الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

ذكرنا في الفصل الأول أن الدولة هي أكثر الظاهرات السياسية وضوحًا وتحديدا على خريطة العالم السياسية، وهي أي الدولة لا زالت المحور الأساسي للاهتمام في مجال الجغرافيا السياسية من بين كل الظاهرات السياسية على خريطة العالم. ومن ثم يصبح من الضروري تحليل الجوانب المختلفة الطبيعية والبشرية والاقتصادية للدول وذلك من أجل فهم السلوك السياسي للدول وإدراك علاقاتها السياسية الداخلية والخارجية والوقوف على مدى قوتها.وتوجد بين الدول نقائض ونظائر فكل دولة تتشابه مع الأخرى في أن لها قطعة من الأرض ذات حدود سياسية، وبها جماعة من الناس يعيشون على أرضها ولها حكومة تنظم علاقة السكان بالأرض وتبسط سيادتها على نطاقها الإقليمي والدول في هذه العناصر الأربعة التي تشكل الدولة تتباين في كل شيء من الأرض إلى السكان إلى السلطة إلى السيادة.والغرض الأساسي من هذا التناول لخصائص الدولة هو معرفة الإيجابيات والسلبيات والمفهوم بلغة الحساب هو ما للدولة وما عليها، أي النواحي التي تضفي على الدولة قوة والنواحي التي تسلب منها القوة.وسوف نبدأ في هذا الفصل تناول الأسس الطبيعية للدولة ثم يعقب ذلك تناول باقي الأسس في
الفصول التالية. ثم السطح والمناخ والحياة الطبيعية.1- الموقع الجغرافي
ينظر الجغرافي عادة للموقع الجغرافي من بعدين الأول متعلق بالموقع الفلكي للظاهرة
وهي هنا الدولة والآخر الموقع النسبي.ويمكن تناول الموقع الجغرافي وأثره في الجغرافية السياسية لأي دولة من خمس زوايا
أ- الموقع الفلكي.ب الموقع بالنسبة لليابس والماء.ج الموقع بالنسبة للدول المجاورة.د المواقع الهامشية والمركزية.هـ - المواقع الاستراتيجية.أ) الموقع الفلكي:
۳۸
إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو موقع الوحدة السياسية بالنسبة لخطوط الطول ودوائر العرض والأولى قليلة الأهمية في الجغرافيا السياسية للدولة لارتباطها فقط بتحديد التوقيت، أما الثانية الموقع بالنسبة لدوائر العرض فهي الأكثر أهمية لارتباطها بتحديد الملامح العامة لمناخ الدولة والذي يؤثر في النشاط البشرى لسكانها.والناظر إلى خريطة العالم السياسية اليوم يلاحظ أن الدول المتقدمة بعامة والقوى الكبرى بخاصة توجد في النطاقات المناخية المعتدلة بينما الدول النامية بعامة والفقيرة بصفة خاصة توجد في المناطق المدارية مرتفعة الحرارة ولقد ذهب البعض في تفسير ذلك إلى أن المناطق المعتدلة بطبيعتها تدفع الإنسان إلى النشاط والعمل بينما المناخ المداري الحار يدفع الإنسان إلى الكسل والخمول، وهذه نظرة استعمارية تبرر سيطرة الرجل الأبيض على سكان المناطق المدارية.وقد تناسى هؤلاء أن أول حضارة في تاريخ الإنسان إنما نشأت في أحضان أودية الأنهار في حوض البحر المتوسط وشرق آسيا في مناطق يميل مناخها نحو الحرارة أكثر من البرودة لأن الحضارة الإنسانية في ذلك العهد كانت زراعية، وعندما أصبحت الصناعة هي رائدة النشاط البشري انتقلت الحضارة إلى الشمال حيث معقل الثورة الصناعية.ومن ناحية أخرى فإذا كانت الدول المتقدمة في عالم اليوم رائدة الحضارة الحالية توجد في الشمال المعتدل فإن الحضارة الإنسانية لم يصنعها شعبًا بعينه وإنما الحضارة البشرة هي ميراث كل الشعوب التي اشتركت في نسج قصتها منذ القدم. ولكنه مائدة مستديرة تجلس حولها شعوب لها النصيب الأوفر من قصة
الحضارة الإنسانية".وليس من شك أن المناخ عامل مؤثر في نشاط البشر حيث تساعد الظروف المناخية المناسبة على ثراء الإقليم ضمن أمور أخرى وازدهاره من الناحية الزراعية وسهولة المواصلات، ومن ناحية أخرى فإن المناخ لم يقف أمام الإنسان، حيث استطاع الإنسان في مناطق عديدة التغلب على كثير من المعوقات المناخية، بل إن جنوب الولايات المتحدة الأمريكية يدخل ضمن المناخ المداري، فهل هذا يعني أن هذه المناطق فقيرة؟
ب) الموقع بالنسبة لليابس والماء : يعد موقع الدولة بالنسبة للمسطحات المائية عنصرًا مهما في جغرافيتها السياسية، والظهير
الساحلي من ناحية أخرى.وتصنف الدول عادة إلى دول بحرية ودول قارية أي داخلية، وتصنف الدولة بأنها بحرية إذا كانت تطل على مسطح مائي خارجي بمعنى أن هذا المسطح المائي له اتصال بالعالم الخارجي، وكذلك الحال في بعض جمهوريات آسيا الوسطى المطلة على بحر قزوين.على أن أهمية المواقع البحرية الدول تتباين طبقا لـ :
1- طول السواحل.2- أهمية المسطحات المائية.3- الظهير الساحلي.بالنسبة لطول السواحل فإن هناك بعض الدول التي تطل بجبهة واحدة على أحد المسطحات المائية، وهناك دول تطل على المسطحات المائية بثلاث جبهات كإيطاليا والولايات المتحدة وهناك دول بحرية تماما حيث تحيط بها المياه من جميع الجهات؛ أي جزر، والدول الجزرية
كحالة اليابان وإنجلترا وإندونيسيا.وتستفيد الدول البحرية من موقعها البحري في الاتصال بالعالم الخارجي بدون عوائق أو بمعنى أدق بدون تحكم من أحد كحال الدول الحبيسة كما أن موقعها البحري يزيد من احتكاكها الحضاري بالعالم الخارجي. كما أن الدول البحرية تستفيد من الثروات التي توجد أمامها في المسطحات المائية كالبترول مثلاً أو مصادر الثروة السمكية، كما أنها تستفيد من الطرق
البحرية وحركة التجارة العالمية - حالة مصر مثلاً.على أن مدى استفادة الدول من موقعها البحري يتوقف على نوع هذه السواحل وهل هي سواحل صالحة لحركة الملاحة أم توجد عقبات مثلاً سواحل روسيا الاتحادية على بحر البلطيق تتعرض للتجمد في بعض فصول السنة، كما أن وجود الشعاب المرجانية والصخور قبالة سواحل الدول حد (قلل) من إنشاء الموانئ وبالتالي حركة التنقل والتجارة، كما أن ظهير المنطقة الساحلية له دور أيضًا فإذا كانت ظهير سواحل الدولة فقيرة فإن ذلك يقلل من أهمية المواقع
الساحلية حالة سواحل ليبيا مثلاً.وهناك نقطة مهمة فيما يتعلق بالمواقع الساحلية للدول عموما خاصة التي توجد الآن في النطاقات الحارة والمعتدلة حيث أصبحت هذه المناطق الساحلية مهمة للدولة في تنشيط حركة السياحة الترفيهية في هذه الدول خاصة منذ منتصف القرن العشرين، حيث أصبحت السياحة بعامة والسياحة الترفيهية بوجه خاص من أهم الأنشطة الاقتصادية في عالم اليوم ويكفي أن نقول في هذا الخصوص إن السياحة الدولية أصبحت أكبر سلعة تصديرية منفردة على خريطة التجارة الدولية الآن. وأن أكبر حركة سياحية دولية هي حركة السياحة الترفيهية على شواطئ البحار خاصة البحر المتوسط والكاريبي وجنوب شرق آسيا، لاحظ مثلاً حالة الشواطئ المصرية منذ ثلاثين عامًا على ساحل البحر المتوسط والأحمر حيث كانت المناطق المطلة عليها مناطق نائية، وهي الآن قطب الجذب السياحي الخارجي والداخلي، وأصبحت السياحة في مصر تمثل المصدر الأول للدخل القومي من العملات الأجنبية أكثر من 8 مليار دولار من السياحة
الخارجية في عام 2006م في مصر).وعلى العكس من الدول البحرية هناك الدول الحبيسة وهي الدول التي لا تطل على أي من المسطحات المائية المفتوحة بأي منفذ ونظرة واحدة على خريطة العالم توضح عدد الدول
الحبيسة في العالم والتي بلغ عددها 43 دولة موزعة كالتالي:
أوروبا 14 دولة.آسيا 12 دولة.أفريقيا 15 دولة.أمريكا الجنوبية 2 دولة.ويلاحظ من هذا التوزيع أن العدد الأكبر من الدول الحبيسة يتركز في قارات العالم القديم إفريقيا - ميراث استعماري - وأوروبا ميراث لنشأة الدول الحديثة في عصر القوميات منذ نحو ثلاث قرون من الزمن، وآسيا ميراث استعماري ودول حاجزة - حالة أفغانستان ونيبال ولاوس أو تفكك
جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض الدول شبه الحبيسة حيث تطل بجهة بحرية واحدة ضيقة كحالة العراق والأردن، بل كانت سياسة الاتحاد السوفيتي السابق تجاه منطقة الشرق الأوسط ترتكز ضمن أمور أخرى على محاولة الوصول إلى المياه
الدفيئة.ولا تجد الدول الحبيسة مفرًا من نقل السلع منها وإليها عبر الموانئ الأجنبية، ولا يمكنها أن تهرب من نفقات نقل السلع الباهظة على طرقها البرية من المرافئ الأجنبية إلى أراضيها، وكل أملها هو نقل تجارتها الخارجية من وإلى أقرب مرافئ لها بأرخص تكاليف ممكنة، لأنها يمكنها أن تغلق هذه النافذة وتشل
حركتها التجارية والضغط عليها سياسيا.ما هي البدائل إذن لإمكانية الوصول إلى أعالي البحار ؟ وكيف يتم هذا عبر دول أخرى دون أن يمس سيادتها كثيرًا من ناحية،وهذا ما سنعرض له حين نناقش موضوع الأنهار .نهر ملاحي. ثالثها: أن تضمن الدولة الحبيسة تسهيلات في موانئ معينة من الدولة الساحلية، فضلاً عن
حرية المرور عبر خط حديدي أو طريق مناسب.ج - الموقع بالنسبة للدول المجاورة : تحتاج الدولة في بداية نشأتها، أو في مرحلة تكوينها، إلى شيء من العزلة، كالبحر، فمن عوامل نمو الحضارة المصرية القديمة، أن هناك درعا صحراويا يحيط بوادي النيل من الشرق والغرب في هذا الوادي المحمي بدأت تتكون الدولة المصرية، فهذه الدروع إن لم تكن قد حمت هذه البلاد من غزوات كثيرة، فإنها كسرت من حدة هذه الموجات الحربية على رمالها. فعندئذ لابد لها من الاتصالات الخارجية حيث فرص التنمية أكثر، ستضيف خامات جديدة للصناعة، ستضيف أسواقا، وخبرات ومهارات جديدة لم تكن تعرفها من قبل، بل وأحيانا تنويعا جنسيا.ووضع الدولة بالنسبة للجيران يجرنا إلى الكلام عن الوضع الاستراتيجي للموقع، فموقع ألمانيا واشتراكها في الحدود مع عدة دول، كان يجعلها دائما في خوف من تطويقها، مما أدى إلى نجاح الحزب النازي - عن طريق الدعاية بالخطب والخرائط والكتب في دعوته للتسليح.كما أدت مواجهة فرنسا وجها لوجه مع ألمانيا إلى ضرورة التجنيد الإجباري، وإلى اتجاه جزء لا بأس به من الميزانية لشئون الدفاع، وإلى نقل كثير من الصناعات التي كان يجب أن تقوم في شمال فرنسا لوجود حقول الفحم إلى جهات بعيدة عن الحدود وإلى تنمية مشروعات الكهرباء في جبال الألب وهضبة فرنسا الوسطى والبرانس وإلى تعدين الحديد في نورماندي بينما احتياطي الحديد الضخم في اللورين على الحدود الفرنسية الألمانية، ويتبع هذا زيادة في
التكاليف. كان يضع في تنظيماته الداخلية حسابًا لعلاقاته بجيرانه وأظهر مثل على هذا التعديل طبقا للوضع الاستراتيجي، وهو تنمية وحدات صناعية من الاتحاد الآسيوي خلف الأورال بعيدا عن الهجمات
الأوربية.ولننظر أيضًا إلى كوبا التي كانت تمثل قاعدة سوفيتية متقدمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك نظرة الاتحاد السوفيتي إلى الدول المجاورة له وكيف تدخل عسكريا في أفغانستان وآخر مشهد حدث في هذا الخصوص التدخل الروسي عسكريا في جمهورية جورجيا
في أغسطس من عام 2008م،كلما زاد عدد الدول المجاورة لدولة ما زادت الأعباء الملقاة على عاتق هذه الدولة خاصة بحماية حدودها وأمنها القومي وعلاقتها بالجيران، إذ أنها تجاور تسع دول، ويضاعف من أعباء حدود السودان القلة النسبية للسكان المنوط بهم إدارة هذه الحدود، فضلاً عن أن هذه الحدود السياسية لا تشكل حدودًا عرقية، بل تنتشر على جوانبها القبائل والسلالات.جدول (1) نماذج من عدد دول الجوار بالنسبة لبعض الدول
روسيا الاتحادية
الصين
البرازيل
زائير
السودان
12
مصر
إندونيسيا
بنجلاديش
المملكة المتحدة
اليابان
صفر
ويؤدي الوضع بالنسبة للجيران في بعض الأحيان إلى ضرورة وجود الدول الحاجزة Buffer‏ ‏States وهي وحدات سياسية صغيرة الحجم بين وحدات سياسية ضخمة، ومثل هذه الدول الحاجزة تبقى كمانع للصدام بين الجانبين الكبيرين، كما أن القضاء عليها من جانب لا يقابل بمقاومة هذه الوحدات الصغيرة فحسب، بل بمعارضة الجانب الآخر أيضاً.ويمكن في هذا المجال اعتبار بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج دول حاجزة بين ألمانيا من جانب وفرنسا من جانب آخر . كما قامت بولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا كدول حاجزة بين وسط أوروبا من ناحية والاتحاد السوفيتي السابق من ناحية أخرى، وقد خشيت بريطانيا وهي في الهند من نمو روسيا القيصرية وتوسعاتها في القرن التاسع عشر، من ثم خلقت دول حاجزة، تمثلت في أفغانستان، بل وامتد إقليم واخان Wakhan من أفغانستان على هيئة أصبع ليصل إلى مقاطعة سنكيانج الصينية،د المواقع الهامشية والمركزية المواقع المركزية هي المتوسطة جغرافيا،وتحدد المركزية أو سهولة الاتصال بالمعنى العالمي بالنسبة لمساحة العالم، ولسكانه، ولثرواته الاقتصادية، وحتى على مستوى الدول مثلاً مصر موقع القاهرة مركزي، وموقع السلوم هامشي. فالموقع المركزي يسهل العلاقات التجارية بين الدول السهولة الاتصال بينها. ويعتبر المحيط الأطلنطي الشمالي في الوقت الحاضر من أكثر محيطات العالم مركزية لوقوعه بين منطقتين من أعظم مناطق العالم تقدما كندا، وشمال شرق الولايات المتحدة وغرب أوروبا. فالمنطقتان بهما مركز اقتصادي صناعي ضخم وتكملان بعضهما. هذا في حين أن المواقع المتطرفة لا تساعد على نمو التجارة ومثال ذلك أستراليا ونيوزيلندا التي لم تنمو تجارتهما إلا بفضل أنهما أعضاء في الكومنولث البريطاني، ويتمتعان بالتفضيل الجمركي، ثم لازدهار ثلاجات الحفظ حتى لا تتلف السلع المنقولة، ثم
التجارة في السلع مرتفعة القيمة ذات الوزن القليل نسبيا.كما تساعد مركزية الموقع على سهولة تبادل الآراء والأفكار، والآداب، والأيديولوجيات. مثال ذلك انتشار الثورة الصناعية الأولى في دول غرب أوروبا (1760م-1830م) في وقت لم يكن النة والاتصال قد تطور بعد بدرجة تذكر، وفي التاريخ القديم كانت الهند والصين أكثر تقدمًا لتجاورهما. وعلى الرغم من بقاء هذه الميزة للمواقع المركزية إلا أن التطور الهائل الذي حدث في وسائل الاتصال أقمار الاتصالات وشبكة المعلومات الدولية جعل في إمكانها
توصيل الأفكار إلى أي مكان في العالم.وتجدر الإشارة هنا إلى أن مركزية الموقع وهامشيته ليست ثابتة جغرافيا وإنما الأمر متغير باستمرار. فبعض المواقع قد تصبح مركزية أو هامشية تبعًا للتغير التقني والتغير الذي يطرأ على مراكز القوة والسيطرة السياسية والاقتصادية في العالم. وقد تمتعت بعض المناطق بما لها من موقع مركزي بما يسمى مركز ثقل الحضاري والاقتصادي والسياسي في العالم في فترات
التاريخ المختلفة.ففي الماضي كان البحر المتوسط واحدًا من أكثر المناطق مركزية في العالم وكان غرب أوروبا في موضع هامشي بالنسبة له وقتذاك، وما كان أحد يعلم بوجود مدنيات وحضارات في
المناطق البعيدة عن البحر المتوسط في أمريكا وآسيا. وقد انتقل مركز الثقل من الشرق الأدنى إلى شرق البحر المتوسط عند الإغريق والرومان ثم انتقل بعد ذلك إلى الحوض الغربي للبحر المتوسط عند أسبانيا والبرتغال ثم انتقل من هناك إلى غرب أوروبا على الساحل الشرقي للمحيط الأطلنطي وامتد بعد ذلك إلى شرق الولايات المتحدة على الجانب الآخر من نفس المحيط وظهر في الوقت الحاضر مركز ثقل جديد في الشرق الأقصى.هـ - الأهمية الاستراتيجية المواقع الاستراتيجية) تختلف أهمية الموقع الاستراتيجية بتغير الظروف،

النص الأصلي

ذكرنا في الفصل الأول أن الدولة هي أكثر الظاهرات السياسية وضوحًا وتحديدا على خريطة العالم السياسية، وهي أي الدولة لا زالت المحور الأساسي للاهتمام في مجال الجغرافيا السياسية من بين كل الظاهرات السياسية على خريطة العالم. ومن ثم يصبح من الضروري تحليل الجوانب المختلفة الطبيعية والبشرية والاقتصادية للدول وذلك من أجل فهم السلوك السياسي للدول وإدراك علاقاتها السياسية الداخلية والخارجية والوقوف على مدى قوتها.


وتوجد بين الدول نقائض ونظائر فكل دولة تتشابه مع الأخرى في أن لها قطعة من الأرض ذات حدود سياسية، وبها جماعة من الناس يعيشون على أرضها ولها حكومة تنظم علاقة السكان بالأرض وتبسط سيادتها على نطاقها الإقليمي والدول في هذه العناصر الأربعة التي تشكل الدولة تتباين في كل شيء من الأرض إلى السكان إلى السلطة إلى السيادة.


والغرض الأساسي من هذا التناول لخصائص الدولة هو معرفة الإيجابيات والسلبيات والمفهوم بلغة الحساب هو ما للدولة وما عليها، أي النواحي التي تضفي على الدولة قوة والنواحي التي تسلب منها القوة.


وسوف نبدأ في هذا الفصل تناول الأسس الطبيعية للدولة ثم يعقب ذلك تناول باقي الأسس في


الفصول التالية.


وتتضمن دراسة الأسس الطبيعية للدولة الموقع والمساحة والشكل ويطلق عليها العلاقات المكانية للدولة، ثم السطح والمناخ والحياة الطبيعية.


1- الموقع الجغرافي


ينظر الجغرافي عادة للموقع الجغرافي من بعدين الأول متعلق بالموقع الفلكي للظاهرة


وهي هنا الدولة والآخر الموقع النسبي.


ويمكن تناول الموقع الجغرافي وأثره في الجغرافية السياسية لأي دولة من خمس زوايا


أ- الموقع الفلكي.


ب الموقع بالنسبة لليابس والماء.


ج الموقع بالنسبة للدول المجاورة.


د المواقع الهامشية والمركزية.


هـ - المواقع الاستراتيجية.
أ) الموقع الفلكي:


۳۸


إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو موقع الوحدة السياسية بالنسبة لخطوط الطول ودوائر العرض والأولى قليلة الأهمية في الجغرافيا السياسية للدولة لارتباطها فقط بتحديد التوقيت، أما الثانية الموقع بالنسبة لدوائر العرض فهي الأكثر أهمية لارتباطها بتحديد الملامح العامة لمناخ الدولة والذي يؤثر في النشاط البشرى لسكانها.


والناظر إلى خريطة العالم السياسية اليوم يلاحظ أن الدول المتقدمة بعامة والقوى الكبرى بخاصة توجد في النطاقات المناخية المعتدلة بينما الدول النامية بعامة والفقيرة بصفة خاصة توجد في المناطق المدارية مرتفعة الحرارة ولقد ذهب البعض في تفسير ذلك إلى أن المناطق المعتدلة بطبيعتها تدفع الإنسان إلى النشاط والعمل بينما المناخ المداري الحار يدفع الإنسان إلى الكسل والخمول، وهذه نظرة استعمارية تبرر سيطرة الرجل الأبيض على سكان المناطق المدارية.


وقد تناسى هؤلاء أن أول حضارة في تاريخ الإنسان إنما نشأت في أحضان أودية الأنهار في حوض البحر المتوسط وشرق آسيا في مناطق يميل مناخها نحو الحرارة أكثر من البرودة لأن الحضارة الإنسانية في ذلك العهد كانت زراعية، وعندما أصبحت الصناعة هي رائدة النشاط البشري انتقلت الحضارة إلى الشمال حيث معقل الثورة الصناعية.


ومن ناحية أخرى فإذا كانت الدول المتقدمة في عالم اليوم رائدة الحضارة الحالية توجد في الشمال المعتدل فإن الحضارة الإنسانية لم يصنعها شعبًا بعينه وإنما الحضارة البشرة هي ميراث كل الشعوب التي اشتركت في نسج قصتها منذ القدم. ولعل خير ما عبر عن تلك هو رئيس وزراء فرنسي سابق موريس كوف دي مورفيل" حيث قال إن البحر المتوسط لا يفصل بين شمال وجنوب، ولكنه مائدة مستديرة تجلس حولها شعوب لها النصيب الأوفر من قصة


الحضارة الإنسانية".


وليس من شك أن المناخ عامل مؤثر في نشاط البشر حيث تساعد الظروف المناخية المناسبة على ثراء الإقليم ضمن أمور أخرى وازدهاره من الناحية الزراعية وسهولة المواصلات، ومن ناحية أخرى فإن المناخ لم يقف أمام الإنسان، حيث استطاع الإنسان في مناطق عديدة التغلب على كثير من المعوقات المناخية، بل إن جنوب الولايات المتحدة الأمريكية يدخل ضمن المناخ المداري، فهل هذا يعني أن هذه المناطق فقيرة؟
(ب) الموقع بالنسبة لليابس والماء : يعد موقع الدولة بالنسبة للمسطحات المائية عنصرًا مهما في جغرافيتها السياسية، وفي توجهها السياسي وذلك حسب أهمية المسطح المائي الذي تطل عليه الدولة من ناحية، والظهير


الساحلي من ناحية أخرى.


وتصنف الدول عادة إلى دول بحرية ودول قارية أي داخلية، وتصنف الدولة بأنها بحرية إذا كانت تطل على مسطح مائي خارجي بمعنى أن هذا المسطح المائي له اتصال بالعالم الخارجي، إذا لا تصنف أوغندا مثلا بأنها دولة بحرية حيث توجد لها حدود بحرية على بحيرة فيكتوريا مثلا، وكذلك الحال في بعض جمهوريات آسيا الوسطى المطلة على بحر قزوين.


على أن أهمية المواقع البحرية الدول تتباين طبقا لـ :


1- طول السواحل.


2- أهمية المسطحات المائية.


3- الظهير الساحلي.


بالنسبة لطول السواحل فإن هناك بعض الدول التي تطل بجبهة واحدة على أحد المسطحات المائية، كسوريا مثلاً راجع خريطة العالم وهناك دول تطل بجبهتين مثل مصر والسعودية وفرنسا، وهناك دول تطل على المسطحات المائية بثلاث جبهات كإيطاليا والولايات المتحدة وهناك دول بحرية تماما حيث تحيط بها المياه من جميع الجهات؛ أي جزر، والدول الجزرية


كحالة اليابان وإنجلترا وإندونيسيا.


وتستفيد الدول البحرية من موقعها البحري في الاتصال بالعالم الخارجي بدون عوائق أو بمعنى أدق بدون تحكم من أحد كحال الدول الحبيسة كما أن موقعها البحري يزيد من احتكاكها الحضاري بالعالم الخارجي. كما أن الدول البحرية تستفيد من الثروات التي توجد أمامها في المسطحات المائية كالبترول مثلاً أو مصادر الثروة السمكية، كما أنها تستفيد من الطرق


البحرية وحركة التجارة العالمية - حالة مصر مثلاً.


على أن مدى استفادة الدول من موقعها البحري يتوقف على نوع هذه السواحل وهل هي سواحل صالحة لحركة الملاحة أم توجد عقبات مثلاً سواحل روسيا الاتحادية على بحر البلطيق تتعرض للتجمد في بعض فصول السنة، كما أن سواحلها على المحيط المتجمد الشمالي لا قيمة لها بالنسبة للدولة في حركة الملاحة واتصالها بالعالم الخارجي حيث تتجمد
مياه المحيط كل فصول السنة تقريبا، كما أن وجود الشعاب المرجانية والصخور قبالة سواحل الدول حد (قلل) من إنشاء الموانئ وبالتالي حركة التنقل والتجارة، كما أن ظهير المنطقة الساحلية له دور أيضًا فإذا كانت ظهير سواحل الدولة فقيرة فإن ذلك يقلل من أهمية المواقع


الساحلية حالة سواحل ليبيا مثلاً.


وهناك نقطة مهمة فيما يتعلق بالمواقع الساحلية للدول عموما خاصة التي توجد الآن في النطاقات الحارة والمعتدلة حيث أصبحت هذه المناطق الساحلية مهمة للدولة في تنشيط حركة السياحة الترفيهية في هذه الدول خاصة منذ منتصف القرن العشرين، حيث أصبحت السياحة بعامة والسياحة الترفيهية بوجه خاص من أهم الأنشطة الاقتصادية في عالم اليوم ويكفي أن نقول في هذا الخصوص إن السياحة الدولية أصبحت أكبر سلعة تصديرية منفردة على خريطة التجارة الدولية الآن. وأن أكبر حركة سياحية دولية هي حركة السياحة الترفيهية على شواطئ البحار خاصة البحر المتوسط والكاريبي وجنوب شرق آسيا، لاحظ مثلاً حالة الشواطئ المصرية منذ ثلاثين عامًا على ساحل البحر المتوسط والأحمر حيث كانت المناطق المطلة عليها مناطق نائية، وهي الآن قطب الجذب السياحي الخارجي والداخلي، وأصبحت السياحة في مصر تمثل المصدر الأول للدخل القومي من العملات الأجنبية أكثر من 8 مليار دولار من السياحة


الخارجية في عام 2006م في مصر).


وعلى العكس من الدول البحرية هناك الدول الحبيسة وهي الدول التي لا تطل على أي من المسطحات المائية المفتوحة بأي منفذ ونظرة واحدة على خريطة العالم توضح عدد الدول


الحبيسة في العالم والتي بلغ عددها 43 دولة موزعة كالتالي:


أوروبا 14 دولة.


آسيا 12 دولة.


أفريقيا 15 دولة.


أمريكا الجنوبية 2 دولة.


ويلاحظ من هذا التوزيع أن العدد الأكبر من الدول الحبيسة يتركز في قارات العالم القديم إفريقيا - ميراث استعماري - وأوروبا ميراث لنشأة الدول الحديثة في عصر القوميات منذ نحو ثلاث قرون من الزمن، وآسيا ميراث استعماري ودول حاجزة - حالة أفغانستان ونيبال ولاوس أو تفكك


جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض الدول شبه الحبيسة حيث تطل بجهة بحرية واحدة ضيقة كحالة العراق والأردن، وكذلك الحال في دولة الكونغو الديموقراطية في غرب إفريقيا. وتعاني الدول الحبيسة من عدد من المشكلات المتعلقة باتصالها بالعالم الخارجي إذ أن ذلك لا يتم إلا من خلال أرض أو سماء الدول المجاورة وبالتالي تكون هذه الدول تحت رحمة جيرانها في اتصالها بالعالم الخارجي، وكثيرًا ما سعت دول العالم إلى محاولة إيجاد منفذ لها على المسطحات المائية، وكثيرًا ما نشبت حروب من أجل هذا، بل كانت سياسة الاتحاد السوفيتي السابق تجاه منطقة الشرق الأوسط ترتكز ضمن أمور أخرى على محاولة الوصول إلى المياه


الدفيئة.


ولا تجد الدول الحبيسة مفرًا من نقل السلع منها وإليها عبر الموانئ الأجنبية، ولا يمكنها أن تهرب من نفقات نقل السلع الباهظة على طرقها البرية من المرافئ الأجنبية إلى أراضيها، وكل أملها هو نقل تجارتها الخارجية من وإلى أقرب مرافئ لها بأرخص تكاليف ممكنة، ويتوقف هذا بالتالي على علاقة الدول الحبيسة بجارتها البحرية، لأنها يمكنها أن تغلق هذه النافذة وتشل


حركتها التجارية والضغط عليها سياسيا.


ما هي البدائل إذن لإمكانية الوصول إلى أعالي البحار ؟ وكيف يتم هذا عبر دول أخرى دون أن يمس سيادتها كثيرًا من ناحية، ودون أن تحدث تبعية من الدولة الحبيسة للدولة


الساحلية من ناحية أخرى؟ الواقع أن هناك احتمالات ثلاثة: أولها : الاتفاق على دولية الأنهار الصالحة للملاحة والتي تمر في دول داخلية ودول ساحلية


وهذا ما سنعرض له حين نناقش موضوع الأنهار . ثانيها: أن تحصل الدولة الحبيسة على ممر أو شريط من الأرض إما إلى البحر أو إلى أقرب


نهر ملاحي. ثالثها: أن تضمن الدولة الحبيسة تسهيلات في موانئ معينة من الدولة الساحلية، فضلاً عن


حرية المرور عبر خط حديدي أو طريق مناسب.
ج - الموقع بالنسبة للدول المجاورة : تحتاج الدولة في بداية نشأتها، أو في مرحلة تكوينها، إلى شيء من العزلة، وكلما كانت محاطة بمناطق منيعة، كالبحر، أو الصحراء ساعد هذا على إعطاء الفرصة للوليد أن يكتمل نموه، فمن عوامل نمو الحضارة المصرية القديمة، أن هناك درعا صحراويا يحيط بوادي النيل من الشرق والغرب في هذا الوادي المحمي بدأت تتكون الدولة المصرية، فهذه الدروع إن لم تكن قد حمت هذه البلاد من غزوات كثيرة، فإنها كسرت من حدة هذه الموجات الحربية على رمالها.


أما عندما يكتمل نمو الدولة، فعندئذ لابد لها من الاتصالات الخارجية حيث فرص التنمية أكثر، لأنها ستضيف طعامًا جديدًا للسكان، ستضيف خامات جديدة للصناعة، ستضيف أسواقا، بل ستضيف أفكارًا، وخبرات ومهارات جديدة لم تكن تعرفها من قبل، بل وأحيانا تنويعا جنسيا.


ووضع الدولة بالنسبة للجيران يجرنا إلى الكلام عن الوضع الاستراتيجي للموقع، فموقع ألمانيا واشتراكها في الحدود مع عدة دول، كان يجعلها دائما في خوف من تطويقها، مما أدى إلى نجاح الحزب النازي - عن طريق الدعاية بالخطب والخرائط والكتب في دعوته للتسليح.


كما أدت مواجهة فرنسا وجها لوجه مع ألمانيا إلى ضرورة التجنيد الإجباري، وإلى اتجاه جزء لا بأس به من الميزانية لشئون الدفاع، وإلى نقل كثير من الصناعات التي كان يجب أن تقوم في شمال فرنسا لوجود حقول الفحم إلى جهات بعيدة عن الحدود وإلى تنمية مشروعات الكهرباء في جبال الألب وهضبة فرنسا الوسطى والبرانس وإلى تعدين الحديد في نورماندي بينما احتياطي الحديد الضخم في اللورين على الحدود الفرنسية الألمانية، ويتبع هذا زيادة في


التكاليف.


وحتى الاتحاد السوفيتي السابق ذو الموارد الضخمة، والمساحات الشاسعة، كان يضع في تنظيماته الداخلية حسابًا لعلاقاته بجيرانه وأظهر مثل على هذا التعديل طبقا للوضع الاستراتيجي، وهو تنمية وحدات صناعية من الاتحاد الآسيوي خلف الأورال بعيدا عن الهجمات


الأوربية.


ولننظر أيضًا إلى كوبا التي كانت تمثل قاعدة سوفيتية متقدمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك نظرة الاتحاد السوفيتي إلى الدول المجاورة له وكيف تدخل عسكريا في أفغانستان وآخر مشهد حدث في هذا الخصوص التدخل الروسي عسكريا في جمهورية جورجيا
في أغسطس من عام 2008م، وانظر كذلك كيف ردت الولايات المتحدة الجميل للاتحاد السوفيتي بوفاقها مع الصين والاعتراف بها وإدخالها الأمم المتحدة، بل ومساعدتها تكنولوجيا.


كلما زاد عدد الدول المجاورة لدولة ما زادت الأعباء الملقاة على عاتق هذه الدولة خاصة بحماية حدودها وأمنها القومي وعلاقتها بالجيران، ولذا غالبا ما يتسم التفاعل بين دول الجوار لشدة الحساسية ونضرب مثلاً بدولة مفرطة في جيرانها وهي السودان، إذ أنها تجاور تسع دول، غير مصر التي تجاور ثلاث دول فقط أو النرويج التي تجاور دولة واحدة، ويضاعف من أعباء حدود السودان القلة النسبية للسكان المنوط بهم إدارة هذه الحدود، فضلاً عن أن هذه الحدود السياسية لا تشكل حدودًا عرقية، بل تنتشر على جوانبها القبائل والسلالات.


جدول (1) نماذج من عدد دول الجوار بالنسبة لبعض الدول


روسيا الاتحادية


الصين


البرازيل


زائير


السودان


12


12


10


9


9


مصر


إندونيسيا


بنجلاديش


المملكة المتحدة


اليابان


4


2


2


1


صفر


ويؤدي الوضع بالنسبة للجيران في بعض الأحيان إلى ضرورة وجود الدول الحاجزة Buffer‏ ‏States وهي وحدات سياسية صغيرة الحجم بين وحدات سياسية ضخمة، ومثل هذه الدول الحاجزة تبقى كمانع للصدام بين الجانبين الكبيرين، كما أن القضاء عليها من جانب لا يقابل بمقاومة هذه الوحدات الصغيرة فحسب، بل بمعارضة الجانب الآخر أيضاً.


ويمكن في هذا المجال اعتبار بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج دول حاجزة بين ألمانيا من جانب وفرنسا من جانب آخر . كما قامت بولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا كدول حاجزة بين وسط أوروبا من ناحية والاتحاد السوفيتي السابق من ناحية أخرى، وقد خشيت بريطانيا وهي في الهند من نمو روسيا القيصرية وتوسعاتها في القرن التاسع عشر، من ثم خلقت دول حاجزة، تمثلت في أفغانستان، بل وامتد إقليم واخان Wakhan من أفغانستان على هيئة أصبع ليصل إلى مقاطعة سنكيانج الصينية، وممر واخان هو مساحة ممتدة من الأرض القاحلة على شكل إصبع تمتد من شمال شرق أفغانستان وتقع بين دول طاجيكستان وباكستان والصين، ولعل إمارات نيبال وبوتان وسيكيم في شمال الهند امتداد لهذه الأقطار الحاجزة.
د المواقع الهامشية والمركزية المواقع المركزية هي المتوسطة جغرافيا، أما الهامشية فهي الواقعة في الأطراف ويعبر أحيانا عن مركزية المواقع وسهولة الاتصال بالمركزية في مواجهة الهامشية.


وتحدد المركزية أو سهولة الاتصال بالمعنى العالمي بالنسبة لمساحة العالم، ولسكانه، ولثرواته الاقتصادية، وعلى سبيل المثال موقع مصر مركزي، وموقع أستراليا هامشي. وحتى على مستوى الدول مثلاً مصر موقع القاهرة مركزي، وموقع السلوم هامشي. فالموقع المركزي يسهل العلاقات التجارية بين الدول السهولة الاتصال بينها. فالدول الغربية يسهل عليها الاستفادة من بعضها وبالتالي التقدم نظرا لمواقعها المركزية. ويعتبر المحيط الأطلنطي الشمالي في الوقت الحاضر من أكثر محيطات العالم مركزية لوقوعه بين منطقتين من أعظم مناطق العالم تقدما كندا، وشمال شرق الولايات المتحدة وغرب أوروبا. فالمنطقتان بهما مركز اقتصادي صناعي ضخم وتكملان بعضهما. هذا في حين أن المواقع المتطرفة لا تساعد على نمو التجارة ومثال ذلك أستراليا ونيوزيلندا التي لم تنمو تجارتهما إلا بفضل أنهما أعضاء في الكومنولث البريطاني، ويتمتعان بالتفضيل الجمركي، ثم لازدهار ثلاجات الحفظ حتى لا تتلف السلع المنقولة، ثم


التجارة في السلع مرتفعة القيمة ذات الوزن القليل نسبيا.


كما تساعد مركزية الموقع على سهولة تبادل الآراء والأفكار، والآداب، والأيديولوجيات. مثال ذلك انتشار الثورة الصناعية الأولى في دول غرب أوروبا (1760م-1830م) في وقت لم يكن النة والاتصال قد تطور بعد بدرجة تذكر، وفي التاريخ القديم كانت الهند والصين أكثر تقدمًا لتجاورهما. وعلى الرغم من بقاء هذه الميزة للمواقع المركزية إلا أن التطور الهائل الذي حدث في وسائل الاتصال أقمار الاتصالات وشبكة المعلومات الدولية جعل في إمكانها


توصيل الأفكار إلى أي مكان في العالم.


وتجدر الإشارة هنا إلى أن مركزية الموقع وهامشيته ليست ثابتة جغرافيا وإنما الأمر متغير باستمرار. فبعض المواقع قد تصبح مركزية أو هامشية تبعًا للتغير التقني والتغير الذي يطرأ على مراكز القوة والسيطرة السياسية والاقتصادية في العالم. وقد تمتعت بعض المناطق بما لها من موقع مركزي بما يسمى مركز ثقل الحضاري والاقتصادي والسياسي في العالم في فترات


التاريخ المختلفة.


ففي الماضي كان البحر المتوسط واحدًا من أكثر المناطق مركزية في العالم وكان غرب أوروبا في موضع هامشي بالنسبة له وقتذاك، وما كان أحد يعلم بوجود مدنيات وحضارات في
المناطق البعيدة عن البحر المتوسط في أمريكا وآسيا. وقد انتقل مركز الثقل من الشرق الأدنى إلى شرق البحر المتوسط عند الإغريق والرومان ثم انتقل بعد ذلك إلى الحوض الغربي للبحر المتوسط عند أسبانيا والبرتغال ثم انتقل من هناك إلى غرب أوروبا على الساحل الشرقي للمحيط الأطلنطي وامتد بعد ذلك إلى شرق الولايات المتحدة على الجانب الآخر من نفس المحيط وظهر في الوقت الحاضر مركز ثقل جديد في الشرق الأقصى.


هـ - الأهمية الاستراتيجية المواقع الاستراتيجية) تختلف أهمية الموقع الاستراتيجية بتغير الظروف، فالدول أو أجزاء الدول قد تكون لها أهمية استراتيجية في عصر من العصور، وهذا معناه أنها تتحكم في طرق المواصلات العالمية مثلاً، ويمكن اتخاذ قواعد من مياهها وأرضها لصد عدوان، أو القيام منها بهجوم وقت الحرب، كما أنها تعمل وقت السلم على توجيه حركة التجارة، ومن أمثلة هذه المواقع الاستراتيجية، مناطق المضايق، والبرازخ والممرات العالمية، وأحيانًا الجزر.


للدلالة على تغير هذه الأهمية بتغير الظروف، نأخذ موقع مصر الجغرافي وتطور أهميته على مر العصور، فمثلا بعد كشف رأس الرجاء ونتيجة لسوء الأحوال السياسية في البلاد تحول جزء كبير من تجارة الشرق إلى الطريق الجديد، وقلت أهمية موقع مصر، ثم بدأت تعود هذه الأهمية من جديد، وظهرت في أروع صورها بعد افتتاح قناة السويس وكانت القناة هي آخر


جزء جلى عنه الإنجليز في مصر. كذلك يمكن أن نقارن موقع بريطانيا قبل كشف الأمريكيتين وبعده، فقبل كشف الأمريكيتين كان موقعها يعتبر متطرفا بالنسبة للطريق التجاري عبر الأطلنطي الشمالي. وهو من أهم الطرق الملاحية العالمية، لأنه يربط بين منطقتن حيويتين هما غرب أوروبا، وشرق أمريكا الشمالية ونضرب المثال أيضًا بجزر فوكلاند Fullkland الواقعة في جنوب المحيط الأطلنطي والتي احتلتها بريطانيا في القرن الثامن عشر فقد كانت لها أهميتها الاستراتيجية لأنها تتحكم في الطريق البحري الذي يدور حول أمريكا الجنوبية ولعبت دورًا في سحق الأسطول الألماني حتى عام 1914م، ولكن افتتاح قناة بنما في ذلك الوقت قلل من أهمية طريق رأس هورن (مضيق ماجلان)، وبالتالي أصبحت أهميته الاستراتيجية في حكم المعدومة، وبينما تدهورت قيمة جزر فوكلاند، ازدادت قيمة أيسلندا نتيجة التطور وزيادة الخطوط الجوية المارة من غرب أوروبا إلى أمريكا الشمالية والتي تمر بالقرب منها، بل وتستخدم مطاراتها كما زادت أهمية الاسكا لقربها من


الاتحاد السوفيتي وأقيمت المطارات وشقت الطرق بها.
ثانيا : المساحة والشكل تضم خريطة العالم السياسية اليوم 193 دولة مستقلة تمتع بعضوية الأمم المتحدة وهناك بعض الدول المستقلة خارج الأمم المتحدة مثل سويسرا. وتباين مساحة الدول فبعضها تبلغ مساحتها عدة ملايين من الكيلومترات المربعة وبعضها الآخر يكاد لا يرى على خريطة العالم السياسية لفرط صغرها. ويتضح ذلك جليًا من مجرد النظر إلى خريطة العالم السياسية بألوانها المتباينة والتي تعكس بوضوح التباين في مساحات الدول نقارن مثلاً بين مساحة روسيا الاتحادية التي تبلغ حوالي 17.6 مليون كم ومساحة دولة الفاتيكان التي لم تصل إلى نصف كيلو متر مربع.


والدول التي نراها اليوم على خريطة العالم السياسية لم تظهر فجأة وإنما نمت ببطء على مدى قرون. حيث نمت الدول من نواة صغيرة ثم توالى إضافة أرض وسكان إليها، ويطلق على النواة التي نشأت منها اسم إقليم النواة أو النواة المركزية والتي تمثل للدولة قلبها وتتميز النواة عادة بأنها أكثر أقاليم الدولة تمتعا بوسائل المواصلات تمثل النواة مركزها كما هو الحال في القاهرة ولندن وباريس. وفي العادة تمثل هذه النواة أو القلب أكبر مركز حضري في الدولة.


وهناك بعض الدول التي لها أكثر من نواة أو بمعنى آخر نمت مساحة الدولة حول أكثر من نواة قبل أن تصل إلى مساحتها الحالية كإيطاليا : نواة حول روما ونواة أخرى في سهل البو، وفي


الولايات المتحدة نواة في الشرق وأخرى في الغرب كاليفورنيا وهكذا.


وتعد المساحة من العناصر الرئيسية عند تحليل الخريطة السياسية للدولة، حيث تؤثر المساحة في قوة الدولة سواء بالإيجاب أو بالسلب. فالمساحة الكبيرة تحمل للدولة إمكانيات كبيرة في الموارد الاقتصادية، وبالتالي قدرتها على تحمل حجم أكبر من السكان والسكان والموارد يمثلان أهم عناصر التطور الاقتصادي والسياسي لأي دولة وبالتالي وزنها على المستوى


العالمي.


وعند النظر إلى خريطة القوى السياسية في عالم اليوم، كما كان الحال دائما منذ فجر التاريخ فإن ما اصطلح على تسميته بالقوى الكبرى كانت دائما تشغل مساحة كبيرة من الأرض تضمن لها الموارد والحجم السكاني القادر على استغلال هذه الموارد سواء كانت في صورة إمبراطوريات أو في صورة دولة مستقلة. على حين أن الدول صغيرة المساحة لا يمكن أن تكون إحدى القوى الكبرى وان فعلت فيكون في لحظة من لحظات التاريخ لا تدوم كثيرا.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

لم يحظَ هذا الت...

لم يحظَ هذا التراث المعماري، الذي تشكّل عبر ثلاثة قرون من الحكم العثماني، باهتمام يُذكر من قِبل السل...

جهّز بيت شعر، آ...

جهّز بيت شعر، آية، أو حديثاً نبوياً لكل مقطع (التضامن الإنساني، حب الوطن، الآفات الاجتماعية، العلم و...

المقدمة: تعد ال...

المقدمة: تعد النهضة العربية الحديثة من أهم المراحل في تاريخ الأدب العربي، حيث نهض العرب لتجديد ماضيه...

يست الفصاحة أن ...

يست الفصاحة أن نختار أغرب الألفاظ، ولا أن نملأ كلامنا بما يحتاج قارئه إلى معجم؛ فقد تكون الكلمة عربي...

يشكل الإطار الن...

يشكل الإطار النظري الأساس العلمي لفهم طبيعة العلاقة المتنامية بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي وعمليات ت...

### أولاً: هدف ...

### أولاً: هدف الأخلاق وأهميتها عند ستيفن ورد (ص 25 - 30) * **هدف الأخلاق:** تستهدف الأخلاق عند س...

تتضمن المرحلة ا...

تتضمن المرحلة النهائية تقييم مدى فعالية التدخلات المُنفَّذة وترسيخ التغييرات الناجحة داخل المؤسسة. و...

يشكل الإطار الن...

يشكل الإطار النظري حجر الزاوية في فهم العلاقة المعقدة والمتنامية بين الذكاء الاصطناعي وجودة التعليم،...

1.1. الأسس النظ...

1.1. الأسس النظرية للمقاربة المضامينية:تنطلق المقاربة المضامينية من مسلمة أساسية تعتبر أن عقل الإنسا...

تلقت مليشيا الح...

تلقت مليشيا الحوثي إحدى أشرس الضربات العسكرية الميدانية وأقساها في جبهات محافظة تعز، إثر إحباط عملية...

كل من دعا إلى ش...

كل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من الكتاب والسنة فقد دعا إلى بدعة وضلالة (١) معنى الضابط : أصل: ا...

شرح المشكلة: لم...

شرح المشكلة: لماذا يصعب علينا اتخاذ القرار رغم توافر الخيارات؟ تُعدّ صعوبة اتخاذ القرار من المشكلات...

أخبار التقنية