لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

ثم قال الطبيبُ في شيءٍ من العُبوس: «حسنٌ، لكنني مُصِرٌّ على الفكرة الأساسية. ما من رجلٍ يختار تلك المطرقة الصغيرة، في حين كان قادرًا على استخدام مطرقة كبيرة إلَّا أن يكون أحمق. بعد هذه الكلمات مباشَرةً وضع ويلفريد بوين يدَيْه الهزيلتين المرتعشتين على رأسه، وبدا أنه قبض بهما على شعره الأصفر الخفيف. وصاح قائلًا: «هذه هي الكلمةُ التي كنتُ أريدها؛ وهو يسيطر على اضطرابه: «لقد قلتَ: «ما من رجلٍ يختار المطرقة الصغيرة إلَّا أن يكون أحمق». قال الطبيب: «نعم، وماذا إذن؟» لم يفعلها سوى أحدِ الحمقى. » حدَّق فيه الباقون بأعينٍ استوقَفَها كلامُه واستحوذَ عليها بالكامل، ومضى هو يتكلمُ باهتياجٍ أنثويٍّ محموم. فصاح في اضطراب: «أنا قسيس، وينبغي للقسيس ألَّا يكون سافِكَ دماء. أعني … أعني أنه ينبغي له ألَّا يتسبَّب في إعدام أحد. وإنني لَأشكرُ الربَّ لأني أعرف المجرم بوضوحٍ الآن؛ لأنه مجرمٌ لا يُمكن الحكمُ عليه بالإعدام. سأل الطبيب: «ألن تتهمه بجريمة القتل؟» أجاب ويلفريد بابتسامةٍ واسعة، الذي ظلَّ يتعرَّض للإساءة طوال حياته. الربُّ وحده يعلم كيف كانت صلاته؛ لكنْ ليس من المستبعَد أن نتصوَّر أنَّ صلوات مثل هؤلاء القوم الغرباء مقلوبةٌ كلها رأسًا على عقب، عندما رأيتُ جو المسكين آخِرَ مرةٍ كان مع أخي، صاح الطبيب قائلًا: «يا للعجب! أخيرًا، لكنْ كيف تفسِّر …» كان الموقَّر ويلفريد يكاد يرجف من الإثارة؛ لأنه أدرك الحقيقة، وقال مُتهلِّلًا: «أَلَا ترون؟! أَلَا ترون؟! هذا هو الافتراض الوحيد الذي يشتمل على كلا الأمرَيْن الغريبَيْن، ويجيب على كلا اللغزَيْن. اللغزان هما المطرقة الصغيرة والضربة الكبيرة. ربما يكون الحداد هو مَن ضربَ الضربةَ الكبيرة، لكنه ما كان ليختار المطرقة الصغيرة. لكن المجنون يُحتمَل أن يكون قد فعل الأمرَيْن. يا إلهي، إنه مجنون ومن الجائز أن يكون قد التقط أيَّ شيء. وأما عن الضربة الكبيرة، أفما سمعتَ قبل ذلك قطُّ أيها الطبيب، أخذَ الطبيبُ نفَسًا عميقًا ثم قال: «يا للعجب! أعتقد أنك أصبتَ الحقيقة. كان الأب براون قد ثبَّتَ عينيه على المتكلم جيدًا جدًّا ولفترةٍ طويلةٍ جدًّا، بحيث ثبت له أنَّ عينيه الكبيرتين الرَّماديتين، لم تكونا في الواقع شديدتي الضآلة مثل بقيةِ وَجهه. وعندما ساد الصمتُ قال باحترامٍ بيِّن: «سيد بوين، إنَّ افتراضك هو الافتراض الوحيد من بين ما اقتُرِح حتى الآن، كما أنه لا يمكن دَحْضُه من حيث الجوهر؛ لذا أعتقد أنك جديرٌ بأن تعرف أنني مُوقنٌ تمامَ اليقين أنه ليس الافتراض الحقيقي. وعاد يُحدِّق في المطرقة من جديد. وقد بدا عليه الإرهاق الشديد نوعًا ما: «لا، لا، والتي تضم المفتش والرجل الذي كان قد قبض عليه. عندئذ، ومع أنَّ جمعَهم نفسَه قد تفرَّق، سمِعوا الآخرين يتكلمون. نظر الكاهنُ إلى الأعلى بهدوء، ثم نظر إلى الأسفل مرةً أخرى عندما سمع الحداد يقول بصوتٍ عالٍ: «أرجو أن أكون قد أقنعتُك يا سيدي المفتش. أنا رجلٌ قويٌّ كما تقول، لكنْ لا يمكن أن أكون قد قذفتُ بضربةِ مطرقتي من ضاحية جرينفورد إلى هنا. ليس لمطرقتي جناحان لتطير مسافةَ نصف ميلٍ فوق السياجات والحقول. أعتقد أنَّ من الممكن اعتبارك بريئًا من تلك التهمة، بالرغم من أنَّ هذه من أغرب المُصادَفات التي رأيتُها في حياتي. يا إلهي! قد تستطيع مساعدتنا، لو أنك فقط تمسك به! أظن أنك شخصيًّا لا تستطيع أن تخمِّن مَن عساه يكون ذلك الرجل، أليس كذلك؟» قال الحداد الشاحب الوجه: «ربما أستطيع أن أخمن مَن هو، وضع يده الضخمةَ على كتفها وقال: «ولا امرأةً كذلك. سأل المفتش مازحًا: «ماذا تعني؟ إنك لا تعتقد أن الأبقار تستخدم المطارق، أليس كذلك؟» أظنُّ أن لا يدَ لأحدٍ في موت الرجل. خطا ويلفريد خطوةً مفاجئة إلى الأمام، وراح يحدِّق فيه بعينين تستعِرَان غضبًا. قال الإسكافيُّ بصوته الحاد: «أتقصد أن تقول، يا بارنز، وضربت الرجل وأسقطتْه صريعًا؟» صاح سيميون قائلًا: «آه، وتضحكوا ضحكاتٍ مكتومة كما تشاءُون. وأنتم يا رجال الدين يا مَن تحدِّثوننا في أيام الأحد عن كيف عاقَبَ الربُّ الملكَ سنحاريب في هدوءٍ تام، أعتقد أنَّ ذلك الذي يَسير في كل منزل دون أن تراه عين، وأردى ذلك المفسِدَ صريعًا أمام بابه. أعتقد أن القوة التي كانت في هذه الضَّربةِ هي نفسُها القوة الكامنة في الزلازل، أجابه الحداد: «لكنك لستَ خارجًا عن سلطان الرب. تأكَّدْ من هذا. قاد الأبُ براون ويلفريد، بعيدًا، وقال: «لنخرج من هذا المكان المُفزِع يا سيد بوين. أتسمح لي بإلقاء نظرة داخل كنيستك؟ إنني أسمع أنها من أقدمِ الكنائس في إنجلترا. » ثم أضاف، وقد قطَّبَ وجهه تقطيبًا مضحكًا: «إننا نهتم بعضَ الشيء، بالكنائس الإنجليزية القديمة. لكنَّ ويلفريد بوين لم يبتسم، فهو لم يتميز قطُّ بحِس الدعابة. وإنما أومَأَ برأسه موافِقًا في شيءٍ من الحماس، قال بوين: «بالتأكيد، فَلْندخل من هذا الجانب. » وتقدَّم أمامه إلى مدخل الجانب العلوي للكنيسة، القائم عند قمَّة درجات السلم. عندما صعد الأب براون درجة السلم الأولى ليلحق به أحسَّ بيدٍ فوق كتفه، فاستدار ليلمحَ وجهَ الطبيبِ النحيل المكفَهِر، الذي جعله الشكُّ أكثر اكفهرارًا. يبدو أنك تعلم بعض الأسرار عن هذا الأمر المفجع، هل لي أن أسأل إنْ كنتَ ستحتفظ بها لنفسك؟» أجاب الكاهن وهو يبتسم ابتسامةً ودودةً للغاية: «عجبًا أيها الطبيب، لكنْ إذا كنتَ ترى أني أسأتُ الأدب معك أو مع غيرك بتكتُّمي على هذه الأسرار، فسوف أفعل أقصى ما تعوَّدتُ عليه؛ قال الطبيبُ بعبوس: «حسنٌ، ما هما يا سيدي؟» قال الأب براون بهدوء: «أولًا، الأمر له علاقةٌ كبيرةٌ بمجال معرفتك. إن الحداد مخطئ، ربما ليس في قوله إن الضربةَ كانت من عند الرب، لمْ تكن معجزةً أيها الطبيب، إلَّا بقدر ما يَصدُق على الإنسان نفسِه مِن أنَّه معجزة، إن القوة التي حطَّمت تلك الجمجمة معروفةٌ بين العلماء؛ إنها واحدةٌ من أكثر قوانين الطبيعة خضوعًا للمناقشة. الذي كان ينظر إليه بجدَّيةٍ شديدة والتجهُّم يعلو وجهَه، على أنْ قال: «والتلميح الثاني؟» قال الكاهن: «التلميح الثاني هو هذا: هل تذكر كيف كان الحداد، بالرغم من إيمانه بالمعجزات، يتكلَّم بازدراءٍ عن التفسير الخيالي الذي فَحْواه أنْ يكون لمطرقته جناحان، وأن تكون طارت مسافةَ نصف ميلٍ عبر الريف؟» قال الطبيب: «نعم، أذكر هذا. أضاف الأب براون بابتسامةٍ عريضة: «في الواقع، لقد كان هذا التفسير الخيالي أقربَ شيءٍ للحقيقة مِن بين ما قيل اليوم. » وبعد هذا مباشَرةً استدار، وقف القَسُّ ويلفريد ينتظره شاحبَ الوجهِ نافدَ الصبر، وكأنما كان تأثير هذا التأخير الوجيز على أعصابه كالقشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، وما إنْ رآه حتى قاده على الفور إلى زاويتِه المفضَّلة من الكنيسة، أخذ الكاهن الكاثوليكي القصيرُ القامة يستكشف كلَّ شيء باستقصاءٍ ويُظهِر إعجابَه به، متكلِّمًا بابتهاجٍ لكن بصوتٍ خفيضٍ طوال الوقت. عندما رأى أثناء بحثه ذلك المَخرجَ الجانبي، وذاك السلمَ الحلزوني الذي نزل عليه ويلفريد مسرعًا ليجد أخاه وقد مات، أسرعَ الأب براون هو الآخَر بالصعود عليه وليس بالنزول، وجاء صوتُه واضحًا من الأعلى، وهو واقفٌ على إحدى الشرُفات الخارجية. حيث نادى قائلًا: «تعالَ واصعد إلى هنا يا سيد بوين، سيُفيدك الهواءُ. تبعه بوين، وخرج إلى ما يشبه الشرفة الحجرية أو البلكون خارج المبنى، والتي يمكن للمرء من خلالها أن يرى ذلك السهلَ اللامتناهي الذي تقوم عليه رَبوتُهم، والذي تغطيه الأشجارُ بعيدًا عند حدود الأُفُقِ الأرجواني، وتبدو القرى والمزارع فوقه مثل الرقْش على الثوب. كانت ساحة الحدَّاد تبدو تحتَهم واضحةَ المعالم مربعةَ الأركان، لكنْ صغيرةً للغاية، أليس كذلك؟» أومَأَ بوين برأسه دلالةً على الموافقة، وقال بوقارٍ يكسوه حزنٌ شديد: «بلى. وكان انحدارها يبعث على الغثيان، من أيِّ جانبٍ من جوانبها، وكأنها تندفع بعيدًا، مثل متنِ حصانٍ مهتاج. كان الفِطْر العتيق يكسوها كما تكسو اللِّحى وُجوهَ الرجال، وكانت أوكار الطيور على جوانبها كالبُقع على وجوههم. لكنهم كانوا، بالرغم من هذا، وإذا نظروا إليها، مثلما ينظرون إليها الآن، من الأعلى، يرونها تتدفَّق مثل شلالٍ يَنصبُّ في حفرةٍ بلا قرار. لقد تُرِك هذان الرجلان الواقفان في برج الكنيسة وحيدَيْن مع الجانب الأكثر رعبًا للعمارة القوطية؛ وهو تأثيرها المُخيف الذي تُوحيه في النفس بقِصَرِ الأشياء عن طولها الحقيقي، وما تخلقه من عدم التناسب كذلك؛ ورؤية الأشياء الضخمة في صورة صغيرة، والأشياء الصغيرة في صورة ضخمة؛ كانت تفاصيلُ المباني الحجرية، تَخِفُّ ضخامتُها في مواجهة لوحةٍ من الحقول والمزارع، كان ثمة نحتٌ لصورةِ طائرٍ أو وحشٍ ما في أحد الأركان، كان الإطار المحيط كله خطيرًا ومُشوِّشًا للذهن، وكأنما كان الرجلان مُعلَّقَين في الهواء بين جناحَين يهتزان لجنِّيٍّ عملاق، تبدو مستقرة فوق البلدة المُضاءة بضوء الشمس، قال الأب براون: «أرى أن الوقوف في هذه الأماكن العاليةِ خطيرٌ بعضَ الشيء، ولو كان من أجل الصلاة. لقد جُعِلت المرتفعات من أجل أن يُنظَر إليها، لا من أجل أن يُنظَر منها. سأل ويلفريد: «أتعني أن المرء قد يسقط منها؟» قال القَسُّ الآخَر: «أعني أن روحَ المرء قد تسقط، إذا لم يسقط جسمُه. علَّق ويلفريد بصوتٍ خافتٍ للغاية: «إنني لا أكاد أفهمك. إنه رجلٌ طيب، لكنه ليس مسيحيًّا حقيقيًّا؛ فهو متعجرفٌ جافي الطبع عديمُ الصفح. في الواقع، إن ديانته الاسكتلندية اخترعها قومٌ كانوا يُصلُّون على التلالِ والأجراف العالية، وقد تعلَّموا النظرَ إلى البَشَرِ مِن عَلٍ، أكثرَ مما تعلَّموا النظرَ إلى السماءِ فوقهم. إنَّ التواضُع هو صانع العمالقة. قال الآخَر بصوتٍ غريب: «لا، إننا نعلم أنه لم يفعلها. وبعد لحظةٍ استأنفَ كلامه، وهو ينظرُ في هدوءٍ إلى السَّهلِ بعينَيْه الرماديتَيْن الشاحبتَيْن، وقال: «لقد كنتُ أعرف رجلًا بدأَ أمرُه بممارسة العبادة مع الآخرين أمام مذبحِ الكنيسة، لكنه بدأ بعد ذلك يحبُّ الصلاة في الأماكن العالية والمنعزلة، في بعض الأركان أو المحاريب في برج جرس الكنيسة أو أبراجها الأخرى. حيث بدا له العالَم كلُّه وكأنه يدور تحتَه كالعجلة، أخذ عقلُه يدور هو الآخر، لذا، فقد ارتكبَ جريمةً فظيعة. لكنَّ يدَيْه النحيلتين استحالتا إلى اللونين الأزرق والأبيض، «لقد توهَّمَ أنَّ من حقِّه الحكمَ على الناس ومعاقَبة العُصاة. إنَّ مِثل هذا التفكير ما كان ليخطر بباله قطُّ، لو أنه كان يجثو بركبتَيْه على الأرض مع الآخَرين، لقد رأى أحدَهم يختال في مشيته على نحوٍ استثنائيٍّ تحته مباشَرةً، رآه يسير متغطرسًا ظاهرًا للعين بتلك القبعة الخضراء الزاهية التي كان يَرتديها؛ رآه حشرةً سامَّة. نعقت الغربان في أركان برج الجرس، لكنْ لم يصدر أيُّ صوتٍ آخَر، حتى واصَلَ الأب براون كلامه قائلًا: «لقد أغراه بارتكابِ فعلته كذلك أنه كان يملك واحدةً من أفظع قوى الطبيعة؛ أعني الجاذبية، انظر، ولو أنني قذفتُ حصاةً من فوق حاجز الشرفة هذا، فستكون في مثل قوة الرصاصةِ عندما تصدِمه. ولو أنني رميتُ مطرقةً، ولو حتى مطرقة صغيرة …» لكنَّ الأب براون أمسَكَه على الفور من ياقةِ ثوبه، وقال برقةٍ بالغة: «ليس من هذا الباب، هذا الباب يؤدِّي إلى الجحيم. عاد بوين مترنحًا إلى الحائط، ثم صاح قائلًا: «كيف تعرفُ كل هذا؟ أشيطانٌ أنت؟» أجاب الأب براون بوقار: «إنني إنسان، لذا فالشياطين كلُّها في داخلي. إنني أعلم ما فعلتَه، أو على الأقل يمكنني تخمين الجزء الأكبر منه. وأسرعتَ بالدخول إلى الكنيسة. وفي الشرفة بالأعلى، ثم في شرفةٍ أعلى منها حيث رأيتَ قبعة الكولونيل الشرقية، وكأنها ظهرُ خنفساء خضراء تزحف في بُطء. عندئذٍ تحرَّكَ شيءٌ داخل روحك، وسأل بصوتٍ خافت: «كيف عرفتَ أن قبَّعته كانت تشبه خنفساء خضراء؟» قال الآخر وعلى فمه طيفُ ابتسامة: «أوه! كان هذا من باب الفِطْنة. لقد قلت إنني أعرف كل هذا، لكنْ لن يعلم به أيُّ شخصٍ آخر. الخطوة التالية متروكةٌ لك؛ فأنا لن أتخذ أيَّ خطوات أخرى، سوف أختم على هذا بالختم الذي أضعه على اعترافات الناس. وإذا سألتَني عن السبَب،


النص الأصلي

ألجَمَ الصمتُ ألسنتَهم جميعًا مرةً أخرى، ثم قال الطبيبُ في شيءٍ من العُبوس: «حسنٌ، ربما أكون مُخطئًا، ولكل أمرٍ ما يعارضه، لكنني مُصِرٌّ على الفكرة الأساسية. ما من رجلٍ يختار تلك المطرقة الصغيرة، في حين كان قادرًا على استخدام مطرقة كبيرة إلَّا أن يكون أحمق.»


بعد هذه الكلمات مباشَرةً وضع ويلفريد بوين يدَيْه الهزيلتين المرتعشتين على رأسه، وبدا أنه قبض بهما على شعره الأصفر الخفيف. لكنه أنزلهما بعد لحظةٍ، وصاح قائلًا: «هذه هي الكلمةُ التي كنتُ أريدها؛ لقد قلتَ الكلمةَ المنشودة.»


ثم تابَعَ قائلًا، وهو يسيطر على اضطرابه: «لقد قلتَ: «ما من رجلٍ يختار المطرقة الصغيرة إلَّا أن يكون أحمق».»


قال الطبيب: «نعم، وماذا إذن؟»


قال راعي الأبرشية: «حسنٌ، لم يفعلها سوى أحدِ الحمقى.» حدَّق فيه الباقون بأعينٍ استوقَفَها كلامُه واستحوذَ عليها بالكامل، ومضى هو يتكلمُ باهتياجٍ أنثويٍّ محموم.


فصاح في اضطراب: «أنا قسيس، وينبغي للقسيس ألَّا يكون سافِكَ دماء. أعني … أعني أنه ينبغي له ألَّا يتسبَّب في إعدام أحد. وإنني لَأشكرُ الربَّ لأني أعرف المجرم بوضوحٍ الآن؛ لأنه مجرمٌ لا يُمكن الحكمُ عليه بالإعدام.»


سأل الطبيب: «ألن تتهمه بجريمة القتل؟»


أجاب ويلفريد بابتسامةٍ واسعة، وشت بسعادةٍ غريبة: «لن يُعدَم إذا اتهمتُه بها. عندما دخلتُ الكنيسة في صباحِ هذا اليوم وجدتُ مجنونًا يصلي هناك؛ ذلك المسكين جو، الذي ظلَّ يتعرَّض للإساءة طوال حياته. الربُّ وحده يعلم كيف كانت صلاته؛ لكنْ ليس من المستبعَد أن نتصوَّر أنَّ صلوات مثل هؤلاء القوم الغرباء مقلوبةٌ كلها رأسًا على عقب، ومن المحتمَل جدًّا أنَّ أحد المجانين قد يُصلِّي قبل أن يقتُل رجلًا. عندما رأيتُ جو المسكين آخِرَ مرةٍ كان مع أخي، وكان أخي يسخر منه.»


صاح الطبيب قائلًا: «يا للعجب! أخيرًا، هذا هو الكلام. لكنْ كيف تفسِّر …»


كان الموقَّر ويلفريد يكاد يرجف من الإثارة؛ لأنه أدرك الحقيقة، وقال مُتهلِّلًا: «أَلَا ترون؟! أَلَا ترون؟! هذا هو الافتراض الوحيد الذي يشتمل على كلا الأمرَيْن الغريبَيْن، ويجيب على كلا اللغزَيْن. اللغزان هما المطرقة الصغيرة والضربة الكبيرة. ربما يكون الحداد هو مَن ضربَ الضربةَ الكبيرة، لكنه ما كان ليختار المطرقة الصغيرة. أمَّا زوجته فيُحتمَل أنها كانت ستختار المطرقة الصغيرة، لكنها لم تكن لتتمكَّنَ من القيام بالضربة الكبيرة. لكن المجنون يُحتمَل أن يكون قد فعل الأمرَيْن. أما عن المطرقة الصغيرة؛ يا إلهي، إنه مجنون ومن الجائز أن يكون قد التقط أيَّ شيء. وأما عن الضربة الكبيرة، أفما سمعتَ قبل ذلك قطُّ أيها الطبيب، أنَّ المجنون قد يكون في قوةِ عشرة رجال أثناء النوبةِ التي تصيبه؟»


أخذَ الطبيبُ نفَسًا عميقًا ثم قال: «يا للعجب! أعتقد أنك أصبتَ الحقيقة.»


كان الأب براون قد ثبَّتَ عينيه على المتكلم جيدًا جدًّا ولفترةٍ طويلةٍ جدًّا، بحيث ثبت له أنَّ عينيه الكبيرتين الرَّماديتين، الشبيهتين بعينَي الثور، لم تكونا في الواقع شديدتي الضآلة مثل بقيةِ وَجهه. وعندما ساد الصمتُ قال باحترامٍ بيِّن: «سيد بوين، إنَّ افتراضك هو الافتراض الوحيد من بين ما اقتُرِح حتى الآن، الذي يمكن أن يصمد أمام النقد من كل جهة، كما أنه لا يمكن دَحْضُه من حيث الجوهر؛ لذا أعتقد أنك جديرٌ بأن تعرف أنني مُوقنٌ تمامَ اليقين أنه ليس الافتراض الحقيقي.» وبعدما قال هذا مباشَرةً مضى الرجل الغريبُ القصيرُ القامة بعيدًا، وعاد يُحدِّق في المطرقة من جديد.


همس الطبيبُ لويلفريد بتبرُّمٍ: «يبدو أن هذا الرجل يعرف أكثرَ مما يُتوقَّع منه. إنَّ أولئك الكهنة الكاثوليكيين مفْرِطو الدهاء.»


قال بوين، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد نوعًا ما: «لا، لا، إن المجنون هو مَن فعلها. إن المجنون هو مَن فعلها.»


ابتعدت المجموعة التي تضم رجُلَي الدين والطبيب عن المجموعة الأكثر رسمية، والتي تضم المفتش والرجل الذي كان قد قبض عليه. عندئذ، ومع أنَّ جمعَهم نفسَه قد تفرَّق، سمِعوا الآخرين يتكلمون. نظر الكاهنُ إلى الأعلى بهدوء، ثم نظر إلى الأسفل مرةً أخرى عندما سمع الحداد يقول بصوتٍ عالٍ: «أرجو أن أكون قد أقنعتُك يا سيدي المفتش. أنا رجلٌ قويٌّ كما تقول، لكنْ لا يمكن أن أكون قد قذفتُ بضربةِ مطرقتي من ضاحية جرينفورد إلى هنا. ليس لمطرقتي جناحان لتطير مسافةَ نصف ميلٍ فوق السياجات والحقول.»


ضحك المفتش بوُدٍّ وقال: «لا، أعتقد أنَّ من الممكن اعتبارك بريئًا من تلك التهمة، بالرغم من أنَّ هذه من أغرب المُصادَفات التي رأيتُها في حياتي. يمكنني فقط أن أطلب منك أن تساعدنا بكل ما في وُسعك في العثور على رجلٍ في مثل حجمك وقوتك. يا إلهي! قد تستطيع مساعدتنا، لو أنك فقط تمسك به! أظن أنك شخصيًّا لا تستطيع أن تخمِّن مَن عساه يكون ذلك الرجل، أليس كذلك؟»


قال الحداد الشاحب الوجه: «ربما أستطيع أن أخمن مَن هو، لكنه ليس رجلًا.» ولمَّا رأى الأعين المذعورة تلتفتُ إلى زوجته الجالسة على المِقعد الطويل، وضع يده الضخمةَ على كتفها وقال: «ولا امرأةً كذلك.»


سأل المفتش مازحًا: «ماذا تعني؟ إنك لا تعتقد أن الأبقار تستخدم المطارق، أليس كذلك؟»


قال الحداد بصوتٍ مخنوق: «لا أظن أنَّ أيَّ مخلوقٍ قد أمسكَ بتلك المطرقة. وفيما يتعلق بالوفاة، أظنُّ أن لا يدَ لأحدٍ في موت الرجل.»


خطا ويلفريد خطوةً مفاجئة إلى الأمام، وراح يحدِّق فيه بعينين تستعِرَان غضبًا.


قال الإسكافيُّ بصوته الحاد: «أتقصد أن تقول، يا بارنز، إنَّ المطرقة قفزَتْ من تلقاء نفسها، وضربت الرجل وأسقطتْه صريعًا؟»


صاح سيميون قائلًا: «آه، يمكنكم أيها السادة أن تحدِّقوا، وتضحكوا ضحكاتٍ مكتومة كما تشاءُون. وأنتم يا رجال الدين يا مَن تحدِّثوننا في أيام الأحد عن كيف عاقَبَ الربُّ الملكَ سنحاريب في هدوءٍ تام، أعتقد أنَّ ذلك الذي يَسير في كل منزل دون أن تراه عين، هو مَن دافَعَ عن شرَف بيتي، وأردى ذلك المفسِدَ صريعًا أمام بابه. أعتقد أن القوة التي كانت في هذه الضَّربةِ هي نفسُها القوة الكامنة في الزلازل، وليس قوةً أقل من هذا.»


قال بوين بصوتٍ يعجز الوصفُ مطلقًا عن إدراكه: «أنا شخصيًّا حذَّرتُ نورمان من الصاعقة.»


قال المفتش بابتسامةٍ خفيفة: «إن تلك القوةَ خارجةٌ عن سلطتي القانونية.»


أجابه الحداد: «لكنك لستَ خارجًا عن سلطان الرب. تأكَّدْ من هذا.» وأدار لهم ظهره العريض ودخلَ إلى منزله.


قاد الأبُ براون ويلفريد، الذي كان يعتريه الاضطراب، بعيدًا، وعامَلَه مُعامَلةً مترفقةً ودودة، وقال: «لنخرج من هذا المكان المُفزِع يا سيد بوين. أتسمح لي بإلقاء نظرة داخل كنيستك؟ إنني أسمع أنها من أقدمِ الكنائس في إنجلترا.» ثم أضاف، وقد قطَّبَ وجهه تقطيبًا مضحكًا: «إننا نهتم بعضَ الشيء، كما تعلم، بالكنائس الإنجليزية القديمة.»


لكنَّ ويلفريد بوين لم يبتسم، فهو لم يتميز قطُّ بحِس الدعابة. وإنما أومَأَ برأسه موافِقًا في شيءٍ من الحماس، حيث كان مستعِدًّا تمامًا لشرح عظمة العمارة القوطية لشخصٍ أكثر قابليةً لمشاركته وجدانيًّا من الحداد التابع للكنيسة المشيخية أو الإسكافي الملحد.


قال بوين: «بالتأكيد، فَلْندخل من هذا الجانب.» وتقدَّم أمامه إلى مدخل الجانب العلوي للكنيسة، القائم عند قمَّة درجات السلم. عندما صعد الأب براون درجة السلم الأولى ليلحق به أحسَّ بيدٍ فوق كتفه، فاستدار ليلمحَ وجهَ الطبيبِ النحيل المكفَهِر، الذي جعله الشكُّ أكثر اكفهرارًا.


قال الطبيب بصوتٍ أجش: «سيدي، يبدو أنك تعلم بعض الأسرار عن هذا الأمر المفجع، هل لي أن أسأل إنْ كنتَ ستحتفظ بها لنفسك؟»


أجاب الكاهن وهو يبتسم ابتسامةً ودودةً للغاية: «عجبًا أيها الطبيب، ثمةَ مبررٌ معتبرٌ جدًّا يدفع رجلًا له مثلُ مهنتي إلى الاحتفاظ بالأسرار لنفسه عندما يكون غيرَ متأكدٍ منها، وهذا المبرِّرُ هو أنَّ واجبه دائمًا أنْ يحتفظ بها لنفسه عندما يكون متأكِّدًا منها. لكنْ إذا كنتَ ترى أني أسأتُ الأدب معك أو مع غيرك بتكتُّمي على هذه الأسرار، فسوف أفعل أقصى ما تعوَّدتُ عليه؛ سأعطيك تلميحَينِ مهمَّيْن للغاية.»


قال الطبيبُ بعبوس: «حسنٌ، ما هما يا سيدي؟»


قال الأب براون بهدوء: «أولًا، الأمر له علاقةٌ كبيرةٌ بمجال معرفتك. إنه متعلقٌ بالعلوم الطبيعية. إن الحداد مخطئ، ربما ليس في قوله إن الضربةَ كانت من عند الرب، ولكنْ بالتأكيد في قوله إنها حدثت نتيجةً لمعجزة. لمْ تكن معجزةً أيها الطبيب، إلَّا بقدر ما يَصدُق على الإنسان نفسِه مِن أنَّه معجزة، بقلبه الغريب الشرير والمتسم بشيءٍ من النبل بالرغم من هذا. إن القوة التي حطَّمت تلك الجمجمة معروفةٌ بين العلماء؛ إنها واحدةٌ من أكثر قوانين الطبيعة خضوعًا للمناقشة.»


لم يزد الطبيبُ، الذي كان ينظر إليه بجدَّيةٍ شديدة والتجهُّم يعلو وجهَه، على أنْ قال: «والتلميح الثاني؟»


قال الكاهن: «التلميح الثاني هو هذا: هل تذكر كيف كان الحداد، بالرغم من إيمانه بالمعجزات، يتكلَّم بازدراءٍ عن التفسير الخيالي الذي فَحْواه أنْ يكون لمطرقته جناحان، وأن تكون طارت مسافةَ نصف ميلٍ عبر الريف؟»


قال الطبيب: «نعم، أذكر هذا.»


أضاف الأب براون بابتسامةٍ عريضة: «في الواقع، لقد كان هذا التفسير الخيالي أقربَ شيءٍ للحقيقة مِن بين ما قيل اليوم.» وبعد هذا مباشَرةً استدار، وصعد السلم بتثاقُلٍ خلف راعي الأبرشية.


وقف القَسُّ ويلفريد ينتظره شاحبَ الوجهِ نافدَ الصبر، وكأنما كان تأثير هذا التأخير الوجيز على أعصابه كالقشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، وما إنْ رآه حتى قاده على الفور إلى زاويتِه المفضَّلة من الكنيسة، ذلك الجزء من البهوِ المعمد الأقرب إلى السقف المزيَّن بالنقوش، والمضاء بنور النافذة الرائعةِ المرسومِ عليها صورةُ الملاك. أخذ الكاهن الكاثوليكي القصيرُ القامة يستكشف كلَّ شيء باستقصاءٍ ويُظهِر إعجابَه به، متكلِّمًا بابتهاجٍ لكن بصوتٍ خفيضٍ طوال الوقت. عندما رأى أثناء بحثه ذلك المَخرجَ الجانبي، وذاك السلمَ الحلزوني الذي نزل عليه ويلفريد مسرعًا ليجد أخاه وقد مات، أسرعَ الأب براون هو الآخَر بالصعود عليه وليس بالنزول، برشاقة قرد، وجاء صوتُه واضحًا من الأعلى، وهو واقفٌ على إحدى الشرُفات الخارجية.


حيث نادى قائلًا: «تعالَ واصعد إلى هنا يا سيد بوين، سيُفيدك الهواءُ.»


تبعه بوين، وخرج إلى ما يشبه الشرفة الحجرية أو البلكون خارج المبنى، والتي يمكن للمرء من خلالها أن يرى ذلك السهلَ اللامتناهي الذي تقوم عليه رَبوتُهم، والذي تغطيه الأشجارُ بعيدًا عند حدود الأُفُقِ الأرجواني، وتبدو القرى والمزارع فوقه مثل الرقْش على الثوب. كانت ساحة الحدَّاد تبدو تحتَهم واضحةَ المعالم مربعةَ الأركان، لكنْ صغيرةً للغاية، وكان المفتش لا يزال واقفًا فيها يدوِّن ملاحظاته، والجثةُ لا تزال منطرحةً فوقها كذبابةٍ مسحوقة.


قال الأب براون: «ربما يصلح أن يكون خريطةً للعالم، أليس كذلك؟»


أومَأَ بوين برأسه دلالةً على الموافقة، وقال بوقارٍ يكسوه حزنٌ شديد: «بلى.»


كانت دعائمُ المبنى القوطيِّ المعلَّقةُ القريبةُ منهما، والواقعةُ أسفل منهما مباشَرةً تنحدر خارجَه بقوةٍ في الفراغ، وكان انحدارها يبعث على الغثيان، ويُذكِّر المرءَ بالسرعة التي يهوي بها مَن ينتحرون. تتسم عمارةُ القرون الوسطى بمسحةٍ من قوةِ جبابرة التيتان، بحيث إنها تبدو دائمًا لمن ينظر إليها، من أيِّ جانبٍ من جوانبها، وكأنها تندفع بعيدًا، مثل متنِ حصانٍ مهتاج. نُحِتت هذه الكنيسة من حجارةٍ قديمةٍ صمَّاء، كان الفِطْر العتيق يكسوها كما تكسو اللِّحى وُجوهَ الرجال، وكانت أوكار الطيور على جوانبها كالبُقع على وجوههم. لكنهم كانوا، بالرغم من هذا، إذا نظروا إليها من الأسفل يرونها ترتفع مثلَ نافورةٍ باتجاه النجوم؛ وإذا نظروا إليها، مثلما ينظرون إليها الآن، من الأعلى، يرونها تتدفَّق مثل شلالٍ يَنصبُّ في حفرةٍ بلا قرار. لقد تُرِك هذان الرجلان الواقفان في برج الكنيسة وحيدَيْن مع الجانب الأكثر رعبًا للعمارة القوطية؛ وهو تأثيرها المُخيف الذي تُوحيه في النفس بقِصَرِ الأشياء عن طولها الحقيقي، وما تخلقه من عدم التناسب كذلك؛ ومع تلك المناظر التي تصيب المرء بالدوار، ورؤية الأشياء الضخمة في صورة صغيرة، والأشياء الصغيرة في صورة ضخمة؛ ومع تلك الفوضى الحجرية المعلَّقة في الهواء. كانت تفاصيلُ المباني الحجرية، تلك التفاصيل التي تبدو ضخمةً عندما يُنظَر إليها من قريب، تَخِفُّ ضخامتُها في مواجهة لوحةٍ من الحقول والمزارع، فتبدو صغيرةً إلى حد التفاهة عندما يُنظَر إليها من بعيد. كان ثمة نحتٌ لصورةِ طائرٍ أو وحشٍ ما في أحد الأركان، وكان يبدو مثل تنينٍ ضخمٍ يسير أو يُحلِّق مُدمِّرًا تلك المراعي والقرى الواقعة أسفل منه. كان الإطار المحيط كله خطيرًا ومُشوِّشًا للذهن، وكأنما كان الرجلان مُعلَّقَين في الهواء بين جناحَين يهتزان لجنِّيٍّ عملاق، وكانت تلك الكنيسةُ العتيقةُ في مُجملها، بارتفاعها وفخامتها الشبيهَيْن بارتفاع وفخامة كاتدرائية، تبدو مستقرة فوق البلدة المُضاءة بضوء الشمس، وكأنها عاصفةُ مطر شديدة.


قال الأب براون: «أرى أن الوقوف في هذه الأماكن العاليةِ خطيرٌ بعضَ الشيء، ولو كان من أجل الصلاة. لقد جُعِلت المرتفعات من أجل أن يُنظَر إليها، لا من أجل أن يُنظَر منها.»


سأل ويلفريد: «أتعني أن المرء قد يسقط منها؟»


قال القَسُّ الآخَر: «أعني أن روحَ المرء قد تسقط، إذا لم يسقط جسمُه.»


علَّق ويلفريد بصوتٍ خافتٍ للغاية: «إنني لا أكاد أفهمك.»


واصَلَ الأب براون كلامه في هدوء: «انظُرْ إلى ذلك الحداد مثلًا، إنه رجلٌ طيب، لكنه ليس مسيحيًّا حقيقيًّا؛ فهو متعجرفٌ جافي الطبع عديمُ الصفح. في الواقع، إن ديانته الاسكتلندية اخترعها قومٌ كانوا يُصلُّون على التلالِ والأجراف العالية، وقد تعلَّموا النظرَ إلى البَشَرِ مِن عَلٍ، أكثرَ مما تعلَّموا النظرَ إلى السماءِ فوقهم. إنَّ التواضُع هو صانع العمالقة. إنَّ الأشياء التي يراها المرءُ عظيمةً عندما ينظر إليها من الوادي، لا يراها إلا صغيرةً عندما ينظر إليها من القمة.»


قال بوين باضطراب: «لكنه … لكنه لم يفعلها.»


قال الآخَر بصوتٍ غريب: «لا، إننا نعلم أنه لم يفعلها.»


وبعد لحظةٍ استأنفَ كلامه، وهو ينظرُ في هدوءٍ إلى السَّهلِ بعينَيْه الرماديتَيْن الشاحبتَيْن، وقال: «لقد كنتُ أعرف رجلًا بدأَ أمرُه بممارسة العبادة مع الآخرين أمام مذبحِ الكنيسة، لكنه بدأ بعد ذلك يحبُّ الصلاة في الأماكن العالية والمنعزلة، في بعض الأركان أو المحاريب في برج جرس الكنيسة أو أبراجها الأخرى. وذاتَ مرةٍ وهو في أحد هذه الأماكن التي تُصيب المرء بالدوار، حيث بدا له العالَم كلُّه وكأنه يدور تحتَه كالعجلة، أخذ عقلُه يدور هو الآخر، وتخيَّلَ أنه الرب؛ لذا، وبالرغم من أنه كان رجلًا صالحًا، فقد ارتكبَ جريمةً فظيعة.»


حوَّلَ ويلفريد وجهَه بعيدًا، لكنَّ يدَيْه النحيلتين استحالتا إلى اللونين الأزرق والأبيض، وهو يشدُّ بهما على حاجز الشرفة الحجري.


«لقد توهَّمَ أنَّ من حقِّه الحكمَ على الناس ومعاقَبة العُصاة. إنَّ مِثل هذا التفكير ما كان ليخطر بباله قطُّ، لو أنه كان يجثو بركبتَيْه على الأرض مع الآخَرين، لكنَّه كان يرى الناس جميعًا يسيرون تحته كالحشَرات. لقد رأى أحدَهم يختال في مشيته على نحوٍ استثنائيٍّ تحته مباشَرةً، رآه يسير متغطرسًا ظاهرًا للعين بتلك القبعة الخضراء الزاهية التي كان يَرتديها؛ رآه حشرةً سامَّة.»


نعقت الغربان في أركان برج الجرس، لكنْ لم يصدر أيُّ صوتٍ آخَر، حتى واصَلَ الأب براون كلامه قائلًا: «لقد أغراه بارتكابِ فعلته كذلك أنه كان يملك واحدةً من أفظع قوى الطبيعة؛ أعني الجاذبية، ذلك الاندفاع الجنوني والمسرِع الذي تعود به كلُّ مخلوقات الأرض إليها إذا ما أُطلِقتْ. انظر، إن المفتش يختال في مشيته تحتَنا مباشَرةً في دكان الحدَّاد، ولو أنني قذفتُ حصاةً من فوق حاجز الشرفة هذا، فستكون في مثل قوة الرصاصةِ عندما تصدِمه. ولو أنني رميتُ مطرقةً، ولو حتى مطرقة صغيرة …»


ألقى ولفريد بوين إحدى رجلَيْه على حاجز الشرفة، لكنَّ الأب براون أمسَكَه على الفور من ياقةِ ثوبه، وقال برقةٍ بالغة: «ليس من هذا الباب، هذا الباب يؤدِّي إلى الجحيم.»


عاد بوين مترنحًا إلى الحائط، وحدَّقَ فيه بعينَيْن مرعبتَيْن.


ثم صاح قائلًا: «كيف تعرفُ كل هذا؟ أشيطانٌ أنت؟»


أجاب الأب براون بوقار: «إنني إنسان، لذا فالشياطين كلُّها في داخلي.» ثم بعد صمتٍ قصير قال: «أنصِتْ إليَّ جيدًا، إنني أعلم ما فعلتَه، أو على الأقل يمكنني تخمين الجزء الأكبر منه. عندما تركتَ أخاكَ كان يعتمل في صدرك غضَبٌ شديدٌ مُبَرَّر، لدرجة أنك التقطتَ مطرقةً صغيرة، وأصبح لديك شبه مَيلٍ إلى قتله بسبب بَذاءة لسانه. لكنك تراجعتَ عن هذا، ودفعتَ بها تحت مِعطفك المغلق، وأسرعتَ بالدخول إلى الكنيسة. وهناك أخذتَ تصلِّي باضطرابٍ في أماكن عدَّة، تحت النافذة المرسوم عليها صورة الملَاك، وفي الشرفة بالأعلى، ثم في شرفةٍ أعلى منها حيث رأيتَ قبعة الكولونيل الشرقية، وكأنها ظهرُ خنفساء خضراء تزحف في بُطء. عندئذٍ تحرَّكَ شيءٌ داخل روحك، وتركتَ صاعقةَ الرب تسقط.»


وضع ويلفريد يدًا واهنةً على رأسه، وسأل بصوتٍ خافت: «كيف عرفتَ أن قبَّعته كانت تشبه خنفساء خضراء؟»


قال الآخر وعلى فمه طيفُ ابتسامة: «أوه! كان هذا من باب الفِطْنة. لكنْ أنصِتْ إليَّ مرةً أخرى، لقد قلت إنني أعرف كل هذا، لكنْ لن يعلم به أيُّ شخصٍ آخر. الخطوة التالية متروكةٌ لك؛ فأنا لن أتخذ أيَّ خطوات أخرى، سوف أختم على هذا بالختم الذي أضعه على اعترافات الناس. وإذا سألتَني عن السبَب، فإن ثمة العديد من الأسباب، وليس من بينها ما يهمُّك سوى واحد فقط. إنني أُوكِل الأمورَ إليك لأنك لمْ توغل بَعدُ في الانحراف، كما يوغل سفَّاكو الدماء. إنك لم تساعد في تثبيت التهمة على الحداد في حين كان ذلك سهلًا؛ ولا على زوجته، وقد كان ذلك سهلًا أيضًا. وإنما حاولتَ أن تلقي بها على الفتى الأبله لعلمك أنه لنْ يتعرَّض للأذى. كانت هذه واحدةً من الومضات التي من مَهامِّي العثورُ عليها في سفَّاكي الدماء. والآن انزل إلى القرية، وامضِ في طريقك حرًّا كالرياح؛ فلقد قلتُ كلمتي الأخيرة.»


نزل الرجلان على السلم الحلزوني في صمتٍ تام، وخرجا إلى ضوء الشمس بجوار دكان الحدَّاد. رفع ويلفريد بوين مِزلاجَ بوابة الفناء الخشبية على مهل، وتوجَّهَ إلى المفتش وقال: «أريد أن أسلِّم نفسي؛ لقد قتلتُ أخي.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

حذرت مؤسسة "عرا...

حذرت مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، اليوم الجمعة، من تداعيات خفض قيمة الدينا...

وتتناول الاسترا...

وتتناول الاستراتيجية كافة أسس نظام الصحّة النفسية بهدف تحسين صحّة الأفراد النفسية بشكل عام والوقاية ...

As a core compo...

As a core component of the combustor, the gas turbine swirler’s thermomechanical behavior directly i...

لاستراتيجية الو...

لاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024-2030 ملخّّص تنفيذي يمكننا القيام بالكثير ولكلّّ منا دوره في ...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...