الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (10%)

المطلب الثاني: مصادر الفقه الإسلامي، ممَّا قامت عليه دراستنا آنفًا، تبيّن لنا أن الفقه الإسلامي علمٌ راسخٌ ومتميز، يقوم على أُسس وضوابط جعلَتهُ قادراً على تنظيم حياة الإنسان وتوجيه سلوكهِ وفق منهج الشريعة الإسلامية، وقد استمد هذا العلم أُصوله من مصادر متعددة يأتي في مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم ما نشأ عنها من مصادر إجتهاديه كالإجماع( ) والقياس( )، مما أكسبه خصائص وميزات جعلته من العلوم المتجددة القادرة على مواكبة مختلف المستجدات. وهو المكتوب في الصحف، والقرآن هو المصدر والمرجع لاستنباط الأحكام الفقه الإسلامي، فإذا عرضت مسألة رجعنا قبل كل شيء إلى كتاب الله (y) لنبحث عن النص القرآني الذي يوافق حكمها فيه، فإذا ورد الحكم في القرآن كان هو الأصل الذي يُرجع إليه، مع الاستعانة بالسنة النبوية في بيانه وتفصيله وتخصيص عامه وتقييد مطلقه عند الحاجة. ومن امثلة ذلك والقمار، وتعظيم الأحجار، وإذا سألنا عن البيع، والربا، وجدنا حكم ذلك في كتاب الله عز وجل، حيث قال عز من قائل: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ( ). وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ( ) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ( ). )
وعليه، يُعدّ القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع الفقهي الإسلامي، فقد وضع الأسس العامة للشريعة وبيّن العقائد تفصيلاً، بينما جاءت أحكام العبادات والمعاملات في أغلبها بصورة إجمالية فلم يتناول جميع جزئيات الأحكام وتفاصيلها، إذ إن طبيعة القرآن ومقاصده تقتضي بيان القواعد الكلية التي تهدي حياة المسلمين، وترك تفصيل كيفية تطبيقها للسنة النبوية. قال تعالى ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ( ) وقوله ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾( )، دون بيان تفاصيل عدد الركعات، ومقادير الزكاة، وأحكام العقود الصحيحة، فجاءت السنة لتوضيح هذه الأحكام وبيان كيفية العمل بها. ) ويتضح ذلك في الصلاة؛ إذ أمر القرآن الكريم بإقامتها من غير بيانٍ تفصيلي لعدد ركعاتها وكيفية أدائها، فجاءت السنة النبوية مبيِّنةً لذلك، قال النبي (ﷺ): « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». ويُظهر هذا الإجمال في نصوص القرآن حكمة تشريعية مهمة، إذ جعله صالحاً لمواكبة تغير الأحوال والمستجدات عبر العصور، مع المحافظة على ثوابت الشريعة ومقاصدها، فقد وردت بعض الأحكام مفصلة في القرآن، كأحكام المواريث وبعض مسائل الأسرة والحدود. ومكملة لتطبيق أحكامه، حتى غدا فهم القرآن وتطبيقه مرتبطاً بالرجوع إلى السنة باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. )
على الرغم من وجود القران الكريم الا أن السنّة النبوية كانت تلعب دوراً مهماً في شرح تفاصيل الاحكام من الآيات الكريمة والسنة هي كل ما نقل عن النبي (ﷺ) من قول، أو تقرير وتنقسم السنة النبوية باعتبار طريقة ورودها عن النبي (ﷺ) إلى ثلاثة أقسام: السنة القولية، كقوله: « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ( ) والسنة الفعلية، وهي ما نقل من أفعاله (ﷺ)، كقول عائشة (g) في وصف حاله في بيته: « كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ » ( ) أما السنة التقريرية فهي ما صدر من الصحابة(f) من أقوال أو أفعال فأقره النبي (ﷺ) بسكوته أو موافقته، ومن ذلك إقراره لمن صلى ركعتي السنة بعد صلاة الصبح لمن لم يؤدهما قبلها ( ). )
أن السنة النبوية المطهرة تأتي في المنزلة الثانية بعد القرآن العظيم في مصدرية التشريع، فهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. والسنة حجة شرعية يجب العمل بما صح منها، وإن كانت تأتي بعد القرآن في ترتيب مصادر التشريع، وتتفاوت نصوصها من حيث الثبوت والدلالة، وهي حجة شرعية يجب العمل بما صح منها وفق دلالته. ( ) تتمثل الوظيفة الأساسية للسنة النبوية في بيان وتفسير الأحكام التي وردت في القرآن الكريم بصورة مجملة، وذلك من خلال توضيح كيفيات تطبيقها وشروطها وأسبابها وموانعها وما يتصل بها من أحكام. فقد جاء القرآن بالأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج دون تفصيل جميع جزئياتها، فبينت السنة كيفية أداء الصلوات وأوقاتها وأركانها، ومقادير الزكاة وأنصبتها والأموال التي تجب فيها، وأوضحت أحكام الصيام والطهارة والحج والذبائح والصيد والمعاملات المالية وأحكام الأسرة والجنايات وغيرها من الأحكام التي تحتاج إلى بيان وتفصيل، وبذلك كانت السنة مفسرة للقرآن ومبينة لمراد الله تعالى من نصوصه المجملة، مما جعلها ضرورة لفهم الشريعة وتطبيق أحكامها. ) قال (ﷺ): « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»( ) وقال: « أْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ». )
والسنة في اصطلاح علماء الحديث تطلق على ما نقل عن النبي (ﷺ) من قول أو فعل أو تقرير، وقد تطلق كذلك على المنهج العملي الذي سار عليه المسلمون في عصر النبوة ( ). لا يقع تعارض حقيقي بين أدلة الكتاب والسنة، وإنما يكون التعارض في الظاهر نتيجة اختلاف في الفهم أو قصور في إدراك وجوه الجمع بينها؛ إذ إن مصادر التشريع لا يمكن أن تتناقض في حقيقتها، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾( ). فإذا ظهر تعارض بين دليلين، فإن منهج العلماء يقوم أولاً على الجمع والتوفيق بينهما ما أمكن، فإن تعذر ذلك انتقلوا إلى الترجيح وفق القواعد الأصولية ( ) ومراتب الأدلة ( )، ولا يُصار إلى إسقاط النصوص أو ترك العمل بها؛ لأن كل دليل ثابت له وجه معتبر من الفهم أو التطبيق. ولهذا قرر علماء الأصول أن التعارض إنما يكون في الظاهر لا في حقيقة الأمر، وأن الواجب عند اختلاف النصوص هو البحث عن وجه الجمع أو الدليل الراجح وفق ضوابط علم الحديث وأصول الفقه. ) وتُعد السنة مصدراً تشريعياً مستقلاً من جهة، لما اشتملت عليه من أحكام لم ترد في القرآن، كما أنها مرتبطة بالقرآن من جهة أخرى؛ لأنها مبيّنة له ولا تخرج عن مقاصده وقواعده العامة. ولهذا لا يمكن الاستغناء عنها في فهم كتاب الله وتطبيق أحكامه، )
ويأتي الاجماع في المرتبة الثالثة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية، الإجماع وهو أحد المصادر الأصلية للتشريع الإسلامي( )، ويُعدُّ من مصادر التشريع المتفق عليها عند جمهور علماء الأصول( )، ويُعرَّف بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة النبي محمد (ﷺ) في عصرٍ من العصور على حكمٍ شرعيٍّ، فإذا تحقق هذا الاتفاق أصبح حُجّةً ملزمة يجب العمل بها؛ لما يدل عليه من إجتماع أهلِ العلم على حكم مستندٍ إلى أصول الشريعة. ( )
منها قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ( ) وما ورد عن النبي (ﷺ): « سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا » ( ) وتدل هذه النصوص على اعتبار اجتماع علماء الأمة حجة في إثبات الأحكام الشرعية.ولا ينعقد الإجماع إلا مستندًا إلى دليل شرعي، وإن لم يُنقل هذا الدليل مع الإجماع؛ إذ لا يُتصور اتفاق المجتهدين على حكم من غير مستند معتبر. ومن أمثلة الإجماع: اتفاق الصحابة رضي الله عنهم(f) على أن الجد يرث السدس مع وجود الابن الذكر عند عدم وجود الأب. ( ) وينقسم الإجماع إلى نوعين: إجماع قولي، وهو اتفاق المجتهدين صراحةً على حكم معين، وهو أن يقول بعض المجتهدين بحكم ويعلم به بقية العلماء فيسكتون عنه دون إنكار. وقد كان تحقق الإجماع أكثر إمكانًا في عصر الصحابة؛ لقرب العلماء من بعضهم وإمكان التشاور بينهم، أما بعد انتشارهم في الأمصار فقد أصبح تحققه أكثر صعوبة. ( )
والقياس هو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما، وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع ( ). وفرعٌ مقيس، وحكم الأصل المنصوص عليه، وعلة تجمع بين الأصل والفرع ( ). ومن امثلة القياس إن الله حرَّم الخمر بنص القرآن الكريم، والعلة في تحريمه: هي أنه مسكر يذهب العقل، فإذا وجدنا شراباً آخر له اسم غير الخمر، ووجدنا هذا الشراب مسكراً حكمنا بتحريمه قياساً على الخمر، )
فالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة محدودة ومتناهية، بينما الحوادث والوقائع المستجدة غير متناهية، ولا سبيل لمعرفة أحكامها الشرعية إلا عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي يأتي القياس في مقدمته( ).وقد ذهب عامة الفقهاء( ) والمتكلمين( ) من سلف الأمة وخلفها إلى أن القياس حجة شرعية وأصل من أصول التشريع الإسلامي عند جمهور الأصوليين ( )؛ واستدلوا على ذلك بعمل الصحابة رضوان الله عليهم واستعمالهم له عند عدم وجود النص، ومن أبرز الآثار في ذلك كتاب عمر بن الخطاب (d) إلى أبي موسى الأشعري إذ كتب له موصياً في القضاء: «الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله، ولا سنة النبي، فقس الأمور عند ذلك بنظائرها واعمد الى اقربها الى الله، أشبهها بالحق»( ).وقد أكد الإمام الجويني( ) هذا المعنى بالإشارة إلى أن الوقائع والنوازل التي أفتى فيها الصحابة (f) وقضوا بها تزيد بكثير على النوازل المنصوص عليها، مما يدل على اعتمادهم الواسع على قياس الشبيه بشبيهه والعلة بعلتها( ).يتميّز الفقه الإسلامي بسعة مجاله وشمول موضوعاته؛ إذ لم يقتصر على تنظيم جانب محدد من جوانب حياة الإنسان، وإنما امتد ليشمل مختلف التصرفات والأحوال الفردية، والعلاقات الأسرية والاجتماعية والمالية، فضلًا عن الأحكام المتعلقة بالشأن العام وعلاقات الدولة بغيرها في حالتي السلم والحرب. وما يترتب عليها من حقوق والتزامات، إلى جانب ما يتصل بنظام الحكم والقضاء والسياسة الشرعية والعلاقات الدولية. )
ويكشف هذا الاتساع الموضوعي عن الطبيعة الشاملة للفقه الإسلامي، باعتباره منظومة متكاملة من الأحكام الشرعية العملية التي تستوعب مجالات متعددة من حياة المُكلف، فقد أفرد الفقهاء أبوابًا للعبادات، وأُخرى للمعاملات المالية، والأحوال الشخصية، والقضاء، والسياسة الشرعية وغيرها ( ) ونظرًا إلى تعدد الموضوعات التي يندرج تحتها الفقه، وتباين مناهج الفقهاء في ترتيب مسائله وتبويبها، اختلفت طرائقهم في تقسيم أبوابه، فتنوعت هذه التقسيمات من مذهب إلى آخر بحسب المنهج والأساس المعتمد في التصنيف. وتتجلى أشهر هذه التقسيمات وأشملها للأحكام الفقهية في أربعة أقسام؛ يأتي في مقدمتها قسم العبادات، وهي التي يُقصد بها التقرب إلى الله وحده كالصلاة والصوم والزكاة والحج. والتكليف بها أمر تعبدي ثبتت أحكامها فلا تتغير باختلاف الأزمنة والبيئات، وهي أعمال روحية وبدنية تضمن للمسلم إذا أداها على وجهها الصحيح السعادة في الدنيا والآخرة، وقد شرعها سبحانه تزكية للنفس، وترويضاً لها على الطاعة، وتعويداً لها على تحمل المشاق( ). ففي الصلاة يتجلى خضوع المخلوق لعظمة الخالق بعد أن يكون قد تطهر قلبه من الإحن والأحقاد، إذ يقف المسلم أمام خالقه خمس مرات يراقب عظمته ويخشى عقابه، فكان خليقاً بأن يتحلى بالفضائل ويتزين بجميل الخصال ويسارع إلى كريم الفعال ليكون له عند الله حسن مآب( ). وفي الصوم تهذيب للنفس، ووقاية لها من المنكرات والآثام والفسوق والعصيان، وغرس للتراحم والمواساة في قلوب الصائمين ليدركوا ما يعانيه الفقراء من الفاقة والحرمان فيدفعهم ذلك إلى البذل والعطاء وتقريب الفوارق بين الطبقات ( ). أما الزكاة ففيها تطهير لنفوس الأغنياء من البخل والشح، وهي الأحكام الشرعية المنظمة لعلاقات الناس وتصرفاتهم فيما بينهم، بما يكفل حفظ المصالح وتحقيق العدل والاستقرار في المجتمع. وقد جاءت أصول هذا الباب في القرآن الكريم والسنة النبوية، مع ترك مجال للاجتهاد في تفصيل الأحكام وتنزيلها على الوقائع المستجدة، بما يراعي مصالح الناس وأعرافهم المشروعة. ومن أبرز صور المعاملات: البيع، والإجارة، والمزارعة، والشركة، والحوالة، والكفالة، والشفعة، والرهن ( ). ولا يقتصر نطاق المعاملات على التصرفات المالية، وهو ما اصطلح الفقهاء المتأخرون على تسميته بالأحوال الشخصية. وتشمل أحكام الأسرة ما يتعلق بتكوينها واستمرارها وانحلالها، من أحكام الزواج والطلاق، وما يتصل بذلك من بعض الحقوق والالتزامات الأسرية. )
ومنها الأحكام المدنية المنظمة للمعاملات المالية وحفظ الحقوق، كالبيع والرهن والمداينات، والأحكام الجنائية المتمثلة في الحدود والقصاص والتعزير، صيانةً للدين والنفس والعرض والعقل والمال. كما تشمل أحكام القضاء والمرافعات ووسائل الإثبات، والأحكام الدستورية المنظمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والأحكام الدولية التي تضبط علاقات الدولة بغيرها في السلم والحرب، فضلًا عن الأحكام المالية والاقتصادية المتعلقة بالموارد العامة والخاصة والالتزامات المالية. )
وترتبط بهذه التقسيمات جملة من المزايا والخصائص الكلية التي انفرد بها الفقه الإسلامي؛ وأولها استناده إلى الوحي الإلهي المتمثل في القرآن والسنة وما يتفرع عنهما ومقاصدهما العامة، مما جعله كامل النشأة سوي البنية لاكتمال مبادئه في زمن الرسالة ( ) .كما في قوله تعالى:﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ﴾( )، فلم يبقَ إلا تنزيل الأحكام على الوقائع بما يحقق المصالح المعتبرة شرعًا. والجزاء الأخروي المرتبط بمراقبة الله تعالى ومحاسبة المكلف على ما ظهر من عمله وما بطن( ) كما لا يقتصر الجزاء على العقوبة، بل يشمل الثواب على امتثال الأوامر والكف عن المحرمات( )، وبذلك يمتاز عن القانون الوضعي الذي ينحصر جزاؤه في النطاق الدنيوي. )
وتتجلى من مميزات الفقه الإسلامي نزعتُه الجماعية، ومنها: « لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»( ) و" إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا"( ). كما تتسم أحكامه بالمرونة المسائل القابلة للاجتهاد، إذ تدور مع عللها ومقاصدها، وتتغير بعض تطبيقاتها بتغير الأعراف والظروف والبيئات، بما يحافظ على قدرتها على استيعاب المستجدات وتحقيق العدل والتوازن بين المصالح الدينية والدنيوية.

النص الأصلي

المطلب الثاني: مصادر الفقه الإسلامي، وميزاته، وخصائصه


ممَّا قامت عليه دراستنا آنفًا، تبيّن لنا أن الفقه الإسلامي علمٌ راسخٌ ومتميز، يقوم على أُسس وضوابط جعلَتهُ قادراً على تنظيم حياة الإنسان وتوجيه سلوكهِ وفق منهج الشريعة الإسلامية، وقد استمد هذا العلم أُصوله من مصادر متعددة يأتي في مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم ما نشأ عنها من مصادر إجتهاديه كالإجماع( ) والقياس( )، مما أكسبه خصائص وميزات جعلته من العلوم المتجددة القادرة على مواكبة مختلف المستجدات.

ومن أهم مصادر الفقه الاسلامي كما ذكرنا هو كلام الله عز وجل: "القران الكريم" الذي أنزله على سيدنا محمد (ﷺ) ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو المكتوب في الصحف، والقرآن هو المصدر والمرجع لاستنباط الأحكام الفقه الإسلامي، فإذا عرضت مسألة رجعنا قبل كل شيء إلى كتاب الله (y) لنبحث عن النص القرآني الذي يوافق حكمها فيه، فإذا ورد الحكم في القرآن كان هو الأصل الذي يُرجع إليه، مع الاستعانة بالسنة النبوية في بيانه وتفصيله وتخصيص عامه وتقييد مطلقه عند الحاجة. ( )

ومن امثلة ذلك والقمار، وتعظيم الأحجار، والاستقسام بالأزلام، رجعنا إلى كتاب الله عز وجل لنجد قول الله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ( ). وإذا سألنا عن البيع، والربا، وجدنا حكم ذلك في كتاب الله عز وجل، حيث قال عز من قائل: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ( ). وإذا سئلنا عن الحجاب وجدنا حكمه في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ( )﴾ ( ). وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ( ) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ( ).( )

وعليه، يُعدّ القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع الفقهي الإسلامي، فقد وضع الأسس العامة للشريعة وبيّن العقائد تفصيلاً، بينما جاءت أحكام العبادات والمعاملات في أغلبها بصورة إجمالية فلم يتناول جميع جزئيات الأحكام وتفاصيلها، إذ إن طبيعة القرآن ومقاصده تقتضي بيان القواعد الكلية التي تهدي حياة المسلمين، وترك تفصيل كيفية تطبيقها للسنة النبوية.( ) ومن أمثلة ذلك أنه أمر بالصلاة والزكاة والوفاء بالعقود، قال تعالى ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ( ) وقوله ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾( )، دون بيان تفاصيل عدد الركعات، ومقادير الزكاة، وأحكام العقود الصحيحة، فجاءت السنة لتوضيح هذه الأحكام وبيان كيفية العمل بها.( ) ويتضح ذلك في الصلاة؛ إذ أمر القرآن الكريم بإقامتها من غير بيانٍ تفصيلي لعدد ركعاتها وكيفية أدائها، فجاءت السنة النبوية مبيِّنةً لذلك، قال النبي (ﷺ): « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».( )

ويُظهر هذا الإجمال في نصوص القرآن حكمة تشريعية مهمة، إذ جعله صالحاً لمواكبة تغير الأحوال والمستجدات عبر العصور، مع المحافظة على ثوابت الشريعة ومقاصدها، ومع ذلك، فقد وردت بعض الأحكام مفصلة في القرآن، كأحكام المواريث وبعض مسائل الأسرة والحدود. وبذلك كانت السنة النبوية مفسرة ومبينة لما أجمل في الكتاب، ومكملة لتطبيق أحكامه، حتى غدا فهم القرآن وتطبيقه مرتبطاً بالرجوع إلى السنة باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي.( )

على الرغم من وجود القران الكريم الا أن السنّة النبوية كانت تلعب دوراً مهماً في شرح تفاصيل الاحكام من الآيات الكريمة والسنة هي كل ما نقل عن النبي (ﷺ) من قول، أو فعل، أو تقرير وتنقسم السنة النبوية باعتبار طريقة ورودها عن النبي (ﷺ) إلى ثلاثة أقسام: السنة القولية، وهي ما صدر عنه (ﷺ) من أقوال، كقوله: « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ( ) والسنة الفعلية، وهي ما نقل من أفعاله (ﷺ)، كقول عائشة (g) في وصف حاله في بيته: « كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ » ( ) أما السنة التقريرية فهي ما صدر من الصحابة(f) من أقوال أو أفعال فأقره النبي (ﷺ) بسكوته أو موافقته، ومن ذلك إقراره لمن صلى ركعتي السنة بعد صلاة الصبح لمن لم يؤدهما قبلها ( ).( )

أن السنة النبوية المطهرة تأتي في المنزلة الثانية بعد القرآن العظيم في مصدرية التشريع، فهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. والسنة حجة شرعية يجب العمل بما صح منها، وإن كانت تأتي بعد القرآن في ترتيب مصادر التشريع، وتتفاوت نصوصها من حيث الثبوت والدلالة، وهي حجة شرعية يجب العمل بما صح منها وفق دلالته. ( ) تتمثل الوظيفة الأساسية للسنة النبوية في بيان وتفسير الأحكام التي وردت في القرآن الكريم بصورة مجملة، وذلك من خلال توضيح كيفيات تطبيقها وشروطها وأسبابها وموانعها وما يتصل بها من أحكام. فقد جاء القرآن بالأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج دون تفصيل جميع جزئياتها، فبينت السنة كيفية أداء الصلوات وأوقاتها وأركانها، ومقادير الزكاة وأنصبتها والأموال التي تجب فيها، وأوضحت أحكام الصيام والطهارة والحج والذبائح والصيد والمعاملات المالية وأحكام الأسرة والجنايات وغيرها من الأحكام التي تحتاج إلى بيان وتفصيل، وبذلك كانت السنة مفسرة للقرآن ومبينة لمراد الله تعالى من نصوصه المجملة، مما جعلها ضرورة لفهم الشريعة وتطبيق أحكامها.( ) قال (ﷺ): « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»( ) وقال: « أْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».( )

والسنة في اصطلاح علماء الحديث تطلق على ما نقل عن النبي (ﷺ) من قول أو فعل أو تقرير، وقد تطلق كذلك على المنهج العملي الذي سار عليه المسلمون في عصر النبوة ( ). لا يقع تعارض حقيقي بين أدلة الكتاب والسنة، وإنما يكون التعارض في الظاهر نتيجة اختلاف في الفهم أو قصور في إدراك وجوه الجمع بينها؛ إذ إن مصادر التشريع لا يمكن أن تتناقض في حقيقتها، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾( ). فإذا ظهر تعارض بين دليلين، فإن منهج العلماء يقوم أولاً على الجمع والتوفيق بينهما ما أمكن، فإن تعذر ذلك انتقلوا إلى الترجيح وفق القواعد الأصولية ( ) ومراتب الأدلة ( )، ولا يُصار إلى إسقاط النصوص أو ترك العمل بها؛ لأن كل دليل ثابت له وجه معتبر من الفهم أو التطبيق. ولهذا قرر علماء الأصول أن التعارض إنما يكون في الظاهر لا في حقيقة الأمر، وأن الواجب عند اختلاف النصوص هو البحث عن وجه الجمع أو الدليل الراجح وفق ضوابط علم الحديث وأصول الفقه.( ) وتُعد السنة مصدراً تشريعياً مستقلاً من جهة، لما اشتملت عليه من أحكام لم ترد في القرآن، كما أنها مرتبطة بالقرآن من جهة أخرى؛ لأنها مبيّنة له ولا تخرج عن مقاصده وقواعده العامة. ولهذا لا يمكن الاستغناء عنها في فهم كتاب الله وتطبيق أحكامه، ولا يُقبل من السنة في مجال التشريع إلا ما ثبت عن النبي (ﷺ) وفق ضوابط الرواية وقواعد المحدثين في التحقق من صحة الأحاديث.( )

ويأتي الاجماع في المرتبة الثالثة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية، الإجماع وهو أحد المصادر الأصلية للتشريع الإسلامي( )، ويُعدُّ من مصادر التشريع المتفق عليها عند جمهور علماء الأصول( )، ويُعرَّف بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة النبي محمد (ﷺ) في عصرٍ من العصور على حكمٍ شرعيٍّ، فإذا تحقق هذا الاتفاق أصبح حُجّةً ملزمة يجب العمل بها؛ لما يدل عليه من إجتماع أهلِ العلم على حكم مستندٍ إلى أصول الشريعة. ( )
وقد استدل العلماء على حجية الإجماع بأدلة من القرآن والسنة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ( ) وما ورد عن النبي (ﷺ): « سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا » ( ) وتدل هذه النصوص على اعتبار اجتماع علماء الأمة حجة في إثبات الأحكام الشرعية.


ولا ينعقد الإجماع إلا مستندًا إلى دليل شرعي، وإن لم يُنقل هذا الدليل مع الإجماع؛ إذ لا يُتصور اتفاق المجتهدين على حكم من غير مستند معتبر. ومن أمثلة الإجماع: اتفاق الصحابة رضي الله عنهم(f) على أن الجد يرث السدس مع وجود الابن الذكر عند عدم وجود الأب. ( ) وينقسم الإجماع إلى نوعين: إجماع قولي، وهو اتفاق المجتهدين صراحةً على حكم معين، وإجماع سكوتي، وهو أن يقول بعض المجتهدين بحكم ويعلم به بقية العلماء فيسكتون عنه دون إنكار. وقد كان تحقق الإجماع أكثر إمكانًا في عصر الصحابة؛ لقرب العلماء من بعضهم وإمكان التشاور بينهم، أما بعد انتشارهم في الأمصار فقد أصبح تحققه أكثر صعوبة. ( )


والقياس هو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما، وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع ( ). وتتجلى منزلة القياس في كونه مصدراً تبعياً وتتكون أركانه الأربعة من: أصلُ مقيسٌ عليه، وفرعٌ مقيس، وحكم الأصل المنصوص عليه، وعلة تجمع بين الأصل والفرع ( ). ومن امثلة القياس إن الله حرَّم الخمر بنص القرآن الكريم، والعلة في تحريمه: هي أنه مسكر يذهب العقل، فإذا وجدنا شراباً آخر له اسم غير الخمر، ووجدنا هذا الشراب مسكراً حكمنا بتحريمه قياساً على الخمر، لأن علة التحريم- وهي الإسكار - موجودة في هذا الشراب، فيكون حراماً كالخمر.( )

ويرجع تقديم القياس كمرجع استنباطي ويُعد من أبرز أدوات الاجتهاد وأوسعها أثرًا في إلحاق الوقائع المستجدة بنظائرها المنصوص عليها في إثبات الأحكام الفرعية للحوادث؛ فالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة محدودة ومتناهية، بينما الحوادث والوقائع المستجدة غير متناهية، ولا سبيل لمعرفة أحكامها الشرعية إلا عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي يأتي القياس في مقدمته( ).وقد ذهب عامة الفقهاء( ) والمتكلمين( ) من سلف الأمة وخلفها إلى أن القياس حجة شرعية وأصل من أصول التشريع الإسلامي عند جمهور الأصوليين ( )؛ واستدلوا على ذلك بعمل الصحابة رضوان الله عليهم واستعمالهم له عند عدم وجود النص، ومن أبرز الآثار في ذلك كتاب عمر بن الخطاب (d) إلى أبي موسى الأشعري إذ كتب له موصياً في القضاء: «الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله، ولا سنة النبي، ثم اعرف الأشياء والأمثال، فقس الأمور عند ذلك بنظائرها واعمد الى اقربها الى الله، أشبهها بالحق»( ).وقد أكد الإمام الجويني( ) هذا المعنى بالإشارة إلى أن الوقائع والنوازل التي أفتى فيها الصحابة (f) وقضوا بها تزيد بكثير على النوازل المنصوص عليها، مما يدل على اعتمادهم الواسع على قياس الشبيه بشبيهه والعلة بعلتها( ).


يتميّز الفقه الإسلامي بسعة مجاله وشمول موضوعاته؛ إذ لم يقتصر على تنظيم جانب محدد من جوانب حياة الإنسان، وإنما امتد ليشمل مختلف التصرفات والأحوال الفردية، والعلاقات الأسرية والاجتماعية والمالية، فضلًا عن الأحكام المتعلقة بالشأن العام وعلاقات الدولة بغيرها في حالتي السلم والحرب. ومن ثمّ، فقد تناول الفقه الإسلامي حياة الإنسان في مختلف مراحلها، ونظّم ما يتصل بحقوقه وواجباته، كما عالج العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع، وما يترتب عليها من حقوق والتزامات، إلى جانب ما يتصل بنظام الحكم والقضاء والسياسة الشرعية والعلاقات الدولية.( )


ويكشف هذا الاتساع الموضوعي عن الطبيعة الشاملة للفقه الإسلامي، باعتباره منظومة متكاملة من الأحكام الشرعية العملية التي تستوعب مجالات متعددة من حياة المُكلف، وهو ما يظهر بوضوح في تصنيف أبوابه الفقهية؛ فقد أفرد الفقهاء أبوابًا للعبادات، وأُخرى للمعاملات المالية، والأحوال الشخصية، والجنايات والعقوبات، والقضاء، والسياسة الشرعية وغيرها ( ) ونظرًا إلى تعدد الموضوعات التي يندرج تحتها الفقه، وتباين مناهج الفقهاء في ترتيب مسائله وتبويبها، اختلفت طرائقهم في تقسيم أبوابه، فتنوعت هذه التقسيمات من مذهب إلى آخر بحسب المنهج والأساس المعتمد في التصنيف.( )


وتتجلى أشهر هذه التقسيمات وأشملها للأحكام الفقهية في أربعة أقسام؛ يأتي في مقدمتها قسم العبادات، وهي التي يُقصد بها التقرب إلى الله وحده كالصلاة والصوم والزكاة والحج. والتكليف بها أمر تعبدي ثبتت أحكامها فلا تتغير باختلاف الأزمنة والبيئات، وهي أعمال روحية وبدنية تضمن للمسلم إذا أداها على وجهها الصحيح السعادة في الدنيا والآخرة، وقد شرعها سبحانه تزكية للنفس، وترويضاً لها على الطاعة، وتعويداً لها على تحمل المشاق( ). ففي الصلاة يتجلى خضوع المخلوق لعظمة الخالق بعد أن يكون قد تطهر قلبه من الإحن والأحقاد، إذ يقف المسلم أمام خالقه خمس مرات يراقب عظمته ويخشى عقابه، فكان خليقاً بأن يتحلى بالفضائل ويتزين بجميل الخصال ويسارع إلى كريم الفعال ليكون له عند الله حسن مآب( ). 

وفي الصوم تهذيب للنفس، ووقاية لها من المنكرات والآثام والفسوق والعصيان، وغرس للتراحم والمواساة في قلوب الصائمين ليدركوا ما يعانيه الفقراء من الفاقة والحرمان فيدفعهم ذلك إلى البذل والعطاء وتقريب الفوارق بين الطبقات ( ). أما الزكاة ففيها تطهير لنفوس الأغنياء من البخل والشح، وتنقية لقلوب الفقراء من الغل والحسد، وإنقاذ للأمة من المتشردين والمتسولين( ). وفي الحج تعويد على احتمال المشاق والتضحية والفداء، والتخلي عن بعض القيود والعادات للوصول إلى اجتماع المسلمين ووحدة البلاد في هذا المؤتمر الذي يصلحون فيه أحوالهم ويقومون ما اعوج من أمورهم. وقد ورد في القرآن الكريم عن العبادات بأنواعها نحو مئة وأربعين آية. ( )

ويتمثل القسم الثاني في المعاملات، وهي الأحكام الشرعية المنظمة لعلاقات الناس وتصرفاتهم فيما بينهم، بما يكفل حفظ المصالح وتحقيق العدل والاستقرار في المجتمع. وقد جاءت أصول هذا الباب في القرآن الكريم والسنة النبوية، مع ترك مجال للاجتهاد في تفصيل الأحكام وتنزيلها على الوقائع المستجدة، بما يراعي مصالح الناس وأعرافهم المشروعة. ومن أبرز صور المعاملات: البيع، والإجارة، والمزارعة، والشركة، والحوالة، والكفالة، والشفعة، والرهن ( ). ولا يقتصر نطاق المعاملات على التصرفات المالية، بل يمتد إلى تنظيم الروابط الأسرية وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما اصطلح الفقهاء المتأخرون على تسميته بالأحوال الشخصية. وتشمل أحكام الأسرة ما يتعلق بتكوينها واستمرارها وانحلالها، من أحكام الزواج والطلاق، وما يتصل بذلك من بعض الحقوق والالتزامات الأسرية.( )

ومنها الأحكام المدنية المنظمة للمعاملات المالية وحفظ الحقوق، كالبيع والرهن والمداينات، والأحكام الجنائية المتمثلة في الحدود والقصاص والتعزير، صيانةً للدين والنفس والعرض والعقل والمال. كما تشمل أحكام القضاء والمرافعات ووسائل الإثبات، والأحكام الدستورية المنظمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والأحكام الدولية التي تضبط علاقات الدولة بغيرها في السلم والحرب، فضلًا عن الأحكام المالية والاقتصادية المتعلقة بالموارد العامة والخاصة والالتزامات المالية.( )
وترتبط بهذه التقسيمات جملة من المزايا والخصائص الكلية التي انفرد بها الفقه الإسلامي؛ وأولها استناده إلى الوحي الإلهي المتمثل في القرآن والسنة وما يتفرع عنهما ومقاصدهما العامة، مما جعله كامل النشأة سوي البنية لاكتمال مبادئه في زمن الرسالة ( ) .كما في قوله تعالى:﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ﴾( )، فلم يبقَ إلا تنزيل الأحكام على الوقائع بما يحقق المصالح المعتبرة شرعًا. ومن أبرز خصائص الفقه الإسلامي كذلك شمول الجزاء وتنوعه؛ إذ يجمع بين الجزاء الدنيوي المترتب على الأفعال الظاهرة، والجزاء الأخروي المرتبط بمراقبة الله تعالى ومحاسبة المكلف على ما ظهر من عمله وما بطن( ) كما لا يقتصر الجزاء على العقوبة، بل يشمل الثواب على امتثال الأوامر والكف عن المحرمات( )، وبذلك يمتاز عن القانون الوضعي الذي ينحصر جزاؤه في النطاق الدنيوي.( )


وتتجلى من مميزات الفقه الإسلامي نزعتُه الجماعية، إذ يوازن بين مصلحة الفرد والجماعة، ويقدّم المصلحة الراجحة عند التعارض، اتساقًا مع القواعد الفقهية المقررة( )، ومنها: « لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»( ) و" إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا"( ). كما تتسم أحكامه بالمرونة المسائل القابلة للاجتهاد، إذ تدور مع عللها ومقاصدها، وتتغير بعض تطبيقاتها بتغير الأعراف والظروف والبيئات، بما يحافظ على قدرتها على استيعاب المستجدات وتحقيق العدل والتوازن بين المصالح الدينية والدنيوية.( ). وخلاصة ما تقدم، يتبين أن الفقه الإسلامي يقوم على منظومة متكاملة من المصادر الشرعية، يتصدرها القرآن الكريم بوصفه الأصل الأول للتشريع، وتأتي السنة النبوية مبينةً لأحكامه ومفصلةً لمجمله ومكملةً لما تقتضيه حاجات التشريع، ثم يسهم الإجماع والقياس في ضبط عملية الاجتهاد ومد أحكام الشريعة إلى الوقائع المتجددة. وقد انعكس تكامل هذه المصادر على طبيعة الفقه الإسلامي، فأكسبه خصائص بارزة، في مقدمتها ربانية المصدر، والشمول، ومراعاة مصالح الفرد والجماعة، والجمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي، فضلًا عن المرونة في المسائل الاجتهادية ومراعاة تغير الأعراف والأحوال في حدود أصول الشريعة ومقاصدها. ومن ثم استطاع الفقه الإسلامي أن يجمع بين ثبات أصوله وقواعده العامة وبين قدرته على استيعاب الوقائع والمستجدات، بما يحقق العدل ويحفظ مصالح العباد في دنياهم وأخراهم.

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

2-1 - وحدة : تع...

2-1 - وحدة : تعميق التخصص من تأطير الأستاذ عيسى شكري تهدف هذه الوحدة الى تمكين المفتش من الإلما...

المطلب الثاني: ...

المطلب الثاني: مصادر الفقه الإسلامي، وميزاته، وخصائصه ممَّا قامت عليه دراستنا آنفًا، تبيّن لنا أن...

ومع ذلك، فإن "ه...

ومع ذلك، فإن "هيئة تحرير الشام" تعتمد على تركيا في إمدادات السلاح، ولذا يتعين عليها مراعاة مصالح أرد...

بالطبع. سأصوغها...

بالطبع. سأصوغها لك بصيغة أكاديمية تصلح **كجواب في مسابقة الدكتوراه**، مع مقدمة إشكالية، عرض منظم، تح...

تقديم القصة للأ...

تقديم القصة للأطفال من خلال معلمة رياض الاطفال عمل فني واتصالي ومهاري وتعليمي كبير عمل تستخدم فيه ال...

أكدت ندوة حقوقي...

أكدت ندوة حقوقية عقدت اليوم بمحافظة مأرب، خطورة توظيف العملية التعليمية والمناهج الدراسية والمراكز ا...

يبرز تاريخ الجز...

يبرز تاريخ الجزائر عدداً كبيراً من العلماء والمصلحين والمفكرين الذين أسهموا في النهضة الدينية والفكر...

بارك عضو مجلس ا...

بارك عضو مجلس القيادة الرئاسي الشيخ عثمان مجلي، الانتصارات الميدانية الكبيرة التي حققتها القوات المس...

مستويات التخطيط...

مستويات التخطيط السياحي يتم التخطيط السياحي في مستويات مختلفة داخل الحكومة وخاصة في المواضيع الشام...

بداية القياس: ي...

بداية القياس: يعود أقدم تاريخ أشار إليه المهتمون بالقياس (Measurement) إلى عام 1816 م في العصور القد...

Dear Ahmad, Tha...

Dear Ahmad, Thank you for your feedback. Although this is a relatively small item, I believe we shou...

The project is ...

The project is organized around three residential towers and shared outdoor facilities. The developm...

أخبار التقنية