الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)

المنهج البنيوي المنهج البنيوي (الهيكلي): على الرغم من أن الجهود المهمة للعالم السويسري "فرديناند دي سوسير" في مجال اللسانيات تعود إلى بدايات هذا القرن، إلا أن قطف ثمرات هذه الجهود لم يتحقق إلا بعد زمن من وفاته. إذ يرجع شيوع النزعة البنيوية مثلاً إلى عام ۱۹۲۸. عقد في لاهاي (٢). وسيطرتها على حقول الدراسات الأدبية في فرنسا لم يتحقق إلا في الخمسينيات من هذا القرن، وذلك بعد أن أفل عصر الإيديولوجية والنزعة الإنسانية، ما لبثت أن استولت على نشاط سائر العلوم متمثلة في الرغبة في العثور على النسق المتماسك)، ولكن ما البنية، ونظام الخيال وأعمق منهما في آن، والتنظيم الذاتي. تنطلق البنيوية، من فلسفة ترى النسق سابقاً على الأنظمة البشرية التي ينبغي على هذه الأخيرة الاستناد إليه، وللبنيوية أعلام، ومنهم من برز في الانثروبولوجيا وعلوم اللسان والنقد الأدبي وعلم النفس. ومن الفلاسفة المجددين في الماركسية "لوي التوسير"، ومن النقاد "رولان بارت"، يرى في العمل الأدبي نصاً منغلقاً على نفسه، له نظامه الداخلي الذي يكسبه وحدته وهو نظام لا يكمن في ترتيب عناصر النص كما هو شائع، من هنا، اهتمامها في البحث عن بنية العمل الأدبي، تلك البنية التي تكشف عن نظامه، مؤكدة رفضها المقاربات (البيوغرافية والمؤثرات الخارجية. هكذا شاع في العلوم الإنسانية، منذ منتصف هذا القرن، منهج الاعتماد على الكشوفات الألسنية، واتخاذ النموذج اللغوي مقياساً لكشف بنية تلك العلوم، لقد سعى عدد من أعلام البنيوية والنقاد إلى عد البنيوية منهج بحث مذهباً أو فلسفة. فبعد أن كانت الدراسات (الفيلولوجية) والمنطقية قبل سوسير، ما حدا به إلى الدعوة إلى دراستها لذاتها وفي ذاتها، وإقصاء الأحكام القبلية في اللغة. اهتم سوسير في دراساته البنيوية بالكشف عن عدد من الثنائيات التي ارتبطت بمنهجه، ومنها تفرقته المهمة بين ثنائية (اللغة) و (الكلام)، وتفرقته الأخرى بين ما عرف بـ (التزامن) و (التعاقب)، وبين (الدال) و (المدلول) وبين علاقات (التتابع) و(الترابط). يرى سوسير أن العلاقة بين اللغة والكلام علاقة جدلية، وأن علاقة اللغة بالكلام هي علاقة الكل بالجزء. وهي من هنا تمثل السلطة التجريدية المتعالية التي يستمد منها الكلام اختياراته الفعلية. أما الكلام فهو التطبيق الفعلي لهذه القوانين العامة والمستوى الفردي المشخص منها (۱). ومن الثنائيات الأخرى المهمة عند سوسير، فإذا كان التزامن هو زمن حركة العناصر فيما بينها في زمن واحد هو زمن نظامها داخل البنية، فإن التعاقب أو التطور إنها يمثل زمن تخلخل البنية أو زمن تهدم العنصر الذي يعبر عنه أحياناً بانفتاح البنية على الزمن. أو في نسقها الظاهري وعلاقاتها العميقة. يقول بنفسنت إن اللغة - في حد ذاتها - لا تنطوي على أي بعد تاريخي. وبعبارة أخرى، فإن "التزامن" هو الدراسة في فترة من الزمن، يكون فيها المجموع الكلي للتغيرات الحاصلة ضئيلاً جداً، ينحصر في الحدود الدنيا. أما التعاقب فهو دراسة العلائق بين عناصر متعاقبة يحل فيها كل عنصر محل العناصر الأخرى بمرور الزمن (۳). من هنا يرى سوسير أن دراسة علم اللغة التزامني هي وحدها التي تقودنا إلى الكشف عن بنية اللغة ونظامها المستقر، وإنما المهم هو الكشف عن شبكة (العلاقات) القائمة بين العناصر أو عمليات التأليف الحاصلة بينها، و طموحه في وضع اليد على الموضوع، يقول ميرلو بونتي: «إن هناك نظاما عقليا بأكمله قد أخذ يتحدد بظهور مفهوم (البنية)، لقد نبذت البنيوية الطريقة التقليدية - إذن في النظر إلى العالم والأشياء، من خلال محور الذات والموضوع، أو الذات والوجود، مثلما نبذت طريقة النظر إلى النظام الكلي نظرة جزئية أو مادية ذرية، معلنة أولوية النسق أو (النظام) على العناصر، والكشف عن ثنائيات اللغة والكلام والتزامن والتعاقب والعلامة اللفظية. ولعل شيوع البنيوية على هذا النحو الذي بدت فيه وكأنها (موضة) العصر لا يخلو من دلالة على خصوبتها، ليتحول النظر إلى هذه الميادين على أنها لغة لها نظامها الكلي اللاشعوري وبنيتها الخاصة المستقلة، فللغة بنيتها وللأدب بنيته، وللأسطورة بنيتها، ومثلها العلوم الأخرى. ولاشك في أن الروح العلمية التي لازمت البنيوية قد رافقها شيوع وسائلها العلمية ولغتها الخاصة المتمثلة في صيغ المعادلات الرياضية ونمط الأشكال والتخطيطات والرموز المعبرة عن الكشوف التحليلية الرائجة في الأبحاث البنيوية والدراسات في الصحف والكتب والمجلات. بما غير من مسار الفكر والفلسفة المعاصرة فإنها لم تنج من حملات الهجوم وسهام النقد، وليصبح المنهج النقدي فيما بعد أسيراً لهذا النموذج اللغوي المعدّ سلفاً. ومن هذه الملاحظات أيضا، أن المنهج البنيوي منهج تعميمي، يعجز عن إبراز السمات الخاصة للخطاب الأدبي ويمحو الطابع الفردي لها، حين يصب اهتمامه على دراسة الهياكل الكلية والرسائل الكلامية الخالية من نبض الإبداع، من هنا نفهم قولة (ميشيل فوكو): البنيوية هي من أجل الآخرين أي من أجل أولئك الذين يرون الغابة ولا يرون الأشجار» (1). انغلاقه داخل بنية النص، وعزله عن سياقاته الاجتماعية والنفسية والثقافية التي أنتجته، ومما وجه للمنهج البنيوي أنه منهج يشل فاعلية كل من المبدع والناقد ويجعلهما خاضعين لمشيئة جبرية صارمة محددة سلفا ومتمثلة في فكرة النظام وبنيته المقيسة على بنية النموذج اللغوي، وإعادة تركيبها، انطلاقاً من عناصرها المحللة (٢). كما أخذ عليها إقامتها تعارضاً بين التزامن والتعاقب، برفضها المنظور التاريخي، وإعلائها الثبات على الحركة، والبنية على التاريخ، لتبدو البنية عندهم نسيجاً من الأشياء المتقابلة المكملة لبعضها البعض أكثر منها نسيجاً من التناقضات. فمن المعروف أن البنيويين عدوا المنظور التاريخي في الدراسة وإدراك التاريخ ضرباً من ضروب الوهم الناتج أصلاً من الخوض فيما هو مشكوك فيه وغير يقيني، داعين إلى الاستعاضة عنه بدراسة البنيات التي تقودنا في رأيهم إلى البحث العلمي الحقيقي. مبدع النماذج العلمية وبانيها "سيباغ" الذي رأى " أن الإنسان هو منتج كل ما هو إنساني. والبشر هم الذين يخلقون اللغات والأساطير [. والمجتمعات (۳). ولا يختلف هذا الموقف عن موقف "بياجيه"، حين قال: " وما دام "الإنسان" هو دائماً الذي يتكلم - حتى حين يعلن بضمير المتكلم أن الإنسان قد مات - فستبقى " اللغة" دائماً هي لغة الإنسان، بأن حتى ولو اتخذ طابع شيء قد انفصل عن الانسان وارتد ضده! واذن فقيم الزعم " الإنسان هو مجرد تجعيدة صغيرة على سطح بعض الرمال "(4). أما الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي" فقد نقد البنيوية من منظور فلسفي، إذ ليست الكينونة المقولة الأساسية عند أصحابها بل علاقاتها، فهي من هنا أشكال لا جواهر. وعلى الرغم من أنه من غير الإنصاف إرجاع تألق المد البنيوي وتمكنه إلى ما يقوله بعض خصومه من عقم الفلسفة الجامعية (التقليدية) في فرنسا وقتئذ، فإن تحول بعض أقطاب البنيوية ومنظريها كـ "التوسير" و "بارت" و"تودوروف" عن البنيوية إلى حركات واتجاهات أخرى (١) ، من شدة الشبع أو من شدة الجوع، وهذا التقويض للسانيات، هو ما أدعوه من جهتي سيميولوجيا (٢). لقد شهدت البنيوية اتجاهات كان لها أثر واضح فيها؛ منها جهود "بروب" في تحليل الحكاية الخرافية (الشفاهية) تحليلاً موضوعياً، متوصلاً إلى تحديد قانون عام، يمكن تطبيقه على واقع الحكاية الشعبية لدى الشعوب عامة، للكشف عن بنيتها. أما أبرز تيارات البنيوية،

النص الأصلي

المنهج البنيوي


المنهج البنيوي (الهيكلي): على الرغم من أن الجهود المهمة للعالم السويسري "فرديناند دي سوسير" في مجال اللسانيات تعود إلى بدايات هذا القرن، إلا أن قطف ثمرات هذه الجهود لم يتحقق إلا بعد زمن من وفاته. إذ يرجع شيوع النزعة البنيوية مثلاً إلى عام ۱۹۲۸. وهو العام الذي قدم فيه (جاكوبسون) واثنان من العلماء الروس بحثهم العلمي المعمق عن المبادئ العامة للبنيوية في مؤتمر دولي لعلوم اللسان، عقد في لاهاي (٢). لكن شيوع البنيوية منهجاً نقدياً، وسيطرتها على حقول الدراسات الأدبية في فرنسا لم يتحقق إلا في الخمسينيات من هذا القرن، وذلك بعد أن أفل عصر الإيديولوجية والنزعة الإنسانية، وأضحت البنيوية فيما بعد استجابة لرغبة منهجية جامحة، ما لبثت أن استولت على نشاط سائر العلوم متمثلة في الرغبة في العثور على النسق المتماسك)، بعد مرحلة من هيمنة روح الانقسام والتشظي في العلوم (۳). ولكن ما البنية، في تعريفها الأساس؟ لقد وصفت بأنها نظام، أو نسق من المعقولية. وقيل: إنها وضع لنظام رمزي مستقل عن نظام الواقع، ونظام الخيال وأعمق منهما في آن، وهو النظام الرمزي


ويشترط في البنية عند البنيويين توافر ثلاث خصائص، هي: الكلية، والتحول، والتنظيم الذاتي. تنطلق البنيوية، أو (الهيكلية) كما تسمى عندنا أحياناً، من فلسفة ترى النسق سابقاً على الأنظمة البشرية التي ينبغي على هذه الأخيرة الاستناد إليه، ما يفسر جوهر نزعتها، المتمثل في النظر إلى البنية بوصفها نظاماً مكتفياً بذاته، متخذة من النموذج اللغوي نموذجاً مطلقاً وصالحاً للتعميم على سائر الأنشطة والمعارف. وللبنيوية أعلام، منهم من برز في الفلسفة، ومنهم من برز في الانثروبولوجيا وعلوم اللسان والنقد الأدبي وعلم النفس. فمن علماء اللسان "رومان جاكوبسون" ومن علماء الانثروبولوجيا "كلود ليفي شتراوس" ومن علماء النفس "جاك لاكان" ، ومن الفلاسفة المجددين في الماركسية "لوي التوسير"، ومن النقاد "رولان بارت"، إلى جانب "تودوروف" و "جيرار جينيت" و"غريماس". تعد البنيوية منهجاً وصفياً، يرى في العمل الأدبي نصاً منغلقاً على نفسه، له نظامه الداخلي الذي يكسبه وحدته وهو نظام لا يكمن في ترتيب عناصر النص كما هو شائع، وإنما يكمن في تلك الشبكة من العلاقات التي تنشأ بين كلماته وتنظيم بنيته. يقول هليمسليف: " إن المقصود باللغويات البنيوية هو مجموع الأبحاث التي تستند إلى فرض واحد مؤداه أنه من المشروع علمياً وصف اللغة باعتبارها أولاً وبالذات كياناً مستقلاً من العلامات الباطنية التي يتوقف بعضها على البعض الآخر، أعني - بكلمة واحدة - "بنية "(1)


من هنا، ركزت البنيوية، متأثرة بنموذجها اللغوي، اهتمامها في البحث عن بنية العمل الأدبي، تلك البنية التي تكشف عن نظامه، بطريق تحليله تحليلاً داخلياً، مؤكدة أهمية العلاقات الداخلية والنسق الكامن في كل معرفة علمية. وبهذا تكون البنيوية مكملة لجهود الحركات النقدية السابقة، كالمدرسة الشكلية والنقد الجديد والمدارس اللغوية السابقة، مؤكدة رفضها المقاربات (البيوغرافية والمؤثرات الخارجية. هكذا شاع في العلوم الإنسانية، منذ منتصف هذا القرن، منهج الاعتماد على الكشوفات الألسنية، واتخاذ النموذج اللغوي مقياساً لكشف بنية تلك العلوم، وبما عد ثورة منهجية في حينها . لقد سعى عدد من أعلام البنيوية والنقاد إلى عد البنيوية منهج بحث مذهباً أو فلسفة. ذهب إلى ذلك "شتراوس" و "فرانسوا علمي أكثر منها . شاتليه" و "جون لاكروا" وغيرهم ). (1) إن التغير الذي حدث في نظرة البنيوية إلى اللغة لم يكن يسيراً، بل كان تغيراً نوعياً، قوض أصول الدرس التقليدي للغة. فبعد أن كانت الدراسات (الفيلولوجية) والمنطقية قبل سوسير، تنظر إلى اللغة كوسيلة تعبير فردي أو محض أداة لتسمية الأشياء، وجدنا سوسير يرفض عد اللغة وسيلة ويرى فيها نظاماً إشارياً لا شعورياً، ما حدا به إلى الدعوة إلى دراستها لذاتها وفي ذاتها، وإقصاء الأحكام القبلية في اللغة. وهو ما هيأ النظر إلى اللغة، فيما بعد في ضوء معاييرها الخاصة ومقاييسها التي تقيس به ذاتها. اهتم سوسير في دراساته البنيوية بالكشف عن عدد من الثنائيات التي ارتبطت بمنهجه، ومنها تفرقته المهمة بين ثنائية (اللغة) و (الكلام)، وتفرقته


الأخرى بين ما عرف بـ (التزامن) و (التعاقب)، وبين (الدال) و (المدلول) وبين علاقات (التتابع) و(الترابط). يرى سوسير أن العلاقة بين اللغة والكلام علاقة جدلية، وأن لا سبيل إلى الفصل بينهما إلا لأغراض الدراسة العلمية. وأن علاقة اللغة بالكلام هي علاقة الكل بالجزء. فاللغة عند هذا العالم الشهير نظام اجتماعي مستقل عن الفرد ولا شعوري، إذ هي تمثل مجموعة القوانين والقواعد العامة المتحكمة في إنتاج الكلام، وهي من هنا تمثل السلطة التجريدية المتعالية التي يستمد منها الكلام اختياراته الفعلية. أما الكلام فهو التطبيق الفعلي لهذه القوانين العامة والمستوى الفردي المشخص منها (۱). ومن الثنائيات الأخرى المهمة عند سوسير، ثنائية (التزامن) و (التعاقب) المشار إليها سلفاً. فإذا كان التزامن هو زمن حركة العناصر فيما بينها في زمن واحد هو زمن نظامها داخل البنية، فإن التعاقب أو التطور إنها يمثل زمن تخلخل البنية أو زمن تهدم العنصر الذي يعبر عنه أحياناً بانفتاح البنية على الزمن. أما ثنائية (الدال) و (المدلول) فتمثلها جهود البنيويين في البحث الدلالي للوقوف على ظاهر النص وباطنه، إلى جانب قراءة النصوص في مستوياتها الأفقية والعمودية، أو في نسقها الظاهري وعلاقاتها العميقة. لقد قادت الدراسات التاريخية المقارنة للغات سوسير إلى رد فعل عنيف ضدها تمثل في إيلائه الأهمية القصوى للاعتبارات البنيوية التزامية (السكونية)، بالقياس إلى التعاقبية (التاريخية). وهو اهتمام يعكس رفض أسبقية (التفسير التاريخي) على (التفسير البنيوي). يقول بنفسنت


إن اللغة - في حد ذاتها - لا تنطوي على أي بعد تاريخي. إنها "تزامن" (سانكروني)، و"بنية"؛ وهي لا تؤدي وظيفتها إلا بمقتضى طبيعتها الرمزية. (فالبنية) بأبسط معنى من معانيها - هي "نظام من العلاقات الثابتة الكامنة خلف بعض التغيرات "(1). ولتوضيح الطبيعة الإجرائية للمنهج البنيوي في التفرقة بين البعدين التزامني والتعاقبي نقول: إن دراسة لغة ما في نظامها الثابت في لحظة زمنية معينة يسمى التزامن، أما دراسة المتغيرات المتحققة في اللغة ومتابعتها خلال الزمن فيسمى التعاقب. وبعبارة أخرى، فإن "التزامن" هو الدراسة في فترة من الزمن، يكون فيها المجموع الكلي للتغيرات الحاصلة ضئيلاً جداً، ينحصر في الحدود الدنيا. أما التعاقب فهو دراسة العلائق بين عناصر متعاقبة يحل فيها كل عنصر محل العناصر الأخرى بمرور الزمن (۳). من هنا يرى سوسير أن دراسة علم اللغة التزامني هي وحدها التي تقودنا إلى الكشف عن بنية اللغة ونظامها المستقر، وأن الدراسة التعاقبية لا يمكن تحقيقها إلا بالاعتماد على علم اللغة التزامني. ومن الجدير بالذكر أنه ليس مهماً في المنهج البنيوي دراسة (العنصر) أو الكل، وإنما المهم هو الكشف عن شبكة (العلاقات) القائمة بين العناصر أو عمليات التأليف الحاصلة بينها، ودراستها في تزامنيتها لاكتشاف آلية حركتها المنتجة لنظامها . ولعل السر في شيوع البنيوية ورواج كلمتها التي أضحت كالعملة الممسوحة يرجع إلى أنها بدت وكأنها تحقيق الحلم العقل البشري الطويل،


و طموحه في وضع اليد على الموضوع، واحتباسه في شباك نظامه العقلي. يقول ميرلو بونتي: «إن هناك نظاما عقليا بأكمله قد أخذ يتحدد بظهور مفهوم (البنية)، ذلك المفهوم الذي يلاقي اليوم من النجاح في كافة المجالات ما يدل على أنه يشبع حاجة عقليه هامة (من حاجات عصرنا) [...] ولا غرو، فإن البنية لتكشف أمامنا طريقاً جديداً ينأى بالفكر البشري عن محور الذات والموضوع الذي طالما هيمن على الفلسفة، ابتداء من ديكارت حتى هيجل (۱). لقد نبذت البنيوية الطريقة التقليدية - إذن في النظر إلى العالم والأشياء، من خلال محور الذات والموضوع، أو الذات والوجود، أو الإنسان والتاريخ، مثلما نبذت طريقة النظر إلى النظام الكلي نظرة جزئية أو مادية ذرية، معلنة أولوية النسق أو (النظام) على العناصر، والكشف عن ثنائيات اللغة والكلام والتزامن والتعاقب والعلامة اللفظية. ولعل شيوع البنيوية على هذا النحو الذي بدت فيه وكأنها (موضة) العصر لا يخلو من دلالة على خصوبتها، واستجابتها لحاجات الإنسان ونداء العصر، في اللغة والأساطير وعلم النفس والاجتماع ووسائل الإعلام والنقد الأدبي والأزياء وآداب المائدة، وسائر العلوم الإنسانية الأخرى التي أصبحت على وعي (بسيميولوجيتها الخاصة، ليتحول النظر إلى هذه الميادين على أنها لغة لها نظامها الكلي اللاشعوري وبنيتها الخاصة المستقلة، فللغة بنيتها وللأدب بنيته، وللأسطورة بنيتها، وللنفس بنيتها، ومثلها العلوم الأخرى. ولاشك في أن الروح العلمية التي لازمت البنيوية قد رافقها شيوع وسائلها العلمية ولغتها الخاصة المتمثلة في صيغ


المعادلات الرياضية ونمط الأشكال والتخطيطات والرموز المعبرة عن الكشوف التحليلية الرائجة في الأبحاث البنيوية والدراسات في الصحف والكتب والمجلات. وإذا كانت البنيوية قد استطاعت تحقيق نقلة نوعية في مجال الفكر والمعرفة الإنسانية، بما غير من مسار الفكر والفلسفة المعاصرة فإنها لم تنج من حملات الهجوم وسهام النقد، لاسيما من لدن أصحاب الفكر الماركسي. فمن الملاحظات المهمة التي أخذت على البنيوية في مجال النقد، أنها اعتسفت تطبيق نموذج لغوي قبلي مستجلب من ميدان اللغة لتطبقه على حقل آخر تقيسه عليه، وليصبح المنهج النقدي فيما بعد أسيراً لهذا النموذج اللغوي المعدّ سلفاً. ومن هذه الملاحظات أيضا، أن المنهج البنيوي منهج تعميمي، يعجز عن إبراز السمات الخاصة للخطاب الأدبي ويمحو الطابع الفردي لها، حين يصب اهتمامه على دراسة الهياكل الكلية والرسائل الكلامية الخالية من نبض الإبداع، ليتحول إلى نزعة شكلية. من هنا نفهم قولة (ميشيل فوكو): البنيوية هي من أجل الآخرين أي من أجل أولئك الذين يرون الغابة ولا يرون الأشجار» (1). ولعل من الملاحظات المهمة الأخرى التي يسجلها الرافضون للمنهج البنيوي عليه، انغلاقه داخل بنية النص، وعزله عن سياقاته الاجتماعية والنفسية والثقافية التي أنتجته، وبما يحول دون رؤية الجدل بين الداخل والخارج في الآثار الأدبية، أو رؤية الخارج في الداخل.


ومما وجه للمنهج البنيوي أنه منهج يشل فاعلية كل من المبدع والناقد ويجعلهما خاضعين لمشيئة جبرية صارمة محددة سلفا ومتمثلة في فكرة النظام وبنيته المقيسة على بنية النموذج اللغوي، ما يجعل هذا المنهج ينطلق من نظرة سابقة للعملية الإبداعية ويؤدي بنتائج تحليلاته إلى التشابه أحياناً (1). لقد أخذ على البنيوية أنها أنعشت الوهم بإمكانية مكننة البنية وتفكيكها، من جراء النزعة الوصفية التي أغفلت حركة الزمن التاريخي لتكون هذه البنية، وإعادة تركيبها، انطلاقاً من عناصرها المحللة (٢). كما أخذ عليها إقامتها تعارضاً بين التزامن والتعاقب، برفضها المنظور التاريخي، وإعلائها الثبات على الحركة، والبنية على التاريخ، والمقولات (المورفولوجية) على المقولات (التطورية)، لتبدو البنية عندهم نسيجاً من الأشياء المتقابلة المكملة لبعضها البعض أكثر منها نسيجاً من التناقضات. ويبقى رفض المنهج البنيوي المنظور التاريخي والنزعة الإنسانية من أكثر مظاهر هذا المنهج تعرضاً للنقد والجدل والاتهام. فمن المعروف أن البنيويين عدوا المنظور التاريخي في الدراسة وإدراك التاريخ ضرباً من ضروب الوهم الناتج أصلاً من الخوض فيما هو مشكوك فيه وغير يقيني، داعين إلى الاستعاضة عنه بدراسة البنيات التي تقودنا في رأيهم إلى البحث العلمي الحقيقي. وقد ترتب على هذا المنطق البنيوي القول ( بموت التاريخ) و (موت الفلسفة) و (موت الذات) أو (موت الإنسان الذي رأى فيه عدد من


المفكرين إفرازاً من إفرازات المجتمع التكنوقراطي المعاصر الذي أصبح يخطط للإنسان كل شيء، وتعبيراً (أيديولوجياً) عن نزوعه نحو التخلي عن دوره الحقيقي بوصفه "فاعلاً تاريخياً (1)، ما حدا بعدد من الفلاسفة والنقاد إلى التساؤل عن مستقبل هذه الحركة في الحضارة البشرية. بل لقد رأى بعضهم في هذه الحركة محض "أداة ذهنية قد شاء المجتمع القمعي اللجوء إليها من أجل تخليد نماذجه المتحجرة (٢). وممن رفض فكرة استلاب البنية للإنسان في المنظور البنيوي وذكر بأولوية الإنسان، مبدع النماذج العلمية وبانيها "سيباغ" الذي رأى " أن الإنسان هو منتج كل ما هو إنساني... والبشر هم الذين يخلقون اللغات والأساطير [...] والمجتمعات (۳). ولا يختلف هذا الموقف عن موقف "بياجيه"، الفيلسوف الفرنسي الذي کشف بطلان مزاعم البنيوية وتناقضاتها، حين قال: " وما دام "الإنسان" هو دائماً الذي يتكلم - حتى حين يعلن بضمير المتكلم أن الإنسان قد مات - فستبقى " اللغة" دائماً هي لغة الإنسان، وسيبقى "النظام " نفسه مجرد "صنيعة بشرية"، بأن حتى ولو اتخذ طابع شيء قد انفصل عن الانسان وارتد ضده! واذن فقيم الزعم " الإنسان هو مجرد تجعيدة صغيرة على سطح بعض الرمال "(4). أما الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي" فقد نقد البنيوية من منظور فلسفي، حين كشف عن قيام البنيوية على إيلاء العناية بالأشكال على حساب الجواهر، إذ ليست الكينونة المقولة الأساسية عند أصحابها بل


علاقاتها، وليست الأجزاء والعناصر مهمة بل الهياكل والكليات، فلا معنى للعنصر إلا في ضوء علاقاته المكونة له، ولا تعريف للوحدات إلا بعلاقاتها، فهي من هنا أشكال لا جواهر. وعلى الرغم من أنه من غير الإنصاف إرجاع تألق المد البنيوي وتمكنه إلى ما يقوله بعض خصومه من عقم الفلسفة الجامعية (التقليدية) في فرنسا وقتئذ، إلى ضعف الاتجاه الوجودي، فإن تحول بعض أقطاب البنيوية ومنظريها كـ "التوسير" و "بارت" و"تودوروف" عن البنيوية إلى حركات واتجاهات أخرى (١) ، يؤكد الرغبة في الانعتاق من أسر المنظور الوصفي (الشكلي) إلى رحاب اتجاهات أخرى غير قابلة للتحديد كالسيميولوجيا والتأويل والتفكيك والنقد الحواري وجماليات القراءة ولذة النص التي تجعل المعرفة احتفالاً والخطاب النقدي نصاً. وفي ذلك يقول "رولان بارت": " إن صرح اللسانيات أصبح يتفكك اليوم، من شدة الشبع أو من شدة الجوع، وهذا التقويض للسانيات، هو ما أدعوه من جهتي سيميولوجيا (٢). لقد شهدت البنيوية اتجاهات كان لها أثر واضح فيها؛ منها جهود "بروب" في تحليل الحكاية الخرافية (الشفاهية) تحليلاً موضوعياً، متوصلاً إلى تحديد قانون عام، يمكن تطبيقه على واقع الحكاية الشعبية لدى الشعوب عامة، للكشف عن بنيتها. أما أبرز تيارات البنيوية، فيمثلها ما عرف في البنيوية بتيار " البنيوية التكوينية" أو "التوليدية" المؤسسة "لوسيان غولدمان". وهو التيار الذي حاول تجاوز مفهوم البنية المغلقة للنص وعزله عن سياقه الاجتماعي، بالسعي إلى توكيد العلاقة الجدلية بين خارج النص


و داخله، والجدل الخاص بينهما، والبحث عن الدلالات الفكرية والاجتماعية لبنية النص الأدبي. ومن قبيل هذه التنويعات أيضاً ما فعله "جاك لاكان" في ميدان علم النفس البنيوي، وما حققته "جوليا كرستيفا" من جهود متميزة في الدراسات البنيوية النازعة صوب السيميولوجيا. ومع ذلك فقد واجهت البنيوية منذ منتصف الستينات حملة من المراجعات النقدية العنيفة، تركزت في التشكيك في الكفاية المنهجية في سائر فروعها، لتتحول إلى تيار نقدي يتصدى للنزعة الوصفية المجردة والنموذج اللغوي المعمم على مختلف حقول العلم والمعرفة، ومنها أحداث أيار الشهيرة في فرنسا عام ١٩٦٨ التي قادها الطلبة وكان لها أثر في وقف المد البنيوي وبدء ثورة السيميولوجيا


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

2 - بداية عصر ا...

2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...

بالقرب من مدينة...

بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...

This is my Engl...

This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...

ينتسب المعنيون ...

ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...

زار وفد شركة «م...

زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...

أخبار التقنية