Online English Summarizer tool, free and accurate!
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ١. فالتشريع إما أن يكون وحيا إلهيا بالمعنى واللفظ، وإما أن يكون وحيا إليها بالمعنى دون اللفظ، ورسوله هو المبين لشرعه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ٣. وجعل حكمه عن إلهام منه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ٥ فلا شرع إلا ما شرع الله أو ما شرع رسوله، وبانتهاء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى عهد التشريع. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي -ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر في الجاهلية، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وبه جزم ابن اسحاق، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو شهر ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، ثم كان نزول سورة المدثر بعد فترة الوحي، لأن أول المدثر الأمر بالإنذار، أما أول المزمل فهو الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن. وإنما يلتبس عليه التوفيق بين هذه الآيات والواقع التاريخي في نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما في أكثر من عشرين عاما فكيف تجتمع هذه الأعوام في شهر بل في ليلة؟!! وللعلماء في هذا التوفيق مذهبان٥: أما المذهب الأول ويتزعمه ابن عباس فيرى أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيات والواقع، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم". وعلى هذا فالآيات الثلاث أخبرت عن بدء نزول القرآن لا عن نزوله كله. وأنت ترى من خلال هذين المذهبين أن مذهب ابن عباس لا يعطي لشهر رمضان مزية خاصة ذات صلة مباشرة بالأمة المحمدية؛ وقد ذهب ابن إسحاق إلى أنها ليلة السابع عشر من الشهر، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم. هذا بالنسبة إلى ابتداء نزول القرآن. أما بالنسبة إلى آخر ما نزل منه: أ- فقيل: آخر ما نزل آية الربا؛ ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف: آية الربا، فأخبر كل راوٍ عن بعض ما نزل بأنه آخر، وبهذا لا يقع التنافي بينها. وحمل هذا من البراء على أنه آخر ما نزل فيما يتعلق بالمواريث. وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو آخر سورة نزلت كاملة. وقد ذكر الطبري في تأويل هذه الآية أنهم قالوا: لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة٥. بعد ذلك في العام الحادي عشر للهجرة، وهو مقدر بما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، كما أن التوراة أنزلت على موسى، لكونه جامعًا لثمرة كتبه، ومن كلام الراغب يتبين أن القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، وعرف بأنه: كلام الله الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فتحدى به رسول الله العرب وهم أرباب الفصاحة والبيان، {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ٣. وحيث كانت البشرية في أطوار نموها الأولى لا يبهرها شيء كما تبهرها الخوارق الكونية الحسية التي لا مجال فيها للتفكير والنظر ناسب هذا أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة، ليتحقق بعجزهم عنها إيمانهم بأنها من قوة سماوية عليا فوق طاقة البشر. فحيث كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار ولا سبيل للعقل في معارضتها، لأنه آية كونية لا قبل له بها، فيكون هذا اعترافا منه بأنه وحي الله إلى رسوله، ويهتدي إلى سبيل الرشاد، وهذا المعنى هو ما يشير إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله من آمن عليه البشر، حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن، ومثل هؤلاء مع توافر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيلة، فصار القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة، بكل ما يحمله لفظ الإعجاز من معنى. فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه. واحتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من أحكام في غير موضع وبغير أسلوب واحد؛ وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} ٥، وقال جلَّ شأنه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. وهكذا استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات. أو لأنه يبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، حتى يفتح مغاليق القلوب، فجعل القرآن ربيع قلوبهم، ولن يقبل الناس الشريعة إلا إذا صلحت عقيدتهم وآمنوا بالله عز وجل وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته، وإذا رسخت العقيدة في النفس أمكن بناء المجتمع الذي يلتزم في حياته شرع الله في علاقته بربه، وعلاقته بالإنسان، وإذا صح الإيمان بالله تبع ذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والقرآن المكي بسورة وآياته يمثل هذا الاتجاه في إرشاد الناس إلى التفكير في الكون، والإيمان بأن هذا الكون سائر بتدبيره إلى الغاية التي حددها له سبحانه بعلمه وحكمته، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وبيَّن لهم الأصول الكلية في الحلام والحرام أمرًا ونهيًا. فحرم وأد البنات وقتل النفس. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، وما دار بهذا المعنى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط} ٢. كما ورد الأمر بالإنفاق والإحسان، وندد بما حرموه على أنفسهم وخصوا به آلهتهم، وأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه. والتي نزل بها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها في مكة، ودعمًا لأصول الدين التي جاءت بها الرسالات السماوية؛ وكانت اللبنة التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء هذا المجتمع الجديد أن آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث كان الأنصاري يؤثر أخاه المهاجري على نفسه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ١. وقد اتجه التشريع المدني إلى مواجهة هذه العناصر بما يلائمها. بما فيه تحليل لنفسياتهم وبيان لمخاطرهم. وبيَّن ما يجب في المداينة من كتابة أو إشهاد، صيانة للحقوق الإنسانية العامة التي جاءت بها الملل جميعا. وتناول شئون القضاء والحكم بالعدل بين الناس، وخلاصة ذلك أن التشريع في المدينة أقام معالم حياة الأمة الإسلامية في جوانبها المختلفة، فأكمل الله بهذا الدين، فإن المدني يعتبر امتدادا للمكي حيث بني التشريع في المدينة على قواعد التوحيد وأصول الدين التي نزل بها الوحي في مكة. قال الشاطبي: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به من قرب بيان القواعد الشرعية المكية التي إذا انخرم منها كل واحد، ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بنيت على أقسام أفعال المكلفين جملتها، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما أن غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبني عليها،
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ١. وذلك لا يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث انقطع الوحي بوفاته، فالتشريع إما أن يكون وحيا إلهيا بالمعنى واللفظ، وذلك يتمثل في القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون وحيا إليها بالمعنى دون اللفظ، وذلك يتمثل في سنة رسول صلى الله عليه وسلم، فإن لفظ الحديث من كلامه، وإن كان معناه وحيًا؛ لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ٢. فالله وحده هو المشرع، ورسوله هو المبين لشرعه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ٣. وقد أوجب الله طاعة رسوله؛ لأنها من طاعته {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه} ٤. وجعل حكمه عن إلهام منه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ٥ فلا شرع إلا ما شرع الله أو ما شرع رسوله، ولهذا كان للتشريع الإسلامي مصدران أساسيان؛ الكتاب والسنة، وبانتهاء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى عهد التشريع. وقد بين حديث عائشة كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الرؤيا الصالحة كانت أول أمره، ثم حبب إليه الخلاء، حتى جاءه الملك وهو يتعبد في غار حراء؛ فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتنحث فيه -وهو التعبُّد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني: فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} ١ "، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: "زملوني، زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي -ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوَمخرجي هُمْ؟ " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي"، والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما. ووقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فِترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن اسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو شهر ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وبدئ بذلك؛ ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم كان ابتداء وحي اليقظة في رمضان، قال ابن حجر في الفتح: "إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أن نبيء في شهر رمضان". ثم كان نزول سورة المدثر بعد فترة الوحي، وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، قال في حديثه: $"بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ١". والمراد بزملوني: دثروني، وإلا يقتضي ذلك نزول {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل} حينئذ؛ لأن نزولها تأخر عن نزول {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر} بالاتفاق؛ لأن أول المدثر الأمر بالإنذار، وذلك في أول البعثة، أما أول المزمل فهو الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن. وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث آيات بينات تتعلق بنزول القرآن: الأولى في سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} ٢. والثانية في سورة الدخان: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة} ٣. والثالثة في سورة القدر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} ٤. ولا يجد الإنسان تعارضا بين هذه الآيات، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، وإنما يلتبس عليه التوفيق بين هذه الآيات والواقع التاريخي في نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما في أكثر من عشرين عاما فكيف تجتمع هذه الأعوام في شهر بل في ليلة؟!! وللعلماء في هذا التوفيق مذهبان٥: أما المذهب الأول ويتزعمه ابن عباس فيرى أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم نزل ذلك مفرقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفق الحوادث والمقتضيات مدة البعثة، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيات والواقع، فالآيات أخبرت عن نزول القرآن جملة، ولم تخبر عن نزوله تفصيلا، فعن ابن عباس وغيره "أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم". أما المذهب الثاني ويتزعمه الشعبي، فيرى أن أول ما بدئ به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في شهر رمضان في الليلة المباركة "ليلة القدر"، ثم نزل القرآن الكريم تباعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية حياته. وعلى هذا فالآيات الثلاث أخبرت عن بدء نزول القرآن لا عن نزوله كله. ولا يتعارض هذا المعنى مع الواقع. وأنت ترى من خلال هذين المذهبين أن مذهب ابن عباس لا يعطي لشهر رمضان مزية خاصة ذات صلة مباشرة بالأمة المحمدية؛ إذ كان المراد نزول القرآن إلى السماء الدنيا لا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تظهر منة الله على هذه الأمة في شهر رمضان بهذا الفضل، والأقرب في ظهور المنة والفضل ما ذهب إليه الشعبي من بدء النزول في رمضان في ليلة القدر١، وقد ذهب ابن إسحاق إلى أنها ليلة السابع عشر من الشهر، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} ٢. والمراد بيوم التقاء الجمعين يوم التقاء المسلمين والمشركين ببدر، وهو يوم الجمعة ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة، ويوم الفرقان هو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن، وهما متحدان في الوصف، ويوافقان ١٧ رمضان وإن لم يكونا من سنة واحدة، وقد حكى القسطلاني في شرحه على البخاري خلاف العلماء في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة، ومنها القول الذي مال إليه ابن اسحاق، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم. هذا بالنسبة إلى ابتداء نزول القرآن. أما بالنسبة إلى آخر ما نزل منه: أ- فقيل: آخر ما نزل آية الربا؛ لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا، والمراد بها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} ١ الآية. ب- وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه} ٢. الآية. ج- وقيل: آخر ما نزل آية الدين؛ لما روى عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين، والمراد بها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} ٣ الآية. ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف: آية الربا، فآية {وَاتَّقُوا يَوْمًا} فآية الدين؛ لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل راوٍ عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وبهذا لا يقع التنافي بينها. د- وقيل: آخر ما نزل آية الكلالة. فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة} ١ الآية، وحمل هذا من البراء على أنه آخر ما نزل فيما يتعلق بالمواريث. هـ- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم} ٢ إلى آخر السورة. و وعن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح} ٣. وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قال ذلك باعتبار آخر ما نزل في تشريع خاص، أو آخر سورة نزلت كاملة. أما قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} ٤ فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، ويدل ظاهرها على إكمال الفرائض والأحكام، وقد سبقت الإشارة إلى ما روي في نزول آية الربا، والدين، والكلالة، وغيرها، وقد ذكر الطبري في تأويل هذه الآية أنهم قالوا: لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة٥. ونستخلص مما سبق: أن بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصالحة كان على رأس الأربعين من عمره "في شهر ربيع الأول"، وأن أول نزول القرآن كان في شهر رمضان بسورة "اقرأ"، وأن آخر ما نزل على الرأي الراجح كان يوم عرفة بحجة الوداع، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، بعد ذلك في العام الحادي عشر للهجرة، وبوفاته انتهى عهد التشريع الذي بدأ ببعثه صلى الله عليه وسلم، وهو مقدر بما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، نزل عليه القرآن خلالها منجما، وهو المصدر الأول للتشريع، أما السنة فهي المصدر الثاني، ولا ثالث لهما في هذا العهد. [مصادر التشريع في هذا العصر] [أولا: القرآن الكريم] [مدخل] ... [مصادر التشريع في هذا العصر] [أولا: القرآن الكريم] قال الراغب في المفردات: القرآن في الأصل مصدر، نحو كفران، ورجحان، قال الله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه} ١ قال ابن عباس: "إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به". وقد خص بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فصار له كالعلم، كما أن التوراة أنزلت على موسى، والإنجيل على عيسى عليهما السلام. قال بعض العلماء: تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله؛ لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار تعالى إليه بقوله: {تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء} ٢، وقوله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} ٣، وقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج} ٤. ومن كلام الراغب يتبين أن القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، ومعناه في اللغة: الجمع والضم، وقد صار علما بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف الشرع، وعرف بأنه: كلام الله الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ونقل إلينا تواترا؛ لنتعبد بتلاوته وأحكامه، وكان آية دالة على صدقه فيما ادعاه من الرسالة. وقد نزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} ٥، فتحدى به رسول الله العرب وهم أرباب الفصاحة والبيان، فظهر عجزهم، وبهذا قامت الحجة عليهم {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ١، {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ٢، {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ٣. {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين} ٤. وحيث كانت البشرية في أطوار نموها الأولى لا يبهرها شيء كما تبهرها الخوارق الكونية الحسية التي لا مجال فيها للتفكير والنظر ناسب هذا أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة، وأن تكون معجزته فيما نبغ فيه قومه، خارقة لما ألفوه؛ ليتحقق بعجزهم عنها إيمانهم بأنها من قوة سماوية عليا فوق طاقة البشر. وظل الناس يستفيدون برسالات الله التي أخذت بأيديهم إلى مدارج الرقي، ووطأت الأكناف لختم النبوة حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخالدة إلى الناس كافة، وكانت معجزتها معجزة العقل البشري في أرقى تطورات نضجه ونموه. فحيث كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار ولا سبيل للعقل في معارضتها، كمعجزة اليد والعصا لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى، كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر مشرف على العلم معجزةً علميةً تحير العقل البشري وتتحداه إلى الأبد، وهي معجزة القرآن بعلومه ومعارفه، وأخباره الماضية والمستقبلة، فالعقل الإنساني على تقدمه لا يعجز عن معارضته؛ لأنه آية كونية لا قبل له بها، ولكن عجزه لقصوره الذاتي، فيكون هذا اعترافا منه بأنه وحي الله إلى رسوله، وان حاجته إلى الاهتداء له ماسة؛ ليستقيم عوجه وترقى مواهبه. ويهتدي إلى سبيل الرشاد، وهذا المعنى هو ما يشير إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله من آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". رواه البخاري ومسلم. ومن عنده إلمام قليل بتاريخ العرب وأدب لغتهم يدرك العوامل السابقة لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم التي رقت بلغة العرب، وهذبت لسانها، وجمعت خير ما في لهجاتها من أسواق الأدب والمفاخرة بالشعر والنثر، حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن، وما كان عليه العرب من صلف، يعلو بأحدهم على أبناء عمومته أنفا وكبرا، مضرب مثل في التاريخ الذي سجل لهم أياما نسبت إليهم؛ لما أحدثوه فيها من معارك دامية، وحروب طاحنة أشعلها شرر من الكبرياء والأنفة.. ومثل هؤلاء مع توافر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيلة، ويؤججها أتون الحمية، لو تسنى لهم معارضة القرآن الكريم لأثر هذا عنهم، وتطاير خبره في الأجيال، فالقوم قد تصفحوا آيات الكتاب، وقلبوها على وجوه ما نبغوا فيه من شعر ونثر، فلم يجدوا مسلكا لمحاكاته، أو منفذا لمعارضته، بل جرى على ألسنتهم الحق الذي أخرسهم عفو الخاطر عندما زلزلت آيات القرآن قلوبهم، كما أثر ذلك عن الوليد بن المغيرة، وعندما عجزت حيلتهم رموه بقول باهت فقالوا: سحر يؤثر، أو شاعر مجنون، أو أساطير الأولين. ولم يكن لهم بد أمام العجز والمكابرة إلا أن يعرضوا رقابهم للسيوف، فاستسلموا للموت الزؤام، وبهذا ثبت إعجاز القرآن. وعَجْز العرب عن معارضة القرآن مع توافر الدواعي عَجْز للغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها. والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور يظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقيقة العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهو ما أجمله القرآن او أشار إليه, فصار القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة، بكل ما يحمله لفظ الإعجاز من معنى. فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، والحرف الواحد منه في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عن غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية. وهو معجز في بيانه ونَظْمِهِ، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان. وهو معجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود. وهو معجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرا من حقائقها المغيبة. وهو معجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان، وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه. والقرآن أولا وآخرا هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم، وهذا وحده إعجاز١. والقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع، وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، بلغه رسول الله لأمته امتثالا لأمر ربه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ٢، واحتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من أحكام في غير موضع وبغير أسلوب واحد؛ قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} ٣، وقال عز وجل: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ٤، وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} ٥، وقال جلَّ شأنه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ١. وتلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاوةً له وحفظًا ودراسةً لمعانيه وعملًا بما فيه، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا٢. وهكذا استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور، جيلا بعد جيل، من غير تحريف أو تبديل، وذلك مصداق قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ٣. وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها من الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة والمجتهدين المصباحَ الذي يستنبطون في ضوئه أحكام جزئيات الحوادث في كل زمان ومكان، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات. وإنما فصَّل القرآن ما لا بد فيه من التفصيل الذي يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل كما في العقائد وأصول العبادات، أو لأنه يبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرائم. والقرآن الكريم كتاب هداية، يهتدي به من قرأه أو حفظه وتدبر معانيه، واتعظ بما فيه، فتلزمه الحجة، وفي صحيح الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" ١. ولذا كان تدبره واجبًا، حتى يفتح مغاليق القلوب، وتستنير به الأفئدة، ويقود الناس إلى الوقوف عند حدوده، والعمل بما فيه {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه} ٢، وقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ٣. وله من روعة التنزيل وجلال الأحكام والمواعظ ما تتصدع منه الجبال الرواسي، ولكن الله امتَنَّ على عباده، فجعل القرآن ربيع قلوبهم، وجلاء بصائرهم، ونور حياتهم {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه} ٤، وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتن كقطع الليل المظلم"، قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله تبارك وتعالى؛ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم" ٥. وقد نزل القرآن الكريم منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنزل الآية أو الآيات حسب الوقائع والأحداث، وما يريده الله تعالى من تشريع؛ تثبيتًا لفؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبالغة في الإعجاز، وتدرجا في التشريع، وتيسيرا لحفظه وفهمه، ودلالة قاطعة على أنه تنزيل من حكيم حميد٦. أما الكتب السماوية الأخرى: التوراة والإنجيل والزبور، فكان نزولها جملة لا مفرقة. [التشريع في مكة] العقيدة هي لب الأديان السماوية، والأصل الذي ترتكز عليه دعائم الشريعة، ولن يقبل الناس الشريعة إلا إذا صلحت عقيدتهم وآمنوا بالله عز وجل وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، واستيقنوا بعالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء وجنة ونار، وإذا رسخت العقيدة في النفس أمكن بناء المجتمع الذي يلتزم في حياته شرع الله في علاقته بربه، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون والحياة، ولهذا كانت العقيدة أول ما دعا إليه الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ١. وقد اتجه التشريع طوال العصر المكي -قرابة ثلاثة عشر عامًا- إلى إصلاح العقيدة وتعميق جذورها والحفاظ على تطهيرها، وجعل الإسلام الشهادتين "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله" عنوانا لتحقيق العقيدة. ومفتاحا يدخل به الإنسان في الإسلام وتجري عليه أحكامه. فالشهادة بوحدانية الله تتضمن كمال العقيدة في الله وتنزيهه عما لا يليق به والشهادة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم تتضمن التصديق بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر، وتقتضي وجوب المتابعة {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} ٢. {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} ٣. ومنهج الإسلام في الدعوة إلى تلك العقائد يعتمد على الحجة العقلية وذلك بلفت أنظار الناس إلى التفكير في الكون، وتدبر ما فيه من دلائل القدرة وبديع الخلق، وكيف تسير عوالمه المختلفة على نسق محكم، يدل دلالة قاطعة على وجود خالق مدبر لهذا الكون، إذ لا يتأتى أن يكون هذا الإحكام وليد الصدفة، وإذا صح الإيمان بالله تبع ذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والقرآن المكي بسورة وآياته يمثل هذا الاتجاه في إرشاد الناس إلى التفكير في الكون، والنظر في أرضه وسمائه، وما أودع الله فيه من أسراره، وما اشتمل عليه من دقة وإحكام، في وحدة متناسقة لا يعتريها خلل أو اضطراب، مما يوجب التصديق القلبي بوحدانية الخالق المدبر، والإيمان بأن هذا الكون سائر بتدبيره إلى الغاية التي حددها له سبحانه بعلمه وحكمته، وعندئذ يفعل به ما يشاء، مما أشارت إليه كتبه وآياته البينات، ووحيه المنزل، من ظواهر الانحلال والفناء، حيث تكون الدار الآخرة. والقرآن الكريم في العصر المكي يعالج هذه الجوانب، فيخاطب المشركين بالمنطق الفطري في آيات قصيرة المقاطع ناصعة الحجة، تتصل اتصالا وثيقا بمظاهر بيئتهم. {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ١. {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} ١. {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} ... الآيات٢. {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} ٣. {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت} ٤. {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} ١. وإلى جانب هذا، نزل القرآن الكريم في مكة بإبطال ما توارثته الجاهلية من عقائد فاسدة وتقاليد باطلة، وحثهم على مكارم الأخلاق، وتطهير النفس، وبيَّن لهم الأصول الكلية في الحلام والحرام أمرًا ونهيًا. فحرم وأد البنات وقتل النفس. {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} ٦. {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ٧، وهذا يتعلق بحفظ النفس. وورد المكي من القرآن بتحريم الزنا، والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين. {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} ١. وهذا يتعلق بحفظ النسل. وورد فيه تحريم الظلم، وأكل مال اليتيم، والإسراف، والبغي، ونقص المكيال أو الميزان، والفساد في الأرض، وما دار بهذا المعنى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط} ٢. وهذا يتعلق بحفظ المال. وشرعت الصلاة في مكة، كما ورد الأمر بالإنفاق والإحسان، وإن لم تشرع الزكاة إلا في المدينة، وأصل مشروعية الصيام كان بمكة؛ حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ويتحنث، ثم صام يوم عاشوراء بعد الهجرة، حتى فرض صوم رمضان بالمدينة. وهذه هي أصول العبادات. ونهى القرآن المكي عن الذبح لغير الله، والتقرب إلى الشركاء، وندد بما حرموه على أنفسهم وخصوا به آلهتهم، وأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه. {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ٣. {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} ٤. وهذا أصل في المطاعم. قال الشاطبي في الموافقات: "اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والتي نزل بها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها في مكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة وإنفاق المال وغير ذلك، ونهى عن كل ما هو كفر أو تابع للكفر، كالإفتراءات التي افتروها من الذبح لغير الله وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها، كالعدول والإحسان، والوفاء بالوعد، وأخذ العفو، والإعراض عن الجاهلين، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر والشكوى ونحوها، ونهى عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء والمنكر، والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرا في دين الجاهلية. وإنما كانت الجزئيات المشروعة بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر". وكثر ذكر قصص الأنبياء في القرآن المكي؛ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عبرةً للمكذبين، ودعمًا لأصول الدين التي جاءت بها الرسالات السماوية؛ ليفيء المشركون إلى الله ويستجيبوا لدعوة رسوله. [التشريع في المدينة] كان حادث الهجرة فاصلًا بين عهدين في تاريخ الإسلام، حيث استقرت العقيدة الإسلامية في نفوس نفر من المهاجرين وأصحاب البيعة من الأنصار، وتكونت النواة الأولى للمجتمع الإسلامي، واتخذت المدينة مستقرا لها، فبدأت الدعوة في طور عملي تنظيمي جديد، واتجه التشريع إلى بناء الأمة وتحديد علاقاتها الاجتماعية، وكانت اللبنة التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء هذا المجتمع الجديد أن آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث كان الأنصاري يؤثر أخاه المهاجري على نفسه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ١. وكانت المدينة بعد الهجرة تضم طوائف شتى: تضم المهاجرين الذين هاجروا من مكة، وخلفوا وراءهم سائر عشيرتهم من المشركين. وتضم الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه ونصروه من الأوس والخزرج، وبين الأوس الأوس والخزرج معارك قديمة طاحنة تحز آثارها الدامية في النفوس. وتضم جماعة من مرضى النفوس، الذين أظهروا الخضوع للإسلام انقيادًا لسطوة الدين الجديد، واستبطنوا الكفر والعداء لهذا الدين، وهم المنافقون. وتضم اليهود الذين أقاموا بيثرب منذ زمن، وقرأوا الكتب المقدسة، ورأوا فيها البشارة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فعز عليهم بعد بعثه أن يذعنوا إليه، إبقاء على سلطانهم الديني، واستعلاء في الأرض {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} ٢. وقد اتجه التشريع المدني إلى مواجهة هذه العناصر بما يلائمها. فاتخذ رباط العقيدة بين المؤمنين بالدين الجديد مهاجرين وأنصارا، أساسا لرباط الأمة الإسلامية، يحل محل رباط الدم في حياة القبيلة، وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من العصبية وجعلها من دعوى الجاهلية: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية" ٣، وقال فيها تلك العبارة المنفرة: "دعوها فإنها منتنة" ٤. وذكر الله أوصاف المنافقين، وحذر منهم في القرآن المدني، بما فيه تحليل لنفسياتهم وبيان لمخاطرهم. أما اليهود فقد نزل القرآن بفضح سريرتهم بكتمان ما أنزل الله، وما ارتكبوا من ظلم من قتلهم الأنبياء، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وما جبلوا عليه من جبن وضعف وخيانة وغدر، حتى قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من ديارهم. وتناول التشريع في المدينة بقية العبادات، وهي الأركان العملية التي يبنى عليها الإسلام، فشرع الله الزكاة والصوم والحج. وتناول شئون التعامل، فأحل الله البيع، وحرم الربا، وبيَّن ما يجب في المداينة من كتابة أو إشهاد، وما يكون من أداء أو إمهال، وأرشد إلى التجارة، ونهى عن أكل الأموال بالباطل. وتناول نظام الأسرة في النكاح، والعشرة في الحياة الزوجية، والطلاق والميراث والوصية. وتناول مشروعية القتال، وفرضية الجهاد، وما يتبع ذلك من عهود، أو فيء، أو غنيمة، أو أسر. وتناول العقوبات على الجرائم الكبرى، صيانة للحقوق الإنسانية العامة التي جاءت بها الملل جميعا. وهي الكليات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعقل. فيما فرض من قصاص أو حد. وتناول شئون القضاء والحكم بالعدل بين الناس، وتحكيم كتاب الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} ١. وخلاصة ذلك أن التشريع في المدينة أقام معالم حياة الأمة الإسلامية في جوانبها المختلفة، وحدد روابطها الاجتماعية وسلطانها السياسي، فكان الإسلام عقيدة وشريعة، ونظامًا متكاملًا للحياة، وكان محمد صلى الله عليه وسلم مؤسسا لدولته، فأكمل الله بهذا الدين، وأتم النعمة. [ارتباط التشريع المدني بالتشريع المكي] لا يستطيع الإنسان أن يفصل بين التشريع المكي والتشريع المدني؛ فإن المدني يعتبر امتدادا للمكي حيث بني التشريع في المدينة على قواعد التوحيد وأصول الدين التي نزل بها الوحي في مكة. قال الشاطبي: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلا لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله. وأول شاهد على هذا أصل الشريعة؛ فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة لما أفسد قبلُ من ملة إبراهيم عليه السلام. ويليه تنزيل سورة الأنعام؛ فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وقد خرج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون، من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة. هكذا قالوا. وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به من قرب بيان القواعد الشرعية المكية التي إذا انخرم منها كل واحد، انخرم نظام الشريعة، أو نقص منها أصل كلي. ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بنيت على أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبين في غيرها تفاصيل لها. كالعبادات التي هي قواعد الإسلام. والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما. والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها. والجنايات من أحكام الدماء وما يليها. وأيضا فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما أن غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبني عليها، وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة" أهـ.
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ١. وذلك لا يكون...
عُقد لقاء تشاوري وتنسيقي بين شركة النفط بعدن ومديري عموم مكاتب التجارة والصناعة في المحافظات الأربع ...
جددت رابطة أمهات المختطفين مطالبتها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا باتخاذ خطوات عاجلة للكشف عن م...
حقُّ الشعوب في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال منذ فجر التاريخ، سعت الشعوب إلى الحرية والكرامة والاستق...
تُحسّن إضافة جسيمات نانوية من كبريتيد الزنك (ZnS) بتركيز 0.4% وزني إلى زيت البارافين من أدائه التشحي...
لم تكن الأسرة المسلمة في يومٍ من الأيام بمنأى عن التحديات، فقد واجهت عبر تاريخها صورًا متعددة من الف...
قام الباحث بتحليل النتائج بأسلوب علمي ومنهجي، مع توظيف الجداول والأشكال البيانية لتوضيح تأثير الجسيم...
أصدر رئيس الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمحافظة أرخبيل سقطرى، عضو...
لم تكن الأسرة المسلمة في يومٍ من الأيام بمنأى عن التحديات، فقد واجهت عبر تاريخها صورًا متعددة من الف...
خامساً: الرأي الشخصي والتحليل النقدي عند قراءة ما يحتويه هذا الكتاب التاريخي، يمكن الوصول إلى ...
التطورية المحدثة ونظرية التحديث أجمع عدد من العاملين في حقل النظرية الاجتماعية وخاصة «جولندر» على أن...
تهدف هذه الوظيفة إلى تغيير المحيط من خلال سياسة الضغط بواسطة المعلومات، كسياسة بعض الدول كالولايات ا...