلى حقل معرفي متكامل يوفّر له المسوّغات العلمية. ويمكن إرجاع هذه الترسانة إلى مصدرين رئيسيين: الاقتصاد المؤسساتي الجديد بمختلف نظرياته (الاختيار العمومي، الوكالة، تكاليف المعاملات)، وعلم التسيير والمقاربة «التسييرية» (Managerialism). وتشترك هذه المصادر في قاعدة ابستمولوجية واحدة تقوم على الفردانية المنهجية والعقلانية الاقتصادية والمقاربة الوضعية التي ترى أنّ المنظمات، عامة كانت أم خاصة، تخضع لقوانين عامة واحدة.
أولاً: نظرية الاختيار العمومي (Public Choice)
طوّرها جيمس بيوكانن (James Buchanan) وغوردون تولوك (Gordon Tullock)، وتطبّق أدوات التحليل الاقتصادي على السلوك السياسي والإداري. وتفترض أنّ الفاعلين في القطاع العام، من ناخبين وسياسيين وموظفين، يسعون كغيرهم إلى تعظيم منافعهم الذاتية. وقد قدّم ويليام نيسكانين (Niskanen، 1971) نموذج «البيروقراطي المعظِّم للميزانية»، الذي يرى أنّ المسؤول الإداري يسعى إلى توسيع ميزانية مصلحته لأنها ترتبط بمكانته وسلطته، مما يؤدي إلى تضخم الإدارة وعدم كفاءتها. وانتهت هذه النظرية إلى توصيات عملية: إدخال المنافسة، وتفكيك الاحتكارات الإدارية، وتحديد سقوف للنفقات، وفصل وظائف الشراء عن وظائف تقديم الخدمة.
ثانياً: نظرية الوكالة (Agency Theory)
صاغها جنسن وميكلينغ (Jensen & Meckling، 1976) لتفسير العلاقة بين «الموكِّل» (Principal) و«الوكيل» (Agent) حين تتعارض مصالحهما وتختل المعلومات بينهما. وتُسقَط على الإدارة العمومية بالنظر إلى سلسلة علاقات الوكالة فيها: المواطن موكِّل للسياسي، والسياسي موكِّل للإدارة، والمسؤول الأعلى موكِّل للمصالح التنفيذية. ولمواجهة مخاطر الانتهازية وعدم تماثل المعلومات تقترح النظرية الإحلال التدريجي للعقود محل الأوامر الهرمية: عقود الأهداف والأداء، ومؤشرات القياس، وآليات الحوافز والمراقبة، وهو ما يفسّر ظهور «عقود النجاعة» و«عقود الأهداف والوسائل» في الإدارات الحديثة.
ثالثاً: اقتصاديات تكاليف المعاملات وحقوق الملكية
انطلاقاً من أعمال رونالد كواز (Coase، 1937) وأوليفر ويليامسون (Williamson)، ترى هذه المقاربة أنّ الاختيار بين إنتاج الخدمة داخل التنظيم (الهرمية) أو شرائها من السوق (التعاقد) تحدده تكاليف المعاملات. وإذا كانت تكاليف التنسيق الداخلي أعلى من تكاليف السوق وجب تفويض النشاط أو التعاقد عليه. وقد غذّت هذه الأطروحة سياسات المناولة والتعهيد (Outsourcing) والشراكة بين القطاعين العام والخاص وتفويض المرفق العام. أما نظرية حقوق الملكية فتؤكد أنّ غياب ملكية خاصة واضحة يُضعف حوافز الكفاءة، وتُبرّر من ثمّ إدخال آليات تشبه الملكية والمسؤولية الفردية داخل القطاع العام.
رابعاً: المقاربة التسييرية (Managerialism)
هي الركيزة الثانية للحركة، وتنطلق من الاعتقاد بأنّ التسيير وظيفة مهنية عامة قابلة للتطبيق في أي منظمة بصرف النظر عن طبيعتها. وقد استفادت من أعمال التنظيم العلمي ومن كتابات بيتر دراكر (Drucker) عن «التسيير بالأهداف»، ومن أدبيات «البحث عن التميز» (Peters & Waterman، 1982) التي روّجت لثقافة المؤسسة والمبادرة والتوجه نحو الزبون. وقد وصف كريستوفر بوليت (Pollitt، 1990) هذه الإيديولوجيا بأنها ترى في تحسين التسيير حلاً لمعظم مشكلات المرافق العمومية. ومن خلالها دخلت إلى الإدارة العمومية مفاهيم التخطيط الاستراتيجي، والتسيير بالنتائج، ولوحات القيادة، وقياس الرضا، والمقارنة المرجعية (Benchmarking).
خامساً: من النظرية إلى الآليات المنقولة
يلخص الجدول الآتي العلاقة بين الأسس النظرية والآليات التي نُقلت إلى القطاع العام:
الجدول رقم (2): الأسس النظرية والآليات المنقولة إلى القطاع العام
النظرية الفكرة المحورية الآليات المنقولة
الاختيار العمومي البيروقراطي فاعل عقلاني يعظّم مصلحته، والاحتكار الإداري مصدر للهدر المنافسة، فتح الأسواق العمومية، تحديد سقوف الإنفاق، فصل الشراء عن التقديم
نظرية الوكالة تعارض المصالح واختلال المعلومات بين الموكِّل والوكيل عقود الأهداف والأداء، مؤشرات القياس، الحوافز، التقييم والمساءلة
تكاليف المعاملات وحقوق الملكية الكفاءة تتحدد باختيار الشكل التنظيمي الأقل تكلفة التعهيد، تفويض المرفق العام، الشراكة بين القطاعين، الوكالات المستقلة
المقاربة التسييرية التسيير وظيفة عامة، والنتيجة أهم من الإجراء التخطيط الاستراتيجي، ميزانية البرامج، لوحات القيادة، التوجه نحو المستفيد، المقارنة المرجعية
سادساً: النقد الإبستمولوجي لهذه الترسانة
لم تسلم هذه الأسس من نقد جوهري على المستوى المعرفي والعملي، يمكن إجماله في النقاط الآتية:
• اختلاف طبيعة المنظمة العمومية: بيّن غراهام أليسون (Allison، 1980) أنّ الإدارتين العامة والخاصة متشابهتان في الأمور غير الجوهرية فقط، فالقطاع العام تحكمه اعتبارات المشروعية الدستورية والمساواة والاستمرارية والمساءلة السياسية، لا الربحية وحدها.
• اختزال المواطن في زبون: فالمواطن صاحب حقوق وشريك في تحديد الصالح العام، وليس مجرد مستهلك للخدمة، كما نبّه دنهارت (Denhardt) في طرحه «الخدمة العمومية الجديدة».
• الفردانية المنهجية: تتجاهل أخلاقيات الخدمة العمومية وقيم المصلحة العامة التي قد تدفع الموظف إلى ما يتجاوز حساب المنفعة الذاتية.
• مفارقات التطبيق: بيّن هود وبيترز (Hood & Peters، 2004) أنّ الإصلاحات أنتجت أحياناً نتائج معاكسة لأهدافها، مثل تعاظم القواعد الرقابية رغم دعوى التخفيف منها.
• «مجتمع التدقيق»: حذّر مايكل باور (Power، 1997) من أن الإفراط في المؤشرات والتدقيق يُحوّل الإدارة إلى ملاحقة للأرقام على حساب جوهر الخدمة، ويفتح الباب للتلاعب بالمؤشرات.
• التجزئة وصعوبة التنسيق: تفكيك الوحدات الإدارية وتعدد الوكالات يُضعف الانسجام والتنسيق في السياسات العمومية.
المحور الثالث: النماذج التطبيقية الناتجة عن التطور وأوجه الاختلاف بينها
أبرزت الدراسات المقارنة، وفي مقدمتها دراسة بوليت وبوكيرت (Pollitt & Bouckaert) حول إصلاح التسيير العمومي، أنّه لا يوجد نموذج واحد للتسيير العمومي الحديث، بل مسارات متعددة تتشكل وفق التقاليد الإدارية والنظم السياسية والسياق الاقتصادي لكل بلد. ويمكن حصر أهم النماذج فيما يأتي:
أولاً: النموذج الأنجلوساكسوني السوقي (المملكة المتحدة، نيوزيلندا، أستراليا)
يُعدّ النموذج الأكثر جذرية وأقربه إلى الأصل النظري للحركة. هدفه تقليص حجم الدولة وتخفيض النفقات وتعزيز الكفاءة الاقتصادية بإدخال منطق السوق إلى قلب القطاع العام. ومن أبرز آلياته: الوكالات التنفيذية المستقلة (Next Steps في بريطانيا)، والمناقصة التنافسية الإلزامية للخدمات المحلية، ومبادرة التمويل الخاص (PFI، 1992) لإنجاز المرافق، وميثاق المواطن (1991) لضمان معايير الجودة، وفي نيوزيلندا: تقنين تحويل المؤسسات التجارية الحكومية إلى شركات، وعقود الأداء لكبار المسؤولين (Chief Executives)، وفصل «المشتري» عن «مقدّم الخدمة»، وميزانية المخرجات والمحاسبة على أساس الاستحقاق.
ثانياً: النموذج الأمريكي «إعادة اختراع الحكومة»
يقوم على فكرة «الحكومة المقاولاتية» كما صاغها أوزبورن وغايبلر عبر عشرة مبادئ، منها: حكومة تقود ولا تجدّف (Steering rather than rowing)، وحكومة تنافسية، وموجّهة بالمهمة، وبالنتائج، وبالمستعمل، ولا مركزية. هدفه تحسين الأداء وتخفيض الكلفة وكسب ثقة المواطنين دون تفكيك الدولة الاجتماعية، وتجسّد في برنامج «المراجعة الوطنية للأداء» (1993) الذي قاده نائب الرئيس آل غور، وقانون الأداء والنتائج الحكومي GPRA (1993) الذي ألزم الوكالات الفيدرالية بوضع خطط استراتيجية ومؤشرات وتقارير أداء سنوية. وتتميز آلياته بالتركيز على قياس الأداء والتعاقد مع القطاع الخاص ومنح الإدارات المحلية هامش مبادرة أوسع.
ثالثاً: النموذج الأوروبي القاري: «الدولة الفيبرية الجديدة»
في بلدان مثل فرنسا وألمانيا، حيث يترسخ تقليد دولة القانون والوظيفة العمومية المهنية، لم تُستورد الآليات السوقية بحدّتها، بل أُدمجت في إطار الدولة الفيبرية مع تحديث وظيفتها. وقد وصف بوليت وبوكيرت هذا النموذج بـ«الدولة الفيبرية الجديدة» (Neo-Weberian State) التي تحافظ على دور الدولة والقانون الإداري والوظيفة العمومية، وتضيف إليها التوجه نحو المواطن والنتائج وتحديث التسيير. وهدفه إصلاح الدولة دون التضحية بالمشروعية والمساواة. ومن أبرز تطبيقاته فرنسا بالقانون العضوي المتعلق بقوانين المالية (LOLF) لسنة 2001 الذي أقام ميزانية على أساس المهام والبرامج والأعمال مع مشاريع وتقارير للأداء، ثم المراجعة العامة للسياسات العمومية (RGPP، 2007) وتحديث العمل العمومي (MAP، 2012)، وفي ألمانيا «نموذج التوجيه الجديد» (Neues Steuerungsmodell) الذي طورته الهيئة المحلية للتسيير الإداري (KGSt) سنة 1993 ويركز على المنتجات والتسيير بالأهداف في الجماعات المحلية.
رابعاً: النموذج الاسكندنافي (الشمالي)
اتسمت إصلاحات الدول الشمالية بالتدرج والتوافق وبقاء دولة الرفاه الشاملة وارتفاع مستوى الثقة بين المواطن والإدارة. هدفه تحسين الخدمات الاجتماعية وتقريبها من المستفيدين دون تفكيك المرفق العام. وأهم آلياته: اللامركزية الواسعة لصالح الجماعات المحلية، ومشاركة المستعملين في تسيير المرافق، وحرية اختيار مقدّم الخدمة في بعض القطاعات، والتسيير بالنتائج بصيغة ليّنة أقل صرامة من النموذج الأنجلوساكسوني، مستفيداً من تقليد الوكالات المستقلة المعروف في السويد.
خامساً: نموذج الحوكمة والقيمة العمومية (ما بعد التسيير العمومي الحديث)
برز نتيجة نقد النماذج السابقة وفشل بعضها في معالجة التجزئة وضعف الثقة. هدفه استعادة قيم المصلحة العامة وتحقيق التنسيق والتكامل وإشراك المواطنين في إنتاج السياسات العمومية. ومن مرتكزاته نظرية «القيمة العمومية» لمارك مور (Moore، 1995) التي تُعرّف مهمة المسيّر العمومي بخلق قيمة للمجتمع لا بمجرد خفض الكلفة، و«الخدمة العمومية الجديدة» لدنهارت (2000) التي ترى أنّ الإدارة «تخدم ولا توجّه فقط»، و«حوكمة العصر الرقمي» (Digital-Era Governance) لدنليفي وزملائه (2006) التي تركّز على إعادة تجميع الوحدات المفككة وتبسيط الإجراءات عبر الرقمنة. وتتمثل آلياته في الشبكات والشراكات المتعددة الفاعلين، والتشاور والمشاركة، والإدارة الإلكترونية، والتسيير المشترك للخدمات.
سادساً: التجربة الجزائرية في تبنّي آليات التسيير العمومي الحديث
انخرطت الجزائر في هذا المسار تدريجياً منذ التسعينيات في سياق الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، ثم برز مع مطلع الألفية عمل اللجنة الوطنية لإصلاح هياكل ومهام الدولة. ومن أهم تجليات هذا التوجه في الإطار القانوني: القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 المتعلق بقوانين المالية، الذي أرسى الميزانية على أساس البرامج والأهداف ومؤشرات الأداء بدل ميزانية الوسائل، وبدأ العمل به الكامل ابتداءً من سنة 2023؛ والتنظيم المتعلق بالصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام (المرسوم الرئاسي 15-247 ثم القانون 23-12) الذي يتضمن مبادئ المنافسة والشفافية والنجاعة؛ إضافة إلى مشاريع الإدارة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات وتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن. غير أن التطبيق يواجه عقبات مثل ثقل التقاليد البيروقراطية والمركزية، ونقص الكفاءات المتخصصة في التسيير بالنتائج، وضعف ثقافة التقييم والمساءلة، مما يجعل التجربة أقرب إلى النموذج الأوروبي القاري في طابعها المدمج منها إلى النموذج السوقي.
سابعاً: مقارنة بين النماذج من حيث الأهداف والآليات
الجدول رقم (3): مقارنة بين النماذج التطبيقية
النموذج الأهداف الآليات
الأنجلوساكسوني السوقي (بريطانيا، نيوزيلندا) تقليص حجم الدولة، خفض النفقات، رفع الكفاءة الاقتصادية بمنطق السوق الوكالات المستقلة، المناقصة الإلزامية، الشراكة مع الخاص (PFI)، عقود الأداء، فصل المشتري عن المقدّم، المحاسبة بالاستحقاق
الأمريكي (إعادة اختراع الحكومة) حكومة مقاولاتية أكفأ وأقل كلفة وأقرب إلى المواطن قياس الأداء (GPRA)، التعاقد، اللامركزية، توجه الزبون، المراجعة الوطنية للأداء
الأوروبي القاري (الدولة الفيبرية الجديدة) تحديث الدولة مع حفظ المشروعية والمساواة والوظيفة العمومية الميزانية بالبرامج (LOLF)، مشاريع وتقارير الأداء، التسيير بالأهداف في الجماعات المحلية، تبسيط الإجراءات
الاسكندنافي تحسين الخدمات الاجتماعية مع بقاء الدولة الراعية والثقة العالية اللامركزية، مشاركة المستعملين، حرية الاختيار، تسيير بالنتائج ليّن
الحوكمة والقيمة العمومية استعادة قيم المصلحة العامة، التنسيق والمشاركة، خلق قيمة للمجتمع الشبكات والشراكات، التشاور، الإدارة الإلكترونية، إعادة تجميع الوحدات
وتتلخص أوجه الاختلاف الجوهرية بين هذه النماذج في أربعة معايير: أولها، موقع السوق والدولة، إذ يجعل النموذج الأنجلوساكسوني السوق مرجعاً أعلى في حين يُبقي النموذج القاري والاسكندنافي الدولة والقانون في المركز؛ وثانيها، حدّة القطيعة مع التقاليد الإدارية، فهي جذرية في النموذج السوقي وتدريجية ومدمجة في النماذج الأخرى؛ وثالثها، طبيعة الآليات، فهي صلبة تعاقدية تنافسية في النموذج السوقي، وإجرائية وتنظيمية في النموذج القاري، وتشاركية شبكية في نموذج الحوكمة؛ ورابعها، صورة المستفيد، من زبون ومستهلك في النموذج السوقي والأمريكي إلى مواطن شريك في النموذج التشاركي.
خاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أنّ التسيير العمومي الحديث ليس مجرد تقنيات إدارية، بل هو حركة إصلاحية متكاملة نشأت في سياق أزمة الدولة الراعية وصعود الفكر الليبرالي الجديد، وتأسست على ترسانة نظرية مصدرها الاختيار العمومي ونظرية الوكالة وتكاليف المعاملات والمقاربة التسييرية، وتجسدت في نماذج تطبيقية متعددة تتباين أهدافها وآلياتها بتباين السياقات.
وقد أثبتت التجارب أنّ هذه الحركة حقّقت مكاسب في ترشيد النفقات وتحسين الأداء وتوضيح المسؤوليات، غير أنّها أفرزت أيضاً مفارقات كالتجزئة وهيمنة المؤشرات وخطر التضحية بالقيم الخاصة بالمرفق العام كالمساواة والاستمرارية. ومن هنا الاتجاه الراهن نحو نماذج هجينة تجمع بين الاستفادة من أدوات التسيير الحديث وبين استعادة قيم المصلحة العامة والمشاركة والرقمنة.
وبالنسبة للجزائر، فإنّ نجاح إصلاح المرفق العام لا يتوقف على استيراد آليات جاهزة، بل على ملاءمتها مع خصوصية الدولة والنظام القانوني الإداري. ويمكن في هذا الشأن الاقتراح بما يأتي: ترسيخ ثقافة التسيير بالنتائج والتقييم والمساءلة، وتكوين المسيّرين العموميين، وتعميم الرقمنة، وإشراك المواطن في تقييم الخدمة، وتحقيق التوازن بين النجاعة وضمانات المشروعية والمساواة.
قائمة المراجع
Allison, G. T. (1980). Public and Private Management: Are They Fundamentally Alike in All Unimportant Respects? in Setting Public Management Research Agendas.
Denhardt, R. B. & Denhardt, J. V. (2000). The New Public Service: Serving Rather than Steering. Public Administration Review, 60(6).
Dunleavy, P., Margetts, H., Bastow, S. & Tinkler, J. (2006). New Public Management Is Dead: Long Live Digital-Era Governance. Journal of Public Administration Research and Theory, 16(3).
Hood, C. (1991). A Public Management for All Seasons? Public Administration, 69(1).
Hood, C. & Peters, G. (2004). The Middle Aging of New Public Management: Into the Age of Paradox? Journal of Public Administration Research and Theory, 14(3).
Jensen, M. & Meckling, W. (1976). Theory of the Firm: Managerial Behavior, Agency Costs and Ownership Structure. Journal of Financial Economics, 3(4).
Moore, M. (1995). Creating Public Value: Strategic Management in Government. Harvard University Press.
Niskanen, W. (1971). Bureaucracy and Representative Government. Aldine-Atherton.
Osborne, D. & Gaebler, T. (1992). Reinventing Government. Addison-Wesley.
Pollitt, C. & Bouckaert, G. (2011). Public Management Reform: A Comparative Analysis. Oxford University Press.
Power, M. (1997). The Audit Society: Rituals of Verification. Oxford University Press.
Williamson, O. (1985). The Economic Institutions of Capitalism. Free Press.
Wilson, W. (1887). The Study of Administration. Political Science Quarterly, 2(2).
القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 المتعلق بقوانين المالية.
القانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 أوت 2023 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية، والمرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام (الملغى).
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
مقدمة شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات...
التخصص العلمي ل...التخصص العلمي للباحث: يعد من أهم العوامل الذاتية لإختيار البحث، إذ تعتبر القدرة العلمية عاملا متحكما...
A security thre...A security threat in PHP applications refers to a vulnerability, flaw, or vector in a PHP web applic...
الفطرية في الدو...الفطرية في الدولة وزيادة الوعي العام بالقضايا المتعلقة بالتنوع البيولوجي، فضلا عن المساهمة في تحقيق ...
بين رفوف المحلا...بين رفوف المحلات التي تتغير أسعارها، ومواطن يواجه فاتورة معيشية تتزايد يوماً بعد آخر، تتصاعد التساؤل...
. وفي حال أدى ا.... وفي حال أدى الاختراق إلى كشف بيانات شخصية وتسبب بضرر كبير للأشخاص، يتوجب على المؤسسة إبلاغ المتضرر...
أكدت الجمهورية ...أكدت الجمهورية اليمنية، أهمية اتخاذ موقف عربي حازم لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي الذي يسته...
الترومبيت' هو أ...الترومبيت' هو أداة نحاسية فى الفرق الكلاسيكية و مزيكا الجاز . تتراوح مجموعة البوق من البوق البيكولو ...
إن المصادر التي...إن المصادر التي تناولت "بنات الصدور" تظل شاهدة على رحلة الإنسان العربي في البحث عن لغة تليق بأحزانه ...
استهل السيد شري...استهل السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، لقاءاته المهنية بالعاصمة البريطانية لندن، التي يعقدها خ...
يؤثر الوصول غير...يؤثر الوصول غير المصرح به على شركة زيرو لوك سايبر من خلال تعريض أنظمتها وبياناتها للخطر، فقد يتمكن ا...
يمثل التحرير ال...يمثل التحرير القانوني والقضائي أحد المكونات الجوهرية للتكوين القانوني المتخصص، إذ لا تقتصر الممارسة ...