لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (100%)
بعد قراءة هذا النص قم بكتابة ملخص مكثف يعكس الفكرة المركزية أو الافكار الرئيسية للتأطير النظري هذا، ليس متوقعا ان يتم ذكر التفاصيل وإنما مجرد اعادة صياغة لما تعتقدون يمثل فكرة أو هدف الباحثة من هذا النص واكتب تأملاتك ، ماذا لفتك في النص؟ اي فكرة أو جزئية اثارت اهتمامكم ولماذا؟ ماذا تعلمت بصورة عامة؟ هل وكيف غير هذا النص بعضا من افكاركم ومشاعركم حول الصحة النفسية والمرض النفسي والعلاج؟ " فّسر باتريك وولف 2006 مفهوم الاستعمار الاستيطاني من خلال نقاش ارتباطه بالإبادة الجماعية، فهو لا يعتبر أن الاستعمار الاستيطاني هو ببساطة أحد أشكال الإبادة الجماعية، ففي بعض مواقع الاستعمار الاستيطاني، استطاع السكان الأصليين بصعوبة استيعاب الغزاة ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى أن الابادات الجماعية قد تحصل دون الارتباط بالاستعمار الاستيطاني ويذكر أرمينيا وكامبوديا ورواندا ودارفور مثالاً. وتحدث وولف عن العلاقة بين الابادة الجماعية والنزعة الكولونيالية-الاستيطانية والتي اسماها بمنطق المحو والإلغاء، فاعتبر أن الكولونيالية الاستيطانية قائمة بطبيعتها على الإلغاء والمحو ولكنها ليست مرتبطة في جميع الحالات بالإبادة الجماعية ويفّسر ذلك أنه "على الرغم من أن الحالتين قد تداخلتا -أي أن منطق الإلغاء/المحو في الكولونيالية الاستيطانية قد تجلى احيانا على شكل إبادة جماعية-فإنه يجب التفريق بينهما. فالكولونيالية الاستيطانية قائمة بطبيعتها على الإلغاء والمحو ولكنها ليست مرتبطة بجميع الحالات بالإبادة الجماعية" (Wolfe, هذا يؤكد ويوضح لنا أن الاستعمار الاستيطاني بالضرورة ينتهج ادوات استعمارية ثقافية غير تلك العسكرية بهدف تجريد العلاقة الاستعمارية من صفتها الاستعمارية، ومحو الهوية والحضارة الخاصة للسكان الأصليين. يعّبر نغوكي واثينغو عن الهدف الحقيقي للاستعمار بأنه السيطرة على العالم الكامل للغة الحياة الحقيقية، وبكلمات اخرى السيطرة على ثروة الشعب، وهذا يعني السيطرة على ماذا ينتجون والطريقة التي ينتجون من خلالها والكيفية التي يوزعون فيها الإنتاج. يبدأ الاستعمار بجانبه العسكري، إلا أن الجانب الأكثر أهمية للاستعمار هو العالم الذهني للمستعَمر، والذي يتمثل في الثقافة التي بدورها تحدد رؤيته لذاته وللعالم. السيطرة على الاقتصاد والسياسة لا يمكن أن يحققا الهدف الكولونيالي دون السيطرة على الأدوات التي يتعرف فيها الإنسان على ذاته تجاه الآخرين. اذ ان الاستعمار يُساهم في تشكيل الذوات ورؤاهم وادراكاتهم للعالم والاَخرين، في مقاله يتحدث حسين بولهان 2015 عن التواطؤ بين علم النفس الكلاسيكي والبُنية الاستعمارية، اذ شرع علماء النفس والأطباء النفسيون في فترة الاستعمار بإجراء مقارنات ذات بُعد عرقي بحجم الدماغ واستنتجوا من القياسات المنحازة بطبيعتها أن الأفارقة ينتمون إلى مرحلة تطورية أقل، كما قاموا بدراسة معدل الذكاء المرتبط بثقافتهم وأكدوا أن الأفارقة وذريتهم يظهرون ذكاء أقل مقارنة بالأوروبيين، هذه الأعمال تبرر الاستعمار وربما تهدئ الضمير المضطرب للأوروبيين بشأن العنف الاستعماري. ولم تنته مساهمة علماء النفس والأطباء النفسيين في تبرير الاستعمار، فبعد عام 1960 عندما حصل الأفارقة على الاستقلال الرسمي، تحولت الأدبيات النفسية والطب النفسي الأوروبية من التأكيد على الأفارقة غير الأكفاء بالفطرة إلى التأكيد على معدلات مثيرة للقلق للاكتئاب الجماعي والاضطرابات النفسية الأخرى هذا يشير إلى الادعاءات السابقة بأن "العبيد السود" كانوا غير قادرين بالفطرة على العيش بحرية أو على الأقل بدون سيد أبيض، على الرغم من هذا التاريخ الدنيء، غالبًا ما يُظهر علماء النفس والأطباء النفسيون فقدان ذاكرة جماعي، متجاهلين تواطؤهم مع الاستعمار بأشكاله الفجة(Bulhan, وكما يتواطأ علم النفس الفردي مع البُنى الاستعمارية، تقوم الأخيرة ببناء ارتباطات وثيقة بين خطاباتها وأنظمة الحس والشعور، فقد كان لدى الدول الاستعمارية اهتمام قوي بالمعرفة والسياسة العاطفية، اذ ان الأخيرة ضرورية لبقاء واستمرار البُنى الاستعمارية. أكدت سارة أحمد على وجود هذه العلاقة، قائلة إنه يمكن إعادة وصف مهمة الحضارة التي يتم استعمالها من قبل البُنى الاستعمارية كحجة على أنها مهمة سعادة، يحب أولًا اعتبار المُستَعًمر غير سعيد، اذ يتضمن الجانب الاستعماري للعلاقات مهمة تصوير الآخرين على أنهم غير سعداء. وبالتالي يصبحون أشياء تهدد الجاذبية المشرقة للسعادة، وهكذا تبرر القوى الاستعمارية العنف في سبيل قدسية صنع السعادة (Ahmed, 2010) في دراسة بعنوان "Happiness, beyond its colonialism and privatization" يتحدث الكاتب بوديراي كيف تم تحوير معنى السعادة على المستوى اللغوي والوجداني من قبل الإمبراطورية اليابانية لتبرير الحرب ضد كوريا في عام 1910، وكيف استخدم بعض المدنيين ايضا مصطلح السعادة الوطنية للتعبير عن دعمهم للإمبراطورية اليابانية، ضمن حجة ان الحرب من أجل سعادة الامبراطورية والسلام والفرح، وان هذه هي الطريقة الأمثل ليحل السلام الأبدي والسعادة في كوريا، وقد شجعوا المُستَعمِرون الناس ان يفعلوا ذلك ويتعاونون مع الحرب في سبيل رفاهية البشرية وسعادة كل فرد Boduerae, كما تشير هيلينا نوربيرج 2010 في مقالٍ لها بعنوان "Economics of Happiness" كيف خلقت العولمة الاقتصادية ونشر ثقافة المستهلك مشاعر عدم الكفاءة والدونية خاصة لدى فئة الشباب، تقوم بتتبع تاريخي لمنطقة تدعى Little Tibet وهي منطقة تقع أعلى قمة هضبة التبت، وقد كانت هذه المنطقة غير متأثرة إلى حد كبير في الاستعمار أو الاقتصاد العالمي، كونها معزولة جُغرافيا لأسباب سياسية من قرون عديدة، وقد وجدت نوربيرج أن سكان هذه المنطقة أكثر الأشخاص سعادة بين من قابلتهم في حياتها، ولاحظت انهم يتسمون بالقناعة وبتقدير ذات عميق. فتحت الحكومة الهندية هذه المنطقة لاستيراد المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والسياحة والإعلام والتعليم الغربي، وكل تلك الحجج الأخرى التي تُدرج على أنها عملية "تنمية". وأصبحت Little Tibet صورة معمقة للثقافة الاستهلاكية الحضرية، وأصبح العمل في الحقول وتوفير الاحتياجات الخاصة للفرد مظهر متخلف وبدائي، وقد كانت فئة الشباب بشكل خاص متأثرًة، اذ استسلمت سريعًا للشعور بعدم الأمان ورفض الذات (Norberg, وهكذا تعتقد ان كل بلد صناعي هو أرض خصبة لهذه الإشكالات والاضطرابات النفسية، تشير التقديرات إلى أن مليون شاب يرفضون مغادرة غرف نومهم - أحيانًا لعقود - في ظاهرة تعرف باسم "هيكيكوموري". نسبة متزايدة من الفتيات لديهن إحساس عميق للغاية بعدم الرضا عن مظهرهن الخارجي، فهن يقعن ضحية لفقدان الشهية والشره العصبي أو الخضوع لجراحة تجميلية باهظة الثمن. وتنوه نوربيرج إلى أنه في كثير من الأحيان يتم النظر إلى علامات الانهيار هذه على أنها "طبيعية"، اذ نفترض أن الاكتئاب بلاء عالمي، أي أن المراهقين هم بطبيعتهم غير راضيين بشأن مظهرهم الخارجي، والمنافسة صفات فطرية في الإنسان، ولكن ما يجب النظر إليه أن هناك مليارات الدولارات التي ينفقها المسوقون في استهداف المراهقين وغرس الاعتقاد بأن الممتلكات المادية ستضمن لهم الحب والتقدير الذي يتوقون إليه. اذ تكون الرسالة الأساسية لوسائل الإعلام هي: "إذا كنت تريد أن تُرى، وتُقدَّر وتكون محبوبًا يجب ان يكون لديك ممتلكات مادية متمثلة بالملابس والألعاب، ولكن الحقيقة هي أن الاستهلاك يؤدي إلى مزيد من المنافسة والحسد، مما يجعل المراهقين أكثر عزلة وانعدامًا للأمان وغير سعداء، مما يؤجج المزيد من الاستهلاك المحموم في حلقة مفرغة. وهكذا تستغل الثقافة الاستهلاكية العالمية حاجة الإنسان الأساسية للحب ويحولها إلى جشع لا يشبع(Norberg, لذلك يمكن القول ان أحد أهداف توطيد الرأسمالية والليبرالية الجديدة والثقافة الغربية في قوة موحدة ومعولمة للاقتصاد، وفرض سيطرته على قيم وأيديولوجية المُستَعمَر، وأن هذه الأنظمة مترابطة مع مجموعة مشتركة من القوانين والأسواق والمعايير النقدية الدولية التي تصاغ من قبل مؤسسات تبدو محايدة، لذلك فإن مؤشرات السعادة والرفاهية في العالم الاستعماري هي كمية ونوعية السلع المادية المستوردة التي يستهلكها الناس والمنازل التي يعيشون فيها، تعد تحليلات فرانز فانون في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" القائلة انه عندما يكون هناك الكثير من التركيز على النزعة الفردية والسلوك الاستهلاكي التي يغرق فيها الفرد بتلبية احتياجاته، يعتقد المُستَعمَرون أنهم يسيرون بسعادة نحو الازدهار، في حين أن ذلك يجعل التحرير أكثر تعقيدًا وصعوبة (Fanon, ويُمكن تفسير ذلك بأن وعي المُستَعمَر يكون في حالة من الاستلاب، وقد أدرك مصطفى حجازي هذا، وحدثنا عن المشاعر التي تُسيطر على سيكولوجية الإنسان المُستَعمَر، وأشار الى تذويت القمع في ظل وجود الشرط الاستعماري، ففي كتابه مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، يستدخل القهر للدرجة التي تجعله يُمارسه على نفسه، وأن هذا أشد أنواع القهر وأكثرها خطورة، اذ يشعر الإنسان في هذه المرحلة بالاستلاب، اذ لا يتعامل مع ذاته كانسان أو ككيان وجودي. فإن هدر الطاقات وهدر الوعي وهدر الفكر، تولد مآزق وجودية كبرى يصعب على الإنسان تحمل قلق وذعر مجابهة جحيمها، لذلك يختل توازنه الوجودي (حجازي، هذا يتوافق مع ما لاحظه باولو فريري، وأنه يُذوت هذا القهر والقمع الذي يتعرض له ويُعيد انتاجه بالعنف والفوضى والفساد، مُعتقدا ان الإنسانية لا تتحقق إلا بتبادل الأدوار مع القاهر (Freire, العلاج النفسي والنيوليبرالية شغل موضوع الصحة النفسية حيزًا كبيرًا في حقول الفلسفة والعلوم الاجتماعية والانسانية على مر العصور، اذ وضع الكثير من الفلاسفة والمفكرين صياغات ومعاني مُختلفة حول هذا المفهوم، مارتن سليجمان، اذ اختص بدراسة المشاعر الإيجابية عامة والسعادة خاصة، وقد نشر كتابًا سنة 2002 تحت عنوان السعادة الحقيقية "Authentic happiness" يجادل من خلاله أن السعادة هي دافع أصيل في النفس البشرية، وتكمن في التركيز على عوامل القوة والسمات المميزة والفاضلة التي يمتلكها الفرد، الأمر الذي تتجلى من خلاله الفلسفة الكامنة وراء علم النفس الإيجابي، الذي يقدم بدوره نموذجًا بديلًا عن علم النفس التقليدي ففي حين يصب الأخير جُلَ اهتمامه بالاضطرابات النفسية والعقلية، يركز الأول على تنمية المشاعر الايجابية، وفي هذا الصدد يقدم مارتن سليجمان نقدًا لاذعًا لنظريات علم النفس التقليدي، مُشيرًا إلى أنها نظريات تشاؤمية بطبعها، 2002). وفي حين كان علم النفس الايجابي مُنهمكًا في نقد المدرسة التحليلية وعلم النفس التقليدي بصفةٍ عامة، كان هو الاَخر أرض خصبة للنقد لما يبثه من مفاهيم نيوليبرالية بطبيعتها، 2011)، ما هي إلا دلالة إخفاقه، وفي هذا الصدد يرى لايارد 2010 أن العلاج السلوكي المعرفي يتقاطع مع سياسات الرفاهية والعمل، فكما تزود الأخيرة الأفراد بمهارات تقنية وعملية بغية البقاء في مكان العمل، يحاول العلاج السلوكي المعرفي وعلم النفس الإيجابي تزويد الأفراد بمهارات عاطفية ونفسية لذات الغرض، لهذا يُمكن القول ان لايارد كان أكثر ادراكًا من سليجمان بتقاطع البنية التحتية للفلسفة النيوليبرالية وتدهور مستويات السعادة والرفاهية(Layard, 2010) الأمر الذي يدعونا لتفكيك العلاقة الوثيقة بين علم النفس الفردي -بصيغته الإيجابية والتقليدية على حد سواء- وبين السياسات النيوليبرالية. ولهذا الغرض بالإمكان الاستعانة بالمفكر ميشيل فوكو الذي لطالما وضع العلوم والمعرفة تحت عدسة التشكيك، مُتسائلًا عن دور علاقات القوة في صياغتها، اذ اعتقد فوكو أن الحكومات والسُلطات تطوع العلوم لخدمتها ولا تنفك عن إنتاج معرفة تُعيد بدورها تفعيل علاقات القوة من جديد، ذلك لأن الحقيقة (المعرفة) والسلطة متلازمتان بشكل معقد، وبالتالي فإن محاولة فهم العملية المعرفية خارج علاقات القوة، 1987). اذ أن العملية المعرفية بذاتها ليست محايدة، كما لا يمكن القول ان المعرفة أو الحقيقة يتم إنتاجها بطريقة مجردة دون الالتفات إلى سياق علاقات القوة الموجودة بالضرورة كنتاج طبيعي للعلاقات بين البشر، أو بين البشر والنظام السياسي والاقتصادي المحيط والمقصود بنظام الحقيقة هنا؛ علاقات القوة التي تحدد المعايير والآليات التي يتم استخدامها/مراعاتها لتحديد ما هي الحقيقة، ما يعتبر حقيقة وما يعتبر دون ذلك. والمؤسسات، والشخصيات التي يتم تعريفها على أنها مخولة لتحديد ما يعتبر حقيقة وما ليس كذلك، وعليه، الخاص به، وهو النظام الذي يتم اشاعته وارسائه من خلال الخطاب الذي يتم تبنيه من قبل الأفراد والجماعات، والذي يقبل ويجعل شيء ما حقيقة أو غير حقيقة، أو الاعتراف بحقيقة ما وإنكار أخرى، بالإضافة الى الاعتراف بمن هو المخول لإنتاج الحقائق ومن غير مخول. وذلك من خلال تسليط الضوء على المؤسسات التي شكلت أرضية السُلطة في المجتمع الأوروبي كالسجن والمدرسة ولا سيما المصحات النفسية والعقلية، واعتقد ان مثل هذه المؤسسات هي في حقيقة الأمر محاولة للإقصاء والتصنيف والقولبة والضبط، الأمر الذي يجعل فوكو يطرح دائمًا أسئلة تشكيكية حول معايير المرض والسواء، 1987). فمن خلال التتبع التاريخي للمرض النفسي، يتبين لنا أن الأخير بناء اجتماعي يتشكل، ويتغير تبعًا للسياق والثقافة السائدة فيه، وليس حقيقة وجوده بالضرورة، وهنا يعيدنا فوكو إلى تاريخ المرض النفسي وكيف تعامل عصر ما قبل الحداثة مع كل من يعاني من مرض نفسي، بل تغير شكله، فبعد بروز مدارس تهتم بالمرض النفسي كالنظرية التحليلية لفرويد، أصبح المريض النفسي عُرضة للإقصاء والنبذ ولكن هذه المرة إلى غرف العلاج النفسي، وبهذا يقدم فوكو نقدًا لعلم النفس التقليدي يُوازي نقده لعصر الحداثة، اذ يعتقد ان عملية تشخيص المرض النفسي وفهم سيكولوجية الفرد، تغفل أهمية السياق والاختلاف بين الثقافات، & Robinson, 2019) في كتابها " عصفورية " تعتقد جويل أبي راشد 2020 أنه يمكن كتابة التاريخ بالرجوع إلى أنواع الاضطرابات العقلية التي تسود في مجتمع ما، ولذا نجدها تلحّ على أن هذه المقولة يصحّ إطلاقها على الشرق الأوسط عامة ولبنان خاصة، ذلك أن تاريخ الجنون في بلادنا متصلٌ اتصالاً وثيقاً بتاريخ التقلّبات الاقتصادية والاجتماعية، وما قبلها وما بعدها، وغياب المنطق عن مجرى الأُمور، حوّل البلاد إلى عصفوريّة رحبة وإلى مصحّ عقلي مترامي الأطراف، تقرّ أبي راشد أنّ من الصعب على وجه الدقّة وصف الحالة النفسيّة لمجتمع ما مريض، فعامل الزمن كفيلٌ بتقلّب معايير التشخيص، ناهيك بالنقص الحاصل في الإحصاء، إلا أنها تجد فيما أثارته قضيّة ميّ زيادة ما يستحقّ الوقوف عنده. (Abi-Rached, ساحة الشهداء، وإذا بمصحّات عقلية في فلسطين وسوريا والأردن يُطلق عليها عصفوريات، وإذا بالمنطقة بأسرها عصفورية متجانسة الملامح متناسقة القسمات وإذا بشعوبها المقهورة تتأرجح بين هواجس ووساوس. ويؤكد ايثان وترز هذا، اذ يُشير في كتابه "Crazy like us " إلى مفهوم المرض العقلي بصفته مفهوم اجتماعي يتشكل ضمن مصفوفة من العمليات والظروف الاجتماعية، وعلاقة هذا بقيادة الولايات المتحدة لعولمة شركات الأدوية الناتج عن تسطيح المشهد في النفس البشرية، اذ انه يلغي الفوارق الاجتماعية والحضارية والثقافية للمجتمعات، ويعتبر ان خصائص الفرد الأمريكي هي الغالبة على العالم والتي تتجلى بالنزعة نحو الاستهلاك والرغبة في تحقيق الربح السريع، الأمر الذي يفضح عنصرية الطب النفسي النيوليبرالي وما يحمله من استعمار جديد، ويشير إلى ان هذا التصدير للمفاهيم والممارسات الأمريكية إلى باقي بلدان العالم بهدف توحيد معنى الاضطراب العقلي ما هو إلا حيلة لخدمة الشركات التجارية الكُبرى وتبرئة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي هي في حقيقة الأمر تؤدي إلى ظهور الاضطرابات النفسية والعقلية، وبهذا يبدأ الأشخاص الذي تم تصنيفهم كمرضى عقليين في التخلي عن الوسائل الاجتماعية المجربة والفعالة في معالجة آثار الصدمة النفسية، والاعتماد على وسائل النموذج الاستهلاكي التي تطرحها شركات الأدوية على أنها وسائل متقدمة في معالجة الاضطرابات النفسية، وبهذا تفتح أسواق جديدة لتسويق أدويتها النفسية ومضاعفة أرباحها تحت راية التدخل الأبوي الذي يسعى إلى المساعدة في علاج مجتمعات كانت قادرة بكل كفاءة وقدرة على مواجهة الصعوبات سابقا وتصويرها وكأنها الآن ضحايا سلبية بحاجة إلى التدخل الأبوي لهذه الشركات(Watters, 2010) ففي حين تقوم النيوليبرالية بتخصيص المرافق العامة، وتحرر الأسواق المالية من سلطة الدولة وتلغي المسؤولية الاجتماعية وتعتبر الفرد الفقير أو العاطل عن العمل كسول أو ينقصه حافز للعمل، وبالتالي تولد مشاعر الإحباط والشعور بالذنب والكاَبة، يقوم العلاج النفسي باستغلال هذه الأعراض وتشخيصها كأمراض نفسية تستدعي العلاج بالأدوية ويضمن في نفس الوقت أرباحًا اضافية لشركات الأدوية، وهكذا يتحقق التحالف بين النظام النيوليبرالي والعلاج النفسي النيوليبرالي. وفي الحديث عن العلاقة الوثيقة بين النظام النيوليبرالي وعلم النفس الفردي، تقارن نعومي كلاين في كتابها " عقيدة الصدمة" السياسة الاقتصادية الرأسمالية بالعلاج بالصدمة الذي يستخدمه أطباء نفسيون، والذي بدأ على يد العالم ايوين كاميرون، اذ تم استخدام العلاج بالصدمات الكهربائية بهدف استجواب لصالح المخابرات المركزية في الخمسينات، بهدف كسر ارادة المرضى ومن ثم اعادة برمجتهم، وتحاول كلاين من خلال هذه المقارنة ان تخلق مقاربة، فبعد ان تُصاب البُلدان بصدمات الحروب والهجمات الإرهابية والكوارث الطبيعية، تستغل الأنظمة الخوف والارتباك الناتج عن الصدمة لتمرير العلاج بالصدمة الاقتصادية، وبهذا تعبر كلاين عن حالة من التواطؤ بين ميلتون فريدمان المُنظر الأكبر للرأسمالية وكاميرون طبيب العلاج بالصدمة، فهم يتشاركون في هدفهم بكسب عقول وقلوب الاقتصاديين والنظم الاقتصادية ففي إحدى مقالاته الأكثر تأثيرًا، صاغ فريدمان العقار السري التكتيكي للرأسمالية المعاصرة؛ سواء كانت حقيقية أو متصورة، تنتج تغيرًا حقيقيًا"؛ 2008). "Affluenza "، والذي يعد بمثابة نقد لاذع لسياسات النيوليبرالية، اذ يتهم جيمس الرأسمالية الأنانية بأنها أدت إلى ظهور "فيروس Affluenza" والذي يعرفه بأنه: مجموعة من القيم التي تزيد من تعرضنا للضيق العاطفي. وتتجلى أعراض الإصابة بهذا الفيروس بإعطاء قيمة عالية لاكتساب الأموال والممتلكات، والظهور بمظهر جيد في نظر الآخرين والرغبة في أن يكون الفرد مشهورًا، وهنا يخلق أوليفر جيمس مقاربة بين هذا الفيروس المزعوم وبين فيروس نقص المناعة، فإن الإصابة بفيروس Affluenza تزيد من قابلية الفرد للإصابة بالضيق العاطفي الأكثر شيوعًا: الاكتئاب والقلق (James, 2008). كما يُشير جيل دولوز وغاتاري، إلى ان النظام الرأسمالي يحركه منطق الربح والإنتاجية والمردودية ويُهمش كُل ما من شأنه أن يعيق أو يهدد هذا المنطق، اذ يُقصي كل من مفاهيم الرغبة والحُب والفن بعيدًا عن الحيز العام، أما الخارج؛ أي المعمل والشارع والمدرسة، اذ أن ما يهم الرأسمالي هو "آلة الاستغلال"، أي يَدَاكَ إذا كنت عامل، وقدرتك على الإقناع إذا كنت مُحاميًا، فإنه لا يهم النظام الرأسمالي ولا يريد أن يسمع به )1977, Deleuze & Guitar. ولهذا يتم تطويع علم النفس الفردي كأداة لخلق "الفصام" وولادة "المجنون" و"الممتنع عن التصنيف" أي بكلمات أخرى خلق الشخص الذي يأبى ان ينجرف مع تيار النظام عن طريق وضع نموذجًا للسواء وتحديد ما هي معايير السواء، وتحويل آلام الناس وقصصهم إلى مشكلة فنية يمكن قياسها عن طريق استبانة مُعدة مُسبقًا، ناهيك عن كونه يُلَوِم " الضحية " ويحملها مسؤولية مشاكلها بدون قراءة جذور هذه المشاكل التي تنبع من داخل النظام نفسه. فهو يعتمد على الطابع الطبي والمادي في التشخيص و"العلاج"، الأمر الذي يحول دون عملية "التغيير"، بل أكثر من ذلك تصبح الخدمات النفسية في هذا السياق " أفيون" ينشره النظام الرأسمالي الذي لا ينفك عن تطويع الأشخاص واخضاعهم لسيطرته عن طريق إقناعهم بأن المشكلة تكمن فيهم وان عليهم ان يتكيفوا معه، وبهذا يكون "العلاج" ما هو إلا محاولة لقلب الحقيقة والتنكر لأصل المشكلة وعقبة في وجه التحرر والحركة والاشتباك مع الحيز العام، الأمر الذي ينطبق على علم النفس الايجابي الذي يعزز مفاهيم الفردانية والنيوليبرالية، ففي حين يُقصي علم النفس التقليدي المضطرب، يقصي علم النفس الايجابي التعيس والضعيف، اذاً فإن سليجمان الذي ثار على علم النفس التقليدي، بل بقي عالقًا في ذات الجوهر الفرداني والإقصائي بطبعه والذي لا يكف عن بث منطق لوم الضحية(Binkley, عليه يُمكن القول بأن السُلطة تستخدم نفوذها في سبيل تطويع جميع مؤسسات المُجتمع لبث وإعادة إنتاج الخطاب المُهيمن، وضمن هذا المنطق، يمكن فهم كيف يتم اقحام المعالج النفسي في الخطاب النيوليبرالي وتحويله إلى شخص متواطئ مع الأنظمة المهيمنة، عبر الخدمات النفسية التي يقدمها وبهذا فإن العلاج النفسي النيوليبرالي يُحافظ على وجود النظام اللا-عادل، بل أكثر من ذلك انه يثبت أركانه ويقويه، وذلك عن طريق حث المتعالج على التكيف مع النظام. لا يعدّ الربط بين المرض النفسيّ والوضع الاجتماعي-السياسيّ حديثًا البتّة، ففي ستينيات القرن الماضي طوّر الطبيب النفسي الاسكتلندي رونالد ديفيد لينغ نظريته التي أثارت الكثير من الجدل آنذاك. والجنون ليس إلّا ردّ فعلٍ على جنون بيئة الفرد الخارجية التي تحكمها السياسة والمجتمع. بكلماتٍ أخرى، هي تعبيرٌ منطقيّ عن انزعاجٍ داخليّ ما. وأنّ النوبات الذهانية والهلوسات والأوهام التي ترافقهم، هي محاولات لإظهار بعثرة في النفس أو للإشارة إلى فوضى داخلية فيها. 1964). وهم السعادة والعلاج النفسي يُشير غرينبيرغ في كتابه "Manufacturing Depression" إلى أن المُعالجين النفسيين الذين يحثون على التخلص من الاكتئاب، يحثون أيضا على التكيف مع نظرة تشاؤمية لعالم غير عادل، وذلك لأن العلاج النفسي النيوليبرالي يختزل رد فعل الشخص اتجاه مجموعة معقدة من الظروف السلبية كالفقر والبطالة والتشرد والتعذيب، مُتجاهلا ضرورة إصلاح البيئة التي هي في الأساس المسبب الرئيسي للاكتئاب بوسائل ذات طابع اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وبهذا يتم تحوير الطب النفسي في الولايات المتحدة وبلدان أخرى من العالم إلى مهنة يتم فيها فرض مفاهيم طبية ضيقة في تشخيص وعلاج الاكتئاب، 2010) أعد فانون ورقة بحثية يعترض فيها على لجوء الأطباء النفسيين إلى العلاج من خلال الصدمات الكهربائية، معتقدًا انهم بذلك يبحثون عن الحلول الأسهل، انشاء مجموعات علاجية شبيهة بالبيئة الخارجية وعند وصوله للجزائر، وعمله كطبيب في إحدى المؤسسات الطبية، ومجموعة أخرى من الرجال الجزائريين المسلمين، ولقد نجح هذا العلاج مع مجموعة النساء الأوروبيات، وبدأن بالتشافي، بينما فشل مع الرجال الجزائريين، في البداية ظن فانون بأن ذلك نتيجة لكون الأطباء النفسيين لا يستطيعون التحدث باللغة العربية، ولكنه ومع تكرار العلاج مرة تلو الأخرى، وتكرار فشله، الذي يفترض بأن الجزائر فرنسية، وكل ذلك يضع على الجزائري عبء تحمل النظرة الغربية له، والتوافق معها، مما يجعل من بعض الأطباء يضعون افتراضا مفاده: فشل علاج الجزائري هو نتيجة لضعف إرادته، ولكن فانون أدرك خطأ هذا الافتراض، لكي يتجاوز الغرور الأوروبي الذي يطغى على خطاب الطب النفسي (Bulhan, 1985) ، فكان الألم على سوؤه، فعل يستمر بالوجود، ولا يسعى الجزائري لتجاوزه بالخيارات المتاحة أمامه؛ لأن هذه الخيارات كانت المسبب الأول لألمه، فاستخدم المسبب في محاربة النتيجة. تُشير النسوية ساره احمد في كتابها "The promise of happiness" أن هناك صراع سياسي حول الكيفية التي نفسر بها المشاعر الصالحة والسيئة، وتلك تدور بشكل واضح حول سؤال بسيط، ألا وهو: من الذي يفرض مشاعره على الآخر؟ وفي هذا الصدد تؤكد سارة أحمد على ضرورة التمسك بالألم بصفته مُصاحب للوعي النقدي، والنضال ضد السعادة حسب ما يُروج لها على أنها التزام ومسؤولية اتجاه الإحساس الجمعي بالرضا، اذ يتم المُحافظة عليها من خلال محو علامات الاضطهاد والتغاضي عن لحظات التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي والمشاعر المُهملة تحت شعارات البهجة العامة، لذلك يُنظر للنسوية على أنها قاتلة للبهجة، والعنف، والقوة، والامتثال في عالم يستخدم مفهوم "التعددية السعيدة" كتكنولوجيا للوصف الاجتماعي، يمكن أن يكون عائقا، أي أن يتم وصفه على أنه من يعترض طريق سعادة الآخرين، عن طريق اجترار لنقاط مؤلمة، فحين تصبح المرأة نسوية فإنه قد يترتب على ذلك أن تصبح واعية بكم الأشياء التي تدعوها كي تحزن من أجلها، أي أنها أصبحت حزينة حين رفضت بعناد تجاهل ما يحدث من لا-عدالة، وبالتالي فإن شخصية النسوية قاتلة البهجة تصبح منطقية إن وضعناها في سياق النسويات اللواتي ينتقدن السعادة، وضمن هذا المنطق يمكن القول، إن الانخراط في النشاط السياسي والنضال الاجتماعي يعني أن يتورط المرء في صراع ضد خطاب السعادة المسموم (Ahmed, 2010). وفي هذا الصدد، تُبرز لالة خليلي في مقالتها " The Uses of Happiness in Counterinsurgencies" كيفية توظيف اللغة العاطفية في طمس علاقات القوة بين الشعوب المستعمَرَة والمُستَعمِرَة، عن طريق إظهار رغبة المُستَعمِر في مصاحبة المُستَعمَر والتظاهر بفهمه، وتؤكد ان هذه الرغبة ليست بريئة انما هي سياسة تجعل من العاطفة ووعد السعادة أداة لمُكافحة التمرد وطريقةٌ للتحكم بالشعوب المُستَعمَرة وأفعالهم وردات أفعالهم، فهذا يعني أنّ الخيار قد وقع عليهم، وهم بالمقابل اختاروا أن يكونوا أشخاصاً متحضّرين وسعداء، أما من لم يخضع لهذا الخطاب فهو متجهم وبهذا يتم فرض السعادة والحميمية بالقوة على السكان غير المتعاونين، وأخيراً، وتحويلها من "شيءٍ" ليس له قيمةٌ إلى أحد الأسس القانونية التي تجرّم "غياب العاطفة"، حيث أصبح فرضاً على الشعوب الشعورُ بالولاء والحبّ إزاء الحكومة. لذلك فإنّ استخدامات السعادة في مكافحة التمرّد تعكس التعريف المهيمن لها في الفكر النيوليبرالي (Khalili, 2014). ففي إطار منطق الاستعمار الاستيطاني، لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان إلا في سياق فردي ومُجرد(سعدي، الأمر الذي يجعلها مجرد أداة ووسيلة لتحقيق الأهداف النيوليبرالية، الأمر الذي يجعلنا نتعامل بحذر مع وعود السعادة والخطابات الإنسانية بصفتها أداة للتدجين، فإن فقدان الحقوق التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يلغي صفة الإنسانية عنه، بينما فقدان البنية السياسية قادر على فعل ذلك(اَرنت، المتمثلة في فقدان الأوطان والحقوق السياسية (آرنت، 2020). مدينة رام الله وغزو السياسات النيوليبرالية في ظل النزعة العالمية، نحو الليبرالية الجديدة التي أحلت الشركات والمؤسسات مكان الدول، وضخمت إشكالات الهوية على حساب الإشكالات السياسية، ونشرت ثقافة المنظمات الحقوقية التي بدورها تعمل على صياغة شعارات لا سياسية، لم تفلت مدن ومناطق في فلسطين من هذه النزعة، خصوصًا بعد وجود السُلطة التي تعمل بطبيعتها على تخليص الإنسان الفلسطيني من حاجته إلى السياسة وتُحاول ان تجعله مُنخرطًا في زمن ما بعد استعماري وما بعد حداثي، زمنٌ سائل على حد تعبير باومان، ننتقل فيه من صيغة أفراد المُجتمع إلى مجتمع الأفراد (شراد، إلى ظهور جذور ليبرالية جديدة، اذ كانت الأخيرة شرط إطار أوسلو الاقتصادي الذي فرضته السلطة، الأمر الذي جعله أيديولوجية رئيسية في المجالين، السياسي والاقتصادي، علمَا ان القانون الأساسي الفلسطيني المتعلق بالنظام الاقتصادي في فلسطين على أساس مبادئ الاقتصاد الحر، ليضمن ذلك الدور الريادي للقطاع الخاص والنخبة الرأسمالية. وكان المبرر الفلسفي لإطار أوسلو الاقتصادي تحسين مستوى المعيشة للفلسطينيين، وتشجيعهم على المشاركة في عملية السلام، والحفاظ على استدامة السلام بتحقيق مكاسب مالية منه. وكانت الليبرالية الجديدة الفلسطينية تحمل طابع خاص، بسبب ظروف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، فهم يفتقرون إلى السيادة أو السيطرة على الحدود، كما لا يملكون عملة محلية أو سياسة تجارة مستقلة، أو حرية الحركة للعمال أو البضائع (تراكي، 2014). وهُناك العديد من الدراسات التي من شأنها أن توصف تأرجح الحالة الفلسطينية من شكلها الذي يواجه الاستعمار إلى شكل ما بعد استعماري ونيوليبرالي في طبيعته، اذ تتحدث معظم هذه الدراسات عن فترة ما بعد أوسلو، يذهب عبد الرحيم الشيخ الى أن هذه الفترة شهدت اضمحلال متسارع لدور منظمة التحرير الثوري وحلول السلطة الفلسطينية مكانها، التي بدورها شكلت أرضية التحول السياسي نحو "صُنع السلام" وبروز نظام مؤسساتي جديد داخل شبكة المنظمات غير الحكومية في الأراضي المحتلة. اذ تم استبدال العمل التطوعي تدريجيًا بالعمل المهني المأجور، وبذلك أصبح هناك تنافس على التمويل بين المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، والتي كانت تميل سابقا إلى أن تكون مدعومة من قبل الفصائل السياسية والأيديولوجيات المختلفة، وكلها مؤطَّرة في إطار غير سياسي قائم على الحقوق وبناء المجتمع المدني، بدلاً من مواجهة الاحتلال (الشيخ، 2013). وعلى نفس الخط، نجد الطرح في مقالة ساري حنفي وليندا طبر بعنوان "النخبة الثقافية الجديدة المعولمة" أقرب ما يكون لوصف مآل هذه الاتفاقية بدقّة. يجادل الكاتبان كيف مهدّت اتفاقية اوسلو الطريق الى تحويل المجتمع المدني الفلسطيني تدريجيا من كونه جزءاً من الحركة الوطنية المقاومة للاستعمار الى حركة تتبنى خطاب التعايش معه وترتكز على مفاهيم جديدة للمقاومة، وذلك بالتوازي مع إسقاط ورفض خطاب المقاومة المسلَّحة، إذ لعبت السلطة الجديدة كوسيط بين الشعب المستعمَر من جهة، 2006، ص. 73). ومن هذه الزاوية، عمل تصنيف الجهات المانحة والمنظمات الأهلية الدولية للأراضي الفلسطينية على أنها منطقة ما بعد نزاع بدلاً من منطقة نزاع على أحداث تأثير ضخم على المعونة الدولية التي يقدمها المانحون. توسَّع حنفي وطبر في وصف دور هذه المؤسسات والمنظمات الأهلية بالتزامن مع توقيع اتفاقية أوسلو؛ 2006، ص. ومن زاوية أخرى، ففي سنة 1996 راح ياسر عرفات - رئيس منظمة التحرير، وزعيم "فتح"، ورئيس السلطة الفلسطينية في آنٍ معاً- يعمل بصورة منهجية على وضع منظمة التحرير جانباً من أجل، أن يقوّي عود السلطة الفلسطينية. أن قيام دولة فلسطينية بات مرئياً في الأفق، والثاني، أن السلطة الفلسطينية قادرة على الحلول محل منظمة التحرير بصفتها القوة المسيطرة في الحقل السياسي الفلسطيني الجديد. وبمعنى ما، ففي حين كان هدف الحركة الوطنية في الأعوام الأولى هو تحرير فلسطين، تحول الهدف في أواسط سبعينيات القرن العشرين إلى إقامة دولة على أي جزء يمكن تحريره من فلسطين.
النص الأصلي
بعد قراءة هذا النص قم بكتابة ملخص مكثف يعكس الفكرة المركزية أو الافكار الرئيسية للتأطير النظري هذا، ليس متوقعا ان يتم ذكر التفاصيل وإنما مجرد اعادة صياغة لما تعتقدون يمثل فكرة أو هدف الباحثة من هذا النص واكتب تأملاتك ، ماذا لفتك في النص؟ اي فكرة أو جزئية اثارت اهتمامكم ولماذا؟ ماذا تعلمت بصورة عامة؟ هل وكيف غير هذا النص بعضا من افكاركم ومشاعركم حول الصحة النفسية والمرض النفسي والعلاج؟ " فّسر باتريك وولف 2006 مفهوم الاستعمار الاستيطاني من خلال نقاش ارتباطه بالإبادة الجماعية، فهو لا يعتبر أن الاستعمار الاستيطاني هو ببساطة أحد أشكال الإبادة الجماعية، ففي بعض مواقع الاستعمار الاستيطاني، استطاع السكان الأصليين بصعوبة استيعاب الغزاة ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى أن الابادات الجماعية قد تحصل دون الارتباط بالاستعمار الاستيطاني ويذكر أرمينيا وكامبوديا ورواندا ودارفور مثالاً. وتحدث وولف عن العلاقة بين الابادة الجماعية والنزعة الكولونيالية-الاستيطانية والتي اسماها بمنطق المحو والإلغاء، فاعتبر أن الكولونيالية الاستيطانية قائمة بطبيعتها على الإلغاء والمحو ولكنها ليست مرتبطة في جميع الحالات بالإبادة الجماعية ويفّسر ذلك أنه "على الرغم من أن الحالتين قد تداخلتا -أي أن منطق الإلغاء/المحو في الكولونيالية الاستيطانية قد تجلى احيانا على شكل إبادة جماعية-فإنه يجب التفريق بينهما. فالكولونيالية الاستيطانية قائمة بطبيعتها على الإلغاء والمحو ولكنها ليست مرتبطة بجميع الحالات بالإبادة الجماعية" (Wolfe, 2006).
هذا يؤكد ويوضح لنا أن الاستعمار الاستيطاني بالضرورة ينتهج ادوات استعمارية ثقافية غير تلك العسكرية بهدف تجريد العلاقة الاستعمارية من صفتها الاستعمارية، ومحو الهوية والحضارة الخاصة للسكان الأصليين. يعّبر نغوكي واثينغو عن الهدف الحقيقي للاستعمار بأنه السيطرة على العالم الكامل للغة الحياة الحقيقية، وبكلمات اخرى السيطرة على ثروة الشعب، وهذا يعني السيطرة على ماذا ينتجون والطريقة التي ينتجون من خلالها والكيفية التي يوزعون فيها الإنتاج. يبدأ الاستعمار بجانبه العسكري، والديكتاتورية السياسية لاحقاً، إلا أن الجانب الأكثر أهمية للاستعمار هو العالم الذهني للمستعَمر، والذي يتمثل في الثقافة التي بدورها تحدد رؤيته لذاته وللعالم. السيطرة على الاقتصاد والسياسة لا يمكن أن يحققا الهدف الكولونيالي دون السيطرة على الأدوات التي يتعرف فيها الإنسان على ذاته تجاه الآخرين.اذ ان الاستعمار يُساهم في تشكيل الذوات ورؤاهم وادراكاتهم للعالم والاَخرين، في مقاله يتحدث حسين بولهان 2015 عن التواطؤ بين علم النفس الكلاسيكي والبُنية الاستعمارية، اذ شرع علماء النفس والأطباء النفسيون في فترة الاستعمار بإجراء مقارنات ذات بُعد عرقي بحجم الدماغ واستنتجوا من القياسات المنحازة بطبيعتها أن الأفارقة ينتمون إلى مرحلة تطورية أقل، كما قاموا بدراسة معدل الذكاء المرتبط بثقافتهم وأكدوا أن الأفارقة وذريتهم يظهرون ذكاء أقل مقارنة بالأوروبيين، هذه الأعمال تبرر الاستعمار وربما تهدئ الضمير المضطرب للأوروبيين بشأن العنف الاستعماري. ولم تنته مساهمة علماء النفس والأطباء النفسيين في تبرير الاستعمار، فبعد عام 1960 عندما حصل الأفارقة على الاستقلال الرسمي، تحولت الأدبيات النفسية والطب النفسي الأوروبية من التأكيد على الأفارقة غير الأكفاء بالفطرة إلى التأكيد على معدلات مثيرة للقلق للاكتئاب الجماعي والاضطرابات النفسية الأخرى هذا يشير إلى الادعاءات السابقة بأن "العبيد السود" كانوا غير قادرين بالفطرة على العيش بحرية أو على الأقل بدون سيد أبيض، على الرغم من هذا التاريخ الدنيء، غالبًا ما يُظهر علماء النفس والأطباء النفسيون فقدان ذاكرة جماعي، متجاهلين تواطؤهم مع الاستعمار بأشكاله الفجة(Bulhan,2015)
وكما يتواطأ علم النفس الفردي مع البُنى الاستعمارية، تقوم الأخيرة ببناء ارتباطات وثيقة بين خطاباتها وأنظمة الحس والشعور، فقد كان لدى الدول الاستعمارية اهتمام قوي بالمعرفة والسياسة العاطفية، اذ ان الأخيرة ضرورية لبقاء واستمرار البُنى الاستعمارية. أكدت سارة أحمد على وجود هذه العلاقة، قائلة إنه يمكن إعادة وصف مهمة الحضارة التي يتم استعمالها من قبل البُنى الاستعمارية كحجة على أنها مهمة سعادة، ولكي يتحقق ذلك، يحب أولًا اعتبار المُستَعًمر غير سعيد، اذ يتضمن الجانب الاستعماري للعلاقات مهمة تصوير الآخرين على أنهم غير سعداء. وبالتالي يصبحون أشياء تهدد الجاذبية المشرقة للسعادة، وهكذا تبرر القوى الاستعمارية العنف في سبيل قدسية صنع السعادة (Ahmed,2010) في دراسة بعنوان "Happiness, beyond its colonialism and privatization" يتحدث الكاتب بوديراي كيف تم تحوير معنى السعادة على المستوى اللغوي والوجداني من قبل الإمبراطورية اليابانية لتبرير الحرب ضد كوريا في عام 1910، وكيف استخدم بعض المدنيين ايضا مصطلح السعادة الوطنية للتعبير عن دعمهم للإمبراطورية اليابانية، ضمن حجة ان الحرب من أجل سعادة الامبراطورية والسلام والفرح، وان هذه هي الطريقة الأمثل ليحل السلام الأبدي والسعادة في كوريا، وقد شجعوا المُستَعمِرون الناس ان يفعلوا ذلك ويتعاونون مع الحرب في سبيل رفاهية البشرية وسعادة كل فرد Boduerae,2012))
كما تشير هيلينا نوربيرج 2010 في مقالٍ لها بعنوان "Economics of Happiness" كيف خلقت العولمة الاقتصادية ونشر ثقافة المستهلك مشاعر عدم الكفاءة والدونية خاصة لدى فئة الشباب، وكي توضح رؤيتها، تقوم بتتبع تاريخي لمنطقة تدعى Little Tibet وهي منطقة تقع أعلى قمة هضبة التبت، وقد كانت هذه المنطقة غير متأثرة إلى حد كبير في الاستعمار أو الاقتصاد العالمي، كونها معزولة جُغرافيا لأسباب سياسية من قرون عديدة، وقد وجدت نوربيرج أن سكان هذه المنطقة أكثر الأشخاص سعادة بين من قابلتهم في حياتها، ولاحظت انهم يتسمون بالقناعة وبتقدير ذات عميق. ولكن في سنة 1975، فتحت الحكومة الهندية هذه المنطقة لاستيراد المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والسياحة والإعلام والتعليم الغربي، وكل تلك الحجج الأخرى التي تُدرج على أنها عملية "تنمية". وأصبحت Little Tibet صورة معمقة للثقافة الاستهلاكية الحضرية، وأصبح العمل في الحقول وتوفير الاحتياجات الخاصة للفرد مظهر متخلف وبدائي، وقد كانت فئة الشباب بشكل خاص متأثرًة، اذ استسلمت سريعًا للشعور بعدم الأمان ورفض الذات (Norberg,2010). وهكذا تعتقد ان كل بلد صناعي هو أرض خصبة لهذه الإشكالات والاضطرابات النفسية، ففي اليابان، تشير التقديرات إلى أن مليون شاب يرفضون مغادرة غرف نومهم - أحيانًا لعقود - في ظاهرة تعرف باسم "هيكيكوموري". في الولايات المتحدة، نسبة متزايدة من الفتيات لديهن إحساس عميق للغاية بعدم الرضا عن مظهرهن الخارجي، فهن يقعن ضحية لفقدان الشهية والشره العصبي أو الخضوع لجراحة تجميلية باهظة الثمن. وتنوه نوربيرج إلى أنه في كثير من الأحيان يتم النظر إلى علامات الانهيار هذه على أنها "طبيعية"، اذ نفترض أن الاكتئاب بلاء عالمي، أي أن المراهقين هم بطبيعتهم غير راضيين بشأن مظهرهم الخارجي، وأن الجشع، والاستحواذ، والمنافسة صفات فطرية في الإنسان، ولكن ما يجب النظر إليه أن هناك مليارات الدولارات التي ينفقها المسوقون في استهداف المراهقين وغرس الاعتقاد بأن الممتلكات المادية ستضمن لهم الحب والتقدير الذي يتوقون إليه. اذ تكون الرسالة الأساسية لوسائل الإعلام هي: "إذا كنت تريد أن تُرى، تُسمع، وتُقدَّر وتكون محبوبًا يجب ان يكون لديك ممتلكات مادية متمثلة بالملابس والألعاب، ولكن الحقيقة هي أن الاستهلاك يؤدي إلى مزيد من المنافسة والحسد، مما يجعل المراهقين أكثر عزلة وانعدامًا للأمان وغير سعداء، مما يؤجج المزيد من الاستهلاك المحموم في حلقة مفرغة. وهكذا تستغل الثقافة الاستهلاكية العالمية حاجة الإنسان الأساسية للحب ويحولها إلى جشع لا يشبع(Norberg,2010).
لذلك يمكن القول ان أحد أهداف توطيد الرأسمالية والليبرالية الجديدة والثقافة الغربية في قوة موحدة ومعولمة للاقتصاد، هو هيمنة الكيان الاستعماري، وفرض سيطرته على قيم وأيديولوجية المُستَعمَر، وأن هذه الأنظمة مترابطة مع مجموعة مشتركة من القوانين والأسواق والمعايير النقدية الدولية التي تصاغ من قبل مؤسسات تبدو محايدة، لذلك فإن مؤشرات السعادة والرفاهية في العالم الاستعماري هي كمية ونوعية السلع المادية المستوردة التي يستهلكها الناس والمنازل التي يعيشون فيها، والأدوات التي يمتلكونها.
وفي هذا الصدد، تعد تحليلات فرانز فانون في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" القائلة انه عندما يكون هناك الكثير من التركيز على النزعة الفردية والسلوك الاستهلاكي التي يغرق فيها الفرد بتلبية احتياجاته، يعتقد المُستَعمَرون أنهم يسيرون بسعادة نحو الازدهار، في حين أن ذلك يجعل التحرير أكثر تعقيدًا وصعوبة (Fanon, 2008)
ويُمكن تفسير ذلك بأن وعي المُستَعمَر يكون في حالة من الاستلاب، وقد أدرك مصطفى حجازي هذا، وحدثنا عن المشاعر التي تُسيطر على سيكولوجية الإنسان المُستَعمَر، وأشار الى تذويت القمع في ظل وجود الشرط الاستعماري، ففي كتابه مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، يعتقد حجازي ان الأخير، يستدخل القهر للدرجة التي تجعله يُمارسه على نفسه، وأن هذا أشد أنواع القهر وأكثرها خطورة، اذ يشعر الإنسان في هذه المرحلة بالاستلاب، وتسيطر عليه مشاعر الدونية، اذ لا يتعامل مع ذاته كانسان أو ككيان وجودي. فإن هدر الطاقات وهدر الوعي وهدر الفكر، تولد مآزق وجودية كبرى يصعب على الإنسان تحمل قلق وذعر مجابهة جحيمها، لذلك يختل توازنه الوجودي (حجازي،2005).
هذا يتوافق مع ما لاحظه باولو فريري، ان الإنسان الذي يعيش تحت استعمار، يحمل في نفسه، سمات معينة، كالقهر والتبعية، والصمت، والجهل، وأنه يُذوت هذا القهر والقمع الذي يتعرض له ويُعيد انتاجه بالعنف والفوضى والفساد، مُعتقدا ان الإنسانية لا تتحقق إلا بتبادل الأدوار مع القاهر (Freire,1968).
الصحة النفسية، العلاج النفسي والنيوليبرالية
شغل موضوع الصحة النفسية حيزًا كبيرًا في حقول الفلسفة والعلوم الاجتماعية والانسانية على مر العصور، اذ وضع الكثير من الفلاسفة والمفكرين صياغات ومعاني مُختلفة حول هذا المفهوم، وعلى رأسهم مؤسس علم النفس الايجابي، مارتن سليجمان، اذ اختص بدراسة المشاعر الإيجابية عامة والسعادة خاصة، وقد نشر كتابًا سنة 2002 تحت عنوان السعادة الحقيقية "Authentic happiness" يجادل من خلاله أن السعادة هي دافع أصيل في النفس البشرية، وتكمن في التركيز على عوامل القوة والسمات المميزة والفاضلة التي يمتلكها الفرد، الأمر الذي تتجلى من خلاله الفلسفة الكامنة وراء علم النفس الإيجابي، الذي يقدم بدوره نموذجًا بديلًا عن علم النفس التقليدي ففي حين يصب الأخير جُلَ اهتمامه بالاضطرابات النفسية والعقلية، يركز الأول على تنمية المشاعر الايجابية، وفي هذا الصدد يقدم مارتن سليجمان نقدًا لاذعًا لنظريات علم النفس التقليدي، مُشيرًا إلى أنها نظريات تشاؤمية بطبعها، تقدم النفس البشرية على أنها مخزن من الشرور والنزعات العدوانية التي يحاول الإنسان ترويضها وتهذيبها طوال الوقت وأن الفضيلة ضمن هذه الرؤية لا تتجاوز كونها مُحاولة من مُحاولات التسامي كما أعتقد سيجموند فرويد(Seligman,2002).
وفي حين كان علم النفس الايجابي مُنهمكًا في نقد المدرسة التحليلية وعلم النفس التقليدي بصفةٍ عامة، كان هو الاَخر أرض خصبة للنقد لما يبثه من مفاهيم نيوليبرالية بطبيعتها، اذ يبدو وكأنه مجرد إعادة صياغة أكاديمية لأدبيات المساعدة الذاتية الأمريكية التي اجتاحت العالم والتي تتعامل مع السعادة على أنها وصفة تجارية تتمركز موضوعاتها حول الفردية وتغيير الطريقة التي يرى بها الأفراد العالم (Binkley, 2011)، وبهذا المنطق تصبح السعادة مهمة فردية وشخصية ويصبح انعدامها لدى شخص ما، ما هي إلا دلالة إخفاقه، وفي هذا الصدد يرى لايارد 2010 أن العلاج السلوكي المعرفي يتقاطع مع سياسات الرفاهية والعمل، فكما تزود الأخيرة الأفراد بمهارات تقنية وعملية بغية البقاء في مكان العمل، يحاول العلاج السلوكي المعرفي وعلم النفس الإيجابي تزويد الأفراد بمهارات عاطفية ونفسية لذات الغرض، لهذا يُمكن القول ان لايارد كان أكثر ادراكًا من سليجمان بتقاطع البنية التحتية للفلسفة النيوليبرالية وتدهور مستويات السعادة والرفاهية(Layard,2010) الأمر الذي يدعونا لتفكيك العلاقة الوثيقة بين علم النفس الفردي -بصيغته الإيجابية والتقليدية على حد سواء- وبين السياسات النيوليبرالية.
ولهذا الغرض بالإمكان الاستعانة بالمفكر ميشيل فوكو الذي لطالما وضع العلوم والمعرفة تحت عدسة التشكيك، مُتسائلًا عن دور علاقات القوة في صياغتها، اذ اعتقد فوكو أن الحكومات والسُلطات تطوع العلوم لخدمتها ولا تنفك عن إنتاج معرفة تُعيد بدورها تفعيل علاقات القوة من جديد، ذلك لأن الحقيقة (المعرفة) والسلطة متلازمتان بشكل معقد، وبالتالي فإن محاولة فهم العملية المعرفية خارج علاقات القوة، لن يتجاوز الفهم المجرد لها (Levine & Perkins,1987). اذ أن العملية المعرفية بذاتها ليست محايدة، كما لا يمكن القول ان المعرفة أو الحقيقة يتم إنتاجها بطريقة مجردة دون الالتفات إلى سياق علاقات القوة الموجودة بالضرورة كنتاج طبيعي للعلاقات بين البشر، أو بين البشر والنظام السياسي والاقتصادي المحيط والمقصود بنظام الحقيقة هنا؛ علاقات القوة التي تحدد المعايير والآليات التي يتم استخدامها/مراعاتها لتحديد ما هي الحقيقة، ما يعتبر حقيقة وما يعتبر دون ذلك. هذه المصفوفة المركبة والمعقدة من الآليات والضوابط تشمل بالأساس النظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والإعلام، والمؤسسات، والشخصيات التي يتم تعريفها على أنها مخولة لتحديد ما يعتبر حقيقة وما ليس كذلك، وجملة أخرى من العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية المعقدة. وعليه، يرى فوكو ان لكل مجتمع نظام الحقيقة، الخاص به، وهو النظام الذي يتم اشاعته وارسائه من خلال الخطاب الذي يتم تبنيه من قبل الأفراد والجماعات، والذي يقبل ويجعل شيء ما حقيقة أو غير حقيقة، أو الاعتراف بحقيقة ما وإنكار أخرى، بالإضافة الى الاعتراف بمن هو المخول لإنتاج الحقائق ومن غير مخول. وذلك من خلال تسليط الضوء على المؤسسات التي شكلت أرضية السُلطة في المجتمع الأوروبي كالسجن والمدرسة ولا سيما المصحات النفسية والعقلية، واعتقد ان مثل هذه المؤسسات هي في حقيقة الأمر محاولة للإقصاء والتصنيف والقولبة والضبط، الأمر الذي يجعل فوكو يطرح دائمًا أسئلة تشكيكية حول معايير المرض والسواء، والخط الفاصل بينهما (Levine & Perkins,1987).
فمن خلال التتبع التاريخي للمرض النفسي، يتبين لنا أن الأخير بناء اجتماعي يتشكل، ويتغير تبعًا للسياق والثقافة السائدة فيه، وأن السلطة الحاكمة هي من تقرر وجوده من عدمه، وليس حقيقة وجوده بالضرورة، وهنا يعيدنا فوكو إلى تاريخ المرض النفسي وكيف تعامل عصر ما قبل الحداثة مع كل من يعاني من مرض نفسي، اذ كانوا يجمعون المرضى النفسيين داخل قارب يُدعى "قارب الحمقى" ويقومون بإبعادهم واقصائهم عن الحيز العام (Foucault,1980). الأمر الذي لم يتغير كثيرًا في عصر الحداثة، بل تغير شكله، فبعد بروز مدارس تهتم بالمرض النفسي كالنظرية التحليلية لفرويد، أصبح المريض النفسي عُرضة للإقصاء والنبذ ولكن هذه المرة إلى غرف العلاج النفسي، وبهذا يقدم فوكو نقدًا لعلم النفس التقليدي يُوازي نقده لعصر الحداثة، اذ يعتقد ان عملية تشخيص المرض النفسي وفهم سيكولوجية الفرد، تغفل أهمية السياق والاختلاف بين الثقافات، والأهم أنها تغفل موازين القوى (Teague, & Robinson,2019)
في كتابها " عصفورية " تعتقد جويل أبي راشد 2020 أنه يمكن كتابة التاريخ بالرجوع إلى أنواع الاضطرابات العقلية التي تسود في مجتمع ما، ولذا نجدها تلحّ على أن هذه المقولة يصحّ إطلاقها على الشرق الأوسط عامة ولبنان خاصة، ذلك أن تاريخ الجنون في بلادنا متصلٌ اتصالاً وثيقاً بتاريخ التقلّبات الاقتصادية والاجتماعية، وما ينجرّ عنها من حرب وعنف وصدمات نفسيّة ونفي وهجرة. تقرّ أبي راشد بأن الخطاب اللاعقلاني في البيان السياسي زمن الحرب الأهلية، وما قبلها وما بعدها، وغياب المنطق عن مجرى الأُمور، حوّل البلاد إلى عصفوريّة رحبة وإلى مصحّ عقلي مترامي الأطراف، تقرّ أبي راشد أنّ من الصعب على وجه الدقّة وصف الحالة النفسيّة لمجتمع ما مريض، فعامل الزمن كفيلٌ بتقلّب معايير التشخيص، ناهيك بالنقص الحاصل في الإحصاء، إلا أنها تجد فيما أثارته قضيّة ميّ زيادة ما يستحقّ الوقوف عنده. إذ أن تاريخ الجنون والجنس يُظهر مدى جنوح التفاسير إلى المخيّلة والأسطرة، إضافة إلى ضيق أُفق قراءة المرحلة الاستعمارية وما عقبها الطبابة والعلاج. (Abi-Rached, 2020)
تشير المؤلّفة في مواقع عدة من كتابها الموثّق المرجعي كيف أن العصفوريّة تحوّلت مع الوقت في المخيال الشعبي إلى مكان – ذاكرة، كأن نقول، مثلاً، ساحة الشهداء، وانقلب اسمها إلى استعارة، وإذا بمصحّات عقلية في فلسطين وسوريا والأردن يُطلق عليها عصفوريات، قبل أن تمّحي فيما بينها الحدود. وإذا بالمنطقة بأسرها عصفورية متجانسة الملامح متناسقة القسمات وإذا بشعوبها المقهورة تتأرجح بين هواجس ووساوس.
ويؤكد ايثان وترز هذا، اذ يُشير في كتابه "Crazy like us " إلى مفهوم المرض العقلي بصفته مفهوم اجتماعي يتشكل ضمن مصفوفة من العمليات والظروف الاجتماعية، وعلاقة هذا بقيادة الولايات المتحدة لعولمة شركات الأدوية الناتج عن تسطيح المشهد في النفس البشرية، اذ انه يلغي الفوارق الاجتماعية والحضارية والثقافية للمجتمعات، ويعتبر ان خصائص الفرد الأمريكي هي الغالبة على العالم والتي تتجلى بالنزعة نحو الاستهلاك والرغبة في تحقيق الربح السريع، الأمر الذي يفضح عنصرية الطب النفسي النيوليبرالي وما يحمله من استعمار جديد، ويشير إلى ان هذا التصدير للمفاهيم والممارسات الأمريكية إلى باقي بلدان العالم بهدف توحيد معنى الاضطراب العقلي ما هو إلا حيلة لخدمة الشركات التجارية الكُبرى وتبرئة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي هي في حقيقة الأمر تؤدي إلى ظهور الاضطرابات النفسية والعقلية، وبهذا يبدأ الأشخاص الذي تم تصنيفهم كمرضى عقليين في التخلي عن الوسائل الاجتماعية المجربة والفعالة في معالجة آثار الصدمة النفسية، والاعتماد على وسائل النموذج الاستهلاكي التي تطرحها شركات الأدوية على أنها وسائل متقدمة في معالجة الاضطرابات النفسية، وبهذا تفتح أسواق جديدة لتسويق أدويتها النفسية ومضاعفة أرباحها تحت راية التدخل الأبوي الذي يسعى إلى المساعدة في علاج مجتمعات كانت قادرة بكل كفاءة وقدرة على مواجهة الصعوبات سابقا وتصويرها وكأنها الآن ضحايا سلبية بحاجة إلى التدخل الأبوي لهذه الشركات(Watters,2010) ففي حين تقوم النيوليبرالية بتخصيص المرافق العامة، وتحرر الأسواق المالية من سلطة الدولة وتلغي المسؤولية الاجتماعية وتعتبر الفرد الفقير أو العاطل عن العمل كسول أو ينقصه حافز للعمل، وبالتالي تولد مشاعر الإحباط والشعور بالذنب والكاَبة، يقوم العلاج النفسي باستغلال هذه الأعراض وتشخيصها كأمراض نفسية تستدعي العلاج بالأدوية ويضمن في نفس الوقت أرباحًا اضافية لشركات الأدوية، وهكذا يتحقق التحالف بين النظام النيوليبرالي والعلاج النفسي النيوليبرالي.
وفي الحديث عن العلاقة الوثيقة بين النظام النيوليبرالي وعلم النفس الفردي، تقارن نعومي كلاين في كتابها " عقيدة الصدمة" السياسة الاقتصادية الرأسمالية بالعلاج بالصدمة الذي يستخدمه أطباء نفسيون، والذي بدأ على يد العالم ايوين كاميرون، اذ تم استخدام العلاج بالصدمات الكهربائية بهدف استجواب لصالح المخابرات المركزية في الخمسينات، بهدف كسر ارادة المرضى ومن ثم اعادة برمجتهم، وتحاول كلاين من خلال هذه المقارنة ان تخلق مقاربة، فبعد ان تُصاب البُلدان بصدمات الحروب والهجمات الإرهابية والكوارث الطبيعية، تستغل الأنظمة الخوف والارتباك الناتج عن الصدمة لتمرير العلاج بالصدمة الاقتصادية، وبهذا تعبر كلاين عن حالة من التواطؤ بين ميلتون فريدمان المُنظر الأكبر للرأسمالية وكاميرون طبيب العلاج بالصدمة، فهم يتشاركون في هدفهم بكسب عقول وقلوب الاقتصاديين والنظم الاقتصادية ففي إحدى مقالاته الأكثر تأثيرًا، صاغ فريدمان العقار السري التكتيكي للرأسمالية المعاصرة؛ وهو ما فهمت كلاين أنه "مبدأ الصدمة". اذ يرى فريدمان أن "الأزمات فقط، سواء كانت حقيقية أو متصورة، تنتج تغيرًا حقيقيًا"؛ فعند وقوع كارثة نجد فريدمان مقتنعًا بضرورة التحرك سريعًا، لفرض تغيير دائم قبل عودة المجتمع الذي اجتاحته الأزمة إلى طبيعته وهو تنويع على نصيحة مكيافيلي بوجوب إيقاع "الأضرار كلها مرة واحدة"
(Klein & Smith, 2008).
وعلى ذات الخط، حدد عالم النفس البريطاني أوليفر جيمس بوضوح جذور الكثير من التعاسة في كتابه، "Affluenza "، والذي يعد بمثابة نقد لاذع لسياسات النيوليبرالية، اذ يتهم جيمس الرأسمالية الأنانية بأنها أدت إلى ظهور "فيروس Affluenza" والذي يعرفه بأنه: مجموعة من القيم التي تزيد من تعرضنا للضيق العاطفي. وتتجلى أعراض الإصابة بهذا الفيروس بإعطاء قيمة عالية لاكتساب الأموال والممتلكات، والظهور بمظهر جيد في نظر الآخرين والرغبة في أن يكون الفرد مشهورًا، وهنا يخلق أوليفر جيمس مقاربة بين هذا الفيروس المزعوم وبين فيروس نقص المناعة، ففي حين يعرض الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية لخطر الإصابة بمرض الإيدز الجسدي، فإن الإصابة بفيروس Affluenza تزيد من قابلية الفرد للإصابة بالضيق العاطفي الأكثر شيوعًا: الاكتئاب والقلق (James,2008).
كما يُشير جيل دولوز وغاتاري، إلى ان النظام الرأسمالي يحركه منطق الربح والإنتاجية والمردودية ويُهمش كُل ما من شأنه أن يعيق أو يهدد هذا المنطق، اذ يُقصي كل من مفاهيم الرغبة والحُب والفن بعيدًا عن الحيز العام، ويهيئ لها غرف العلاج النفسي، وهكذا لا يتم ذكر هذه المفاهيم إلا على أريكة المعالج النفسي، أما الخارج؛ أي المعمل والشارع والمدرسة، فهو مجال للإنتاج والعمل لا للرغبة والابداع. اذ أن ما يهم الرأسمالي هو "آلة الاستغلال"، أي يَدَاكَ إذا كنت عامل، وقدرتك على الإقناع إذا كنت مُحاميًا، وقدراتك الحسابية إذا كنت مُحاسبًا أما ما بقي منك، فإنه لا يهم النظام الرأسمالي ولا يريد أن يسمع به )1977,(Deleuze & Guitar.
ولهذا يتم تطويع علم النفس الفردي كأداة لخلق "الفصام" وولادة "المجنون" و"الممتنع عن التصنيف" أي بكلمات أخرى خلق الشخص الذي يأبى ان ينجرف مع تيار النظام عن طريق وضع نموذجًا للسواء وتحديد ما هي معايير السواء، وتحويل آلام الناس وقصصهم إلى مشكلة فنية يمكن قياسها عن طريق استبانة مُعدة مُسبقًا، ناهيك عن كونه يُلَوِم " الضحية " ويحملها مسؤولية مشاكلها بدون قراءة جذور هذه المشاكل التي تنبع من داخل النظام نفسه. فهو يعتمد على الطابع الطبي والمادي في التشخيص و"العلاج"، الأمر الذي يحول دون عملية "التغيير"، بل أكثر من ذلك تصبح الخدمات النفسية في هذا السياق " أفيون" ينشره النظام الرأسمالي الذي لا ينفك عن تطويع الأشخاص واخضاعهم لسيطرته عن طريق إقناعهم بأن المشكلة تكمن فيهم وان عليهم ان يتكيفوا معه، وبهذا يكون "العلاج" ما هو إلا محاولة لقلب الحقيقة والتنكر لأصل المشكلة وعقبة في وجه التحرر والحركة والاشتباك مع الحيز العام، الأمر الذي ينطبق على علم النفس الايجابي الذي يعزز مفاهيم الفردانية والنيوليبرالية، ففي حين يُقصي علم النفس التقليدي المضطرب، يقصي علم النفس الايجابي التعيس والضعيف، اذاً فإن سليجمان الذي ثار على علم النفس التقليدي، لم ينجح في خلق نموذجًا مُختلفًا، بل بقي عالقًا في ذات الجوهر الفرداني والإقصائي بطبعه والذي لا يكف عن بث منطق لوم الضحية(Binkley,1977).
عليه يُمكن القول بأن السُلطة تستخدم نفوذها في سبيل تطويع جميع مؤسسات المُجتمع لبث وإعادة إنتاج الخطاب المُهيمن، وضمن هذا المنطق، يمكن فهم كيف يتم اقحام المعالج النفسي في الخطاب النيوليبرالي وتحويله إلى شخص متواطئ مع الأنظمة المهيمنة، عبر الخدمات النفسية التي يقدمها وبهذا فإن العلاج النفسي النيوليبرالي يُحافظ على وجود النظام اللا-عادل، بل أكثر من ذلك انه يثبت أركانه ويقويه، وذلك عن طريق حث المتعالج على التكيف مع النظام.
لا يعدّ الربط بين المرض النفسيّ والوضع الاجتماعي-السياسيّ حديثًا البتّة، ففي ستينيات القرن الماضي طوّر الطبيب النفسي الاسكتلندي رونالد ديفيد لينغ نظريته التي أثارت الكثير من الجدل آنذاك. افترضت النظرية أنّ الفصام ليس إلّا آلية تسمح للأفراد بتحرير أنفسهم من ظروف حياتية لا تُطاق، والجنون ليس إلّا ردّ فعلٍ على جنون بيئة الفرد الخارجية التي تحكمها السياسة والمجتمع. بكلماتٍ أخرى، آمن لينغ بأنّ الكثير من سلوكيات الأفراد الذين يوصمون بكونهم مصابين بالفصام أو الجنون، هي تعبيرٌ منطقيّ عن انزعاجٍ داخليّ ما. وأنّ النوبات الذهانية والهلوسات والأوهام التي ترافقهم، هي محاولات لإظهار بعثرة في النفس أو للإشارة إلى فوضى داخلية فيها. دفع لينغ في اتجاه النظر إلى هذه السلوكيات على أنّها تجارب مطهّرة تحرّر الفرد من مشاكل وجودية كثيرة، ورفض على إثر هذا إخضاع الفصام للأساس الفيزيولوجي فحسب (Laing,1964).
وهم السعادة والعلاج النفسي
يُشير غرينبيرغ في كتابه "Manufacturing Depression" إلى أن المُعالجين النفسيين الذين يحثون على التخلص من الاكتئاب، يحثون أيضا على التكيف مع نظرة تشاؤمية لعالم غير عادل، وذلك لأن العلاج النفسي النيوليبرالي يختزل رد فعل الشخص اتجاه مجموعة معقدة من الظروف السلبية كالفقر والبطالة والتشرد والتعذيب، إلى مجرد تشخيص طبي يُدعى " الاكتئاب" والذي لا يمكن علاجه إلا بالعقاقير، مُتجاهلا ضرورة إصلاح البيئة التي هي في الأساس المسبب الرئيسي للاكتئاب بوسائل ذات طابع اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وبهذا يتم تحوير الطب النفسي في الولايات المتحدة وبلدان أخرى من العالم إلى مهنة يتم فيها فرض مفاهيم طبية ضيقة في تشخيص وعلاج الاكتئاب، اذ يتم فيها سلب الألم من أي معنى له والسعي نحو القضاء عليه تمامًا (Greenberg,2010)
أعد فانون ورقة بحثية يعترض فيها على لجوء الأطباء النفسيين إلى العلاج من خلال الصدمات الكهربائية، معتقدًا انهم بذلك يبحثون عن الحلول الأسهل، واقترح بديلًا عنها، انشاء مجموعات علاجية شبيهة بالبيئة الخارجية وعند وصوله للجزائر، وعمله كطبيب في إحدى المؤسسات الطبية، قام بتطبيق هذا العلاج على مجموعتين من المرضى، مجموعة من النساء الأوروبيات، ومجموعة أخرى من الرجال الجزائريين المسلمين، ولقد نجح هذا العلاج مع مجموعة النساء الأوروبيات، وبدأن بالتشافي، والخروج تباعا من المشفى، بينما فشل مع الرجال الجزائريين، في البداية ظن فانون بأن ذلك نتيجة لكون الأطباء النفسيين لا يستطيعون التحدث باللغة العربية، ولكنه ومع تكرار العلاج مرة تلو الأخرى، وتكرار فشله، توصل فانون إلى نتيجة مفادها: الرجال الجزائريين يقاومون العلاج النفسي الغربي، الذي يفترض بأن الجزائر فرنسية، ولا يأخذ بعين الاعتبار مهمة فهم السياق الجزائري ثقافيا وتاريخيا، وكل ذلك يضع على الجزائري عبء تحمل النظرة الغربية له، والتوافق معها، مما يجعل من بعض الأطباء يضعون افتراضا مفاده: فشل علاج الجزائري هو نتيجة لضعف إرادته، وعدم سعيه لأن يحسن من وضعه، ولكن فانون أدرك خطأ هذا الافتراض، وانشغل بعدها في التواضع أمام الثقافة المحلية الجزائرية؛ لكي يتجاوز الغرور الأوروبي الذي يطغى على خطاب الطب النفسي (Bulhan,1985) ، نلاحظ هنا كيف تمثلت معاناة/ألم الجزائري كشكل من أشكال رفض الخطاب الاستعماري المتغلغل في الطب النفسي، فكان الألم على سوؤه، فعل يستمر بالوجود، ولا يسعى الجزائري لتجاوزه بالخيارات المتاحة أمامه؛ لأن هذه الخيارات كانت المسبب الأول لألمه، فاستخدم المسبب في محاربة النتيجة.
تُشير النسوية ساره احمد في كتابها "The promise of happiness" أن هناك صراع سياسي حول الكيفية التي نفسر بها المشاعر الصالحة والسيئة، وتلك تدور بشكل واضح حول سؤال بسيط، ألا وهو: من الذي يفرض مشاعره على الآخر؟ وفي هذا الصدد تؤكد سارة أحمد على ضرورة التمسك بالألم بصفته مُصاحب للوعي النقدي، والنضال ضد السعادة حسب ما يُروج لها على أنها التزام ومسؤولية اتجاه الإحساس الجمعي بالرضا، اذ يتم المُحافظة عليها من خلال محو علامات الاضطهاد والتغاضي عن لحظات التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي والمشاعر المُهملة تحت شعارات البهجة العامة، لذلك تدعونا سارة أحمد لتغيير سياسة السعادة إلى سياسة الغضب، فإن أرشيف النشاط السياسي هو أرشيف غير سعيد، اذ أنه مليء بصراعات جميع أولئك الذين هم على استعداد أن يفصحوا عن مشاعر الغضب والبؤس. لذلك يُنظر للنسوية على أنها قاتلة للبهجة، فإن من يتحدث عن الظلم، والعنف، والقوة، والامتثال في عالم يستخدم مفهوم "التعددية السعيدة" كتكنولوجيا للوصف الاجتماعي، يمكن أن يكون عائقا، أي أن يتم وصفه على أنه من يعترض طريق سعادة الآخرين، عن طريق اجترار لنقاط مؤلمة، فحين تصبح المرأة نسوية فإنه قد يترتب على ذلك أن تصبح واعية بكم الأشياء التي تدعوها كي تحزن من أجلها، أي أنها أصبحت حزينة حين رفضت بعناد تجاهل ما يحدث من لا-عدالة، لذلك فإن أرشيف التعاسة هو أرشيف العناد، وبالتالي فإن شخصية النسوية قاتلة البهجة تصبح منطقية إن وضعناها في سياق النسويات اللواتي ينتقدن السعادة، وكيفية استعمالها لتبرير العادات الاجتماعية على أنها عادات جيدة وتؤدي إلى السعادة، وأن رفض هذه العادات قد يعني رفض السعادة التي يتم فرضها من المجتمع والأنظمة. وضمن هذا المنطق يمكن القول، إن الانخراط في النشاط السياسي والنضال الاجتماعي يعني أن يتورط المرء في صراع ضد خطاب السعادة المسموم (Ahmed,2010).
وفي هذا الصدد، تُبرز لالة خليلي في مقالتها " The Uses of Happiness in Counterinsurgencies" كيفية توظيف اللغة العاطفية في طمس علاقات القوة بين الشعوب المستعمَرَة والمُستَعمِرَة، عن طريق إظهار رغبة المُستَعمِر في مصاحبة المُستَعمَر والتظاهر بفهمه، وتؤكد ان هذه الرغبة ليست بريئة انما هي سياسة تجعل من العاطفة ووعد السعادة أداة لمُكافحة التمرد وطريقةٌ للتحكم بالشعوب المُستَعمَرة وأفعالهم وردات أفعالهم، فإذا أصبحوا أصدقاءَ مع المحتلّ، فهذا يعني أنّ الخيار قد وقع عليهم، وهم بالمقابل اختاروا أن يكونوا أشخاصاً متحضّرين وسعداء، أما من لم يخضع لهذا الخطاب فهو متجهم وبهذا يتم فرض السعادة والحميمية بالقوة على السكان غير المتعاونين، وأخيراً، تتمّ شرعنة ومأسسة العاطفة أو عدمها في السياقات الإمبريالية، وتحويلها من "شيءٍ" ليس له قيمةٌ إلى أحد الأسس القانونية التي تجرّم "غياب العاطفة"، حيث أصبح فرضاً على الشعوب الشعورُ بالولاء والحبّ إزاء الحكومة. لذلك فإنّ استخدامات السعادة في مكافحة التمرّد تعكس التعريف المهيمن لها في الفكر النيوليبرالي (Khalili, 2014).
ففي إطار منطق الاستعمار الاستيطاني، لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان إلا في سياق فردي ومُجرد(سعدي،2015) اذ يستخدم الاستعمار الخطاب النيوليبرالي الذي يتناول موضوعات حقوق الإنسان والمواطن بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي، الأمر الذي يجعلها مجرد أداة ووسيلة لتحقيق الأهداف النيوليبرالية، الأمر الذي يجعلنا نتعامل بحذر مع وعود السعادة والخطابات الإنسانية بصفتها أداة للتدجين، فإن فقدان الحقوق التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يلغي صفة الإنسانية عنه، ولا يجعل من كرامته محط تهديد، بينما فقدان البنية السياسية قادر على فعل ذلك(اَرنت،2020) وتؤكد آرنت على أنه كلما كثر الحديث عن حقوق الإنسان فهذا مؤشر على فقدان الحقوق، المتمثلة في فقدان الأوطان والحقوق السياسية (آرنت، 2020).
مدينة رام الله وغزو السياسات النيوليبرالية
في ظل النزعة العالمية، نحو الليبرالية الجديدة التي أحلت الشركات والمؤسسات مكان الدول، وضخمت إشكالات الهوية على حساب الإشكالات السياسية، ونشرت ثقافة المنظمات الحقوقية التي بدورها تعمل على صياغة شعارات لا سياسية، لم تفلت مدن ومناطق في فلسطين من هذه النزعة، خصوصًا بعد وجود السُلطة التي تعمل بطبيعتها على تخليص الإنسان الفلسطيني من حاجته إلى السياسة وتُحاول ان تجعله مُنخرطًا في زمن ما بعد استعماري وما بعد حداثي، زمنٌ سائل على حد تعبير باومان، ننتقل فيه من صيغة أفراد المُجتمع إلى مجتمع الأفراد (شراد،2018) اذ أدى توقيع اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، إلى ظهور جذور ليبرالية جديدة، اذ كانت الأخيرة شرط إطار أوسلو الاقتصادي الذي فرضته السلطة، الأمر الذي جعله أيديولوجية رئيسية في المجالين، السياسي والاقتصادي، علمَا ان القانون الأساسي الفلسطيني المتعلق بالنظام الاقتصادي في فلسطين على أساس مبادئ الاقتصاد الحر، ليضمن ذلك الدور الريادي للقطاع الخاص والنخبة الرأسمالية. وكان المبرر الفلسفي لإطار أوسلو الاقتصادي تحسين مستوى المعيشة للفلسطينيين، وتشجيعهم على المشاركة في عملية السلام، والحفاظ على استدامة السلام بتحقيق مكاسب مالية منه. وكانت الليبرالية الجديدة الفلسطينية تحمل طابع خاص، بسبب ظروف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، حيث لا يمتلك الفلسطينيون الأسس والأرضية لتنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة ذات البعد الواحد، فهم يفتقرون إلى السيادة أو السيطرة على الحدود، كما لا يملكون عملة محلية أو سياسة تجارة مستقلة، أو حرية الحركة للعمال أو البضائع (تراكي،2014).
وهُناك العديد من الدراسات التي من شأنها أن توصف تأرجح الحالة الفلسطينية من شكلها الذي يواجه الاستعمار إلى شكل ما بعد استعماري ونيوليبرالي في طبيعته، اذ تتحدث معظم هذه الدراسات عن فترة ما بعد أوسلو، يذهب عبد الرحيم الشيخ الى أن هذه الفترة شهدت اضمحلال متسارع لدور منظمة التحرير الثوري وحلول السلطة الفلسطينية مكانها، التي بدورها شكلت أرضية التحول السياسي نحو "صُنع السلام" وبروز نظام مؤسساتي جديد داخل شبكة المنظمات غير الحكومية في الأراضي المحتلة. اذ تم استبدال العمل التطوعي تدريجيًا بالعمل المهني المأجور، وقدمت المنظمات غير الحكومية الغربية التي تموِّلها وكالات التنمية الدولية وظائف ذات رواتب سخيّة للموظفين المحليين ودربتهم على تنفيذ المشاريع وفقًا لمعايير الإدارة الدولية والحصول على المنح، وبذلك أصبح هناك تنافس على التمويل بين المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، والتي كانت تميل سابقا إلى أن تكون مدعومة من قبل الفصائل السياسية والأيديولوجيات المختلفة، وبذلك بدأت تتعرض لضغوط متزايدة للانفصال عن العمل المباشر والتركيز بدلاً من ذلك على المشاهدة والديمقراطية والدفاع عن الحقوق، والإغاثة والتنمية، وكلها مؤطَّرة في إطار غير سياسي قائم على الحقوق وبناء المجتمع المدني، بدلاً من مواجهة الاحتلال (الشيخ،2013). وعلى نفس الخط، نجد الطرح في مقالة ساري حنفي وليندا طبر بعنوان "النخبة الثقافية الجديدة المعولمة" أقرب ما يكون لوصف مآل هذه الاتفاقية بدقّة. يجادل الكاتبان كيف مهدّت اتفاقية اوسلو الطريق الى تحويل المجتمع المدني الفلسطيني تدريجيا من كونه جزءاً من الحركة الوطنية المقاومة للاستعمار الى حركة تتبنى خطاب التعايش معه وترتكز على مفاهيم جديدة للمقاومة، وذلك بالتوازي مع إسقاط ورفض خطاب المقاومة المسلَّحة، إذ لعبت السلطة الجديدة كوسيط بين الشعب المستعمَر من جهة، وبين الاستعمار حسب البنود الواردة في اتفاقيات اوسلو من جهة اخرى. وكما يشير حنفي وطبر، في حين تعمُّقت الممارسات الاستعمارية على أرض الواقع للسيطرة على الفلسطينيين عبر نظام فصل عنصري صارم وآليات استعمارية أكثر توسعاً وضراوةً، تم ضخ الأموال في ذات الوقت الى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 من "أجل إقامة أسس الدولة" (حنفي وطبر، 2006، ص. 73). ومن هذه الزاوية، عمل تصنيف الجهات المانحة والمنظمات الأهلية الدولية للأراضي الفلسطينية على أنها منطقة ما بعد نزاع بدلاً من منطقة نزاع على أحداث تأثير ضخم على المعونة الدولية التي يقدمها المانحون. توسَّع حنفي وطبر في وصف دور هذه المؤسسات والمنظمات الأهلية بالتزامن مع توقيع اتفاقية أوسلو؛ فيجادلان أن مشروع بناء الدولة قد مهّد الطريق إلى تعاظم دور الدول المانحة التي لعبت دور "الوسيط المحايد، ومشاريعها التي تصوِّر التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية على أنها عمليات خطية، في حين أنها تحجب عمليات التحول الفعلية والممارسات الإسرائيلية التي عرقلت خيارات التنمية الفلسطينية والاستقلال السياسي وتبحث في إمكانية تحقيق السلام بمعاينتها للقضية الفلسطينية ليس كمنطقة صراع، وإنما ما بعد صراع" (حنفي وطبر،2006، ص. 76). ومن زاوية أخرى، يذهب جميل هلال في مقالته "الاستقطاب في الحقل السياسي الفلسطيني الى أن تهميش الدور السياسي المعهود لمنظمة التحرير قد بدأ تحديدا بعد قيام السلطة الفلسطينية وإبرام اتفاقية أوسلو التي وقّعتها منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها، ففي سنة 1996 راح ياسر عرفات - رئيس منظمة التحرير، وزعيم "فتح"، ورئيس السلطة الفلسطينية في آنٍ معاً- يعمل بصورة منهجية على وضع منظمة التحرير جانباً من أجل، أو هكذا اعتقد، أن يقوّي عود السلطة الفلسطينية. وتبين لاحقاً كم كانت هذه استراتيجيا قصيرة النظر لارتكازها على اعتقادين غير صحيحين: الأول، أن قيام دولة فلسطينية بات مرئياً في الأفق، والثاني، أن السلطة الفلسطينية قادرة على الحلول محل منظمة التحرير بصفتها القوة المسيطرة في الحقل السياسي الفلسطيني الجديد. وبمعنى ما، فإن تهميش منظمة التحرير الفلسطينية كان نتيجة سعيها لإقامة الدولة. ففي حين كان هدف الحركة الوطنية في الأعوام الأولى هو تحرير فلسطين، تحول الهدف في أواسط سبعينيات القرن العشرين إلى إقامة دولة على أي جزء يمكن تحريره من فلسطين. أمّا اتفاق أوسلو فسرّع الاندفاع في اتجاه الدولة عبر إقامة السلطة الفلسطينية وبناء ما يشبه مؤسسات الدولة على الرغم من مواصلة إسرائيل استعمارها الاستيطاني بكل ما أوتيت من قوة (هلال، 2010). إلا أن هُناك " سياسات نسيان" كما أسماها عبد الرحيم الشيخ، اذ يُحلينا إلى "سياسات النسيان" التي صعدت على إثر اجتياح ما أطلق عليه الزمن الما بعد استعماري وتغلغله في الخطاب الثقافي والسياسي الفلسطيني، كبديل عن "سياسات الذاكرة".
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
تصاريح دخول مجمعات المشروع • في حال اختيار الاشراف على التنفيذ، يتم تفويض ممثلين من قبل المكتب على ...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
مقدمة يُعتبر ا...مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...
ב. דיסגרפיה (Dy...ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...
0:22 okay today...0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...
في عصر الضعف لم...في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
يستدعي استشراف ...يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...
حذر مركز التنبؤ...حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...
الاجابة علي تسا...الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...
مقدمة التعريف ب...مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...
دروس في المال: ...دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...
درك الإمام أن ط...درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...