Online English Summarizer tool, free and accurate!
ان الفساد بلا شك جريمة عالمية. وهذا لا يعود فقط إلى انتشاره عالميا. بمعنى أن سلوكيات فاسدة مختلفة ترتكب في كل دولة. بل وايضا بشكل خاص لان تطورات العولمة تؤدي بشكل متزايد الى تعميم أسباب الفساد، أسهم كل من الترابط العالمي والخطابات النيو ليبرالية عن النمو الاقتصادي والأسواق الحرة والفردانية والاستهلاكية والخصخصة، غير أن الوسائل الشرعية والكافية لتحقيقها ليست متاحة بشكل متكافئ على مستوى العالم(باباس 2000) في حالة يمكن أن يعرفها دوركايم بأنها الشذوذ الاجتماعي ( الأنوميا ) (دوركايم 1897 ص 215). تتيح التقدمات التكنولوجية السريعة وتنقل الأشخاص والأصول والمعرفة، فرصا جديدة لتحقيق هذه الأهداف المادية من خلال مخططات فاسدة و محتالة عبر بلدان مختلفة. ان الإخفاقات الحالية و النواقص في التدابير والتشريعات الوطنية المناهضة للفساد التي تعجز فسيولوجيا عن مواكبة الجرائم المعولمة و غياب نظام فعال و عالمي حقيقي لمنع هذه الجرائم والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها، توفر دوافع و فرص لتطوير مخططات فساد عابرة الحدود. بل غالبا ما يؤثر بشكل متزايد على اكثر من دولة ، أو حتى المجتمع الدولي باسره ، و فضائح الفساد داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، بالإضافة إلى الادلة المتعلقة بالفساد النظامي في الدول النامية ، كلها دلائل واضحة على ذلك. كما تظهر المبادرات الدولية ، مثل القمة العالمية لمكافحة الفساد التي انعقدت في لندن في 12 مايو 2016 ، أن صانعي السياسات يدركون تزايد الطابع المعولم للفساد و ما ينطوي عليه من تبعات مدمرة محتملة. كما ان تشكل المعرفة الراسخة باشكال تجليات هذه الظاهرة ، شرطا ضروريا لاعتماد السياسات والتنظيمات لمواجهتها. فالادبيات المتعلقة بالفساد لا تزال حديثة نسبيا، و من الصعب الحصول على أدلة حول مدى انتشار مخططات الفساد ودينامياتها ، في حسن فإن الاهتمام العام والأكاديمي بالفساد آخذ في الازدياد تدريجيا، ذلك بفضل جهود المنظمات غير الحكومية مثل منظمة الشفافية الدولية او غلوبال ويتنس ، تتطلب مضاعفة الجهود للحفاظ على معرفتنا مواكبة للخصائص المتطورة بسرعة لظاهرة الفساد. فعلى وجه الخصوص ، تكشف دراسة الأبعاد العالمية للفساد عن بعض سماته التي ما تزال غير مستقصاة بالشكل الكافي ، و يهدف هذا الكتاب إلى معالجة ، هذه الفجوة من خلال الاسهام في فهم أعمق للفساد في السياق العالمي، و تعزيز النقاش الأكاديمي و العمومي حوله. و التي أتاحت لنا دراسة بعض السمات الناشئة و المتعولمة للفساد التي تستدعي مزيدا من التحقيق العلمي
تعريف الفساد
من المتعين تحديد موضوع اي دراسة ما قبل الخوض فيه. لذا نسعى هنا الى ضبط مفهوم الفساد باعتباره موضوع تحليلنا. غير أن تعريف الفساد لا يعد مهمة يسيرة ، بل يتطلب معالجة عدد من الإشكاليات. يسلط الضوء في الفصول القادمة على سمات محددة لمفهوم الفساد ، مما يسهم في فهم أشمل لهذه الظاهرة. يمكن دراسة الفساد أما بوصفه ظاهرة اجتماعية ، اي باعتباره كما يتجلى ويلاحظ بشكل ملموس في سلسلة من الممارسات و العلاقات و الشبكات الاجتماعية ، أو ، يركز هذا الكتاب خاصة على دراسة الفساد بوصفه ظاهرة اجتماعية و ذلك لأسباب عدة. او ، بعبارة اخرى ينبغي ان يستند القانون الى معرفة ملائمة بالظواهر التي يسعى الى تنظيمها؛ و لا تشكل قوانين مكافحة الفساد استثناء من ذلك إذ تعد بعض التعريفات القانونية للفساد مثالا واضحا على هذه الاشكالية. و ينظر اليها المجتمع بوصفها فسادا ، كتعينات (الباب الدوار )، قانونية. الا ان هذه الدراسات تثير تساؤلات حول مدى كفاية التعريفات القانونية الحالية في استيعاب الجوانب المعتمدة و المتطورة للفساد ، و مدى قدرة القانون بالتالي على معالجتها. علاوة على ذلك، على الصعيدين الوطني والدولي، و المتاجرة بالنفوذ و الاختلاس ، و استغلال الوظائف. تعتبر كل من، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية القانون الجنائي بشأن الفساد الصادرة عن مجلس أوروبا، إذ لم ترد كلمة فساد إلا مرة واحدة في الفصل الثاني من اتفاقية مجلس أوروبا المخصص لتجريم مخالفات الفساد ، لكن الفساد يتجاوز ذلك، اتفق الباحثون من مختلف التخصصات على أن الفساد، كظاهرة، و التأثيرات و الترتيبات التي قد لا تكون مجرمة قانونا بالضرورة ، على الرغم مما تثيره من ريبة بوصفها أفعال غير قانونية ، و عليه، فإن مفهوم الفساد بوصفه حقيقة اجتماعية لا يتطابق بالضرورة مع مفهومه كبنة قانونية ، لذا يغدو من الضروري الإلمام بالجانب الاول( الاجتماعي ) بعمق ، ليتسنى تقييم الجانب الآخر ( القانوني) و تقويمه عند الاقتضاء. أما السبب الثاني الذي يدعو للتركيز على الفساد كظاهرة اجتماعية بدا من حصره في التكييف القانوني ، يكمن في تطلعنا لفهمه بوصفه قضية عالمية، فالسلوكيات التي تعد مخالفة صريحة للقانون في دول معينة، قد لا تعتبر كذلك في دول اخرى. يذكرنا كل من (بلاكبورن شيفرد وبوتن) أنه في بعض الولايات المتحدة ، إذ يظل نفاذ المعايير الدولية ، في نهاية المطاف ، رهنا بارادة المشرعين الوطنيين. لا تعد جريمة المتاجرة بالنفوذ (ما يعرف بالبيع بالتجول ) جريمة قائمة بذاتها في المملكة المتحدة ، 432 من قانون العقوبات ) او ايطاليا (المادة bis 346 من قانون العقوبات ) ، إذا ما أردنا استيعاب العناصر المعولمة للفساد ، الفساد ما وراء المشروعية :
يتضح مما سلف ذكره، أن الفساد بوصفه ظاهرة اجتماعية ، لا يقتصر على الرشوة فحسب ، بل يتجاوز السلوكيات الاجرامية او غير القانونية ليشمل ممارسات غير اخلاقية قد تكون مشروعة من الناحية التقنية. و مع ذلك يجب علينا الحذر من تقديم تعريف فضفاض للفساد يستوعب كل سلوك مناف للأخلاق ، لذا يتعين علينا تحديد العنصر المميز للممارسات التي نعتبرها مكونة لظاهرة الفساد. يشير الأصل اللغوي اللاتيني لكلمة "corruption" المشتق من cum+ rumpere ، التفسخ او التفكك. و من ثم، فإن الفساد لا يقتصر على كونه خروج عن القانون او الاخلاق ، بل هو تحديدا انتهاك النزاهة. يعتبر مفهوم النزاهة تعبير عصي على التحديد الدقيق. ليس فقط مع منظومته القيمة الاصلية (Ethos) ، وفقا لتعبير " Steven Montago Cairns" ( الفصل 3 ) أو انحراف على التوقعات العامة للامانة ( The Ethos) ، كما عبر عنه "باولا مورا" ( الفصل 16). الفساد هو خيانة (رو) ( الفصل 7). روكس، مورو، كيرنس، وتُقدم رواية "براين كاثكارت" للأحداث التي أدت إلى وقف تحقيق "ليفيسون" الثاني بشأن الصحافة البريطانية أمثلة حية على التواطؤ بين السياسة والصحافة؛ فبالرغم من أن تلك الممارسات قد لا تكون غير قانونية بالضرورة (أو بشكل صريح)، و مما يقتضي الإيضاح أن الفساد لا يقتصر على السلطة العامة فالصلاحيات الممنوحة لجهات خاصة، يمكن أن تُستغل تعسفياً على حدٍ سواء لخدمة مصالح تباين الأغراض التي وُجدت من أجلها. كما توضح بعض الحالات التي استعرضها "إيان روبنسون"، ومن نافلة القول، إن هذه السمة قد استوعبها المشرعون حول العالم جيداً؛ يعتبر قانون الرشوة البريطاني لعام 2010 أن الأداء غير السليم لوظيفة أو نشاط ذي صلة يمثل عنصراً جوهرياً في جريمة الرشوة. أو الرشوة، أو المحسوبية/ المحاباة، أو انتهاك الحقوق الشخصية والديمقراطية للمواطنين. إلا أن تحديد ماهية الفساد في الممارسة العملية أي تحديد ما يشكل فعلياً انتهاكاً للنزاهة وما لا يشكل ذلك قد يكون أمراً في غاية الصعوبة. وفي فصله الذي جاء بعنوان موفق "المنطقة الرمادية"، والتي قد تكون نتاجاً لعدم الكفاءة أو عدم القدرة على التنبؤ بأحداث تقع خارج نطاق النتائج التي خضعت للتجربة المسبقة في ظل تعقيد الأنظمة المالية. وبين الهدايا الباذخة التي ترقى لتكون رشوة صريحة. إن دراسة هذه المناطق الرمادية أمر جوهري لدعم واضعي السياسات والمشرعين في مسعاهم المليء بالتحديات لتحديد ما يجب أن يظل قانونياً، وما يجب أن يصبح غير قانوني، وما يجب تجريمه. يناقش فرصة إدخال جريمة جديدة تتعلق بـ "التلاعب في نتائج المباريات الرياضية" للتمييز بينها وبين الرشوة، الوسائل العالمية و طرق ارتكاب الفساد
على غرار العديد من أشكال الجريمة الأخرى، يُيسَّر الفساد، لا سيما بالتزامن مع حالة تلاشي الحدود الإقليمية للأسواق والأعمال، وتعزز الروابط بين جرائم الفساد وغيرها من الجرائم الأخرى. وفقاً للمصطلحات التي سنوضحها لاحقاً. إن وفرة الممارسات الفاسدة المرتكبة عبر دول مختلفة، يمكن أن تتعلق العالمية إما بآليات ووسائل ارتكاب المخططات الفاسدة أو بآثارها. فيُعد الفساد عابراً للحدود في الحالات التالية: أ) إذا تم ارتكاب المخططات الفاسدة، أو إعدادها، أو التخطيط لها، أو توجيهها، أو السيطرة عليها في أكثر من دولة واحدة. أما فيما يتعلق بالآثار، فيكون الفساد عابراً للحدود في الحالات التالية:
إن لم يكن المجتمع الدولي بأسره. (د) إذا ارتكب الفساد في دولة واحدة ولكن كانت له آثار جوهرية في دولة أخرى. إن تحقق أي من هذه الشروط الأربعة كفيل بجعل الفساد "عابراً للحدود" بطبيعته (انظر: Pasculli, 2012). بينما سنرجئ تناول "عالمية النتائج" إلى وقت لاحق. تسهم نتائج الأبحاث الواردة في فصول هذا الكتاب في توضيح أن الطبيعة العابرة للحدود للفساد تعتمد في الغالب على ثلاثة عوامل: (أ) التفاعل بين أفراد أو كيانات من دول مختلفة. (ج) الصعوبات التي تكتنف منع الجناة العابرين للحدود، والتحقيق معهم، ومقاضاتهم، فعلى سبيل المثال، كان فرع بنك "UBS AG" في لندن، والوسيط السويسري "Value Partners Group AG"، هم الأبطال في قضية ضيافة ترقى إلى حد الرشوة وتتسم بالطابع العابر للحدود تمثلت الضيافة في رحلة سفاري في جنوب إفريقيا للمسؤولين الرئيسيين في "VAP"، وإقامة في فندق فاخر في دبي، وتتضمن حالة أخرى تمويلاً بملايين الدولارات لبرامج تدريبية في كلية كولومبيا للأعمال من قبل شركة "رولز رويس" لصالح شركة الطيران الصينية "CES" المملوكة غالبيتها للدولة. كما تُظهر قرارات مجلس العقوبات التابع للبنك الدولي، والتي حللها كوستانتينو غراسو (الفصل 13)، ويركز الفصل على المشاريع الممولة من قبل البنك الدولي والتي تُنفذ في بلدان أخرى (خاصة الدول النامية)، وتقدم الفصول المتعلقة بالفساد في مجال الأعمال الرياضية أمثلة عديدة أخرى؛ فيما وُصف بأنه "شبكة إجرامية واسعة النطاق" (اليوروبول، كشفت "اليوروبول" وسلطات من 13 دولة مختلفة ما وُصف بأنه شبكة إجرامية ممتدة في مجال التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم، تزداد مخاطر الفساد على نحو حتمي عند انتماء أحد أطراف المعاملات العابرة الحدود الى ثقافة يسود فيها الفساد بشكل خاص. و تسهم نتائج دراسة "بوتون و شيبرد و بلاكبورن " حول أسباب الرشوة في دعم الفكرة التي بحثها اقتصاديون " ديمانت و كريجر و ميريكس ، 2013 ؛ و كيريجر و ردلين ، ومفادها أن العقليات الفاسدة يمكن تصديرها الى (و استغلالها في) دول أخرى ، مما يترتب عنه زيادة الدوافع و الفرص للممارسات الفاسدة (باسكولي ، الفصل 11). من المسلم أن التفاعلات المذكورة آنفاً لم تكن لتتحقق لولا وجود تكنولوجيا الاتصالات والنقل والمعلومات الحديثة. بل إن هذه الوسائل تحولت أحيانا إلى أداة مباشرة للأنشطة الفاسدة. ويتفق كل من "ماثيو هول" و"خوسيه لويس بيريز تريفينيو" (الفصلين 6 و 9) على أن عولمة أسواق المراهنات الرياضية والتي أتاحها تطور الإنترنت والتقنيات المرتبطة بالمراهنة التي تسمح الآن بالمراهنة في أي وقت ومن أي مكان في العالم، قد زادت من مخاطر التلاعب بالفعاليات الرياضية، قام الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بتطبيق نظام إلكتروني إلزامي لجميع الانتقالات الدولية، بما في ذلك الراتب الجديد، وذلك للحد من مخاطر السلوكيات الفاسدة. و تشير نتائج الدراسات الواردة في هذا الكتاب ، و أن العلاقة السببية الإيتيولوجية بين الفساد العابر للحدود وغياب الرقابة الفعالة هي علاقة دائرية إلى حد ما. فمن ناحية، يمثل تعقيد الشبكات والمخططات الإجرامية العابرة للحدود وتملصها عقبة كبرى أمام الوقاية منها والملاحقة القضائية لمرتكبيها. و من جهة اخرى، قد يعد مبدأ الاقليمية التقليدي للولايات القضائية الجنائية ، ويوضح "ماثيو هول" (الفصل 6) أن انخفاض مخاطر التعرض للامتثال والقبض يمثل أحد عوامل الجذب للمراهنات المرتبطة بالإنترنت و التلاعب بالمباريات؛ قد لا يواجهون الملاحقة القضائية مطلقاً، الشمولية:
تقوم خاصية العبر قطاعية (الشمولية) للفساد على الترابط القائم بين المخططات الفاسدة و الانشطة الاجرامية الاخرى، وهو الأمر الذي تعززه بصفة خاصة الصفة العابرة الحدود (باسكولي، 2012). وقد اعترفت الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) بهذا البعد للفساد العالمي، لا سيما الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية، بما في ذلك غسيل الأموال'. تتضح هذه الخاصية من خلال الروابط بين المافيا الآسيوية أو المنظمات الإجرامية الإيطالية والمراهنات غير القانونية في مجال الرياضة، وأخيراً العلاقة بين الاحتيال والفساد في قطاع الرعاية الصحية التي حقق فيها "ميني وبيروزي" و"جيتو" (الفصل 14). و يفتقر بلا شك إلى دراسة كافية، هي الروابط القائمة بين الفساد و أشكال الإجرام العالمي التي لا تصنف ضمن فئة "جرائم الياقات البيضاء" أو الجرائم المالية. والجيش، ومسؤولي المحاكم بما في ذلك المدعون العامون والقضاة، وتُظهرها كعائقًا للفهم الكامل لطبيعة المشكلة، و عليه سبل معالجتها. تقتضي اذن شمولية الفساد تبني مقاربات اجرامية غير مسبوقة لاجراء استكشاف شمولي للروابط القائمة بين مختلف الانشطة الاجرامية التي يكمل و يعزز بعضها بعض ضمن شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة. الآثار العالمية للفساد
فإن البعد العابر للحدود للفساد لا يقتصر على وسائله وطرق ارتكابه فحسب، بل يشمل آثاره المترتبة عليه أيضاً. ينعكس ذلك في تضخيم لحدة الأضرار الناجمة عن الممارسات الفاسدة. إلا أن العديد من حالات الفساد العابر للحدود من شأنها تفضي الى المساس بمصالح دول متعددة، ولتعميق مناقشتنا، سيكون من المفيد أن نميز بين الآثار المباشرة وغير المباشرة. السياسة و الديمقراطية و سيادة القانون
تعد تأكل العمليات الديمقراطية للحكم وصنع السياسات، من أبرز النتائج المباشرة للفساد. وهنتنغتون، والتنمية (باردان، 1965). وتتلخص هذه الآراء بشكل جيد في المقولة البراغماتية للأمير السعودي "بندر" التي اقتبسها "ستيفن مونتاجو كايرنز "(الفصل 2): 'إذا أخبرتني أننا بصدد بناء هذا البلد بأكمله، وأننا أنفقنا 350 مليار دولار من أصل 400 مليار دولار، وأننا أسأنا استخدام أو تورطنا في فساد بـ 50 مليار دولار، 2002). الأسواق والاقتصاد
من خلال استعراضها التاريخي القانوني المستفيض، وكما يذكرنا "كيرنز"، وتؤكد نتائجها وتتكامل مع الرؤية التي طرحها "نيكولاس رايدر"(2014/2016) ، ومفادها أن جرائم الياقات البيضاء كانت عاملاً جوهرياً ساهم في الأزمة المالية لعام 2007/2008. 2018؛ و"توركسن" و"رايدر و"هسلر"، 2015). وكانت الأخيرة منها في المملكة المتحدة أيضاً، إلا أن آثارها ترددت أصداؤها في جميع أنحاء العالم. وقد أدت الأزمة المالية لعامي 2007 و2008، إلى "الركود الكبير"، الذي ألقى بالعديد من الدول في حالة من التدهور الاقتصادي، مما أدى إلى انهيار القطاع المالي العالمي. وفقاً لما أوضحه كل من "فلاناغان" و"ماثيو هو"، أن الشبكة الإجرامية المتورطة في التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم والتي كشفت عنها منظمة "اليوروبول" وسلطات من 13 دولة في عام 2013، قد حققت أرباحاً تجاوزت 8 ملايين يورو، بل تمتد لتشمل رياضات متنوعة؛ مثل كرة السلة، تقدم "فولادفاند" عرضاً عاماً للدراسات التي تدعم الرأي القائل بأن الفساد يمكن أن يقوض حقوق الإنسان بشكل خطير ("بيرسون"، 1995؛ 1997؛ و لتجنب خطر الوقوع في أي من هذين الطرفين النقيضين، يمكننا القول إن التحليل الذي أجريناه حتى الآن، إلا أنه يبدو أنه يصعب إنكار وجود آثار معتبرة، غير مباشرة، للفساد على هذه الحقوق. والتي يمكن أن تتجلى في تآكل الظروف الاجتماعية والسياسية (المشاركة المدنية في السياسة، والعمليات الديمقراطية للتمثيل، و من بين هذه الأمثلة الأثر الذي يمكن أن يحدثه الفساد ، كما توضح"فولادفاند" (الفصل 15). مما يخلف تداعيات سلبية واضحة على الحقوق الفردية في الصحة والحصول على الرعاية الصحية. الأسباب المعولمة للفساد
تعد أسباب الفساد متعددة ومتشابكة، و لاتزال قيد الدراسة، بدلا من الاعتماد الأحادي على نموذج فردي واحد. و بشكل بارز ، يرى كل من "بوتون" و"شيبرد" و"بلاكبورن" (الفصل 8)، الأسباب الظرفية/ الموقعية للفساد
تُحدَّد الأسباب الظرفية للجريمة عمومًا من خلال عنصرين يكمنان في الدوافع والفرص (راجع: "كانتور" و"لاند"، "غرايكار" و"سايدبوتوم"، 2012؛ 2018؛ "كليتغارد"، 1988). ويلاحظ "بوتون" و"شيبرد" و"بلاكبورن" أنه، تكون في الغالب متاحة لعدد محدود من الفاعلين (الفصل 8). وقد سبق أن استعرضنا كيف يمكن لغياب الضوابط الفعّالة على الجرائم العابرة للحدود أن يشكّل دافعًا للفساد، على سبيل المثال من خلال تسهيل الوصول إلى الأموال، والشركاء، تشيرُ تحليلاتُ "روبنسون"،
ان الفساد بلا شك جريمة عالمية. وهذا لا يعود فقط إلى انتشاره عالميا. بمعنى أن سلوكيات فاسدة مختلفة ترتكب في كل دولة. بل وايضا بشكل خاص لان تطورات العولمة تؤدي بشكل متزايد الى تعميم أسباب الفساد، ووسائله، وأشكال ممارسته، وآثاره. أسهم كل من الترابط العالمي والخطابات النيو ليبرالية عن النمو الاقتصادي والأسواق الحرة والفردانية والاستهلاكية والخصخصة، والغاء القيود القانونية في خلق احتياجات ورغبات وموضات جديدة، غير أن الوسائل الشرعية والكافية لتحقيقها ليست متاحة بشكل متكافئ على مستوى العالم(باباس 2000) في حالة يمكن أن يعرفها دوركايم بأنها الشذوذ الاجتماعي ( الأنوميا ) (دوركايم 1897 ص 215). وفي الوقت ذاته، تتيح التقدمات التكنولوجية السريعة وتنقل الأشخاص والأصول والمعرفة، التي تعتبر من سمات العولمة، فرصا جديدة لتحقيق هذه الأهداف المادية من خلال مخططات فاسدة و محتالة عبر بلدان مختلفة. ان الإخفاقات الحالية و النواقص في التدابير والتشريعات الوطنية المناهضة للفساد التي تعجز فسيولوجيا عن مواكبة الجرائم المعولمة و غياب نظام فعال و عالمي حقيقي لمنع هذه الجرائم والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها،توفر دوافع و فرص لتطوير مخططات فساد عابرة الحدود. لم تعد تقتصر الأضرار الناجمة عن الممارسات الفاسدة عن اختصاص قضائي واحد، بل غالبا ما يؤثر بشكل متزايد على اكثر من دولة ، والمنظمات الدولية المختلفة ، أو حتى المجتمع الدولي باسره ، و تعد الامثلة الحديثة ، مثل بتروبراس في البرازيل ، و التحقيقات المتعلقة باحتمال تأثير روسيا في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية ، و فضائح الفساد داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، وبعض الممارسات التي كشفت عنها تسريبات وثائق بنما ، بالإضافة إلى الادلة المتعلقة بالفساد النظامي في الدول النامية ، مثل نتائج منظمة “غلوبال ويتنس” بخصوص قطاع التعدين في أوغندا غلوبال ويتنس 20، كلها دلائل واضحة على ذلك. كما تظهر المبادرات الدولية ، مثل القمة العالمية لمكافحة الفساد التي انعقدت في لندن في 12 مايو 2016 ، أو على الصعيد الاوروبي ، المشروع الرامي الى انشاء شبكة النزاهة الأوروبية التي انطلقت في فيينا في مايو 2018، أن صانعي السياسات يدركون تزايد الطابع المعولم للفساد و ما ينطوي عليه من تبعات مدمرة محتملة. و في هذا السياق ، من الضروري اكتساب معرفة شاملة ومتعمقة بالفساد بوصفه ظاهرة معولمة، كما ان تشكل المعرفة الراسخة باشكال تجليات هذه الظاهرة ، و مصادرها وأسبابها، شرطا ضروريا لاعتماد السياسات والتنظيمات لمواجهتها. فالادبيات المتعلقة بالفساد لا تزال حديثة نسبيا، و من الصعب الحصول على أدلة حول مدى انتشار مخططات الفساد ودينامياتها ، نظرا للطابع السري المعتاد لتلك الممارسات.في حسن فإن الاهتمام العام والأكاديمي بالفساد آخذ في الازدياد تدريجيا، ذلك بفضل جهود المنظمات غير الحكومية مثل منظمة الشفافية الدولية او غلوبال ويتنس ،تتطلب مضاعفة الجهود للحفاظ على معرفتنا مواكبة للخصائص المتطورة بسرعة لظاهرة الفساد. فعلى وجه الخصوص ، تكشف دراسة الأبعاد العالمية للفساد عن بعض سماته التي ما تزال غير مستقصاة بالشكل الكافي ، وهو ما يطرح تساؤلات حول المنهج الواجب اتباعه لسد هذه الفجوة، و يهدف هذا الكتاب إلى معالجة ،ولو جزئية ، هذه الفجوة من خلال الاسهام في فهم أعمق للفساد في السياق العالمي، و تعزيز النقاش الأكاديمي و العمومي حوله. و تنبثق هذه الدراسة من الانشطة البحثية المشتركة لشبكة بحوث الجريمة المالية في جامعة غرب انجلترا و شبكة النزاهة العالمية، و التي أتاحت لنا دراسة بعض السمات الناشئة و المتعولمة للفساد التي تستدعي مزيدا من التحقيق العلمي
تعريف الفساد
من المتعين تحديد موضوع اي دراسة ما قبل الخوض فيه. لذا نسعى هنا الى ضبط مفهوم الفساد باعتباره موضوع تحليلنا. غير أن تعريف الفساد لا يعد مهمة يسيرة ، بل يتطلب معالجة عدد من الإشكاليات. سنقدم في هذا السياق تعريفا اجرائيا اوليا يستند إلى نتائج الدراسات المضمنة في هذا المجلد و إلى الأبحاث السابقة. يسلط الضوء في الفصول القادمة على سمات محددة لمفهوم الفساد ، مما يسهم في فهم أشمل لهذه الظاهرة.
الفساد كظاهرة اجتماعية و كبناء قانوني
يمكن دراسة الفساد أما بوصفه ظاهرة اجتماعية ، اي باعتباره كما يتجلى ويلاحظ بشكل ملموس في سلسلة من الممارسات و العلاقات و الشبكات الاجتماعية ، أو ، كما يقترح "ايان روبنسون "في فصله بوصفه بناءا قانونيا ، أي باعتباره مجموعة من السلوكيات التي يحددها القانون و يصنفها على أنها فاسدة ( وعليه اجرامية وغير قانونية). يركز هذا الكتاب خاصة على دراسة الفساد بوصفه ظاهرة اجتماعية و ذلك لأسباب عدة. اولا من الواضح أن أي ظاهرة هي سابقة منطقية لتنظيمها القانوني. او ، بعبارة اخرى ينبغي ان يستند القانون الى معرفة ملائمة بالظواهر التي يسعى الى تنظيمها؛ فدراسة الظاهرة ضرورية لتخطيط القانون و تصميمه و نقده و إصلاحه. قد تبدو هذه الملاحظة بديهية لولا كثرة الأمثلة حول العالم على قوانين لا تعكس معرفة كافية بموضوعها. و لا تشكل قوانين مكافحة الفساد استثناء من ذلك إذ تعد بعض التعريفات القانونية للفساد مثالا واضحا على هذه الاشكالية. اذ تظهر الدراسات الحديثة أنه في المملكة المتحدة. تعد بعض الممارسات المثيرة للجدل، و ينظر اليها المجتمع بوصفها فسادا ، كتعينات (الباب الدوار )، قانونية. ى لئن كانت هناك مبررات موضوعية و اعتبارات قانونية تدعو لتجنب تجريم او حظر كل سلوك قد يفسر على انه فاسد، الا ان هذه الدراسات تثير تساؤلات حول مدى كفاية التعريفات القانونية الحالية في استيعاب الجوانب المعتمدة و المتطورة للفساد ، و مدى قدرة القانون بالتالي على معالجتها. علاوة على ذلك، فإن التعريفات القانونية للفساد ، على الصعيدين الوطني والدولي، تميل إلى حصر الفساد في دائرة ضيقة من السلوكيات المجرمة ، كالرشوة (الايجابية و السلبية) في القطاعين العام و الخاص، و المتاجرة بالنفوذ و الاختلاس ، و استغلال الوظائف. تعتبر كل من، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية القانون الجنائي بشأن الفساد الصادرة عن مجلس أوروبا، أمثلة جلية على ذلك ، إذ لم ترد كلمة فساد إلا مرة واحدة في الفصل الثاني من اتفاقية مجلس أوروبا المخصص لتجريم مخالفات الفساد ، بينما لم تذكر في الجزء الثالث الموازي لها في اتفاقية الأمم المتحدة في مكافحة الفساد. لكن الفساد يتجاوز ذلك، اتفق الباحثون من مختلف التخصصات على أن الفساد، كظاهرة، لا يقتصر على الرشوة و الجرائم الجنائية الاخرى فحسب بل يمتد ليشمل و يقتات على مجموعة من العلاقات التواطؤ ية ، و التأثيرات و الترتيبات التي قد لا تكون مجرمة قانونا بالضرورة ، الا أنها تفضي إلى سوء استخدام السلطة و تقويض الثقة إعلاء للمصالح الشخصية في بعض النظم القانونية، قد لا تصنف بعض هذه الممارسات، على الرغم مما تثيره من ريبة بوصفها أفعال غير قانونية ، بل مجرد سلوكيات غير اخلاقية. و عليه، فإن مفهوم الفساد بوصفه حقيقة اجتماعية لا يتطابق بالضرورة مع مفهومه كبنة قانونية ، لذا يغدو من الضروري الإلمام بالجانب الاول( الاجتماعي ) بعمق ، ليتسنى تقييم الجانب الآخر ( القانوني) و تقويمه عند الاقتضاء. أما السبب الثاني الذي يدعو للتركيز على الفساد كظاهرة اجتماعية بدا من حصره في التكييف القانوني ، يكمن في تطلعنا لفهمه بوصفه قضية عالمية، إذ تتباين التعريفات القانونية للفساد بتباين النظم القضائية. فالسلوكيات التي تعد مخالفة صريحة للقانون في دول معينة، قد لا تعتبر كذلك في دول اخرى. يذكرنا كل من (بلاكبورن شيفرد وبوتن) أنه في بعض الولايات المتحدة ، يعد تلقي الرشوة التجارية أمرا مشروعا دوما، بينما لا يجرم تقديمها في ولايات أخرى إلا إذا تم دون موافقة الإدارة العليا للعميل. و المثير للاهتمام أن هذه التباينات تظل قائمة حتى في ظل وجود القانون الدولي الذي يسعى لإرساء نوع من المواءمة التشريعية. إذ يظل نفاذ المعايير الدولية ، في نهاية المطاف ، رهنا بارادة المشرعين الوطنيين. على سبيل المثال ، لا تعد جريمة المتاجرة بالنفوذ (ما يعرف بالبيع بالتجول ) جريمة قائمة بذاتها في المملكة المتحدة ، في حين أنها تصنف كفعل مجرم في دول أخرى مثل فرنسا (المادة 11 ، 432 من قانون العقوبات ) او ايطاليا (المادة bis 346 من قانون العقوبات ) ، وذلك استجابة لالتزامات التجريم التي فرضتها كل من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية المجلس الأوروبي للقانون الجنائي بشأن الفساد. و بناءا عليه ، إذا ما أردنا استيعاب العناصر المعولمة للفساد ، فلا بد من تجاوز التعريفات المحلية الضيقة.
الفساد ما وراء المشروعية :
يتضح مما سلف ذكره، أن الفساد بوصفه ظاهرة اجتماعية ، لا يقتصر على الرشوة فحسب ، بل يتجاوز السلوكيات الاجرامية او غير القانونية ليشمل ممارسات غير اخلاقية قد تكون مشروعة من الناحية التقنية. و تعد هذه النقطة منطلقا يعكس المدى الواسع الذي قد يبلغه الفساد ، و مع ذلك يجب علينا الحذر من تقديم تعريف فضفاض للفساد يستوعب كل سلوك مناف للأخلاق ، لئلا يفقد المفهوم قيمته التحليلية ، لذا يتعين علينا تحديد العنصر المميز للممارسات التي نعتبرها مكونة لظاهرة الفساد.
يشير الأصل اللغوي اللاتيني لكلمة "corruption" المشتق من cum+ rumpere ، اي (الكسر الى اجزاء شتى) إلى التحلل ، التفسخ او التفكك. و ينسري هذا المعنى على مختلف اللغات كذلك. إذ يذكرنا (He Jiahong) (الفصل 3) ان الاصل البيولوجي للكلمة الصينية الدالة على الفساد (jubai) يحمل المعنى ذاته تماما. و من ثم، فإن الفساد لا يقتصر على كونه خروج عن القانون او الاخلاق ، بل هو تحديدا انتهاك النزاهة. و على غرار الفساد، يعتبر مفهوم النزاهة تعبير عصي على التحديد الدقيق. غير انه يحيل بوضوح الى فكرة الكلية او الاكتمال لكيان معين. إذ يمكن تعريفه بوصفه الاتساق الداخلي لنظام ما ، ليس فقط مع منظومته القيمة الاصلية (Ethos) ، بل ايضا مع وظائفه البنيوية التي تهدف الى ترسيخ تلك القيم و المصالح. فالفساد هو ،بدقة، تقويض لتلك الوظائف ، وفقا لتعبير " Steven Montago Cairns" ( الفصل 3 ) أو انحراف على التوقعات العامة للامانة ( The Ethos) ، كما عبر عنه "باولا مورا" ( الفصل 16). أي ، الفساد هو خيانة (رو) ( الفصل 7). تنطوي هذه الفكرة على سوء الاستخدام اي التوظيف المتلاعب او المشوه للسلطات أو الامتيازات او الادوات لتحقيق أغراض ومصالح مختلفة عن تلك التي وجدت من اجل تحقيقها. و هذا العنصر التعسفي هو ما يميز الفساد عن غيره من السلوكيات غير القانونية وغير الاخلاقية. و من هنا تبرز مدى فعالية التعريف الشائع للفساد بوصفه "اساءة استخدام السلطة المؤتمنة لتحقيق مكاسب خاصة ". و هو التعريف الذي تبناه العديد من مؤلفي هذا الكتاب (روبنسون، روكس، سي، مورو، كيرنس، مينيني)، وتُقدم رواية "براين كاثكارت" للأحداث التي أدت إلى وقف تحقيق "ليفيسون" الثاني بشأن الصحافة البريطانية أمثلة حية على التواطؤ بين السياسة والصحافة؛ فبالرغم من أن تلك الممارسات قد لا تكون غير قانونية بالضرورة (أو بشكل صريح)، إلا أنها تظل فساداً لكونها تجسد إساءة استخدام السلطة العامة والنفوذ بما يتعارض مع المصلحة العامة. و مما يقتضي الإيضاح أن الفساد لا يقتصر على السلطة العامة فالصلاحيات الممنوحة لجهات خاصة، كالمؤسسات والشركات والبنوك، يمكن أن تُستغل تعسفياً على حدٍ سواء لخدمة مصالح تباين الأغراض التي وُجدت من أجلها. كما توضح بعض الحالات التي استعرضها "إيان روبنسون"، و"ديميلزا هول"، و"ستيفن مونتاجو كيرنز" في فصولهم. ومن نافلة القول، إن هذه السمة قد استوعبها المشرعون حول العالم جيداً؛ فعلى سبيل المثال، يعتبر قانون الرشوة البريطاني لعام 2010 أن الأداء غير السليم لوظيفة أو نشاط ذي صلة يمثل عنصراً جوهرياً في جريمة الرشوة. وفي الصين، كما يذكرنا "هو جياهونج" في الفصل الثالث، يتم تجريم العديد من الممارسات الفاسدة بوصفها "جرائم إخلال بالواجب" أو "جرائم وظيفية" (zhiwu fanzui)، والتي وفقاً للقانون الجنائي الصيني، هي أفعال تتسم بالاستخدام الخاص لامتيازات الوظيفة في الوكالات الوطنية، أو الشركات الوطنية، أو الوحدات التجارية والمشروعات، أو المنظمات الشعبية، لأغراض الاختلاس، أو الرشوة، أو المحسوبية/ المحاباة، أو التقصير في أداء الواجب، أو انتهاك الحقوق الشخصية والديمقراطية للمواطنين.
و رغم الوضوح السطحي لمثل هذا التعريف، إلا أن تحديد ماهية الفساد في الممارسة العملية أي تحديد ما يشكل فعلياً انتهاكاً للنزاهة وما لا يشكل ذلك قد يكون أمراً في غاية الصعوبة. وفي فصله الذي جاء بعنوان موفق "المنطقة الرمادية"، يستكشف "إيان روبنسون" الحدود غير الواضحة بين التضليل المتعمد في البيع وبين سوء عرض المنتجات والممارسات المالية، والتي قد تكون نتاجاً لعدم الكفاءة أو عدم القدرة على التنبؤ بأحداث تقع خارج نطاق النتائج التي خضعت للتجربة المسبقة في ظل تعقيد الأنظمة المالية. وبالمثل، يستقصي "ستيفن مونتاجو كيرنز" (الفصل الثاني) الخيط الرفيع الفاصل بين كرم الضيافة المؤسسي النافع لكن المعقول والمتناسب، وبين الهدايا الباذخة التي ترقى لتكون رشوة صريحة. كما يقدم "كوستانتينو جراسو" (الفصل الثالث عشر) مثالاً آخر على مثل هذه الممارسات من خلال دراسة قضية الرشوة التي شابت "مشروع إصلاح قطاع الصحة" في رومانيا والممول من البنك الدولي. إن دراسة هذه المناطق الرمادية أمر جوهري لدعم واضعي السياسات والمشرعين في مسعاهم المليء بالتحديات لتحديد ما يجب أن يظل قانونياً، وما يجب أن يصبح غير قانوني، وما يجب تجريمه. ففصل "ماثيو هول"، على سبيل المثال، يناقش فرصة إدخال جريمة جديدة تتعلق بـ "التلاعب في نتائج المباريات الرياضية" للتمييز بينها وبين الرشوة، وذلك لتعزيز الردع وتقليل مخاطر الارتباك التفسيري الذي قد يعيق عمليات الملاحقة القضائية والإدانة.
الوسائل العالمية و طرق ارتكاب الفساد
على غرار العديد من أشكال الجريمة الأخرى، يُيسَّر الفساد،بل وغالبًا ما يُمكَّن، بفعل تعدّد صور الترابط التي فتحت افاقها العولمة. فتقنيات النقل والاتصال، لا سيما بالتزامن مع حالة تلاشي الحدود الإقليمية للأسواق والأعمال، تضاعف الوسائل والدوافع والفرص لارتكاب المخططات الفاسدة عبر دول مختلفة، وتعزز الروابط بين جرائم الفساد وغيرها من الجرائم الأخرى. وبعبارة أخرى، أصبح الفساد يتخذ طابعاً عابراً للحدود وعرضياً ، وفقاً للمصطلحات التي سنوضحها لاحقاً.
الفساد العابر للحدود:
إن وفرة الممارسات الفاسدة المرتكبة عبر دول مختلفة، والتي كشفت عنها الأخبار والمنظمات غير الحكومية، تجعل من الطابع العابر للحدود للفساد أمراً بديهياً. ومع ذلك، فمن الملائم تقديم تأطير نظري أكثر عمقاً لهذه السمة. يمكن أن تتعلق العالمية إما بآليات ووسائل ارتكاب المخططات الفاسدة أو بآثارها. أما فيما يخص طرق ووسائل الارتكاب، فيُعد الفساد عابراً للحدود في الحالات التالية: أ) إذا تم ارتكاب المخططات الفاسدة، أو إعدادها، أو التخطيط لها، أو توجيهها، أو السيطرة عليها في أكثر من دولة واحدة. (ب) إذا ارتكبت المخططات الفاسدة في دولة واحدة ولكنها تضمنت مجموعات أو أفراداً يمارسون أنشطة فاسدة في أكثر من دولة واحدة.
أما فيما يتعلق بالآثار، فيكون الفساد عابراً للحدود في الحالات التالية:
(ج) إذا كانت المصالح المتضررة أو المهددة بفعل المخططات الفاسدة مشتركة بين أكثر من دولة، إن لم يكن المجتمع الدولي بأسره. (د) إذا ارتكب الفساد في دولة واحدة ولكن كانت له آثار جوهرية في دولة أخرى.
إن تحقق أي من هذه الشروط الأربعة كفيل بجعل الفساد "عابراً للحدود" بطبيعته (انظر: Pasculli, 2012). وهذا التعريف للعالمية معروف جيداً في سياق الجريمة المنظمة، ومعترف به قانوناً بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الموقعة في باليرمو عام 2000. وسنتناول في هذه الفقرة تحديداً "عالمية الوسائل والارتكاب"، بينما سنرجئ تناول "عالمية النتائج" إلى وقت لاحق.
تسهم نتائج الأبحاث الواردة في فصول هذا الكتاب في توضيح أن الطبيعة العابرة للحدود للفساد تعتمد في الغالب على ثلاثة عوامل: (أ) التفاعل بين أفراد أو كيانات من دول مختلفة. (ب) توظيف تكنولوجيات النقل أو المعلومات أو الاتصالات لتسهيل مثل هذه التفاعلات. (ج) الصعوبات التي تكتنف منع الجناة العابرين للحدود، والتحقيق معهم، ومقاضاتهم، وإدانتهم (نقص "الحراس" القادرين). إن التفاعل بين أفراد من دول مختلفة أمر لا مفر منه في سياق العولمة، بل ويتم تشجيعه من خلال الخطاب النيوليبرالي والطبيعة العولمية للأعمال والتمويل والتجارة. ومن قبيل المصادفة، فإنه في هذه المجالات تحديداً يعمل المال كمحفز قوي للفساد — كما سنرى لاحقاً. وتتعلق بعض الحالات التي حللها "ستيفن مونتاجو-كيرنز" في فصله حول "الضيافة والرشوة" بشركات وهيئات من ولايات قضائية مختلفة. فعلى سبيل المثال، كان فرع بنك "UBS AG" في لندن، وشركة المياه البلدية الألمانية "Kommunale Wasserwerke Leipzig (KWL)"، والوسيط السويسري "Value Partners Group AG"، هم الأبطال في قضية ضيافة ترقى إلى حد الرشوة وتتسم بالطابع العابر للحدود تمثلت الضيافة في رحلة سفاري في جنوب إفريقيا للمسؤولين الرئيسيين في "VAP"، وإقامة في فندق فاخر في دبي، ورحلة على طائرة "كونكورد"). وتتضمن حالة أخرى تمويلاً بملايين الدولارات لبرامج تدريبية في كلية كولومبيا للأعمال من قبل شركة "رولز رويس" لصالح شركة الطيران الصينية "CES" المملوكة غالبيتها للدولة. كما تُظهر قرارات مجلس العقوبات التابع للبنك الدولي، والتي حللها كوستانتينو غراسو (الفصل 13)، تدويل الرشوة والممارسات الفاسدة الأخرى المدفوعة بمشاركة شركات أجنبية، ولا سيما الشركات متعددة الجنسيات التي يقع مقرها الرئيسي في دولة صناعية. ويركز الفصل على المشاريع الممولة من قبل البنك الدولي والتي تُنفذ في بلدان أخرى (خاصة الدول النامية)، حيث يتم استغلال الشركاء المحليين ليصبحوا نقاط اتصال بين المسؤولين الحكوميين والشركات الأجنبية. وتقدم الفصول المتعلقة بالفساد في مجال الأعمال الرياضية أمثلة عديدة أخرى؛ حيث يسلط ماثيو هول الضوء على تحقيقات "اليوروبول" التي كشفت أن مباراة واحدة "متلاعب بنتيجتها" يمكن أن يشارك فيها ما يصل إلى 50 شخصاً موزعين على عشر دول وولايات قضائية مختلفة، فيما وُصف بأنه "شبكة إجرامية واسعة النطاق" (اليوروبول، 2013). وفي عام 2013، كشفت "اليوروبول" وسلطات من 13 دولة مختلفة ما وُصف بأنه شبكة إجرامية ممتدة في مجال التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم، والتي حققت أرباحاً تجاوزت 8 ملايين يورو، وقدمت مدفوعات فاسدة بقيمة 2 مليون يورو لمختلف الأطراف المعنية (اليوروبول، 2013). كما اعتبرت "اليوروبول" المباريات المقيمة في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا الجنوبية والوسطى "مشبوهة". تزداد مخاطر الفساد على نحو حتمي عند انتماء أحد أطراف المعاملات العابرة الحدود الى ثقافة يسود فيها الفساد بشكل خاص. و من ناحية اخرى، قد يصبح هذا الطرف نفسه عرضة سهلة للأفراد عديمي الضمير الذين يسعون لاستغلال نقاط الضعف هذه. و تسهم نتائج دراسة "بوتون و شيبرد و بلاكبورن " حول أسباب الرشوة في دعم الفكرة التي بحثها اقتصاديون " ديمانت و كريجر و ميريكس ، 2013 ؛ و كيريجر و ردلين ، 2014" ، ومفادها أن العقليات الفاسدة يمكن تصديرها الى (و استغلالها في) دول أخرى ، مما يترتب عنه زيادة الدوافع و الفرص للممارسات الفاسدة (باسكولي ، الفصل 11).
من المسلم أن التفاعلات المذكورة آنفاً لم تكن لتتحقق لولا وجود تكنولوجيا الاتصالات والنقل والمعلومات الحديثة. بل إن هذه الوسائل تحولت أحيانا إلى أداة مباشرة للأنشطة الفاسدة. ويتفق كل من "ماثيو هول" و"خوسيه لويس بيريز تريفينيو" (الفصلين 6 و 9) على أن عولمة أسواق المراهنات الرياضية والتي أتاحها تطور الإنترنت والتقنيات المرتبطة بالمراهنة التي تسمح الآن بالمراهنة في أي وقت ومن أي مكان في العالم، قد زادت من مخاطر التلاعب بالفعاليات الرياضية، وحولت المراهنات غير القانونية إلى قضية عالمية بحق. كما أن دراسة الوسائل التكنولوجية للفساد العالمي تعد أمراً أساسياً أيضاً لإيجاد الحلول الممكنة، والتي قد تكون هي الأخرى قائمة على التكنولوجيا. ويوضح "فلاناغان" أنه في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الشفافية، قام الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بتطبيق نظام إلكتروني إلزامي لجميع الانتقالات الدولية، وهو "نظام مطابقة الانتقالات" (TMS)؛ والذي يتطلب من الأندية رفع بيانات اللاعبين ، بما في ذلك الراتب الجديد، ورسوم الانتقال، وتفاصيل الدفع في نظام مركزي. وبطبيعة الحال، وكما يشير "فلاناغان" فيما يتعلق بنظام (TMS)، فإنه حتى التدابير الوقائية التكنولوجية الفعالة يمكن الالتفاف عليها بطرق إبداعية؛ لذا يتطلب على صانعي السياسات والمشرعين مراقبة تطور الوسائل غير المشروعة للالتفاف على هذه التدابير باستمرار، وذلك للحد من مخاطر السلوكيات الفاسدة. وللوهلة الأولى ، قد تبدو صعوبة السيطرة على المخططات الفاسدة العابرة للحدود ( سواء من حيث الوقاية او الملاحقة القضائية ) أثرا ناتجا عن هذا الطابع العابر للحدود ، لا سببا له. و تشير نتائج الدراسات الواردة في هذا الكتاب ، في الواقع ، أن الأمور أكثر تعقيدا مما يبدو ، و أن العلاقة السببية الإيتيولوجية بين الفساد العابر للحدود وغياب الرقابة الفعالة هي علاقة دائرية إلى حد ما. فمن ناحية، يمثل تعقيد الشبكات والمخططات الإجرامية العابرة للحدود وتملصها عقبة كبرى أمام الوقاية منها والملاحقة القضائية لمرتكبيها. ويبرز "بيريز تريفينيو" (الفصل 9) أن إحدى صعوبات الكشف عن حالات التلاعب بالمباريات الرياضية عابرة الحدود تكمن في لامبالاة المنظمات الرياضية أو عدم كفاءتها، فضلاً عن الافتقار إلى فهم كافٍ لتعقيدات أسواق المراهنات في عالم الرياضة. و من جهة اخرى، قد يعد مبدأ الاقليمية التقليدي للولايات القضائية الجنائية ، و التنسيق و التعاون غير الكاملين في المسائل الجنائية كعوامل محفزة من حيث تقويض فاعلية الردع وكفرص لتوسيع نطاق الأنشطة الإجرامية في الخارج؛ إذ يسهل غياب "الحماة الأكفاء" الوصول إلى الأهداف الإجرامية. ويوضح "ماثيو هول" (الفصل 6) أن انخفاض مخاطر التعرض للامتثال والقبض يمثل أحد عوامل الجذب للمراهنات المرتبطة بالإنترنت و التلاعب بالمباريات؛ فالأفراد الذين يضعون مراهناتهم في ولايات قضائية منفصلة ويستفيدون مالياً من "تلاعب" تم في "ويلز"أو" إنجلترا"، قد لا يواجهون الملاحقة القضائية مطلقاً، إما لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي أو بسبب نقص الموارد و هم على دراية بذلك.
الشمولية:
تقوم خاصية العبر قطاعية (الشمولية) للفساد على الترابط القائم بين المخططات الفاسدة و الانشطة الاجرامية الاخرى، وهو الأمر الذي تعززه بصفة خاصة الصفة العابرة الحدود (باسكولي، 2012). وقد اعترفت الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) بهذا البعد للفساد العالمي، حيث أعلنت في الديباجة عن قلقها في شأن 'الروابط القائمة بين الفساد وسائر أشكال الجريمة، لا سيما الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية، بما في ذلك غسيل الأموال'.
تتضح هذه الخاصية من خلال الروابط بين المافيا الآسيوية أو المنظمات الإجرامية الإيطالية والمراهنات غير القانونية في مجال الرياضة، كما بين "بيريز تريفينيو" (الفصل 9)، ومن خلال استخدام القمار غير القانوني في عمليات غسيل الأموال التي أبرزها "ماثيو هول" (الفصل 6)، وكذلك الروابط بين الفساد والجرائم الضريبية والاتجار بالمخدرات التي كشف عنها "فلاناغان" (الفصل 10)، وأخيراً العلاقة بين الاحتيال والفساد في قطاع الرعاية الصحية التي حقق فيها "ميني وبيروزي" و"جيتو" (الفصل 14)." و ما يزال أقل معرفة، و يفتقر بلا شك إلى دراسة كافية، هي الروابط القائمة بين الفساد و أشكال الإجرام العالمي التي لا تصنف ضمن فئة "جرائم الياقات البيضاء" أو الجرائم المالية. و تسهم دراسة "فول أديفاند" حول العلاقة بين الفساد والاتجار بالبشر (الفصل 15) في فهم هذه الروابط، خاصة في إيجاد حلول ملموسة. وتوضح أبحاثها التورط المقلق لأطراف متباينة للغاية بما في ذلك الشرطة، والجيش، ووكالات الزواج والسفر، ومسؤولي الهجرة، ومسؤولي المحاكم بما في ذلك المدعون العامون والقضاة، والمنظمات غير الحكومية والبنوك في ممارسات فاسدة تهدف إلى تسهيل مراحل مختلفة من عمليات الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي. تكشف مثل هذه النتائج عن الطابع المصطنع للحدود المفاهيمية التقليدية بين مختلف أنواع الجرائم، وتُظهرها كعائقًا للفهم الكامل لطبيعة المشكلة، و عليه سبل معالجتها. تقتضي اذن شمولية الفساد تبني مقاربات اجرامية غير مسبوقة لاجراء استكشاف شمولي للروابط القائمة بين مختلف الانشطة الاجرامية التي يكمل و يعزز بعضها بعض ضمن شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة.
الآثار العالمية للفساد
كما قد توقعنا، فإن البعد العابر للحدود للفساد لا يقتصر على وسائله وطرق ارتكابه فحسب، بل يشمل آثاره المترتبة عليه أيضاً. وفي معظم الحالات، ينعكس ذلك في تضخيم لحدة الأضرار الناجمة عن الممارسات الفاسدة. وعلى الرغم من أن بعض المخططات الفاسدة عابرة الحدود كما أشرنا سابقاً قد تخلف آثاراً جسيمة في دولة واحدة محددة، إلا أن العديد من حالات الفساد العابر للحدود من شأنها تفضي الى المساس بمصالح دول متعددة، بل وقد تمس المجتمع الدولي بأسره أو البشرية كلها. ولتعميق مناقشتنا، سيكون من المفيد أن نميز بين الآثار المباشرة وغير المباشرة.
السياسة و الديمقراطية و سيادة القانون
تعد تأكل العمليات الديمقراطية للحكم وصنع السياسات، وإضعاف سيادة القانون والمؤسسات المكلفة بحمايتها، من أبرز النتائج المباشرة للفساد. ويوضح "برايان كاثكارت" في فصله كيف يمكن للعلاقات التواطئية بين السياسة والصحافة أن تقوض جهود تعزيز المسؤولية و اضفاء الطابع الأخلاقي على أهم أدوات الديمقراطية، ألا وهي الصحافة. كما يبرز الفصل الذي أعده "لورينزو باسكولي" حول "بريكست" والنزاهة والفساد إلى أن تدهور معايير النزاهة السياسية والمساءلة الذي لوحظ في المملكة المتحدة أثناء وبعد حملة "المغادرة" والاستفتاء الذي تلاها، يمكن أن يخلف آثاراً عابرة للحدود أيضاً؛ حيث قد يدفع السياسيين في دول أخرى إلى محاكاة ممارسات مريبة (مثل التضليل العلني) و أن يعزز النزعات القومية والشعوبية، وهو ما يؤدي بدوره إلى تقويض التنمية العالمية وحقوق الإنسان (وهذا مثال جيد على الآثار غير المباشرة، كما سنرى لاحقاً). ومن اللافت أن بعض المؤلفين يرون أن الفساد قد يكون مفيداً للمجتمع؛ حيث يستعرض "فول أديفاند" (الفصل 15) بعض الحجج المؤيدة لهذا الرأي، مثل فكرة أن الفساد قد يعزز التحديث (جاثي، 2009؛ وهنتنغتون، 1968)، والكفاءة (بيك وماهر، 1986؛ ولين، 1986)، والتنمية (باردان، 1997)، أو أن الفساد قد يمثل علاجاً لخلل الأداء البيروقراطي (ليف، 1964؛ وهنتنغتون، 1968؛ وليس، 1965). وتتلخص هذه الآراء بشكل جيد في المقولة البراغماتية للأمير السعودي "بندر" التي اقتبسها "ستيفن مونتاجو كايرنز "(الفصل 2): 'إذا أخبرتني أننا بصدد بناء هذا البلد بأكمله، وأننا أنفقنا 350 مليار دولار من أصل 400 مليار دولار، وأننا أسأنا استخدام أو تورطنا في فساد بـ 50 مليار دولار، فسأقول لك نعم.. سأقبل بذلك في أي وقت' (خلف، 2002)."
الأسواق والاقتصاد
يمكن أن يترتب عن الفساد آثار مدمرة، سواء كانت عابرة للحدود أو ذات طابع عالمي، على الأسواق والأعمال والاقتصاد. وقد تكون هذه الآثار جسيمة من حيث امتدادها الجغرافي وحجمها المالي على حد سواء. تشير "ديميلزا هول" (الفصل 12)، من خلال استعراضها التاريخي القانوني المستفيض، إلى أن جرائم الياقات البيضاء التي تشمل ممارسات فاسدة متنوعة، وكما يذكرنا "كيرنز"، فقد صُنفت الرشوة بوصفها جوهر جرائم الياقات البيضاء (غرين، 2007) تُعد أحد الأسباب الكامنة وراء الأزمات المالية الثلاث الكبرى في القرن الماضي؛ وهي: الكساد الكبير، وأزمة الادخار والقروض، ولا سيما الأزمة المالية لعامي 2007 و2008، المعروفة أيضاً بالأزمة المالية العالمية. وتؤكد نتائجها وتتكامل مع الرؤية التي طرحها "نيكولاس رايدر"(2014/2016) ، ومفادها أن جرائم الياقات البيضاء كانت عاملاً جوهرياً ساهم في الأزمة المالية لعام 2007/2008.(انظر أيضاً: "رايدر"، 2018؛ و"رايدر وتوركسن" و"توكر"، 2017؛ و"توركسن" و"رايدر و"هسلر"، 2015). وعلى الرغم من أن الأزمات الثلاث التي عالجتها "هول" بدأت في الولايات المتحدة، وكانت الأخيرة منها في المملكة المتحدة أيضاً، إلا أن آثارها ترددت أصداؤها في جميع أنحاء العالم. وقد أدت الأزمة المالية لعامي 2007 و2008، على وجه الخصوص، إلى "الركود الكبير"، الذي ألقى بالعديد من الدول في حالة من التدهور الاقتصادي، مما أدى إلى انهيار القطاع المالي العالمي. ومن الواضح، أن يسمح كل من الانفتاح الجوهري والترابط بين الأسواق العالمية بانتشار التبعات الاقتصادية السلبية للممارسات الفاسدة المرتكبة في بلد معين إلى بقية أسواق العالم. وثمة مثال نموذجي آخر يتمثل في أثر الممارسات الفاسدة في المشاريع الممولة من قبل البنك الدولي والتي تهدف إلى تعزيز التنمية والمساواة والحد من الفقر. وكما يوضح "كوستانتينو غراسو"، فإن مثل هذه الممارسات من شأنها أن تقوض الأهداف الجديرة لهذه المشاريع، وتدفع بالاقتصادات النامية إلى مزيد من المديونية دون أن توفر أي تنمية اقتصادية تشتد الحاجة إليها. وفقاً لما أوضحه كل من "فلاناغان" و"ماثيو هو"، يتجلى النطاق الجغرافي والحجم المالي للفساد العابر للحدود بوضوح في حالة الجرائم المالية المرتكبة في الأسواق الرياضية. ويستذكر هول، على وجه الخصوص، أن الشبكة الإجرامية المتورطة في التلاعب بنتائج مباريات كرة القدم والتي كشفت عنها منظمة "اليوروبول" وسلطات من 13 دولة في عام 2013، قد حققت أرباحاً تجاوزت 8 ملايين يورو، وقدمت دفعات فاسدة (رشاوي) بقيمة مليوني يورو لمختلف الأطراف المعنية. إن ذات الانفتاح والترابط اللذين يساهمان في انتشار تبعات الفساد عالمياً، يساعدان أيضاً في تفشي السلوكيات الفاسدة نفسها (ومن ثم تفاقم الآثار الضارة) عبر مختلف قطاعات الاقتصاد والأسواق. يلاحظ "بيريز تريفينيو" ، في هذا الصدد، أن "جائحة" التلاعب بالنتائج تخلف آثاراً سلبية ملموسة، حيث إنها لا تنتشر عبر مختلف الدول فحسب، بل تمتد لتشمل رياضات متنوعة؛ مثل كرة السلة، والكريكت، وسباق الخيل، والسنوكر، ومصارعة السومو، والتنس (الفصل 9).
حقوق الانسان
يتمثل أحد الأبعاد الضارة للفساد العابر للحدود في تأثيره على حقوق الإنسان. تقدم "فولادفاند" عرضاً عاماً للدراسات التي تدعم الرأي القائل بأن الفساد يمكن أن يقوض حقوق الإنسان بشكل خطير ("بيرسون"، 2001؛ و"ماورو"، 1995؛ و"برونيتي و"ودر"، 1997؛ و"مو"، 2001)، فضلاً عن مراجعة الأدبيات الأكثر نقدا التي تحذر من الربط بين الفساد وحقوق الإنسان باعتباره نتاجاً للأيديولوجيا وشكلاً من أشكال الإمبريالية الجديدة ("روز-ساندر" و"غودوين"، 2010). و لتجنب خطر الوقوع في أي من هذين الطرفين النقيضين، يمكننا القول إن التحليل الذي أجريناه حتى الآن، الى جانب نتائج الأبحاث الواردة في هذا الكتاب، يشير إلى أنه رغم عدم شيوع اتخاذ الممارسات الفاسدة الملموسة أثراً مباشراً على حقوق الإنسان، إلا أنه يبدو أنه يصعب إنكار وجود آثار معتبرة، غير مباشرة، للفساد على هذه الحقوق. وتعتبر هذه الآثار غير مباشرة، من حيث أنها تمثل نتيجة مترتبة على الآثار الأكثر مباشرة للفساد، والتي يمكن أن تتجلى في تآكل الظروف الاجتماعية والسياسية (المشاركة المدنية في السياسة، والعمليات الديمقراطية للتمثيل، والحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون) والتي تُعد عناصر أساسية للتنفيذ الكامل للحقوق والحريات المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. و من بين هذه الأمثلة الأثر الذي يمكن أن يحدثه الفساد ، لا سيما عندما يتعلق بالاتجار بالبشر، على حقوق المرأة، كما توضح"فولادفاند" (الفصل 15). ومثال آخر يكمن في الضرر الذي يمكن أن يلحقه الفساد والاحتيال بأنظمة الرعاية الصحية، كما بين "ميني" و"لوشياني" و"جيتو" (الفصل 12)، مما يخلف تداعيات سلبية واضحة على الحقوق الفردية في الصحة والحصول على الرعاية الصحية.
الأسباب المعولمة للفساد
تعد أسباب الفساد متعددة ومتشابكة، و لاتزال قيد الدراسة، غير أنها ليست بالضرورة غامضة، إذ نمتلك أدوات علمية تمكننا من فهمها. تشترك في الواقع بعض هذه الأسباب مع أشكال الجريمة المعولمة إذ تتجذر في التطورات العالمية نفسها. و عليه ، يمكن توظيف بعض التفسيرات النظرية العامة للجريمة لتفسير ظاهرة الفساد أيضًا. كما أن تعقيد الفساد بوصفه ظاهرة، يستدعي اعتماد مقاربة تكاملية تجمع بين هذه التفسيرات، بدلا من الاعتماد الأحادي على نموذج فردي واحد. و بشكل بارز ، يرى كل من "بوتون" و"شيبرد" و"بلاكبورن" (الفصل 8)، رغم بعض الفوارق الحتمية، يمكن توظيف النظريات العامة في علم الجريمة كنظرية الأنومي (اللامعيارية) ونظرية التوتر ، ونظرية الضبط، و نظرية الاختلاط التفاضلي، ونظرية التحييد (أو التبرير)، ونظرية الفرص في تفسير ظاهرة الرشوة ضمن إطار مقاربة تكاملية.
الأسباب الظرفية/ الموقعية للفساد
تُحدَّد الأسباب الظرفية للجريمة عمومًا من خلال عنصرين يكمنان في الدوافع والفرص (راجع: "كانتور" و"لاند"، 1985؛ "كولمان"، 1987، 1992؛ "كلارك"، 2016). حيث تمثل الدوافع بناءات رمزية تُعرِّف بعض الأهداف والأنشطة على أنها مرغوبة، في حين تشير الفرص إلى الظروف التي تجعل سلوكيات معيّنة ممكنة أو أكثر إغراءً ("كولمان"، 1987؛ "كلارك"، 2016). وتشمل الفرص، من بين أمور أخرى، غياب الضوابط الكافية و الوصول إلى ضحايا مناسبين، وهو ما يتعزّز غالبًا بفعل موقع السلطة الذي يشغله الجاني ("كوهن" و"فيلسون"، 1979؛ "غرايكار" و"سايدبوتوم"، 2012؛ "غرايكار" و"ماسترز"، 2018؛ "كليتغارد"، 1988).
ويلاحظ "بوتون" و"شيبرد" و"بلاكبورن" أنه، مقارنةً بجرائم الشوارع، تتوافر فرص ظرفية أقل لارتكاب الرشوة ويمكن أن نضيف: للعديد من ممارسات الفساد الأخرى نظرًا لأن الرشوة تتطلب تلاقيًا خاصًا بين أوضاع وموارد ملائمة، تكون في الغالب متاحة لعدد محدود من الفاعلين (الفصل 8). ومع ذلك، يمكن للعديد من مظاهر العولمة أن تعزّز الدوافع وتضاعف الفرص أمام مخططات الفساد العابرة للحدود.
وقد سبق أن استعرضنا كيف يمكن لغياب الضوابط الفعّالة على الجرائم العابرة للحدود أن يشكّل دافعًا للفساد، وكيف تتيح التكنولوجيا فرصًا جديدة للممارسات الفاسدة، على سبيل المثال من خلال تسهيل الوصول إلى الأموال، والشركاء، والضحايا. كما يمكن للتحولات الاجتماعية-الاقتصادية الأعمق أن تولّد بدورها دوافع وفرصًا للفساد.
تشيرُ تحليلاتُ "روبنسون"، على سبيل المثال، إلى أن تعقيد الأسواق العالمية وعدم قابليتها للتنبؤ قد يوفّران فرصًا لممارسات غير نزيهة في القطاع المالي، تستغل نقص فهم العملاء أو محدودية المعلومات المتاحة لهم (الفصل 4). ويناقش فولادفاند العلاقة بين الفساد والاتجار بالبشر وعدم المساواة الاجتماعية، مستحضرًا النظريات التي ترى في الاتجار بالبشر أحد أخطر نتائج اللامساواة الناجمة عن اختلال علاقات القوة على الصعيد العالمي (بارنر و أكيش وكامب، 2014). إذ يستغل المتاجرون بالبشر المهاجرين الذين يعانون فقرًا شديدًا، والذين ينتقلون من بلدان فقيرة إلى مناطق تتوفر فيها فرص اقتصادية (مولاند، 2010 ، ص 834 ؛ قالاغير، 2006 ؛ أشيلي، 2017 ؛ كامبانا، 2017).
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
المستخلص أثر ممارسات إدارة الموارد البشرية في تحقيق التميز المؤسسي دراسة تطبيقية على عينة من بلديات ...
often mixed ordinary speech with paradoxes and puns. The results were strange, comparing unlikely th...
رقابة قضائية حارسة لحقوق القاصر لا أداة لتسهيل ما حظره المشرع أصالةً. انتهى هذا الفصل من مقاربة سلطة...
1. Introduction The telecommunications sector serves as the essential infrastructure of the modern d...
يتضح من خلال هذا الفصل أن المشرع الجزائري نظم مسألة ترشيد القاصر للزواج بهدف تحقيق التوازن بين حماية...
بابا الفاتيكان "لاون الرابع عشر" يعد واحدا من أهم الرموز الدينية على الساحة الدولية، وفي أية دولة يص...
تسهم الدراسة في إضافة المعرفة إلى الدراسات العربية حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على اللغة العرب...
My Life in Spain morning everyone. Today I am going to talk about my life in Spain. Spain is a bea...
When the diabetes steps in the blood sugar levels start to drift out of hands. And for those who are...
إظهار مهارات القيادة في بيئة العمل أظهرت الأخصائية النفسية القيادة المهنية من خلال تنظيم العمل وتحمل...
كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، كان هناك صياد سمك فقير يدعى "عجيب". لم يكن عجيب ...
✨✨✨✨✨✨✨ 📌الرسم المطلوب ١-خلية العصبية ص٣٦ كتابة البيانات ٢-القلب ص ٨٦ ٣- جهاز التناسلي الأنثو...