لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (التلخيص باستخدام خوارزمية التجزئة)

تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - الأخيرة تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - الأخيرة الفصل الأول: مقدمة وسياق سورة التغابن بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ونسأل الله سبحانه وتعالى في هذه الساعة المباركة أن يجعلنا ممن يذكرهم في مجلس خير من هذا المجلس، وأن يجعلنا ممن يذكرهم تتنزل عليهم الرحمات والسكينة، وتستجاب لهم الدعوات، وترفع لهم الدرجات، وتغفر عنهم الخطيئات، إنه سميع مجيب الدعاء. وصلنا في اللقاء السابق ونحن نتدبر في سورة التغابن إلى أكثر من منتصف السورة. وذكرنا في المرة السابقة أن هذه السورة العظيمة التي أعطيت هذا الاسم، الذي هو اسم من أسماء يوم القيامة، سورة محورها الأساس الإعداد ليوم التغابن. وقلنا بأن هذا الاختيار للاسم، اختيار له مقصد، الله سبحانه وتعالى في سورة التغابن يعطي للإنسان صورة مصغرة حقيقية أو ملخص لرحلته في الدنيا وفي الآخرة، ليبين فيها أن كل ما يمكن أن يكون قد قام به في هذه الدنيا لا بد أن يكون مبنياً على علاقته بالله سبحانه وتعالى، كل شيء، كل صغيرة وكبيرة. وإن لم يكن قد ضبط حياته بجزئياتها ووجه الوجه بشكل صحيح لرضى الله سبحانه وتعالى فهو في خسران. الفصل الثاني: معنى التغابن (الخسارة) وهذا معنى التغابن. طبعاً هناك عدد من الأقوال، كلها تدور حول الخسارة والنقص في تفسير المعنى لهذا الاسم الذي سميت به هذه السورة. ولكن المعنى الذي يتلاءم مع هذا المقصد أن كل إنسان يوم القيامة سيشعر بمدى الخسارة التي خسرها، لأن الخسارة ستكون موجودة حتى بالنسبة للإنسان المؤمن، ولكن خسارة عن خسارة تفاوت. خسارة الكافرين، والعياذ بالله، خسارة لا تعوض، وسيدركون حينها بعد فوات الأوان أنهم حين باعوا الآخرة واشتروا الدنيا كان الثمن بخس. ومعنى التغاب أو الخسارة تأتي من الفكرة التجارية، بيع وشراء، والقرآن يحدثني عن عمليات البيع والشراء في أكثر من موضع، "فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ" وهكذا. فهناك خسارة، ولكن خسارة الإنسان الكافر لا تعوض أبداً. سيدرك حينها أنه باع شيئاً ثميناً بثمن بخس لا يساوي شيء، لأنه سيدرك الحقائق، الآخرة كم تساوي، والجزع فيها كم يساوي، والدنيا كم كانت تساوي، وكيف هو فضل وآثر الحياة الدنيا وهي لا تساوي على الحياة الباقية وهي تساوي كل شيء، فيشعر بالخسارة. أما المؤمن فهم كذلك يتفاوتون في الشعور بمعنى الخسارة. واحد منها من أسباب الشعور هذا أنهم سيدركون حجم الدرجات المتفاوتة بين أهل الجنة، لأن الجنة درجات، والناس فيها متفاوتون تفاوت عجيب. وأعلى الدرجات ستكون بطبيعة الحال بجوار النبيين والصديقين والشهداء، أعلى الدرجات، نسأل الله أن يمن علينا ويجعلنا منهم. وتبدأ الدرجات بالتفاوت، هي كلها عالية طالما هي في الجنة، ولكن الإنسان يشعر لمن ينظر كل هذه الدرجات بالضبط بالضبط كالإنسان أو الطالب حين يأخذ نتيجته أول مرة، يريد يطمئن أنه ناجح هذه الحقيقة، لمن يطمئن أنه ناجح يبدأ يسأل عن الدرجات والتقديرات. فلمن يرى التقديرات يبدأ يشعر بمعنى الندم، لأنه طبعاً النجاح الحافة ليس مثل النجاح بأعلى تقدير، صح اثنينهم نجاح، ولكن التفاوت كبير. فالإنسان المؤمن أول ما يطمئنه، تطمئن أنه وطأت أول قدم عنده في الجنة، يرتاح، ثم بعد اعتبار هذا يبدأ ينظر إلى التفاوت في الدرجات، فيفهم كم ساعة ضيع من حياته، كم من الأشياء، من الأوقات، من الأموال، من المواقف ضيع في حياته، كان ممكن فيها ترتفع، بيبني على الدرجات. الفصل الثالث: الإعداد ليوم التغابن وستأتي علينا في سورة التغابن اليوم نماذج من هذا التفاوت من أسباب التفاوت، لأن المحور الأساسي الذي تتركز عليه سورة التغابن الإعداد ليوم التغابن، كيف تكون مستعداً ليوم التغابن حتى ما تكون عندك هذه الخسارة. هو الإنسان سيندم من حيث أنه لم تمر، حتى المؤمن، إذا لمن يرى الثواب العظيم والدرجات على كل ثانية مرت بدون ذكر الله عز وجل، واحسب كم ثانية احنا تمر علينا مثلاً. ولكن قطعاً ليس ذلك الشعور يقارب من شعور هؤلاء الكافرين، والعياذ بالله، الذين خسروا كل شيء، ولا مجال للتراجع أبداً. فبدأت السورة العظيمة كما ذكرنا المرة الماضية بالتسبيح، وقلنا بأن التسبيح لما رب عز وجل قال: "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ"، يحرك الأعمال القلبية، يحرك القلب الذي هو محط قبول الأعمال، لأجل أن لا تصبح التسبيح مجرد تمتم باللسان، وإنما تتحول إلى طاقة، إلى عمل يمشي في ميادين الحياة مبشراً بالخير، عاملاً له كما ستأتي علينا الآيات. ولا يمكن هذا أن يحدث، قلنا في المرة السابقة، إلا بأعظم عمل يمكن أن يرفع المؤمن إلى أعلى الدرجات، صفاء النية. ولذلك الله عز وجل قال: "يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ"، ليس النية فقط، صفاء السر ونقاوة السر بحيث أن تكون السر أو يكون السريرة تكون سريرة الإنسان خيراً من علانيته. لماذا هذا المكان العظيم للسر؟ لأن السر هو موضع نظر الله عز وجل، والعلانية موضع نظر الخلق، فإذا هو وقع التوحيد في قلبه أعظم، وقت أصبح السر عنده هو الذي يهمه اليوم أن يكون قلبه معلقاً بالله عز وجل. وجاء بقلب سليم، وجاء بقلب منيب، القلب لا غش، لا غل، لا حقد، لا حسد، لا كر، لا بغض، لا حب في الانتقام كما سنأتي عليه، وإنما حب للعطاء، وليس لأجل أحد إلا لله سبحانه وتعالى، الذي قال: "يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ". ثم مشت بنا بعد ذلك الآيات لتصف في حوارات مع أولئك الذين يجادلون بيوم التغابن إلى أن وصلت الآية، الآيات العظيمة لبيان الجزاء: "وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ". هذه أعظم خسارة، كفر الإنسان لمجرد ادعائه أو توهمه أو إيهام نفسه أنه أنا اليوم القيامة غير متأكد منه أنه سيحدث أو لا يحدث، فكانت الخسارة لهذا الكفر، أصحاب النار خالدين فيها. ثم بعد الآية العاشرة إلى نهاية السورة، بدأت السورة تحدثني عن واقعي، عن حياتي. وهنا يتعجب الإنسان المتدبر وهو يقرأ السورة، نصف السورة قريب النصف وأكثر من النصف يتكلم عن يوم القيامة ويتكلم عن الإعداد ليوم التغابن، ثم يأتي بعد ذلك النصف الآخر متحدثاً عن واقع يعيشه الإنسان. لماذا؟ حتى يفهم كيف يعد العدة ليوم التغابن. وبدأ بأعظم الأشياء: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ". مصيبة كل شيء يكرهه الإنسان في مال أو في نفس أو في ولد. ولماذا بدأ بها مباشرة؟ من أعظم الأعمال التي يلقى الله الإنسان بها ربه عز وجل يوم القيامة الصبر على القضاء والرضى بقضائه وقدره. الرضى بالقدر، خيره وشره، ما أحب وما أكره. أنت تريد رفع في الدرجات، تريد تعد العدة ليوم التغابن، عليك أن تعد العدة كيف أن يتحول ذلك التسبيح الذي سبحت آناء الليل وأطراف النهار إلى يقين بالله سبحانه وتعالى إلى عمل. ولذلك ذكرنا في المرة السابقة أن البعض يركز على عدد التسبيحات، شيء مهم أن تسبح الله عز وجل بقدر ما تستطيع، لا يسكت لسانك أبداً. ولكن الأعظم أنه يولد هذا التسبيح، وهو مقصد التسبيح، خضوعاً لله سبحانه وتعالى، ويقيناً به، وإيماناً بقضائه وقدره. قال: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ". كل ما يحدث، والـ"ما" هنا جمعت كل شيء في الكون، في النفس، في الأفراد، في المجتمعات، في الدول، في الأمم. "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ". وهنا أولئك الذين يحولون قضية الإيمان بالقضاء والقدر على مدى سنوات، قرون، استنزف طاقات المسلمين عبر التاريخ من خلال إشكال الكلام ومسائل الكلام والإيمان بالقضاء والقدر، كيف؟ والمصيبة كل شيء في الكون لا يحدث إلا بإذن الله. ولكن الذي تفهمه حتى يبقى الإيمان معيناً صافياً نقياً غير معجون بالفلسفات الفارغة التي لا تقوي إيماناً ولا تزيد في يقين الإنسان ولا تقربه إلى الله، كيف تعرف المقياس؟ حتى في مجالس الذكر أو حتى في أي مجلس انتبه لنفسك وأنت جالس، حتى لو قرأت كتاباً، كيف تميز بين الكتاب الجيد والكتاب غير الجيد؟ ليس فقط بأن عرفت الأفكار، لا، انظر كذلك في مقياس قلبك، قربك إلى الله ولا بعدك. لما تسمع، لما تقرأ، أنت أقرب إلى الله ولا أبعد ولا ما فرقت. فالقرآن العظيم أعطاني في آية واحدة، بعيداً عن كل الفلسفات الفارغة والمذاهب التي قلنا سنزف طاقة المسلمين، كل ما يحدث في الكون بإذن الله. سيقول قائل: طبيعي، وهذا مدخل الفلسفة هنا وعلم الكلام اللي يحدث في الكون، مصائب الآن، حروب، قتل، تجويع، تشريد، أشياء لا يقبلها العقل، فيقول يبدأ يسأل، فكيف؟ وهذه من المسائل الخطيرة الآن اللي تطرح على الساحة، إذا كان "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ"، كيف يأذن الله سبحانه وتعالى بوقوع مجازر، حروب، تشريد، قتل، سفك، وإلى آخره؟ أولاً، القرآن العظيم من أعظم قواعد التدبر فيه أنك ما تجتزئ الآيات، لن تصل إلى شيء، ستصل إلى فهم مبتور، مقطوع، مثل الآية المعروفة، "قُل للمصلين" وتسكت، تأتيك عكس المعنى. هذه واحدة. فإذا أردت أن تجمع عليك أن تفهم وتجمع. فكيف أفهم وأجمع؟ الله سبحانه وتعالى لا يأذن لا بقتل ولا بتجويع ولا بسفك دماء ولا بظلم، بل كل معظم الآيات والسور التي جاءت في القرآن في كل السور تقريباً، مدنية أو مكيّة، حرمت القتل، حرمت الظلم، حرمت سفك الدماء، حرمت نهب الأموال. أليس كذلك؟ طيب، هاي واحدة. إذن هو لا يأذن بالقتل ولا يأذن بالتخريب ولا يأذن بالدمار. اثنين أنه سبحانه في آيات كثيرة وفي سور كثيرة حذر تحذيراً قاطعاً واضحاً لكل إنسان عنده بصر وبصيرة أن ما غاب، ونتيجة الظلم والعدوان كارثية بكل المقاييس، وأنها لا تقف عند حد من ظلم الفردي، لا، تمتد لتشمل كل الدائرة التي حوله وربما أبعد. ولذلك ربي عز وجل في آيات آخر في سور أخرى أبين لي، لن، ربي عز وجل "وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ". بس، صالحون لماذا؟ لأنه إذا الإنسان صالح وسلبي لا يصحح خطأ ولا ينكر منكراً ولا يعرف معروفاً ولا يغار لا على دين، هذا ماذا تفعل به؟ هذه السلبية تجعل الإنسان لمن يظهر الشر أو المرض في أي مكان في المجتمع ينتشر. فالمصائب الجماعية اللي القرآن ده يتحدث أو تحدث عنها في مواقف أخرى هي لا تحدث لأن الله سبحانه وتعالى أذن بها بمعنى أنه هو أذن بها بحدوثه، لا، بمعنى أنها حتى وهي حين تحدث لا تخرج لا عن علمه ولا حكمته ولا عدله. فكل شيء ما يحدث إلا بإذن ملك، سبحانه الأمر بيده، فهو يحدث ليس لأنه أذن به، وبين لي لماذا حدث ويحدث. ولكن حتى حين يحدث هو يحدث والله سبحانه وتعالى عالم بذلك، مطلع عليه، فهو بإذنه. فأنا لما كفرد أو سلم بالحقيقة الأولى أن الله "له ما في السماء"، التي جاءت في سورة التغابن بداياتها، "له ما في السماوات وما في الأرض"، وأنه الملك، وأنه الغفور، وأنه الرحمن، وأنه الرحيم، وتستقر في قلب هذه الحقائق حين أستقبل المصائب والأقدار التي أكرهها أستقبلها بنفس ليس فقط صابرة، متصبّرة، لأن الصبر هذا درجة. صبر درجة، الذي أعلى منه الرضا والحمد طبعاً، اللي أقل منه الصخط، ولكن اللي بعده صبر، واللي بعده لعل رضا، رضا عن حكم الله سبحانه وتعالى وقضاء وقدر. وتدبروا في الكلمة: قال: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ومن يؤمن بالله يهدي قلبه". وتدبروا معي كيف القرآن يعلمني أن موضع كل شيء في حياتك هو قلبك. قال: "يهدي قلبه". ما في الحين كلام عن العمل هنا في الآية، الكلام عن القلب. لماذا؟ الصبر والرضا كلها في موضعها في القلب، وليس فقط تمتلك، لأنا قد قد أقول الحمد لله وأنا قلبي صاخط، والعياذ بالله، قد ممكن يحدث. وأنا ذكرنا في مرات سابقة بعض المسلمين اليوم بحسن نية أو ربما غير منحى تبه، تسأل: كيف حالك؟ أول مرة، وبعدين الحمد لله، متهالك، جاي على نفسك حتى تطلع منه الحمد لله. الرضا الذي يتكلم عنه القرآن هنا ويقول: "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه"، الكلام عن القلب. ولذلك قال: "وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ". لسانك حامداً وقلبك ساخطاً. وإنما قلبك حامداً، لسانك شاكراً، ذاكراً، خاضعاً لحكم الله سبحانه وتعالى. لماذا خضع؟ لأنك عرفت من الذي سبحانه وتعالى قدر الأقدار، من الذي يسير هذا الكون، حدث بأمره ولا مو بأمره، حدث بإذنه ولا ليس بإذنه، فيطمئن القلب. لماذا؟ أن حياتك وحياة أولادك وحياة كل من معك هي بيد الله سبحانه وتعالى، فلا تقلق، ترى هو يدبر الأمر من قبل ومن بعد. اطمئن، ارتاح. ولذلك يعني من المفارقات أحياناً الإنسان حين لا قدر الله يمرض أو يصاب بشيء أو يحتاج عملية، يسأل عن الطبيب أولاً، أليس كذلك؟ أول كلمة شاطر يسأل، يتأكد، لا بد أن يتأكد أنه شاطر من حقه، الذي يدبر لك أمرك ولله المثل الأعلى، الله. فاطمئن، وتخيلوا إحنا في حياتنا هاي من المفارقات أنت تضع يدك، حياتك كلها بين يدي هذا الطبيب البشر، يفتح ويغلق ويخيط ويسوي ويشيل ويعمل كل شيء، ويساكت وبرضاك، ولا تدع حياتك يفصلها ويدبرها الذي خلق الأمر وخلق الكون برحمته وعدله ورأفته وحكمته سبحانه. فمتى يسكن قلبك ومتى يهدي الله قلبك؟ هو قال سبحانه قال: "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه". آمنت بالله، قلبك سيهتديه، سيسكن. ولكن أي إيمان هذا الإيمان الذي نتكلم عنه؟ الذي أصبح فيه التوحيد حاضراً، منقياً للقلب، مصفياً له، منزّهاً لله سبحانه وتعالى. وهذا معنى التسبيح، تسبيح، تنزيل، فنزه الله سبحانه وتعالى عن أن يحفظ شيئاً في الكون أو في نفسه إلا بعدله ورأفته وحكمته ورحمته، فيهدأ الإنسان. قال: "وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ". وهذا أول ما ينبغي أن نتعلمه في الإعداد ليوم التغابن. [continue]# الفصل الرابع: الطاعة والتوكل على الله ائق التي تعيق الإنسان عن الإعداد ليوم الدين، يوم التغابن، وتشغله كثيراً المصائب. هذا حقيقة، كثير من الأحيان ما يشغلنا عن الإعداد ليوم التغابن المصائب التي تحدث في مال أو صحة أو نفس. واحسب في حياتك كم يأخذ منك لقدر الله المرض، حتى ولو كان شيئاً بسيطاً، وكم تأخذ هذه، وكم ينشغل بالك على ابن أو على أخ أو على أخت، إلى آخر. فربي عز وجل أعطاني في القاعدة الأولى بعد الكلام عن يوم التغابن، أول إعداد، كن مستعداً، ما هو العلاج؟ "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه". استقبل الأقدار بالإيمان، بالتسليم، بالسر النقي الطاهر، بالحمد والشكر لله سبحانه وتعالى على كل شيء وعلى كل ما أنت فيه. طيب، وبعد ما حمدت، شوفوا القرآن كيف يبني الإنسان. الإنسان على فكرة الإنسان كثير الشكوى، كثير الصخط، الجزع، لا يعرف كيف يستقبل الأقدار. هل هذا إنسان يستطيع أن يبني حياة؟ لا، يستطيع أن يطيع الله سبحانه وتعالى أبداً. لذلك بعض الناس سبحان الله لمن يصاب بأي شيء تشوفه حتى في الصلاة لا يعرف كيف يصلي ولا يعرف كيف يقرأ القرآن، أذهلته المصيبة. فكيف لا تذهله؟ بالآية الأولى وما بعدها: قال: "وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ". لماذا جاء الأمر بالطاعة بعدها؟ لأن قلبك لا بد أن يكون حاضراً، مؤمناً، مهتدياً، وأنت تمارس الطاعة. أما ما معنى أني أنا أطيع الله سبحانه وتعالى وأصلي وأقف بين يدي أصلي وقلبي منشغل بكل شيء إلا الله؟ تدبروا في الربط: "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ". قلبك صافياً، مطمئناً، مرتاحاً، هادئاً، فتأتي منه الطاعة فيقبلها الله عز وجل. تأتي الطاعة أعظم طاعة. "وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ". ولكن إن اخترتم شيئاً آخر، ربي عز وجل أعطى هذه الحرية والمساحة من الاختيار للإنسان، "فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين". لكم حرية الاختيار، ولكن افهم ماذا سيؤدي اختيارك. قال الله لا إله إلا هو، أنت حر، اختر في أي طريق ستمشي، ولكن عليك أن تدرك أن الطريق الذي ضيعت، وفق الآيات، تجهز ليوم التغابن، هو الطريق الذي رب عز وجل أمر بسلوكه. الله لا إله إلا هو، آمنت به أم لم تؤمن، لا إله إلا الله. رضيت بأن يكون لك رباً أو لم ترضَ، هو لا إله إلا الله. بعض الناس ما يرضى يقول لك: أنا لا أؤمن بإله. لا تؤمن، ولكن الله لا إله إلا هو. قال: "وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ". تدبروا في هذه المعاني العظيمة التي تبنيها الآيات في السورة. التوكل في آيتين، القرآن العظيم في سورة التغابن أعطاني هذه الأنواع من العبادات، إيمان، صبر، رضا، طاعة، توكل على الله عز وجل. الله لا إله إلا هو، "وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ"، حتى تستقر النفس وتهدأ وتنتقل للمرحلة التي بعدها. الفصل الخامس: الأزواج والأولاد كفتنة واختبار المرحلة التي تبين الواقع الذي يعيش فيه الإنسان عبر الزمن: "يا أيها الذين آمنوا". خطاب لمن؟ مؤمنين. إذن هم آمنوا، آمنوا. قال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم". خطاب للمؤمنين، وهذا رد من يهيئ له، لأن بعض الأشخاص أحياناً يقول لك: كيف هذا الإنسان فلان هو مؤمن وداعي ويعلم الناس، ابن فاسد؟ هذا الكلام لا يليق. الله سبحانه وتعالى خاطب عباده المؤمنين هنا، قال: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم". العداوة التي يحدثني هنا عنها القرآن، الكلام كلها عن يوم التغابن، عداوة الدين وليست عداوة على مال ولا على منصب ولا ما شابه، لأن الغالب على الأب والأم أن يعطوا للأبناء كل شيء، فما ممكن تقع العداوة هنا في الغالب الأعم. إذن العداوة تقع في أي شيء؟ في جانب هذا الديني، جانب الإيمان. صحيح الآيات ذكر لها سبب نزول، بعض الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة، طبعاً منهم من هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، ومن بعد بفترة وجيزة، بمجرد أن أذن له بالهجرة، وتركوا كل شيء وراء ظهورهم، ولم يستأذنوا لا أب ولا عم ولا أخ ولا خال ولا أحد، تركوا كل شيء، أشيروا، أهل، وطن، مال، وخرجوا لله ورسوله. لأننا قلنا الناس درجات والتفاوت، لأن الله عز وجل قال في آيات آخر: "لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ". في ناس قبل الفتح أنفقوا، جاهدوا، هاجروا، "ومن أنفق بعد"، في درجات، في تفاوت. فبعض المؤمنين هاجر مع الله ورسوله واستجابوا من بداية الأمر، البعض الآخر ماذا فعلوا؟ أصحاب النفوس الأضعف ماذا فعلوا؟ بقوا في مكة وسألوا أهاليهم، الأزواج والأولاد، وشاوروهم: شرايكم؟ إن هاجر ولا من هاجر؟ ماذا نفعل؟ إلى آخر. فكانت الإجابة من عدد من هؤلاء أو معظمهم: كيف تتركون هنا في مكة وتهاجرون؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر معه أحداث كبيرة، وإنتوا بدل ما تهاجرون اليوم، تهاجرون بعد سنة، على ما تستقر الأمور وتشوفون الأوضاع. إنسان كيف يفكر؟ تهاجرون فيما بعد ولكن الآن لا. وبعدين تتركون، تتركون لمن؟ فماذا حدث؟ بقي هؤلاء في مكة سنوات، هاجروا إلى المدينة، فرأوا ما كان فيه المسلمون الأوائل اللي هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حفظ للقرآن، تعلم للدين، شاركوا معه في مختلف الغزوات، فوجدوا نوع من أنواع أي شيء؟ الغبن، اللي سورة التغابن بتكلمني عن أشكال من الخسارة. وجدوا أنهم قد خسروا، ضيعوا كثير، فنزلت الآيات. لماذا نزلت الآيات؟ الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، وهذا من أعظم ما يقوي علاقتنا بالله سبحانه وتعالى أن تدرك أن الله سبحانه وتعالى يحتوي ضعفك ويغفر لك زللك ويغفر لك ذنبك ويصفح ويعفو ويسامح ويسمح لك أن تبدأ من جديد بصفحة جديدة بيضاء، فاصبر. لأن البعض منهم حز في نفسهم قالوا: هؤلاء سبقونا، راحت علينا. صحيح، بعدين هاجروا، ولكن كما ذكرنا قبل قليل الله قال في القرآن: "لا يستوي"، ليسوا سواء، الدرجات غير متساوية، متفاوتة. ما الذي منعهم آنذاك؟ الأزواج. إذن قد يحدث في حياتك، طبعاً الكلام مؤخص عام، خطاب لكل المؤمنين في كل زمان، إنه أحياناً أحياناً وفي كثير من الأحيان الزوج والأولاد، هؤلاء أكثر فئتين ممكن أن يسببوا لك بدون أحياناً ما تشعر شيئاً يحول بينك وبين الترقي في الدرجات للوصول إلى رضا الله عز وجل. فإياك أن يقف بينك وبين الله أحد. لماذا؟ لأنه الله قال في آيات آخر: "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ". لن ينفعك أحد، "يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ"، بالضبط. فإذا كان يفر من كل أحد، إذن كيف لا يفر من هؤلاء؟ وهم في الدنيا وقفوا بينه وبين رضا الله عز وجل. قال: "فاحذروهم". تدبروا القرآن حين يعلم الإنسان التهذيب والأخلاق والرقي في التعامل مع الناس حتى وإن اختلفوا مع ما يقوله القرآن العظيم من تعاليم. هنا: "احذروهم"، خلوا بالكم، بس معادوهم، مقاطعوهم، مؤقتلوهم، مؤضربوهم، لا، بس انتبه، خلي بالك. لماذا القرآن جاء بهذه القضية في سورة التغابن هنا؟ لأن من أكثر المسببات التي تسبب وتوقع الإنسان في خسارة يوم القيامة هذا النوع من الزلل في التعامل. يعني أنت ممكن أن لا شيء في الكون يجبرك على أن تفعل أبداً شيئاً منكراً أو حراماً، بس نقطة ضعفك أولادك. في ناس هكذا، نقطة ضعفهم أولادهم. فماذا تفعل بتلك النقطة؟ تجعلها نقطة قوة وليست نقطة ضعف. وكذلك بالنسبة للأزواج. ونقطة الضعف على فكرة ليست دائماً أنه تأتي من باب المحبة، قد تأتي أيضاً من باب العداوة. أحياناً الإنسان حين يبتلى، المرأة مثلاً ابتليت بزوج غير غير مناسب أو غير جيد، تلاء هذا امتحان من أشكال العداوة هنا أن تنشغل هذه المرأة أو ينشغل الإنسان بعدوه، فعل وسوى وخطط ودبر ومكر وأمر، فتنتهي الأوقات وتضيع الأوقات وتهدر الطاقات فيما لا طائل من ورائه. قال: "فاحذروهم". والمطلوبة وجه التعامل: قال: "وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". لكل هؤلاء، نعم، لكل هؤلاء، لأنه صارت مشكلة اجتماعية مع بعض المسلمين بعد الهجرة مع أسرهم وعوائلهم، بدأوا يتلاومون: أنت منعتون، أنت فعلتوا، أنت سوّتوا، هذا في الدنيا وليس في الآخرة. والقرآن يعلمني وتسامح وصفح أن لا ترجع تنبش في الأوراق في الماضي. شوفوا القرآن كيف يعلم الإنسان الإيجابية. الصفح ما معنى اقلب صفحة؟ لماذا اقلب صفحة؟ حتى تتحرك للصفحة التي تليها ولا تقف عند صفحة واحدة في حياتك. اعفوا واصفحوا وتغفروا. وتدبروا في الربط: "فإن الله غفور رحيم". تريد أن يغفر الله لك؟ اغفر للآخرين. تريد أن يغفر الله لك؟ ألا ندعو هذا الدعاء طول الوقت: يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي؟ إذا أردت أن يغفر الله لك، تقرب إليه واسأله مغفرته بأن تغفر للآخرين أخطاءهم وزلاتهم وعثراتهم وهفواتهم. أما أن لا يعرف قلبك طريقاً لا لتسامح ولا لصفح ولا لعفو ولا لمغفرة، ثم تلح بالدعاء على الله: اللهم إنك عفون تحب العفو فاعف عني، ينبغي أن تتوقف في هذا. تدبروا في الربط: "تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم". هو غفر سبحانه ووقع التقصير في حقه، فأنتم تغافروا فيما بينكم. بعض الناس وعلى فكرة هذا العمل العفو والصفح والمغفرة، هذه ثلاثة أعمال، هم في تداخل بيناتهم وتشابك، بس المحصلة النهائية أن القلب لا يبقى فيه من نقاوة السر، أن القلب لا يحمل شيئاً من الغل على أحد. يعني أنا ممكن أن أعفو باللسان وأتنازل عن حقي ولكن قلبي فيه شيء. والقرآن ماذا يريد مني؟ يريد القلب أن يكون صافي نقي لا يحمل شيئاً على أحد، لأنه في يوم من الأيام قد أسعى إليه. لماذا القرآن يأتي بها في سورة التغافر؟ أعظم الأعمال التي ترفع الدرجات يوم القيامة ولن تخسرها، بالعكس، أنت من الفائزين. أعظم الأعمال أن تعفوا عن الناس. تريد رفع درجات غير؟ أعفوا، سامح، اصفح، تغاضى، تغافل، لا تقف عد كل زلة وعد كل غلط وعد كل عثرة. أعظم الأعمال التي ترفع الدرجات. وتدبر في حجم ماذا أنت. يعني بعض الناس مثلاً الكلمة يردها بأشرة، ويعتبر أن هذه قوة في الشخصية. أنت خاسر، أنت مغبون. لمن الكلمة بأشرة؟ أنت مغبون. طب ما أريد أن أكون خاسرة، أريد أن أكون رابح. ماذا أفعل؟ أعفو وأصفع واغفر وتغاضى، وترفع أن أن ترد الكلمة ولا حتى بكلمة. الكلمة، الإساءة من المواقف التي تصير معنا أحياناً، كلمة الإساءة، فلان أساء لي، أرد الكلمة بمثلها أو أكثر، وبعض الناس يستشهدون: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم". هذا بالحروب. يعني حتى العلاقات الاجتماعية نريد أن نحيلها إلى حروب. ما هذا الفهم؟ بعض الناس هكذا كذا يقرأ القرآن. لا، القرآن يعلمك، تريد أنك لا تغبن. بعض الناس يقولون: لن أتنازل عن حقي. من حقه. ولكن إذا تريد رفع درجات، تعفو، تصفح، وتغفر، درجات عالية. هذا القرآن كيف يربي في النفس أن تعد العدة ليوم التغابن، شيء عجيب! أن أحياناً إحنا كل الأعمال التي ننظر إليها في الأعداد ليوم القيامة مو أعمال نفسية أو معنوية، مو أعمال نفسية أو معنوية، والقرآن يأتي على الداخل، النفس. لماذا؟ لأن رفع الدرجات مرتبط بنقاوة السر وطهارة القلب. هذا أعظم إعداد ليوم التغابن، أن تأتي الله بقلب سليم، قلب. ثم جاءت الآية التي بعدها تؤكد هذا المعنى: "إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ". وتدبروا الآية التي قبلها: قالت: "من أزواجكم وأولادكم"، الآية التي بعدها: قالت: "إنما أموالكم وأولادكم". الولد مرتين انذكر الأولاد، لأنه نقطة ضعف كبيرة. كثير من الناس يخطئ في حياته ويقع في ظلم الآخرين لأجل أولاده، كثير ينافق، يداهن، يماري أحياناً لأجل من؟ لأجل أولاده. فذكروا مرتين، مع العدو ومع الفتنة والاختبار. تخيلوا إلى أي درجة، لأن الأولاد من أعظم، قد يكونوا من أعظم أسباب الصد عن رضا الله سبحانه وتعالى، وقد يكونوا من أعظم أسباب الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى، في حزنهم وفرحهم، في كل الأحوال. وأضاف لها في هذه الآية: قال: "إنما أموالكم"، هذه أكثر الأشياء التي ممكن أن تشغل الإنسان عن الله سبحانه وتعالى، وممكن أن يغبن فيها، تقع فيها الخسارة، الأموال والأولاد فتنة. طيب يا ربي، والحل؟ فتنة هي الاختبار. ويقال فتن حتى في الذهب، لماذا؟ لأنه يمشي الذهب على النار لما يفتن حتى تنزل من عنده كل الشوائب وتطرح ويبقى الذهب الخالص. الإيمان الخالص كيف يفتن الإنسان المؤمن؟ بالأموال وبالأولاد. "أموالكم وأولادكم فتنة". طيب، كيف تعالج هذه الفتنة؟ قال: "وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ". ما معنى هذا الكلام؟ حين تترك شيئاً اتركه لله، سيعطيك أجر عظيماً، مالاً أو ولد، مالاً أو ولد. واذكروا سبب النزول اللي احنا أشرنا إلى الناس اللي هاجروا من مكة، تركوا من؟ تركوا أمواله، أولاده، تركوا كل شيء لأجل أي شيء؟ "وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ". ائق التي يمكن أن تقف في الطريق وقد تجغل الإنسان عن الإعداد ليوم التغابن، عليك أن تدرك أنها محط اختبار، "وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ". وجاء الأمر بعدها: قال: "فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ". وهنا وقع بعض أيضاً العلماء والمفسرين واللي يقرأوا من القرآن، قالوا هذه الآية نسخت الآية التي كانت: "فاتقوا الله حق تقاته"، ولم تنسخ، الآيتان تُقرآن مع بعضهم البعض. اتق الله على قدر ما تستطيع، بأقصى ما يمكن أن تستطيع، حق تقاته، بكل ما أنت تؤمن به سبحانه وتعالى، بكل ما تؤمن بحق أن تتقيه. يحق لنا أن نتقي ولا ما يحق؟ حق علينا أن نتقي سبحانه، حق علينا. فالتقي حق تقاته: "اتقوا الله حق تقاته"، لأنه يستحق سبحانه وتعالى أن تتقيه. "واتقوا الله ما استطعتم"، لأن عملية التقوى، تذكرون في يوم من الأيام قلنا التقوى تنزل وتصعد، والإيمان ينقص ويزيد، وكذلك التقوى، نحن لسنا سواء وإن كنا كفرد، الفرد واحد أحياناً تبلغ درجة التقوى مبلغ عظيم، وأحياناً قد تنخفض، حسب استطاعة الإنسان أحياناً، حسب الظروف اللي مربية أحياناً، حسب عوامل كثيرة مختلفة. ولكن ربي عز وجل من رأفته ورحمته سبحانه أعطانا هذه السعة، خفف عن الناس فيها. طبعاً أسباب نزول أن الصحابة رضوان الله عليهم لما نزلت الآية: "اتقوا الله حق تقاته"، قاموا الليل حتى تورمت أقدامهم، خافوا، فنزلت هذه الآية العظيمة: اتقوا الله، "فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ"، "لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا". والآية جاءت مع أي شيء؟ مع الأموال والأولاد. لماذا؟ لأن هذه نقاط ضعف في حياة الإنسان حقيقة، يتقي الله عز وجل في ماله مع الأولاد، فلا يوقعه في حرام أو ما يرضى به الله سبحانه وتعالى، ولكن قدر المستطاع، المهم أنه لا يتجاوز الخطوط الحمراء. ولذلك قال سبحانه: "وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟". السماع لأي شيء هنا؟ آيات الكتاب العظيم ما يعين الإنسان على تجاوز الفتنة والاختبار في الأموال والأولاد، الاستماع للكتاب العظيم. ولكن سماع أي سماع؟ لا، سماع الإجابة: قال: "وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟"، "سمعنا وأطعنا"، للسماء. إذا سمعت القرآن، القرآن يقول لك: "إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ"، وأنا أعيش حياتي كلها في نصف هذه الفتنة، ولا آمر معروفاً ولا أنهى عن منكر بسبب فتنة أولادي هذه، سمعنا، ولكن أين الطاعة؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا"، لا بد أن يكون في طاعة في هذه الفتنة. فتنة هذه طبيعة القرآن العظيم، واضح، أسئلة الامتحان معروفة. الشيء العجيب في يوم التغابن، يوم التغابن، يوم القيامة، يوم الجزاء، الشيء العجيب أن كل أسئلة الامتحان مفتوحة، الامتحان مفتوح، الأسئلة معروفة. يعني الأسئلة التي سيسأل عنها الإنسان يوم القيامة أنت تعرفها. نحن كل امتحانات الدنيا عادة ندخل للامتحان، الطالب ما يعرف الأسئلة إلى ساعة الامتحان. امتحان الآخرة، كل الأسئلة عندك، أجب عليها. هذا واحد من الأسئلة: ماذا فعلت بهذه الفتنة والاختبار العظيم؟ قال: "وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ". أعظم وسائل النجاح والفوز والكسب يوم القيامة أن تنفق. وتدبروا في الكلمة: قال: "وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ". أنت حين تنفق من كل شيء، مالك، ألمك، جهدك، موهبتك، كل شيء، أنت تنفق لأجل نفسك، لأن عادة الناس من يقولون عن الإنفاق، يتصور أنه ينفق لغيره، أليس كذلك؟ قال: "وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ"، حتى تدرك أن الإنفاق ليس لأجل الآخرين، إنفاقك لك، إنفاقك لنفسك. ولماذا جاء بالإنفاق في سياق الأموال والأولاد؟ كثير من الناس، كثير من الناس في حياتنا يمتنع عن الإنفاق في سبيل الله لأجل أن يؤمن للأولاد مستقبلاً سعيداً آمناً. أليس كذلك؟ والإنسان يكفيه من حياته ثوباً يلبسه وطعاماً يسد جوعه، أليس كذلك؟ وبيتاً يؤويه. ولكن في كثير من الأحيان، كثير من البشر، كثير من المسلمين، ما يمنع عن الإنفاق أنه يريد أن يترك شيئاً لأولاده. هذا حسن، ولكن ليس كل شيء تتركه لأولادك والظل. انتبه، لا شيء، بعض الناس هكذا يفعل. أولادك لهم رب كما رباك، يربيهم كما رعاك يرعاهم. ولكن عليك أنت أن تفكر وأن توازن في حياتك. وذكرنا نحن في مرة من المرات، قلناها أكثر من مرة، أنت أقل شيء في الدنيا عندك الدنيا وعندك الآخرة، تنفق على مطالب الدنيا الحلال طبعاً، لأن الحرام الفلس فيه خسارة، ولكن تنفق على الدنيا على الأقل لما تأتي إلى الآخرة، سوي موازنة في حياتك، اعمل موازنة، على الأقل ما تنفقه في الدنيا يقارب ولو بنسبة ما تنفقه للآخرة. أحياناً بعض الناس ولا حتى تصل النسبة واحد بالمية، ينفق ألف على سفره أو على حياته أو على خروجه أو مشابه، وما مستعد ينفق دينار في سبيل الله. هذا التفاوت العجيب القرآن عالجه في سورة التغابن. لماذا؟ لأنه سيدرك يوم التغابن أن ذلك الدينار الذي أنفقه هو خير له من كل الآلاف المؤلفة التي أنفقها في الدنيا. ولذلك جاءت نهاية الآية: قال: "ومن يُوق شُح نفسه فأولئك هم المفلحون". ما الذي يمنعك من الإنفاق؟ شح النفس، أشح على الخير، والشح أعظم من البخل. شح، لماذا الشح أعظم من البخل؟ البخل فقط منع، منع للإنفاق بأي شكل، المال أو الوقت أو مشابع، بحسب. الشح يصاحبه إلى جانب المنع شعور نفسي، لا يريد أن يعطيه، النفس شحيحة. ولذلك القرآن العظيم يصف النفوس بأنها شحيحة وليست الأيدي، الأيدي تنفق أو تمنع، والقلب يشح أو يعطي، ومدار الكلام في سورة التغابن على القلب. قال: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". يعني الإنسان قد لا ينفق ولكنه غير شحيح النفس، ممكن جداً، في ناس ما عنده شيء ينفقه، ما عنده ولا شيء ينفقه، يا دوب اللي عنده يكفي، ولكن مع ذلك نفسه ليست بشحيحة. وفي ناس يملك ملايين، نفسه شحيحة. القرآن لا يحدثني هنا فقط عن بخل مادي، يحدثني عن شح النفس. في نفس شحيحة وفي نفس معطاء. ما الفرق بينهما؟ أنا قد لا أمتلك شيئاً في جيبي لأنفقه، لا مال ولا أي شيء، لكن قلبي وعقلي ولساني لا يفتر عن الدعاء للمسلمين بالخير وتمني الخير لكل المسلمين، هذه نفس معطاء حتى ولو لم تعطي ولو حتى دينار، لأن ليس في جيبها دينار. النفس الشحيحة لا تحب الخير للآخرين. ولذلك قال في الآية تحديداً: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". في أي يوم؟ في يوم التغابن. من الفائزون؟ أولئك الذين لم يثأروا لأنفسهم، أضعت تحتهم كل الخانات التي سبقت، قبل قليل قلنا إنسان قال لي كلمة سيئة، ما رديت، سكت، أو قلت: سامحك الله، وعفوت وصفحت وغفرت. هذه نفس ليست بشحيحة. نفس الشحيحة نفس تشح حتى بالتسامح وعدم الانتقام. في نفوس تشح، في بعض النفوس، بعض الأشخاص أحياناً سبحان الله يتذكر قبل وفاته أو حين يمرض أساء الإنسان في يوم من الأيام، فيطلب منه أن يسامحه. فيأتي إلى ذلك الإنسان ويقول له: سامحني، أريد منك أن تسامحني. وهذا الآخر يظن على هذا بالسماح والعفو، ما يسامح، سامحني يعني، بس الصراحة ما قدر أسامحك. نفس شحيحة، نفس شحيحة. فهذه ما طلب من عندها مال، وما طلب مال، وما طلب مال من عندك، هو طلب سماح، طلب منك أن تسامح. ما يسامح، ما مستعد يسامح، تخيلوا إلى أي درجة، هذا شح، هذا شح. فالقرآن يعالجه، الفصل السابع: القرض الحسن قال: "إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا". قرض في كل شيء. وتدبر في استخدام الكلمة، كلمة قرض جاية من أصل اللغة، قرض يعني قضم، يعني اقتطع شيئاً. فالإنسان لمن يُقرض يقتطع شيئاً يحبه من ماله، من وقته، من جهده، من نفسه، من عواطفه، من مشاعره. رب عز وجل ذكر القرض الحسن، وما ذكر القرض إلا وذكر معه الحسن في آيات الكتاب العظيم في خمس مواضع في كتاب الله عز وجل أو ستة، "قرضاً حسناً" وردت بهذه الكلمة، "قرضاً حسناً"، ما سماه إلا "قرضاً حسناً". لماذا؟ لأنك أنت حين تقطع شيئاً لا تقطعه لأجل شيء، أنت تقطع لأجل من؟ الله سبحانه وتعالى. "إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يضاعفه لكم". آية عامة، والقرض لا يشمل فقط الصدقة ولا يشمل الديون، كل شيء. ولماذا سماه سبحانه وتعالى، لماذا سماه سبحانه وتعالى هنا بأنه قرض؟ تُقرض الله. لأن القرض يختلف عن العطاء، العطاء أنت لا تنتظر أن يرد إليك، راح، أنت عطيت، راح، أليس كذلك؟ ولكن القرض حين تُقرض أحداً أنت تنتظر أن يرده إليك. وكل العطايا مع الله سبحانه وتعالى سماها قرضاً. لماذا؟ سيردها عليك أضعافاً مضاعفة، ما راح شيء. وتدبروا كيف في استعمال الكلمة، القرآن قال: "إن تُقرضوا الله"، ما قال لا من أموالكم ولا قال من أوقاتكم ولا قال من أي شيء، تركها مطلقة، تركها عامة، تركها مفتوحة. لماذا؟ حتى تقتطع من حياتك وجهدك ومالك ما تشاء، سيرده الله عليك أضعافاً مضاعفة. ليس هذا فحسب، قال: "إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يضاعفه لكم". هذا في الدنيا ولا في الآخرة؟ بعد، تركها مفتوحة. لماذا تركها سبحانه مفتوحة؟ حتى تعلم أن الباب مفتوح، وأن عطاء الكريم عظيم. اقتطعت على سبيل المثال من حياتك أو من وقتك من الأربعة والعشرين ساعة ساعة، جعلتها في المشي في حوائج الناس، يضاعف لك ليس فقط في الأجر والمثوبة يوم القيامة، المضاعفة مفتوحة، يعني الوقت ما ذهب هباءً أبداً، الساعة صارت عشرة، الله بيطرح فيها البركة. وهذا ما ربي عز وجل في آيات آخر عبر عنها بهذه المعاني، أنه يضاعف مضاعفة، يعني الساعة صارت ساعتين، الساعة صارت عشرة، ما تنتجه في الساعة التي استقطعتها من وقتك صارت عشر ساعات، من أين جاءت البركة والمضاعفة؟ بوعد الله سبحانه وتعالى. والآية مفتوحة، طيه لله عز وجل مفتوح، بالألم، بالمال، بالوقت، بالجهد، بالعفو، والصفح. بعض الناس كيف ينفق؟ ولذلك يُروى عن بعض السلف وبعض الصالحين ما عنده شيء ينفق، يقول: أنا أنفق بأي شيء؟ بالتسامح مع الناس، كل من لي حق عليّ سامحته، هذا عظيم من أنواع الإنفاق، أعظم أنواع الإنفاق. قال: "يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم"، سبحانه وتعالى، "عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". هذا يوم التغابن، هذا الإعداد له، بما تعد العدة؟ بالقرض. والآيات تؤكد القرض الحسن، ما استخدم للقرآن كلمة أخرى، لأن القرض يختلف عن الصدقة. الصدقة تعطيها لا ترجع لك على المستوى المادي، خرجت من مالك. القرض تعطيه فيعود إلى مالك، لأنه قرض. رب عز وجل وعد، منه أن كل ما تعطيه وتنفقه سيعود لك، ولكن لن يعود بما أنفقت، يعود أضعافاً مضاعفة، بقدر أي شيء؟ تضاعف الأعمال بقدر خلاص القلب من الشح وحب الخير وحب العطاء وحب النفع للآخرين الذي لا يخرج إلا من نفس مؤمنة. ولذلك ختمت الآيات بالصفات: قال: "شكور حليم عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". لماذا قال سبحانه وتعالى "عالم الغيب والشهادة" هنا؟ للكلام في كل آيات سورة التغابن عن القلب. من الذي يطلع على قلبك فلا يرى فيه شحاً؟ الله. أنا قد أنفق، أحياناً الناس إلها الظاهر. بعض الأشخاص قد ينفق ألف دينار، ألف دينار أمام الناس والكاميرات والدنيا قائمة، هذا القضية ليست لها علاقة مباشرة بكاميرا. صحة العمل لا تتوقف على كاميرا أو عدم وجود ناس أو عدم سر أو علانية، ليس بهذا فقط، ولكن كمثال، أنفق ألف، ولكن الله أعلم، الغيب مطلع على ما في قلبه، ما أنفقها إلا رياءً، والرياء يحبط العمل. من الذي يقبلها أو لا يقبلها؟ الله، "عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". فأنت حين تقدم كل ما تقدمه، إياك أن تقدمه لغير الله. لماذا؟ لأنك ستدرك يوم التغابن أن أعظم الخسارة أن تنفق شيئاً لغير الله، أعظم الخسارة. وإحنا اعتدنا في حياتنا اليومية أن نقول: والله فلان لخاطر فلان، والله سويت هذا، جئت لخاطرك. هي الكلمة ربما لا نقصد بها شيئاً، صح؟ أليس كذلك؟ فعلت كذا لخاطرك، سامحت فلان لأجلك، سامحت كذا لأجل عيونك، كلمات عابرة نقولها، والقرآن يريد أن يربيني أن هذه حتى في هذه الكلمات أنا حين أغفر أو أخطو خطوة أو أعمل عملاً لا تعمله إلا لله سبحانه وتعالى. جبر الخواطر، حتى جبر الخواطر، جبر خواطر الناس من أعظم الأعمال، ولكن حتى حين تجبر خاطر من تجبره؟ اجبره لله، هذا التوحيد. لماذا؟ لأن أنت إذا جبرته لأجل فلان، من الذي وقع عليك مكافأته؟ من الذي سيكافئك؟ فلان الذي سويت لأجله؟ وإذا جبرت لأجل الله، وقع أجرك على الله. هذا الفارق الشاسع الذي تبنيه سورة التغابن، وأعظم الأعمال التي نلقى الله سبحانه وتعالى بها يوم التغابن التي قمنا بها لأجل الله، وكل الأعمال التي عملناها لأجل غير الله خسرنا فيها خسارة. شوفوا القرآن العظيم كيف يبني في سورة التغابن! وسبحان الترابط بين أول سورة، "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، وآخرها، "عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". علم الله عز وجل لا يمنع أنك أنت مسؤول عن هذه الأقدار. فهناك أقدار، والمجتمعات مسؤولة عن الأعمال الكسبية فيها، ولا تعارض بين علم الله سبحانه وتعالى بها وبين عمل الإنسان وكسبه أبداً. ولذلك لما الله عز وجل يقول: "ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ"، "ويعفو عن كثير"، فهذا الفساد من فيضانات، زلازل، وأشياء، هذه الظواهر الطبيعية، العلماء الآن يقولون إنها هي ما جاءت من فراغ، جاءت نتيجة لسوء تصرف البشرية بالموارد الموجودة في الموارد الطبيعية، سوء تصرف، فساد. فإذا أنا هنا لا أقول أن هذه المصائب كلها مكتوبة من هذا الباب. ولذلك من أعظم الأشياء التي أصابت المسلمين في مقتل في العصور السابقة، كلما كانت تقع عليهم كارثة جماعية، كارثة جماعية مثل اللي يحدث في كثير من البلدان على سبيل المثال، تجويع، تهجير، تشريد، كلما حصلت كارثة من هذا النوع، احتجوا بالقضاء والقدر، قالوا: الله كتب علينا، فنحن مؤمنون بالقضاء والقدر ونسلم الأمر لله. تسليم الأمر لله عز وجل لا يمنع أبداً ولا يعني أبداً أن تكون إنساناً سلبياً، محبطاً، لا تحاول أبداً أن تدفع عنك القدر. بدليل الله قدر على الإنسان أيضاً الجوع، كيف يدفعه؟ ألا يدفعه بأكل الطعام؟ ولا يظل جوعان؟ يشعر بالبرد، ألا يدفعه بلبس شيء؟ يشعر بالمرض، ألا يدفعه بطلب الدواء؟ وعلم الله سبحانه وتعالى، ولا تعارض بيننا. ولكن هذه السورة العظيمة، سورة التغابن، على ما أنها ثمانية عشر آية، ثمانية عشر آية ما تجاوزت، ولكن أحاطت خلاصة الأعمال العظيمة التي يلقى الإنسان بها الله سبحانه وتعالى يوم القيامة: تسبيح، إيمان، يقين، نقاوة سر، ونظافة سر، وقلب، وطهارة في القلب، وإيمان بالله سبحانه وتعالى، وتفطن، وحذر من أشكال الاختبارات، لأن الاختبارات أحياناً قد تأتي جداً صعبة متلبسة بأولادك من تحب، متلبسة بأبنائك، متلبسة بأموال، متلبسة بشيء تحب، قد يحدث هذا، وكن حذراً، يقظاً، ولا يصدك أحد عن الإجابة السليمة أي شيء من هذه الفتن. ثم أعظم الخطوات التي تخطو بها وتركض بها وفي السباق الإنفاق من كل شيء، وأن تُقرض الله سبحانه وتعالى قرضاً حسناً. كل ما تعمله، كل الأعمال الصالحة قروض، كل الأعمال الصالحة قدمها قروض لله سبحانه وتعالى. "والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عمله". هذه سورة التغابن، إذا أردت أن تكون من المفلحين، وتتدبر معه. الله عز وجل في سورة التغابن جاء بوصف المؤمنين "المفلحون"، فازوا. من هم الفائزون؟ الذين ما خسروا تجارتهم وبيعهم مع الله، ربح، ربح بأجل أي شيء؟ رضا الله سبحانه وتعالى، وأن يتوخى الإنسان رضا الله عز وجل، وربح البيع. ولذلك كلنا يعرف القصة المشهورة، قصة أبي الدحداح حين باع، نزلت الآية في سورة البقرة: "مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا" فقال: يا رب، جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، ويطلب الله منا القرض، فهم هذا التدبر، هذا ما يحتاج إلى كتاب تفسير حتى أفتحه وأفهم معناه، يحتاج إلى قلب تفسير، يعرف كيف يسمع الآية فيقول: سمعنا وأطعنا. قال: يطلب منا القرض، الله رب العزة؟ قال: نعم يا أبا الدحداح. فإذا بأحب الأموال إليه يُقرضها لله سبحانه وتعالى. السؤال: من الذي ربح؟ أبو الدحداح، وأعظم تجارة، لأن المضاعفة فيها كم؟ الربح فيها، والمضاعفة فيها لا حد لها ولا حصر لها. ونحن اليوم خاصة في عصر الماديات أصبحنا لا نستسيغ أن نخرج، لا أقول من أحب أموالنا لأن أحب هاي شوية صعبة، ولكن جزء من أموالنا، جزء مما لدينا، نخرجه لله، نقرض الله سبحانه، أي، كل عمل، كل شيء، لا تنظر إلى من تعطيه، ضع أمامك هذه القاعدة، أنت تُقرضه لله سبحانه وتعالى، اقرض ما شئت. والآيات العظيمة في القرض كلها جاءت بالقرض الحسن، وكل قروضنا لله سبحانه وتعالى حسن، فلا تبتئس ولا تذهب نفسك حسرات على شيء أنفقته ثم تبين لك أنك أنفقته في غير محله باعتبار أن الشخص لا يستحق، لأنك لم تنفقه له، وإنما أنفقته للرب سبحانه وتعالى، "الذي لا يضيع أجر من أحسن عمله". تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - الأخيرة - تدبر سورة التغابن - د.


النص الأصلي

د.رقية العلواني


الرئيسية

تدبر القرآن

سورة التغابن

حلقة 2
تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - الأخيرة
→ جميع الحلقات
حلقة ٢ من ٢
تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - الأخيرة
الفصل الأول: مقدمة وسياق سورة التغابن
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


ونسأل الله سبحانه وتعالى في هذه الساعة المباركة أن يجعلنا ممن يذكرهم في مجلس خير من هذا المجلس، وأن يجعلنا ممن يذكرهم تتنزل عليهم الرحمات والسكينة، وتستجاب لهم الدعوات، وترفع لهم الدرجات، وتغفر عنهم الخطيئات، إنه سميع مجيب الدعاء.


وصلنا في اللقاء السابق ونحن نتدبر في سورة التغابن إلى أكثر من منتصف السورة. وذكرنا في المرة السابقة أن هذه السورة العظيمة التي أعطيت هذا الاسم، الذي هو اسم من أسماء يوم القيامة، سورة محورها الأساس الإعداد ليوم التغابن. وقلنا بأن هذا الاختيار للاسم، اختيار له مقصد، الله سبحانه وتعالى في سورة التغابن يعطي للإنسان صورة مصغرة حقيقية أو ملخص لرحلته في الدنيا وفي الآخرة، ليبين فيها أن كل ما يمكن أن يكون قد قام به في هذه الدنيا لا بد أن يكون مبنياً على علاقته بالله سبحانه وتعالى، كل شيء، كل صغيرة وكبيرة. وإن لم يكن قد ضبط حياته بجزئياتها ووجه الوجه بشكل صحيح لرضى الله سبحانه وتعالى فهو في خسران.


الفصل الثاني: معنى التغابن (الخسارة)
وهذا معنى التغابن. طبعاً هناك عدد من الأقوال، كلها تدور حول الخسارة والنقص في تفسير المعنى لهذا الاسم الذي سميت به هذه السورة. ولكن المعنى الذي يتلاءم مع هذا المقصد أن كل إنسان يوم القيامة سيشعر بمدى الخسارة التي خسرها، لأن الخسارة ستكون موجودة حتى بالنسبة للإنسان المؤمن، ولكن خسارة عن خسارة تفاوت. خسارة الكافرين، والعياذ بالله، خسارة لا تعوض، وسيدركون حينها بعد فوات الأوان أنهم حين باعوا الآخرة واشتروا الدنيا كان الثمن بخس. ومعنى التغاب أو الخسارة تأتي من الفكرة التجارية، بيع وشراء، والقرآن يحدثني عن عمليات البيع والشراء في أكثر من موضع، "فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ" وهكذا.


فهناك خسارة، ولكن خسارة الإنسان الكافر لا تعوض أبداً. سيدرك حينها أنه باع شيئاً ثميناً بثمن بخس لا يساوي شيء، لأنه سيدرك الحقائق، الآخرة كم تساوي، والجزع فيها كم يساوي، والدنيا كم كانت تساوي، وكيف هو فضل وآثر الحياة الدنيا وهي لا تساوي على الحياة الباقية وهي تساوي كل شيء، فيشعر بالخسارة. أما المؤمن فهم كذلك يتفاوتون في الشعور بمعنى الخسارة. واحد منها من أسباب الشعور هذا أنهم سيدركون حجم الدرجات المتفاوتة بين أهل الجنة، لأن الجنة درجات، والناس فيها متفاوتون تفاوت عجيب. وأعلى الدرجات ستكون بطبيعة الحال بجوار النبيين والصديقين والشهداء، أعلى الدرجات، نسأل الله أن يمن علينا ويجعلنا منهم.


وتبدأ الدرجات بالتفاوت، هي كلها عالية طالما هي في الجنة، ولكن الإنسان يشعر لمن ينظر كل هذه الدرجات بالضبط بالضبط كالإنسان أو الطالب حين يأخذ نتيجته أول مرة، يريد يطمئن أنه ناجح هذه الحقيقة، لمن يطمئن أنه ناجح يبدأ يسأل عن الدرجات والتقديرات. فلمن يرى التقديرات يبدأ يشعر بمعنى الندم، لأنه طبعاً النجاح الحافة ليس مثل النجاح بأعلى تقدير، صح اثنينهم نجاح، ولكن التفاوت كبير. فالإنسان المؤمن أول ما يطمئنه، تطمئن أنه وطأت أول قدم عنده في الجنة، يرتاح، ثم بعد اعتبار هذا يبدأ ينظر إلى التفاوت في الدرجات، فيفهم كم ساعة ضيع من حياته، كم من الأشياء، من الأوقات، من الأموال، من المواقف ضيع في حياته، كان ممكن فيها ترتفع، بيبني على الدرجات.


الفصل الثالث: الإعداد ليوم التغابن
وستأتي علينا في سورة التغابن اليوم نماذج من هذا التفاوت من أسباب التفاوت، لأن المحور الأساسي الذي تتركز عليه سورة التغابن الإعداد ليوم التغابن، كيف تكون مستعداً ليوم التغابن حتى ما تكون عندك هذه الخسارة. هو الإنسان سيندم من حيث أنه لم تمر، حتى المؤمن، إذا لمن يرى الثواب العظيم والدرجات على كل ثانية مرت بدون ذكر الله عز وجل، واحسب كم ثانية احنا تمر علينا مثلاً. ولكن قطعاً ليس ذلك الشعور يقارب من شعور هؤلاء الكافرين، والعياذ بالله، الذين خسروا كل شيء، ولا مجال للتراجع أبداً.


فبدأت السورة العظيمة كما ذكرنا المرة الماضية بالتسبيح، وقلنا بأن التسبيح لما رب عز وجل قال: "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ"، يحرك الأعمال القلبية، يحرك القلب الذي هو محط قبول الأعمال، لأجل أن لا تصبح التسبيح مجرد تمتم باللسان، وإنما تتحول إلى طاقة، إلى عمل يمشي في ميادين الحياة مبشراً بالخير، عاملاً له كما ستأتي علينا الآيات. ولا يمكن هذا أن يحدث، قلنا في المرة السابقة، إلا بأعظم عمل يمكن أن يرفع المؤمن إلى أعلى الدرجات، صفاء النية. ولذلك الله عز وجل قال: "يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ"، ليس النية فقط، صفاء السر ونقاوة السر بحيث أن تكون السر أو يكون السريرة تكون سريرة الإنسان خيراً من علانيته. لماذا هذا المكان العظيم للسر؟ لأن السر هو موضع نظر الله عز وجل، والعلانية موضع نظر الخلق، فإذا هو وقع التوحيد في قلبه أعظم، وقت أصبح السر عنده هو الذي يهمه اليوم أن يكون قلبه معلقاً بالله عز وجل. وجاء بقلب سليم، وجاء بقلب منيب، القلب لا غش، لا غل، لا حقد، لا حسد، لا كر، لا بغض، لا حب في الانتقام كما سنأتي عليه، وإنما حب للعطاء، وليس لأجل أحد إلا لله سبحانه وتعالى، الذي قال: "يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ".


ثم مشت بنا بعد ذلك الآيات لتصف في حوارات مع أولئك الذين يجادلون بيوم التغابن إلى أن وصلت الآية، الآيات العظيمة لبيان الجزاء: "وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ". هذه أعظم خسارة، كفر الإنسان لمجرد ادعائه أو توهمه أو إيهام نفسه أنه أنا اليوم القيامة غير متأكد منه أنه سيحدث أو لا يحدث، فكانت الخسارة لهذا الكفر، أصحاب النار خالدين فيها.


ثم بعد الآية العاشرة إلى نهاية السورة، بدأت السورة تحدثني عن واقعي، عن حياتي. وهنا يتعجب الإنسان المتدبر وهو يقرأ السورة، نصف السورة قريب النصف وأكثر من النصف يتكلم عن يوم القيامة ويتكلم عن الإعداد ليوم التغابن، ثم يأتي بعد ذلك النصف الآخر متحدثاً عن واقع يعيشه الإنسان. لماذا؟ حتى يفهم كيف يعد العدة ليوم التغابن. وبدأ بأعظم الأشياء: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ". مصيبة كل شيء يكرهه الإنسان في مال أو في نفس أو في ولد. ولماذا بدأ بها مباشرة؟ من أعظم الأعمال التي يلقى الله الإنسان بها ربه عز وجل يوم القيامة الصبر على القضاء والرضى بقضائه وقدره. الرضى بالقدر، خيره وشره، ما أحب وما أكره. أنت تريد رفع في الدرجات، تريد تعد العدة ليوم التغابن، عليك أن تعد العدة كيف أن يتحول ذلك التسبيح الذي سبحت آناء الليل وأطراف النهار إلى يقين بالله سبحانه وتعالى إلى عمل.


ولذلك ذكرنا في المرة السابقة أن البعض يركز على عدد التسبيحات، شيء مهم أن تسبح الله عز وجل بقدر ما تستطيع، لا يسكت لسانك أبداً. ولكن الأعظم أنه يولد هذا التسبيح، وهو مقصد التسبيح، خضوعاً لله سبحانه وتعالى، ويقيناً به، وإيماناً بقضائه وقدره. قال: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ". كل ما يحدث، والـ"ما" هنا جمعت كل شيء في الكون، في النفس، في الأفراد، في المجتمعات، في الدول، في الأمم. "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ".


وهنا أولئك الذين يحولون قضية الإيمان بالقضاء والقدر على مدى سنوات، قرون، استنزف طاقات المسلمين عبر التاريخ من خلال إشكال الكلام ومسائل الكلام والإيمان بالقضاء والقدر، كيف؟ والمصيبة كل شيء في الكون لا يحدث إلا بإذن الله. ولكن الذي تفهمه حتى يبقى الإيمان معيناً صافياً نقياً غير معجون بالفلسفات الفارغة التي لا تقوي إيماناً ولا تزيد في يقين الإنسان ولا تقربه إلى الله، كيف تعرف المقياس؟ حتى في مجالس الذكر أو حتى في أي مجلس انتبه لنفسك وأنت جالس، حتى لو قرأت كتاباً، كيف تميز بين الكتاب الجيد والكتاب غير الجيد؟ ليس فقط بأن عرفت الأفكار، لا، انظر كذلك في مقياس قلبك، قربك إلى الله ولا بعدك. لما تسمع، لما تقرأ، أنت أقرب إلى الله ولا أبعد ولا ما فرقت. فالقرآن العظيم أعطاني في آية واحدة، بعيداً عن كل الفلسفات الفارغة والمذاهب التي قلنا سنزف طاقة المسلمين، كل ما يحدث في الكون بإذن الله.


سيقول قائل: طبيعي، وهذا مدخل الفلسفة هنا وعلم الكلام اللي يحدث في الكون، مصائب الآن، حروب، قتل، تجويع، تشريد، أشياء لا يقبلها العقل، فيقول يبدأ يسأل، فكيف؟ وهذه من المسائل الخطيرة الآن اللي تطرح على الساحة، إذا كان "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ"، كيف يأذن الله سبحانه وتعالى بوقوع مجازر، حروب، تشريد، قتل، سفك، وإلى آخره؟ أولاً، القرآن العظيم من أعظم قواعد التدبر فيه أنك ما تجتزئ الآيات، لن تصل إلى شيء، ستصل إلى فهم مبتور، مقطوع، مثل الآية المعروفة، "قُل للمصلين" وتسكت، تأتيك عكس المعنى. هذه واحدة. فإذا أردت أن تجمع عليك أن تفهم وتجمع. فكيف أفهم وأجمع؟ الله سبحانه وتعالى لا يأذن لا بقتل ولا بتجويع ولا بسفك دماء ولا بظلم، بل كل معظم الآيات والسور التي جاءت في القرآن في كل السور تقريباً، مدنية أو مكيّة، حرمت القتل، حرمت الظلم، حرمت سفك الدماء، حرمت نهب الأموال. أليس كذلك؟ طيب، هاي واحدة. إذن هو لا يأذن بالقتل ولا يأذن بالتخريب ولا يأذن بالدمار. اثنين أنه سبحانه في آيات كثيرة وفي سور كثيرة حذر تحذيراً قاطعاً واضحاً لكل إنسان عنده بصر وبصيرة أن ما غاب، ونتيجة الظلم والعدوان كارثية بكل المقاييس، وأنها لا تقف عند حد من ظلم الفردي، لا، تمتد لتشمل كل الدائرة التي حوله وربما أبعد. ولذلك ربي عز وجل في آيات آخر في سور أخرى أبين لي، لن، ربي عز وجل "وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ". بس، صالحون لماذا؟ لأنه إذا الإنسان صالح وسلبي لا يصحح خطأ ولا ينكر منكراً ولا يعرف معروفاً ولا يغار لا على دين، هذا ماذا تفعل به؟ هذه السلبية تجعل الإنسان لمن يظهر الشر أو المرض في أي مكان في المجتمع ينتشر. فالمصائب الجماعية اللي القرآن ده يتحدث أو تحدث عنها في مواقف أخرى هي لا تحدث لأن الله سبحانه وتعالى أذن بها بمعنى أنه هو أذن بها بحدوثه، لا، بمعنى أنها حتى وهي حين تحدث لا تخرج لا عن علمه ولا حكمته ولا عدله. فكل شيء ما يحدث إلا بإذن ملك، سبحانه الأمر بيده، فهو يحدث ليس لأنه أذن به، وبين لي لماذا حدث ويحدث. ولكن حتى حين يحدث هو يحدث والله سبحانه وتعالى عالم بذلك، مطلع عليه، فهو بإذنه. فأنا لما كفرد أو سلم بالحقيقة الأولى أن الله "له ما في السماء"، التي جاءت في سورة التغابن بداياتها، "له ما في السماوات وما في الأرض"، وأنه الملك، وأنه الغفور، وأنه الرحمن، وأنه الرحيم، وتستقر في قلب هذه الحقائق حين أستقبل المصائب والأقدار التي أكرهها أستقبلها بنفس ليس فقط صابرة، متصبّرة، لأن الصبر هذا درجة. صبر درجة، الذي أعلى منه الرضا والحمد طبعاً، اللي أقل منه الصخط، ولكن اللي بعده صبر، واللي بعده لعل رضا، رضا عن حكم الله سبحانه وتعالى وقضاء وقدر.


وتدبروا في الكلمة: قال: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ومن يؤمن بالله يهدي قلبه". وتدبروا معي كيف القرآن يعلمني أن موضع كل شيء في حياتك هو قلبك. قال: "يهدي قلبه". ما في الحين كلام عن العمل هنا في الآية، الكلام عن القلب. لماذا؟ الصبر والرضا كلها في موضعها في القلب، وليس فقط تمتلك، لأنا قد قد أقول الحمد لله وأنا قلبي صاخط، والعياذ بالله، قد ممكن يحدث. وأنا ذكرنا في مرات سابقة بعض المسلمين اليوم بحسن نية أو ربما غير منحى تبه، تسأل: كيف حالك؟ أول مرة، وبعدين الحمد لله، متهالك، جاي على نفسك حتى تطلع منه الحمد لله. الرضا الذي يتكلم عنه القرآن هنا ويقول: "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه"، الكلام عن القلب. ولذلك قال: "وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ". لسانك حامداً وقلبك ساخطاً. وإنما قلبك حامداً، لسانك شاكراً، ذاكراً، خاضعاً لحكم الله سبحانه وتعالى. لماذا خضع؟ لأنك عرفت من الذي سبحانه وتعالى قدر الأقدار، من الذي يسير هذا الكون، حدث بأمره ولا مو بأمره، حدث بإذنه ولا ليس بإذنه، فيطمئن القلب. لماذا؟ أن حياتك وحياة أولادك وحياة كل من معك هي بيد الله سبحانه وتعالى، فلا تقلق، ترى هو يدبر الأمر من قبل ومن بعد. اطمئن، ارتاح. ولذلك يعني من المفارقات أحياناً الإنسان حين لا قدر الله يمرض أو يصاب بشيء أو يحتاج عملية، يسأل عن الطبيب أولاً، أليس كذلك؟ أول كلمة شاطر يسأل، يتأكد، لا بد أن يتأكد أنه شاطر من حقه، الذي يدبر لك أمرك ولله المثل الأعلى، الله. فاطمئن، وتخيلوا إحنا في حياتنا هاي من المفارقات أنت تضع يدك، حياتك كلها بين يدي هذا الطبيب البشر، يفتح ويغلق ويخيط ويسوي ويشيل ويعمل كل شيء، ويساكت وبرضاك، ولا تدع حياتك يفصلها ويدبرها الذي خلق الأمر وخلق الكون برحمته وعدله ورأفته وحكمته سبحانه. فمتى يسكن قلبك ومتى يهدي الله قلبك؟ هو قال سبحانه قال: "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه". آمنت بالله، قلبك سيهتديه، سيسكن. ولكن أي إيمان هذا الإيمان الذي نتكلم عنه؟ الذي أصبح فيه التوحيد حاضراً، منقياً للقلب، مصفياً له، منزّهاً لله سبحانه وتعالى. وهذا معنى التسبيح، تسبيح، تنزيل، فنزه الله سبحانه وتعالى عن أن يحفظ شيئاً في الكون أو في نفسه إلا بعدله ورأفته وحكمته ورحمته، فيهدأ الإنسان. قال: "وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ".


وهذا أول ما ينبغي أن نتعلمه في الإعداد ليوم التغابن. لماذا؟ لأن من الأو


[continue]# الفصل الرابع: الطاعة والتوكل على الله


ائق التي تعيق الإنسان عن الإعداد ليوم الدين، يوم التغابن، وتشغله كثيراً المصائب. هذا حقيقة، كثير من الأحيان ما يشغلنا عن الإعداد ليوم التغابن المصائب التي تحدث في مال أو صحة أو نفس. واحسب في حياتك كم يأخذ منك لقدر الله المرض، حتى ولو كان شيئاً بسيطاً، وكم تأخذ هذه، وكم ينشغل بالك على ابن أو على أخ أو على أخت، إلى آخر. فربي عز وجل أعطاني في القاعدة الأولى بعد الكلام عن يوم التغابن، أول إعداد، كن مستعداً، ما هو العلاج؟ "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه". استقبل الأقدار بالإيمان، بالتسليم، بالسر النقي الطاهر، بالحمد والشكر لله سبحانه وتعالى على كل شيء وعلى كل ما أنت فيه.


طيب، وبعد ما حمدت، شوفوا القرآن كيف يبني الإنسان. الإنسان على فكرة الإنسان كثير الشكوى، كثير الصخط، الجزع، لا يعرف كيف يستقبل الأقدار. هل هذا إنسان يستطيع أن يبني حياة؟ لا، يستطيع أن يطيع الله سبحانه وتعالى أبداً. لذلك بعض الناس سبحان الله لمن يصاب بأي شيء تشوفه حتى في الصلاة لا يعرف كيف يصلي ولا يعرف كيف يقرأ القرآن، أذهلته المصيبة. فكيف لا تذهله؟ بالآية الأولى وما بعدها: قال: "وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ". لماذا جاء الأمر بالطاعة بعدها؟ لأن قلبك لا بد أن يكون حاضراً، مؤمناً، مهتدياً، وأنت تمارس الطاعة. أما ما معنى أني أنا أطيع الله سبحانه وتعالى وأصلي وأقف بين يدي أصلي وقلبي منشغل بكل شيء إلا الله؟ تدبروا في الربط: "ومن يؤمن بالله يهدي قلبه وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ". قلبك صافياً، مطمئناً، مرتاحاً، هادئاً، فتأتي منه الطاعة فيقبلها الله عز وجل. تأتي الطاعة أعظم طاعة. "وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ". ولكن إن اخترتم شيئاً آخر، ربي عز وجل أعطى هذه الحرية والمساحة من الاختيار للإنسان، "فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين". لكم حرية الاختيار، ولكن افهم ماذا سيؤدي اختيارك. قال الله لا إله إلا هو، أنت حر، اختر في أي طريق ستمشي، ولكن عليك أن تدرك أن الطريق الذي ضيعت، وفق الآيات، تجهز ليوم التغابن، هو الطريق الذي رب عز وجل أمر بسلوكه. الله لا إله إلا هو، آمنت به أم لم تؤمن، لا إله إلا الله. رضيت بأن يكون لك رباً أو لم ترضَ، هو لا إله إلا الله. بعض الناس ما يرضى يقول لك: أنا لا أؤمن بإله. لا تؤمن، ولكن الله لا إله إلا هو. قال: "وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ". تدبروا في هذه المعاني العظيمة التي تبنيها الآيات في السورة. التوكل في آيتين، القرآن العظيم في سورة التغابن أعطاني هذه الأنواع من العبادات، إيمان، صبر، رضا، طاعة، توكل على الله عز وجل. الله لا إله إلا هو، "وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ"، حتى تستقر النفس وتهدأ وتنتقل للمرحلة التي بعدها.


الفصل الخامس: الأزواج والأولاد كفتنة واختبار
المرحلة التي تبين الواقع الذي يعيش فيه الإنسان عبر الزمن: "يا أيها الذين آمنوا". خطاب لمن؟ مؤمنين. إذن هم آمنوا، آمنوا. قال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم". خطاب للمؤمنين، وهذا رد من يهيئ له، لأن بعض الأشخاص أحياناً يقول لك: كيف هذا الإنسان فلان هو مؤمن وداعي ويعلم الناس، ابن فاسد؟ هذا الكلام لا يليق. الله سبحانه وتعالى خاطب عباده المؤمنين هنا، قال: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم". العداوة التي يحدثني هنا عنها القرآن، الكلام كلها عن يوم التغابن، عداوة الدين وليست عداوة على مال ولا على منصب ولا ما شابه، لأن الغالب على الأب والأم أن يعطوا للأبناء كل شيء، فما ممكن تقع العداوة هنا في الغالب الأعم. إذن العداوة تقع في أي شيء؟ في جانب هذا الديني، جانب الإيمان. صحيح الآيات ذكر لها سبب نزول، بعض الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة، طبعاً منهم من هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، ومن بعد بفترة وجيزة، بمجرد أن أذن له بالهجرة، وتركوا كل شيء وراء ظهورهم، ولم يستأذنوا لا أب ولا عم ولا أخ ولا خال ولا أحد، تركوا كل شيء، أشيروا، أهل، وطن، مال، وخرجوا لله ورسوله. لأننا قلنا الناس درجات والتفاوت، لأن الله عز وجل قال في آيات آخر: "لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ". في ناس قبل الفتح أنفقوا، جاهدوا، هاجروا، "ومن أنفق بعد"، في درجات، في تفاوت. فبعض المؤمنين هاجر مع الله ورسوله واستجابوا من بداية الأمر، البعض الآخر ماذا فعلوا؟ أصحاب النفوس الأضعف ماذا فعلوا؟ بقوا في مكة وسألوا أهاليهم، الأزواج والأولاد، وشاوروهم: شرايكم؟ إن هاجر ولا من هاجر؟ ماذا نفعل؟ إلى آخر. فكانت الإجابة من عدد من هؤلاء أو معظمهم: كيف تتركون هنا في مكة وتهاجرون؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر معه أحداث كبيرة، وإنتوا بدل ما تهاجرون اليوم، تهاجرون بعد سنة، على ما تستقر الأمور وتشوفون الأوضاع. إنسان كيف يفكر؟ تهاجرون فيما بعد ولكن الآن لا. وبعدين تتركون، تتركون لمن؟ فماذا حدث؟ بقي هؤلاء في مكة سنوات، هاجروا إلى المدينة، فرأوا ما كان فيه المسلمون الأوائل اللي هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حفظ للقرآن، تعلم للدين، شاركوا معه في مختلف الغزوات، فوجدوا نوع من أنواع أي شيء؟ الغبن، اللي سورة التغابن بتكلمني عن أشكال من الخسارة. وجدوا أنهم قد خسروا، ضيعوا كثير، فنزلت الآيات. لماذا نزلت الآيات؟ الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، وهذا من أعظم ما يقوي علاقتنا بالله سبحانه وتعالى أن تدرك أن الله سبحانه وتعالى يحتوي ضعفك ويغفر لك زللك ويغفر لك ذنبك ويصفح ويعفو ويسامح ويسمح لك أن تبدأ من جديد بصفحة جديدة بيضاء، فاصبر. لأن البعض منهم حز في نفسهم قالوا: هؤلاء سبقونا، راحت علينا. صحيح، بعدين هاجروا، ولكن كما ذكرنا قبل قليل الله قال في القرآن: "لا يستوي"، ليسوا سواء، الدرجات غير متساوية، متفاوتة. ما الذي منعهم آنذاك؟ الأزواج. إذن قد يحدث في حياتك، طبعاً الكلام مؤخص عام، خطاب لكل المؤمنين في كل زمان، إنه أحياناً أحياناً وفي كثير من الأحيان الزوج والأولاد، هؤلاء أكثر فئتين ممكن أن يسببوا لك بدون أحياناً ما تشعر شيئاً يحول بينك وبين الترقي في الدرجات للوصول إلى رضا الله عز وجل. فإياك أن يقف بينك وبين الله أحد. لماذا؟ لأنه الله قال في آيات آخر: "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ". لن ينفعك أحد، "يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ"، بالضبط. فإذا كان يفر من كل أحد، إذن كيف لا يفر من هؤلاء؟ وهم في الدنيا وقفوا بينه وبين رضا الله عز وجل. قال: "فاحذروهم". تدبروا القرآن حين يعلم الإنسان التهذيب والأخلاق والرقي في التعامل مع الناس حتى وإن اختلفوا مع ما يقوله القرآن العظيم من تعاليم. هنا: "احذروهم"، خلوا بالكم، بس معادوهم، مقاطعوهم، مؤقتلوهم، مؤضربوهم، لا، بس انتبه، خلي بالك. لماذا القرآن جاء بهذه القضية في سورة التغابن هنا؟ لأن من أكثر المسببات التي تسبب وتوقع الإنسان في خسارة يوم القيامة هذا النوع من الزلل في التعامل. يعني أنت ممكن أن لا شيء في الكون يجبرك على أن تفعل أبداً شيئاً منكراً أو حراماً، بس نقطة ضعفك أولادك. في ناس هكذا، نقطة ضعفهم أولادهم. فماذا تفعل بتلك النقطة؟ تجعلها نقطة قوة وليست نقطة ضعف. وكذلك بالنسبة للأزواج. ونقطة الضعف على فكرة ليست دائماً أنه تأتي من باب المحبة، قد تأتي أيضاً من باب العداوة. أحياناً الإنسان حين يبتلى، المرأة مثلاً ابتليت بزوج غير غير مناسب أو غير جيد، تلاء هذا امتحان من أشكال العداوة هنا أن تنشغل هذه المرأة أو ينشغل الإنسان بعدوه، فعل وسوى وخطط ودبر ومكر وأمر، فتنتهي الأوقات وتضيع الأوقات وتهدر الطاقات فيما لا طائل من ورائه. قال: "فاحذروهم".


والمطلوبة وجه التعامل: قال: "وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". لكل هؤلاء، نعم، لكل هؤلاء، لأنه صارت مشكلة اجتماعية مع بعض المسلمين بعد الهجرة مع أسرهم وعوائلهم، بدأوا يتلاومون: أنت منعتون، أنت فعلتوا، أنت سوّتوا، هذا في الدنيا وليس في الآخرة. والقرآن يعلمني وتسامح وصفح أن لا ترجع تنبش في الأوراق في الماضي. شوفوا القرآن كيف يعلم الإنسان الإيجابية. الصفح ما معنى اقلب صفحة؟ لماذا اقلب صفحة؟ حتى تتحرك للصفحة التي تليها ولا تقف عند صفحة واحدة في حياتك. اعفوا واصفحوا وتغفروا. وتدبروا في الربط: "فإن الله غفور رحيم". تريد أن يغفر الله لك؟ اغفر للآخرين. تريد أن يغفر الله لك؟ ألا ندعو هذا الدعاء طول الوقت: يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي؟ إذا أردت أن يغفر الله لك، تقرب إليه واسأله مغفرته بأن تغفر للآخرين أخطاءهم وزلاتهم وعثراتهم وهفواتهم. أما أن لا يعرف قلبك طريقاً لا لتسامح ولا لصفح ولا لعفو ولا لمغفرة، ثم تلح بالدعاء على الله: اللهم إنك عفون تحب العفو فاعف عني، ينبغي أن تتوقف في هذا. تدبروا في الربط: "تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم". هو غفر سبحانه ووقع التقصير في حقه، فأنتم تغافروا فيما بينكم. بعض الناس وعلى فكرة هذا العمل العفو والصفح والمغفرة، هذه ثلاثة أعمال، هم في تداخل بيناتهم وتشابك، بس المحصلة النهائية أن القلب لا يبقى فيه من نقاوة السر، أن القلب لا يحمل شيئاً من الغل على أحد. يعني أنا ممكن أن أعفو باللسان وأتنازل عن حقي ولكن قلبي فيه شيء. والقرآن ماذا يريد مني؟ يريد القلب أن يكون صافي نقي لا يحمل شيئاً على أحد، لأنه في يوم من الأيام قد أسعى إليه. لماذا القرآن يأتي بها في سورة التغافر؟ أعظم الأعمال التي ترفع الدرجات يوم القيامة ولن تخسرها، بالعكس، أنت من الفائزين. أعظم الأعمال أن تعفوا عن الناس. تريد رفع درجات غير؟ أعفوا، سامح، اصفح، تغاضى، تغافل، لا تقف عد كل زلة وعد كل غلط وعد كل عثرة. أعظم الأعمال التي ترفع الدرجات. وتدبر في حجم ماذا أنت. يعني بعض الناس مثلاً الكلمة يردها بأشرة، ويعتبر أن هذه قوة في الشخصية. أنت خاسر، أنت مغبون. لمن الكلمة بأشرة؟ أنت مغبون. طب ما أريد أن أكون خاسرة، أريد أن أكون رابح. ماذا أفعل؟ أعفو وأصفع واغفر وتغاضى، وترفع أن أن ترد الكلمة ولا حتى بكلمة. الكلمة، الإساءة من المواقف التي تصير معنا أحياناً، كلمة الإساءة، فلان أساء لي، أرد الكلمة بمثلها أو أكثر، وبعض الناس يستشهدون: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم". هذا بالحروب. يعني حتى العلاقات الاجتماعية نريد أن نحيلها إلى حروب. ما هذا الفهم؟ بعض الناس هكذا كذا يقرأ القرآن. لا، القرآن يعلمك، تريد أنك لا تغبن. بعض الناس يقولون: لن أتنازل عن حقي. من حقه. ولكن إذا تريد رفع درجات، تعفو، تصفح، وتغفر، درجات عالية. هذا القرآن كيف يربي في النفس أن تعد العدة ليوم التغابن، شيء عجيب! أن أحياناً إحنا كل الأعمال التي ننظر إليها في الأعداد ليوم القيامة مو أعمال نفسية أو معنوية، مو أعمال نفسية أو معنوية، والقرآن يأتي على الداخل، النفس. لماذا؟ لأن رفع الدرجات مرتبط بنقاوة السر وطهارة القلب. هذا أعظم إعداد ليوم التغابن، أن تأتي الله بقلب سليم، قلب.


ثم جاءت الآية التي بعدها تؤكد هذا المعنى: "إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ". وتدبروا الآية التي قبلها: قالت: "من أزواجكم وأولادكم"، الآية التي بعدها: قالت: "إنما أموالكم وأولادكم". الولد مرتين انذكر الأولاد، لأنه نقطة ضعف كبيرة. كثير من الناس يخطئ في حياته ويقع في ظلم الآخرين لأجل أولاده، كثير ينافق، يداهن، يماري أحياناً لأجل من؟ لأجل أولاده. فذكروا مرتين، مع العدو ومع الفتنة والاختبار. تخيلوا إلى أي درجة، لأن الأولاد من أعظم، قد يكونوا من أعظم أسباب الصد عن رضا الله سبحانه وتعالى، وقد يكونوا من أعظم أسباب الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى، في حزنهم وفرحهم، في كل الأحوال. وأضاف لها في هذه الآية: قال: "إنما أموالكم"، هذه أكثر الأشياء التي ممكن أن تشغل الإنسان عن الله سبحانه وتعالى، وممكن أن يغبن فيها، تقع فيها الخسارة، الأموال والأولاد فتنة. طيب يا ربي، والحل؟ فتنة هي الاختبار. ويقال فتن حتى في الذهب، لماذا؟ لأنه يمشي الذهب على النار لما يفتن حتى تنزل من عنده كل الشوائب وتطرح ويبقى الذهب الخالص. الإيمان الخالص كيف يفتن الإنسان المؤمن؟ بالأموال وبالأولاد. "أموالكم وأولادكم فتنة". طيب، كيف تعالج هذه الفتنة؟ قال: "وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ". ما معنى هذا الكلام؟ حين تترك شيئاً اتركه لله، سيعطيك أجر عظيماً، مالاً أو ولد، مالاً أو ولد. واذكروا سبب النزول اللي احنا أشرنا إلى الناس اللي هاجروا من مكة، تركوا من؟ تركوا أمواله، أولاده، تركوا كل شيء لأجل أي شيء؟ "وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ".


ائق التي يمكن أن تقف في الطريق وقد تجغل الإنسان عن الإعداد ليوم التغابن، عليك أن تدرك أنها محط اختبار، "وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ". وجاء الأمر بعدها: قال: "فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ". وهنا وقع بعض أيضاً العلماء والمفسرين واللي يقرأوا من القرآن، قالوا هذه الآية نسخت الآية التي كانت: "فاتقوا الله حق تقاته"، ولم تنسخ، الآيتان تُقرآن مع بعضهم البعض. اتق الله على قدر ما تستطيع، بأقصى ما يمكن أن تستطيع، حق تقاته، بكل ما أنت تؤمن به سبحانه وتعالى، بكل ما تؤمن بحق أن تتقيه. يحق لنا أن نتقي ولا ما يحق؟ حق علينا أن نتقي سبحانه، حق علينا. فالتقي حق تقاته: "اتقوا الله حق تقاته"، لأنه يستحق سبحانه وتعالى أن تتقيه. "واتقوا الله ما استطعتم"، لأن عملية التقوى، تذكرون في يوم من الأيام قلنا التقوى تنزل وتصعد، والإيمان ينقص ويزيد، وكذلك التقوى، نحن لسنا سواء وإن كنا كفرد، الفرد واحد أحياناً تبلغ درجة التقوى مبلغ عظيم، وأحياناً قد تنخفض، حسب استطاعة الإنسان أحياناً، حسب الظروف اللي مربية أحياناً، حسب عوامل كثيرة مختلفة. ولكن ربي عز وجل من رأفته ورحمته سبحانه أعطانا هذه السعة، خفف عن الناس فيها. طبعاً أسباب نزول أن الصحابة رضوان الله عليهم لما نزلت الآية: "اتقوا الله حق تقاته"، قاموا الليل حتى تورمت أقدامهم، خافوا، فنزلت هذه الآية العظيمة: اتقوا الله، "فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ"، "لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا". والآية جاءت مع أي شيء؟ مع الأموال والأولاد. لماذا؟ لأن هذه نقاط ضعف في حياة الإنسان حقيقة، يتقي الله عز وجل في ماله مع الأولاد، فلا يوقعه في حرام أو ما يرضى به الله سبحانه وتعالى، ولكن قدر المستطاع، المهم أنه لا يتجاوز الخطوط الحمراء. ولذلك قال سبحانه: "وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟". السماع لأي شيء هنا؟ آيات الكتاب العظيم ما يعين الإنسان على تجاوز الفتنة والاختبار في الأموال والأولاد، الاستماع للكتاب العظيم. ولكن سماع أي سماع؟ لا، سماع الإجابة: قال: "وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟"، "سمعنا وأطعنا"، للسماء. إذا سمعت القرآن، القرآن يقول لك: "إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ"، وأنا أعيش حياتي كلها في نصف هذه الفتنة، ولا آمر معروفاً ولا أنهى عن منكر بسبب فتنة أولادي هذه، سمعنا، ولكن أين الطاعة؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا"، لا بد أن يكون في طاعة في هذه الفتنة. فتنة هذه طبيعة القرآن العظيم، واضح، أسئلة الامتحان معروفة. الشيء العجيب في يوم التغابن، يوم التغابن، يوم القيامة، يوم الجزاء، الشيء العجيب أن كل أسئلة الامتحان مفتوحة، الامتحان مفتوح، الأسئلة معروفة. يعني الأسئلة التي سيسأل عنها الإنسان يوم القيامة أنت تعرفها. نحن كل امتحانات الدنيا عادة ندخل للامتحان، الطالب ما يعرف الأسئلة إلى ساعة الامتحان. امتحان الآخرة، كل الأسئلة عندك، أجب عليها. هذا واحد من الأسئلة: ماذا فعلت بهذه الفتنة والاختبار العظيم؟ قال: "وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ". أعظم وسائل النجاح والفوز والكسب يوم القيامة أن تنفق. وتدبروا في الكلمة: قال: "وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ". أنت حين تنفق من كل شيء، مالك، ألمك، جهدك، موهبتك، كل شيء، أنت تنفق لأجل نفسك، لأن عادة الناس من يقولون عن الإنفاق، يتصور أنه ينفق لغيره، أليس كذلك؟ قال: "وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ"، حتى تدرك أن الإنفاق ليس لأجل الآخرين، إنفاقك لك، إنفاقك لنفسك. ولماذا جاء بالإنفاق في سياق الأموال والأولاد؟ كثير من الناس، كثير من الناس في حياتنا يمتنع عن الإنفاق في سبيل الله لأجل أن يؤمن للأولاد مستقبلاً سعيداً آمناً. أليس كذلك؟ والإنسان يكفيه من حياته ثوباً يلبسه وطعاماً يسد جوعه، أليس كذلك؟ وبيتاً يؤويه. ولكن في كثير من الأحيان، كثير من البشر، كثير من المسلمين، ما يمنع عن الإنفاق أنه يريد أن يترك شيئاً لأولاده. هذا حسن، ولكن ليس كل شيء تتركه لأولادك والظل. انتبه، لا شيء، بعض الناس هكذا يفعل. أولادك لهم رب كما رباك، يربيهم كما رعاك يرعاهم. ولكن عليك أنت أن تفكر وأن توازن في حياتك. وذكرنا نحن في مرة من المرات، قلناها أكثر من مرة، أنت أقل شيء في الدنيا عندك الدنيا وعندك الآخرة، تنفق على مطالب الدنيا الحلال طبعاً، لأن الحرام الفلس فيه خسارة، ولكن تنفق على الدنيا على الأقل لما تأتي إلى الآخرة، سوي موازنة في حياتك، اعمل موازنة، على الأقل ما تنفقه في الدنيا يقارب ولو بنسبة ما تنفقه للآخرة. أحياناً بعض الناس ولا حتى تصل النسبة واحد بالمية، ينفق ألف على سفره أو على حياته أو على خروجه أو مشابه، وما مستعد ينفق دينار في سبيل الله. هذا التفاوت العجيب القرآن عالجه في سورة التغابن. لماذا؟ لأنه سيدرك يوم التغابن أن ذلك الدينار الذي أنفقه هو خير له من كل الآلاف المؤلفة التي أنفقها في الدنيا. ولذلك جاءت نهاية الآية: قال: "ومن يُوق شُح نفسه فأولئك هم المفلحون". ما الذي يمنعك من الإنفاق؟ شح النفس، أشح على الخير، والشح أعظم من البخل. شح، لماذا الشح أعظم من البخل؟ البخل فقط منع، منع للإنفاق بأي شكل، المال أو الوقت أو مشابع، بحسب. الشح يصاحبه إلى جانب المنع شعور نفسي، لا يريد أن يعطيه، النفس شحيحة. ولذلك القرآن العظيم يصف النفوس بأنها شحيحة وليست الأيدي، الأيدي تنفق أو تمنع، والقلب يشح أو يعطي، ومدار الكلام في سورة التغابن على القلب. قال: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". يعني الإنسان قد لا ينفق ولكنه غير شحيح النفس، ممكن جداً، في ناس ما عنده شيء ينفقه، ما عنده ولا شيء ينفقه، يا دوب اللي عنده يكفي، ولكن مع ذلك نفسه ليست بشحيحة. وفي ناس يملك ملايين، نفسه شحيحة. القرآن لا يحدثني هنا فقط عن بخل مادي، يحدثني عن شح النفس. في نفس شحيحة وفي نفس معطاء. ما الفرق بينهما؟ أنا قد لا أمتلك شيئاً في جيبي لأنفقه، لا مال ولا أي شيء، لكن قلبي وعقلي ولساني لا يفتر عن الدعاء للمسلمين بالخير وتمني الخير لكل المسلمين، هذه نفس معطاء حتى ولو لم تعطي ولو حتى دينار، لأن ليس في جيبها دينار. النفس الشحيحة لا تحب الخير للآخرين. ولذلك قال في الآية تحديداً: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون". في أي يوم؟ في يوم التغابن. من الفائزون؟ أولئك الذين لم يثأروا لأنفسهم، أضعت تحتهم كل الخانات التي سبقت، قبل قليل قلنا إنسان قال لي كلمة سيئة، ما رديت، سكت، أو قلت: سامحك الله، وعفوت وصفحت وغفرت. هذه نفس ليست بشحيحة. نفس الشحيحة نفس تشح حتى بالتسامح وعدم الانتقام. في نفوس تشح، في بعض النفوس، بعض الأشخاص أحياناً سبحان الله يتذكر قبل وفاته أو حين يمرض أساء الإنسان في يوم من الأيام، فيطلب منه أن يسامحه. فيأتي إلى ذلك الإنسان ويقول له: سامحني، أريد منك أن تسامحني. وهذا الآخر يظن على هذا بالسماح والعفو، ما يسامح، سامحني يعني، بس الصراحة ما قدر أسامحك. نفس شحيحة، نفس شحيحة. فهذه ما طلب من عندها مال، وما طلب مال، وما طلب مال من عندك، هو طلب سماح، طلب منك أن تسامح. ما يسامح، ما مستعد يسامح، تخيلوا إلى أي درجة، هذا شح، هذا شح. فالقرآن يعالجه، كيف القرآن يعالجه؟ تدبروا في الآية التي بعدها:


الفصل السابع: القرض الحسن
قال: "إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا". قرض في كل شيء. وتدبر في استخدام الكلمة، كلمة قرض جاية من أصل اللغة، قرض يعني قضم، يعني اقتطع شيئاً. فالإنسان لمن يُقرض يقتطع شيئاً يحبه من ماله، من وقته، من جهده، من نفسه، من عواطفه، من مشاعره. رب عز وجل ذكر القرض الحسن، وما ذكر القرض إلا وذكر معه الحسن في آيات الكتاب العظيم في خمس مواضع في كتاب الله عز وجل أو ستة، "قرضاً حسناً" وردت بهذه الكلمة، "قرضاً حسناً"، ما سماه إلا "قرضاً حسناً". لماذا؟ لأنك أنت حين تقطع شيئاً لا تقطعه لأجل شيء، أنت تقطع لأجل من؟ الله سبحانه وتعالى. "إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يضاعفه لكم". آية عامة، والقرض لا يشمل فقط الصدقة ولا يشمل الديون، كل شيء. ولماذا سماه سبحانه وتعالى، لماذا سماه سبحانه وتعالى هنا بأنه قرض؟ تُقرض الله. لأن القرض يختلف عن العطاء، العطاء أنت لا تنتظر أن يرد إليك، راح، أنت عطيت، راح، أليس كذلك؟ ولكن القرض حين تُقرض أحداً أنت تنتظر أن يرده إليك. وكل العطايا مع الله سبحانه وتعالى سماها قرضاً. لماذا؟ سيردها عليك أضعافاً مضاعفة، ما راح شيء. وتدبروا كيف في استعمال الكلمة، القرآن قال: "إن تُقرضوا الله"، ما قال لا من أموالكم ولا قال من أوقاتكم ولا قال من أي شيء، تركها مطلقة، تركها عامة، تركها مفتوحة. لماذا؟ حتى تقتطع من حياتك وجهدك ومالك ما تشاء، سيرده الله عليك أضعافاً مضاعفة. ليس هذا فحسب، قال: "إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يضاعفه لكم". هذا في الدنيا ولا في الآخرة؟ بعد، تركها مفتوحة. لماذا تركها سبحانه مفتوحة؟ حتى تعلم أن الباب مفتوح، وأن عطاء الكريم عظيم. اقتطعت على سبيل المثال من حياتك أو من وقتك من الأربعة والعشرين ساعة ساعة، جعلتها في المشي في حوائج الناس، يضاعف لك ليس فقط في الأجر والمثوبة يوم القيامة، المضاعفة مفتوحة، يعني الوقت ما ذهب هباءً أبداً، الساعة صارت عشرة، الله بيطرح فيها البركة. وهذا ما ربي عز وجل في آيات آخر عبر عنها بهذه المعاني، أنه يضاعف مضاعفة، يعني الساعة صارت ساعتين، الساعة صارت عشرة، ما تنتجه في الساعة التي استقطعتها من وقتك صارت عشر ساعات، من أين جاءت البركة والمضاعفة؟ بوعد الله سبحانه وتعالى. والآية مفتوحة، كل ما تنفقه وتع# الفصل الثامن: خاتمة سورة التغابن


طيه لله عز وجل مفتوح، بالألم، بالمال، بالوقت، بالجهد، بالعفو، والصفح. بعض الناس كيف ينفق؟ ولذلك يُروى عن بعض السلف وبعض الصالحين ما عنده شيء ينفق، يقول: أنا أنفق بأي شيء؟ بالتسامح مع الناس، كل من لي حق عليّ سامحته، هذا عظيم من أنواع الإنفاق، أعظم أنواع الإنفاق. قال: "يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم"، سبحانه وتعالى، "عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". هذا يوم التغابن، هذا الإعداد له، بما تعد العدة؟ بالقرض. والآيات تؤكد القرض الحسن، ما استخدم للقرآن كلمة أخرى، لأن القرض يختلف عن الصدقة. الصدقة تعطيها لا ترجع لك على المستوى المادي، خرجت من مالك. القرض تعطيه فيعود إلى مالك، لأنه قرض. رب عز وجل وعد، منه أن كل ما تعطيه وتنفقه سيعود لك، ولكن لن يعود بما أنفقت، يعود أضعافاً مضاعفة، بقدر أي شيء؟ تضاعف الأعمال بقدر خلاص القلب من الشح وحب الخير وحب العطاء وحب النفع للآخرين الذي لا يخرج إلا من نفس مؤمنة. ولذلك ختمت الآيات بالصفات: قال: "شكور حليم عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". لماذا قال سبحانه وتعالى "عالم الغيب والشهادة" هنا؟ للكلام في كل آيات سورة التغابن عن القلب. من الذي يطلع على قلبك فلا يرى فيه شحاً؟ الله. أنا قد أنفق، أحياناً الناس إلها الظاهر. بعض الأشخاص قد ينفق ألف دينار، ألف دينار أمام الناس والكاميرات والدنيا قائمة، هذا القضية ليست لها علاقة مباشرة بكاميرا. صحة العمل لا تتوقف على كاميرا أو عدم وجود ناس أو عدم سر أو علانية، ليس بهذا فقط، ولكن كمثال، أنفق ألف، ولكن الله أعلم، الغيب مطلع على ما في قلبه، ما أنفقها إلا رياءً، والرياء يحبط العمل. من الذي يقبلها أو لا يقبلها؟ الله، "عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". فأنت حين تقدم كل ما تقدمه، إياك أن تقدمه لغير الله. لماذا؟ لأنك ستدرك يوم التغابن أن أعظم الخسارة أن تنفق شيئاً لغير الله، أعظم الخسارة. وإحنا اعتدنا في حياتنا اليومية أن نقول: والله فلان لخاطر فلان، والله سويت هذا، جئت لخاطرك. هي الكلمة ربما لا نقصد بها شيئاً، صح؟ أليس كذلك؟ فعلت كذا لخاطرك، سامحت فلان لأجلك، سامحت كذا لأجل عيونك، كلمات عابرة نقولها، والقرآن يريد أن يربيني أن هذه حتى في هذه الكلمات أنا حين أغفر أو أخطو خطوة أو أعمل عملاً لا تعمله إلا لله سبحانه وتعالى. جبر الخواطر، حتى جبر الخواطر، جبر خواطر الناس من أعظم الأعمال، ولكن حتى حين تجبر خاطر من تجبره؟ اجبره لله، هذا التوحيد. لماذا؟ لأن أنت إذا جبرته لأجل فلان، من الذي وقع عليك مكافأته؟ من الذي سيكافئك؟ فلان الذي سويت لأجله؟ وإذا جبرت لأجل الله، وقع أجرك على الله. هذا الفارق الشاسع الذي تبنيه سورة التغابن، وأعظم الأعمال التي نلقى الله سبحانه وتعالى بها يوم التغابن التي قمنا بها لأجل الله، وكل الأعمال التي عملناها لأجل غير الله خسرنا فيها خسارة. شوفوا القرآن العظيم كيف يبني في سورة التغابن! وسبحان الترابط بين أول سورة، "يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، وآخرها، "عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ". علم الله عز وجل لا يمنع أنك أنت مسؤول عن هذه الأقدار. فهناك أقدار، والمجتمعات مسؤولة عن الأعمال الكسبية فيها، ولا تعارض بين علم الله سبحانه وتعالى بها وبين عمل الإنسان وكسبه أبداً. ولذلك لما الله عز وجل يقول: "ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ"، "ويعفو عن كثير"، فهذا الفساد من فيضانات، زلازل، وأشياء، هذه الظواهر الطبيعية، العلماء الآن يقولون إنها هي ما جاءت من فراغ، جاءت نتيجة لسوء تصرف البشرية بالموارد الموجودة في الموارد الطبيعية، سوء تصرف، فساد. فإذا أنا هنا لا أقول أن هذه المصائب كلها مكتوبة من هذا الباب. ولذلك من أعظم الأشياء التي أصابت المسلمين في مقتل في العصور السابقة، كلما كانت تقع عليهم كارثة جماعية، كارثة جماعية مثل اللي يحدث في كثير من البلدان على سبيل المثال، تجويع، تهجير، تشريد، كلما حصلت كارثة من هذا النوع، احتجوا بالقضاء والقدر، قالوا: الله كتب علينا، فنحن مؤمنون بالقضاء والقدر ونسلم الأمر لله. تسليم الأمر لله عز وجل لا يمنع أبداً ولا يعني أبداً أن تكون إنساناً سلبياً، محبطاً، لا تحاول أبداً أن تدفع عنك القدر. بدليل الله قدر على الإنسان أيضاً الجوع، كيف يدفعه؟ ألا يدفعه بأكل الطعام؟ ولا يظل جوعان؟ يشعر بالبرد، ألا يدفعه بلبس شيء؟ يشعر بالمرض، ألا يدفعه بطلب الدواء؟ وعلم الله سبحانه وتعالى، ولا تعارض بيننا. ولكن هذه السورة العظيمة، سورة التغابن، على ما أنها ثمانية عشر آية، ثمانية عشر آية ما تجاوزت، ولكن أحاطت خلاصة الأعمال العظيمة التي يلقى الإنسان بها الله سبحانه وتعالى يوم القيامة: تسبيح، إيمان، يقين، نقاوة سر، ونظافة سر، وقلب، وطهارة في القلب، وإيمان بالله سبحانه وتعالى، وتفطن، وحذر من أشكال الاختبارات، لأن الاختبارات أحياناً قد تأتي جداً صعبة متلبسة بأولادك من تحب، متلبسة بأبنائك، متلبسة بأموال، متلبسة بشيء تحب، قد يحدث هذا، وكن حذراً، يقظاً، ولا يصدك أحد عن الإجابة السليمة أي شيء من هذه الفتن. ثم أعظم الخطوات التي تخطو بها وتركض بها وفي السباق الإنفاق من كل شيء، وأن تُقرض الله سبحانه وتعالى قرضاً حسناً. كل ما تعمله، كل الأعمال الصالحة قروض، كل الأعمال الصالحة قدمها قروض لله سبحانه وتعالى. "والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عمله". هذه سورة التغابن، إذا أردت أن تكون من المفلحين، وتتدبر معه. الله عز وجل في سورة التغابن جاء بوصف المؤمنين "المفلحون"، فازوا. من هم الفائزون؟ الذين ما خسروا تجارتهم وبيعهم مع الله، ربح، ربح بأجل أي شيء؟ رضا الله سبحانه وتعالى، وأن يتوخى الإنسان رضا الله عز وجل، وربح البيع. ولذلك كلنا يعرف القصة المشهورة، قصة أبي الدحداح حين باع، نزلت الآية في سورة البقرة: "مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا" فقال: يا رب، جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، ويطلب الله منا القرض، فهم هذا التدبر، هذا ما يحتاج إلى كتاب تفسير حتى أفتحه وأفهم معناه، يحتاج إلى قلب تفسير، يعرف كيف يسمع الآية فيقول: سمعنا وأطعنا. قال: يطلب منا القرض، الله رب العزة؟ قال: نعم يا أبا الدحداح. فإذا بأحب الأموال إليه يُقرضها لله سبحانه وتعالى. السؤال: من الذي ربح؟ أبو الدحداح، وأعظم تجارة، لأن المضاعفة فيها كم؟ الربح فيها، والمضاعفة فيها لا حد لها ولا حصر لها. ونحن اليوم خاصة في عصر الماديات أصبحنا لا نستسيغ أن نخرج، لا أقول من أحب أموالنا لأن أحب هاي شوية صعبة، ولكن جزء من أموالنا، جزء مما لدينا، نخرجه لله، نقرض الله سبحانه، أي، كل عمل، كل شيء، لا تنظر إلى من تعطيه، ضع أمامك هذه القاعدة، أنت تُقرضه لله سبحانه وتعالى، اقرض ما شئت. والآيات العظيمة في القرض كلها جاءت بالقرض الحسن، وكل قروضنا لله سبحانه وتعالى حسن، فلا تبتئس ولا تذهب نفسك حسرات على شيء أنفقته ثم تبين لك أنك أنفقته في غير محله باعتبار أن الشخص لا يستحق، لأنك لم تنفقه له، وإنما أنفقته للرب سبحانه وتعالى، "الذي لا يضيع أجر من أحسن عمله".


تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - الأخيرة - تدبر سورة التغابن - د.رقية العلواني


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...

يُمثل الفضاء ال...

يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...

The study deals...

The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...