لخّصلي
خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
نتيجة التلخيص (30%)
فينبوع الكلم فاض من قلمه بسخاء غير معهود، ونفث شيئا من روحه - الولهى الباحثة عن الاستقرار:[« طلبت الاستقرار بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا»( أبو العتاهية) فاتحة الرواية]- على أعتاب المقروئية، وذلك من خلال روايته:" حدث أبو هريرة قال. فكما بعث المسعدي أبا هريرة اسما ومعنى من أعماق الماضي كذلك بعثه شكلا وأسلوبا في تناسق فني متين». إن هذه الرواية والتي تعد من النماذج المبكرة في الرواية المغاربية بل العربية عموما المستوعبة للتراث، أكثر وعيا في عودته إلى أعماق التراث، وبالتالي الابتعاد قدر الإمكان عن التوظيف الساذج أو السطحي أو المكرور له، وإذا كانت رواية" حدث أبو هريرة قال. نموذج من الإنشاء الفني المبتكر ورهان كبير على الثقافة العربية وقدرتها على الخلق الأصيل»، فما هي الأسئلة التي تطرحها؟ ماذا عن مضامينها وما طبيعة التقنيات السردية التي توسلت بها؟
والنص الموازي – من وجهة نظره- هو ما يجعل من النص كتابا . L.Borges) المقدمة/ الباحة التي تسمح بالدخول أو بالارتداد إلى الوراء». فإن العتبات المحيطة بالنص هي« أول لقاء مادي ومحسوس بين الكتاب والقارئ الذي تراهن إستراتيجية الكتابة على حسه وحدسه الإبداعيين، ولأجل ذلك فإن أولى المناورات والمغامرات ارتحالا إلى عوالم الرواية ستكون مع العنوان باعتباره «علامة جوهرية للمصاحب النصي»، أو بتعبير آخر: « خطابا كاليغرافيا قارا ومستقلا عن مصدره وسياقه». يعد العنوان علامة إشهارية للنص وبطاقة تعريفية تحدد هويته ، ليتحول -وفق هذه المعطيات- «إلى منطقة إستراتيجية، ويعبر بطريقة مخصوصة، فهو يمثل البنية الأصغر لكنها البنية الأكثر جاذبية للقارئ، وإذا كان العنوان ذو علاقة تكاملية وترابطية مع الرواية؛ إذ أن الأول يعلن والثاني يفسر؛ ما يعني أن العنوان يرتبط بالمتن الروائي ارتباط السبب بالنتيجة، فإن هذا الأمر لا يتفق مع عنوان رواية من طينة "حدث أبو هريرة قال. وهو ما يؤكد على أن هذا العنوان إنما يتموضع على تخوم الرؤى الخلافية، والحقيقة أن جملة العنونة في هذه الرواية للمسعدي- والتي تحولت إلى نص مؤسس وعلامة لافتة للنظر في الخطاب القصصي التونسي- تقبع خلفها إحالات شتى ونصوص عديدة وذاكرة تمتد نحو البعيد، وتوطد علائق ذات عرى مكينة مع نصوص سابقة وأخرى متزامنة يستحضرها الروائي وهو مشدود إلى لحظة الكتابة لحظة هاربة من زمنيتها متعالقة مع الأزمنة القصية، في ظل حضارة سادت فيها الكلمة المنطوقة، وهذه الصيغة التعبيرية كانت متواترة في السرديات العربية الشفوية، ومن ثمة مواجهة فرضية تناص هذا العنوان مع العوالم التخييلية للموروث السردي العربي القديم. الواردة قبل الفعل، يقول الباحث السعيد بوطاجين دائما مؤكدا على ذلك: « تكمن القضية الخلافية، فهو" أبو هريرة" الذي يحيل على شخصية دينية مرجعية لها وجود حقيقي عبر الصيرورة التاريخية، مع الإشارة إلى أن الشخصية المرجعية في نظر فيليب هامون تحيل على معنى ممتلئ وثابت رسمته ثقافة معينة. لذلك فإن قراءتها تبدو مشروطة بدرجة استيعاب القارئ للثقافة التي أنتجتها. فمن يكون أبا هريرة الذي هندست ملامحه نصيا يا ترى؟
وتهندس له هيكله العام، فتوضح مراحله الكبرى، وعلى خلاف العنوان الرئيس الذي لا غنى عنه، أو حديث الحق والباطل؛ ويثير جملة من الأسئلة الوجودية حول الحياة والموت؛ أما حديث الجماعة والوحشة، وتنشئ لحظة التعارف كما في حديث التعارف في الخمر. على الرغم من تتابعهما من حيث ترتيب الأحاديث إلا أنهما لا يخضعان لتتابع الأفعال، التصدير:
بعد الإهداء( إذا كان موجودا) وقبل التمهيد أحيانا» . وتستعيد الذاكرة رسم الأسماء والأشياء التي طال عهدنا بها، يقول فيها:
يخرج بيت أبي العتاهية من سياقه الأصلي إلى سياق جديد، بل عن تجربة ذات بلون من الألم يلخص مسيرة أبي هريرة، المحفوفة بالمخاطر. الرحيل بما هو اكتشاف للذات واختبار لامكاناتها، وسفرا في اتجاه البواطن وتحقيقا للرغبة في إعادة اكتشاف الذات والعالم والبحث عن المعنى الخفي والتطلع إلى آفاق جديدة، لذلك كان التبئير على العين في بيت أبي العتاهية( لم أر) التي يتسع مجالها ها هنا وتقبع وراء كل حدث وزاوية نظر،
يعيش في مكة المكرمة التي ترمز إلى التقيد بالروابط الاجتماعية والطقوس الدينية، متزوج بطريقة شرعية، يمثل الرجل التقليدي فارغ الكيان في عالم راكد لا حراك فيه، وصلته به تقوم على التسليم بكل شيء إلى أن يأتيه صديق له يدعوه إلى الخروج عن المألوف:« جاءني صديق لي يوما فقال : أحب أن أصرفك عن الدنيا عامة يوم من أيامك، وقد كان الخروج من مكة فجرا[ والفجر هنا يرمز لابتداء المغامرة الوجودية] إلى الصحراء« بوصفها فضاء أرحب يحتضن تجربة الفتى والفتاة ويخرج بها من قيم المدينة ومتوارث أخلاقها ودينها إلى قيم جديدة تبني ثقافة الجسد أداة لوعي الذات والعالم. فإذا الجسد بإمكاناته التعبيرية وأنساقه الرمزية أداة تعبير يفصح ويقول ما لا تقوله الكلمات. ».
وإذا كان البعث الأول يفصح عن تجربة ذات في علاقتها بذاتها أو بالآخر من حولها، ورمزا للقيم الروحية والمناخات البعيدة التي لا يمكن للإنسان بلوغها إلا بعد مجاهدة ومكابدة ورحلة صعبة فيها من العنت الكثير. التحق أبو هريرة بصديقه، اكتشف أبو هريرة- وهو يخرج من كهفه المسيج بطوطم السحر وبالأسطورة ليرى أكداس الحياة وهي تتفاعل بعنف وتمتد بصلابة، 4-1- الزمن:
غير المرئي، وفي كل مكان من حركاتنا، ولا أن نراه ولا أن نسمع حركته الوهمية على كل حال». وقد أشرنا - فيما سبق- إلى أن المسعدي كان قد استثمر الأحاديث حسب ما« تقتضيه أحدث أساليب البناء القصصي. فقد عمد الروائي إلى التلاعب بزمن الرواية، غير منتظمة، فيكون القارئ مسافرا حسب عرض البطل أو الراوي للأزمنة، فيعرج به مرتدا إلى الماضي أو متجها نحو المستقبل، والتي يعرفها جيرار جينيت بقوله: هو « كل حركة سردية تقوم على أن يروى حدث لاحق أو أن يذكر مقدما»، بل كثيرا ما تعصف لعبة الزمن بتتابع الأفعال داخل الحديث الواحد، كما تعصف بالترتيب المنطقي للأحاديث، وهذا في حد ذاته مظهر من مظاهر الحداثة في النص الروائي. قال: حدثت ريحانة قالت:. ».
4-2- المكان:
المكان – كما يعرفه الناقد حميد لحميداني- هو:«العالم الواسع الذي يشمل مجموع الأحداث الروائية ويشمل جميع الأشياء المحيطة بنا، فالمقهى أو المنزل أو الشارع أو الساحة كل واحد منها يعتبر مكانا محددا»، تبدو رواية" حدث أبو هريرة قال. ولأجل ذلك جاء المتن النصي ليكرس حضور الإنسان الفرد الراحل دوما في المكان بحثا عن معنى الوجود. والحقيقة أن الإطار المكاني في الرواية لم يكن إطارا بقدر ما كان مساحة نفسية يحمل الكثير من دلالات المرحلة ويوحي بحالة البطل النفسية، فكلما أحس البطل بالانقباض والوحشة ضاق المكان رغم اتساعه وكلما أحس البطل بالاتساع والانشراح امتد المكان رغم ضيقه مشيرا إلى تجربة الحس؛ تعبر عن مراحل البحث الوجودي للشخصية المحورية، ويمكن استظهار هذه الأماكن على النحو الآتي:
الأمكنة المنفتحة:
المكان المفتوح هو «حيز مكاني خارجي لا تحده حدود ضيقة يشكل فضاء رحبا وغالبا ما يكون لوحة طبيعية للهواء الطلق، كما يمتاز بأفقه الواسع الذي يرمي إلى الانفتاح الفكري والنفسي فضلا عن الاجتماعي»، وهي من الأماكن المنفتحة، وفي ذلك نشدان للالتحام بالمطلق والأنقى والأصفى؛ ب- الأمكنة المنغلقة:
تندرج من الخاص الشديد الخصوصية( غرفة النوم) إلى العام المتاح بين كل الناس( الشارع) ولكل من هذه الأماكن دلالتها»، ويشمل في الرواية:
*-البيت:
النص الأصلي
محمود المسعدي هو هذا الروائي الذي حمل مشعل الكتابة الروائية الحداثية في تونس، فانفتحت على يديه مسارب ومرافئ جديدة للإبداع السردي، حيث حركة المد والجزر أقوى وأندى، وتقنيات السرد أبهى وأرقى، وفي غفلة زمن يكون قد دشن أجواء طقوسية مستحدثة في صياغة القصص، وتحسس طريقا مغايرا للسائد والمألوف، فينبوع الكلم فاض من قلمه بسخاء غير معهود، ليبهر ويبهج، ويرسم ملامح هوية أدبية وخصوصية إبداعية متفردة ترتقي به إلى مصاف الأدباء الكبار. هكذا بدا المسعدي مختلفا بعض الشيء في طرحه الحكائي، باحثا عن الحرية الإبداعية في سماوات السرد الرحيبة، محلقا كطائر انفلت توا من أسره، وهو الذي لطالما كان يعي جيدا أن الإنعتاق من القيود الصارمة محصلته الأثيرة الانغماس في دوائر الجنون الإبداعي، إذ نسمعه يقول:« مقدار من الجنون لابد له من مقدار من الحرية».
إن المسعدي الذي استشعر العثور على ذاته في محافل السرد، والذي وجد فيه ملاذا ومرتعا خصيبا لبث أفكاره الفلسفية الوجودية، استطاع أخيرا طرح رؤاه وتوجهاته وإيديولوجيته، ونفث شيئا من روحه - الولهى الباحثة عن الاستقرار:[« طلبت الاستقرار بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا»( أبو العتاهية) فاتحة الرواية]- على أعتاب المقروئية، وذلك من خلال روايته:" حدث أبو هريرة قال..." - المؤلفة عام 1939، والتي لم يكتب لها النشر كاملة إلا عام 1973- والتي اعتبرها توفيق بكار( كاتب التقديم): من أهم التجارب الروائية في القرن العشرين، بل« مغامرة وجودية جريئة وتجربة قصوى في الكتابة. فكما بعث المسعدي أبا هريرة اسما ومعنى من أعماق الماضي كذلك بعثه شكلا وأسلوبا في تناسق فني متين».
إن هذه الرواية والتي تعد من النماذج المبكرة في الرواية المغاربية بل العربية عموما المستوعبة للتراث، المتمثلة لمحمولاته وأشكاله المتنوعة، تأتي للتأكيد على أن المسعدي الذي « رفض ..أن ينقطع عن أصوله الثقافية ليغترب في صياغات الغير» هو صاحب توجه معين في الكتابة؛ كتابة تجل التراث وتغترف من بحوره لتنعم ببهجة نسائمه وعطور أصالته، بل لتتخذ منه رهانا إبداعيا وهاجسا فنيا يربك البديهيات القرائية عند القارئ.
يبدو المسعدي الذي« يلح على واجب الترفع على ذلة الحاكي إلى عزة المبتكر ويقينه أن التجذر في التراث هو الكفيل وحده بتمكين العرب من مشاركة الأمم الأخرى في الإبداع، إبداع قيم الفكر وأشكال الفن»، أكثر وعيا في عودته إلى أعماق التراث، أين استمد منه « أعرق أشكال السرد عند العرب: الحديث أو الخبر لا ليقلده بروح سلفية عقيم بل ليعيد اختراعه بقوة الذهن الحديث»، وبالتالي الابتعاد قدر الإمكان عن التوظيف الساذج أو السطحي أو المكرور له، واتخاذه مطية للتعبير عن غايات فنية ورؤى وجودية وإيديولوجية معينة.
وإذا كانت رواية" حدث أبو هريرة قال..."- كما يشير إلى ذلك توفيق بكار-دائما- « من أقوى نصوص أدبنا المعاصر، كتابة متجذرة في صميم التراث تختبر في جرأة عجيبة طاقة أشكاله وأساليبه على أداء روح العصر، نموذج من الإنشاء الفني المبتكر ورهان كبير على الثقافة العربية وقدرتها على الخلق الأصيل»، فما هي الأسئلة التي تطرحها؟ ماذا عن مضامينها وما طبيعة التقنيات السردية التي توسلت بها؟
قراءة العناوين:
1-1- العنوان/ العتبة المضللة:
يسم جيرار جينيت النص الموازي بالعتبات، ويرى أن النص نادرا ما يظهر عاريا...من دون دعم ومصاحبة علامات لغوية أو غير لغوية تحيط به وتمثل امتدادا له، وتشكل مجموعة أصوات أو لونا من القناع الرمزي القائم على التعدد. والنص الموازي – من وجهة نظره- هو ما يجعل من النص كتابا .
هذا، ويميز جينيت بين العتبة والحد، إذ يقول:« يتعلق الأمر هنا بالعتبة أكثر من الحد أو الحدود، فالعتبة أو بتعبير بورخيص(J.L.Borges) المقدمة/ الباحة التي تسمح بالدخول أو بالارتداد إلى الوراء».
وعلى هذا الأساس، فإن العتبات المحيطة بالنص هي« أول لقاء مادي ومحسوس بين الكتاب والقارئ الذي تراهن إستراتيجية الكتابة على حسه وحدسه الإبداعيين، اللذين يشفان عن أفعال قرائية تتعامل إيجابيا مع هذه العتبات»، ولأجل ذلك فإن أولى المناورات والمغامرات ارتحالا إلى عوالم الرواية ستكون مع العنوان باعتباره «علامة جوهرية للمصاحب النصي»، أو بتعبير آخر: « خطابا كاليغرافيا قارا ومستقلا عن مصدره وسياقه».
يعد العنوان علامة إشهارية للنص وبطاقة تعريفية تحدد هويته ، بل ثريا- بالمنظور الدريدي- تنير درب القارئ وتبدد الظلمة لتصويب مساره التأويلي، إنه- من وجهة نظر الباحث الهولندي ليوهوك-:« مجموعة من العلامات اللغوية التي توضع في أعلى النص من أجل تعيينه وتحديد مضمونه العام وجلب جمهور القراء المعني بهذه الرسالة»، ليتحول -وفق هذه المعطيات- «إلى منطقة إستراتيجية، فهو يشير، ويخفي بقدر ما يظهر، ويعبر بطريقة مخصوصة، ويوجه القارئ. فهو يمثل البنية الأصغر لكنها البنية الأكثر جاذبية للقارئ، إذ يظهر بوصفه" خطابا يقف في مواجهة خطاب"».
وإذا كان العنوان ذو علاقة تكاملية وترابطية مع الرواية؛ إذ أن الأول يعلن والثاني يفسر؛ ما يعني أن العنوان يرتبط بالمتن الروائي ارتباط السبب بالنتيجة، فإن هذا الأمر لا يتفق مع عنوان رواية من طينة "حدث أبو هريرة قال..." والذي يعمل على زلزلة بنيان التأويل لدى القارئ المحاط بهالة من الدهشة والحيرة إزاءه، خاصة وأن إمكانات واحتمالات العنونة كانت متاحة بالجملة أمام الروائي، لكنه تعمد التشويش والتقويض المقصود، والخلخلة المتعناة التي تضع الطرف الثاني في عملية التواصل القرائي أمام مأزق كبير، وهو ما يؤكد على أن هذا العنوان إنما يتموضع على تخوم الرؤى الخلافية، ولعل هذا الأمر يتماشى إلى حد كبير مع ما ذهب إليه أمبرتو إيكو حينما قال:« إن العنوان يجب أن يشوش على الأفكار، لا أن يحولها إلى قوالب مسكوكة».
والحقيقة أن جملة العنونة في هذه الرواية للمسعدي- والتي تحولت إلى نص مؤسس وعلامة لافتة للنظر في الخطاب القصصي التونسي- تقبع خلفها إحالات شتى ونصوص عديدة وذاكرة تمتد نحو البعيد، وتوطد علائق ذات عرى مكينة مع نصوص سابقة وأخرى متزامنة يستحضرها الروائي وهو مشدود إلى لحظة الكتابة لحظة هاربة من زمنيتها متعالقة مع الأزمنة القصية، ولعل أولى هذه الإحالات الإحالة إلى السرد العربي القديم، وثانيهما الإحالة إلى الحديث بوصفه فنا ضاربا في القدم، في ظل حضارة سادت فيها الكلمة المنطوقة، وهيمنت عليها عقلية المشافهة في النقل والرواية وتداول الأخبار والمعارف.
إن الذي يستوقفنا في البنية التركيبية للعنوان الموجود بين أيدينا هما الدالين: حدث وأبو هريرة، فالفعل( حدث) يحيل على فن المقامات( حدثنا عيسى بن هشام)، وكذا كتاب:" حيث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي، وهذه الصيغة التعبيرية كانت متواترة في السرديات العربية الشفوية، ومن ثمة مواجهة فرضية تناص هذا العنوان مع العوالم التخييلية للموروث السردي العربي القديم.
وإذا كان المسعدي قد لجأ – وعلى مستوى ديباجة العنوان- إلى توظيف الجملة الفعلية، فإن« الحديث النبوي المعروف بالإسناد، يغلب الجملة الاسمية لتأكيد صدق القنوات الناقلة، لذا تصبح الأسماء المرجعية، الواردة قبل الفعل، بمثابة مقدمات لتزكية المنقول أو المحفوظ»، وعلى هذا الأساس فإن الفعل" حدث" هو الذي يخلق نوعا من الاضطراب والتشويش على القارئ، يقول الباحث السعيد بوطاجين دائما مؤكدا على ذلك: « تكمن القضية الخلافية، على الأقل، في توظيف الفعل حدث الذي يحيل على المتخيل أكثر من إحالته على الحديث، ومن ثم حدوث اختلال في العنوان كجملة سردية ، وهو اختلال يقوض التكافؤ الكلي، كما ينفي لاحقا، تقنية التضمين ، كما هي متداولة في النقد».
أما الدال الثاني، فهو" أبو هريرة" الذي يحيل على شخصية دينية مرجعية لها وجود حقيقي عبر الصيرورة التاريخية، فهي اسم صحابي ومحدث بارع من الرواة الثقاة للأحاديث النبوية الشريفة، مع الإشارة إلى أن الشخصية المرجعية في نظر فيليب هامون تحيل على معنى ممتلئ وثابت رسمته ثقافة معينة. لذلك فإن قراءتها تبدو مشروطة بدرجة استيعاب القارئ للثقافة التي أنتجتها.
وإذا كان هناك فرق واضح المعالم «بين الشخصية بوصفها وجودا تاريخيا وأنطولوجيا والشخصية كائنا ورقيا تصنعه المخيلة وتبنيه العلامة»، فمن يكون أبا هريرة الذي هندست ملامحه نصيا يا ترى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستأتينا في تضاعيف الرواية، إذ يقول الروائي على مستوى هامش الصفحة:« في رواية أن أبا هريرة ثلاثة: أولهم الصحابي رضي الله عنه وثانيهم النحوي وثالثهم هذا»، على أن ثالثهم هذا هو الذي يعصف بأفق توقعنا ، ويثير فينا جذوة السؤال، بل يبعث فينا الحيرة ويعمق من حجم القلق القرائي لدينا.
1-2- العناوين الداخلية:
يحيلنا العنوان الرئيس على لعبة العناوين الداخلية التي تبني كيانا للنص، وتهندس له هيكله العام، فتوضح مراحله الكبرى، وتساهم في مقروئيته، وإذا كان العنوان الرئيس موجها إلى جمهور أوسع وإلى قراء مفترضين، فإن العناوين الداخلية تتجه إلى جمهور أضيق عددا وإلى قارئ حقيقي، ستكون مهمته الأساسية هي الانخراط في دوائر القراءة والتأويل. وعلى خلاف العنوان الرئيس الذي لا غنى عنه، فإن العناوين الداخلية أو الفرعية ليست ضرورية في جميع الحالات، فقد تظهر وقد تختفي.
تقدر العناوين الداخلية في رواية" حدث أبو هريرة قال..."( والتي يمكن استشفافها من الفهرس في مؤخرة الرواية والذي يعد بدوره عتبة نصية تتجه إلى القارئ وتضيء له مفاصله وتستدعي نشاطه التأويلي) باثنين وعشرين حديثا، تتفاوت من حيث الطول والقصر هي على التوالي:( 1- حديث البعث الأول، 2- حديث المزح والجد، 3- حديث التعارف على الخمر، 4- حديث القيامة، 5- حديث الحس ، 6- حديث الوضع، 7- حديث الوضع أيضا ، 8- حديث الشوق والوحدة، 9- حديث الحق والباطل ، 10- حديث الحاجة ، 11- حديث الطين ، 12- حديث الكلب ، 13- حديث العدد ، 14- حديث الجماعة والوحشة ، 15- حديث العمى ، 16- حديث الحمل ، 17- حديث الغيبة تطلب فلا تدرك ، 18- حديث الهول ، 19- حديث الشيطان ، 20- حديث الحكمة ، 21- حديث الجمود ،22- حديث البعث الآخر).
وإذا أمعنا النظر في هذه العناوين الداخلية التي يتردد صداها في المتون، أدركنا أن التضاد لعبة لا تخلو منها العناوين، إذ تجيء موصولة بمفارقات عجيبة تنبئ بأوضاع الشخصية، وتسهم في بناء المعنى، كما يظهر ذلك في حديث المزح والجد، حيث يصبح الجد مزحا والمزح جدا، أو حديث الحق والباطل؛ وهو حديث يتأمل فيه أبو هريرة حقيقة الدنيا، ويثير جملة من الأسئلة الوجودية حول الحياة والموت؛ ومعنى البعث في ظل عالم انقلبت فيه القيم، وبات الحق باطلا والباطل حقا.
أما حديث الجماعة والوحشة، ففيه يكشف الروائي غربة الذات داخل الجماعة ووحشتها في حضرة العدد. وأما حديث الغيبة تطلب فلا تدرك، ففيه يصور طلبا سرعان ما يرتد ووهما وسرابا مادام الشيطان يسكن النفوس ويستبد بها، ويفجر اللذة طاقة تحول حياة ظلمة الهذلية من الضد إلى الضد.
ويظهر التناقض جليا أيضا في حديث الكلب ، هذا الكائن الحي الحيواني الذي يحمل معنى الوفاء وحراسة الإنسان وقيادته وملازمته ملازمة الأخ لأخيه، لكنه - في المقابل- يحمل دلالة الوضاعة، ويفصح عن الجانب السلبي من طبائع الإنسان.
و يبدو أن الحديث لا يقتصر على كونه شكلا فنيا ضمنه الروائي أبعادا وجودية وإنما يغدو عنصرا من العناصر التي تصنع التجربة الحسية، وتنشئ لحظة التعارف كما في حديث التعارف في الخمر.
أضف إلى ذلك أن حديث الوضع وحديث الوضع أيضا، على الرغم من تتابعهما من حيث ترتيب الأحاديث إلا أنهما لا يخضعان لتتابع الأفعال، فإذا كان حديث الوضع قد حدثت به ريحانة بعد وفاة أبي هريرة، كما يثبته المقطع النصي الآتي: «رحم الله أبا هريرة»، فإن حديث الوضع أيضا حدث به أبو هريرة في آخر أيامه، وفي هذا تلاعب صريح من قبل القاص بالزمن، لتنتفي إمكانية التطابق بين زمني الخطاب والخبر.
والحقيقة آن هذه العناوين الفرعية ما هي إلا امتداد للعنوان الرئيس، وهي بمثابة الخيط الناظم الواصل بين شتات السرد، إذ أنها تفصح عن سيرورة أبي هريرة والتحولات العميقة التي مست حياته، وما من شك في أن لحظات التحول في حد ذاتها تحمل دلالة مخصوصة، كما يظهر في حديث البعث الأول وحديث البعث الآخر وحديث الجماعة والوحشة.
التصدير:
يصنف التصدير ضمن المصاحبات النصية، وهو« مصاحب نصي من جنس الاستشهاد، بل إنه" الاستشهاد بامتياز" على حد تعبير أنطوان كومبنيان. ويوضع على رأس عمل( نص أو مجموعة نصوص أو جزء من عمل متسلسل) لأجل توضيح بعض جوانبه. وهو بهذا المعنى يتموضع خارج العمل( النص) ويكون محاذيا لحافته، أي في موقع قريب جدا منه، بعد الإهداء( إذا كان موجودا) وقبل التمهيد أحيانا» .
وعندما نفتح رواية المسعدي نطالع التصدير، فتزحف إلى مخيلتنا تجربة حياة، وتستعيد الذاكرة رسم الأسماء والأشياء التي طال عهدنا بها، فإذا نحن أمام بيت أبي العتاهية، وهو مطلع لمقطوعة رائية على بحر الوافر، يقول فيها:
طلبت المستقر بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا
يخرج بيت أبي العتاهية من سياقه الأصلي إلى سياق جديد، ويرحل من زمنه الخاص إلى زمن أشمل وأعمق، فيفصح عن تجربة وجود، بل عن تجربة ذات بلون من الألم يلخص مسيرة أبي هريرة، فيترجم معاناته في اقتناص لحظة المعرفة العسيرة، المحفوفة بالمخاطر.
ولا غرابة في حضور الشعر في مفتتح النص مادام المسعدي لا يخفي إعجابه بشعر أبي العتاهية، وكأن السرد لا يجد حياته وامتداده إلا في خطاب هذا الشاعر، وفي هذا البيت الذي يترجم تجربة أبي هريرة، ويعبر عن الرحيل الدائم، الرحيل بما هو اكتشاف للذات واختبار لامكاناتها، وتطلع إلى المغامرة، بل إن الرحيل يغدو لونا من البحث عن الحقيقة، وتخطيا للحواجز والحدود المفروضة على الإنسان، وسفرا في اتجاه البواطن وتحقيقا للرغبة في إعادة اكتشاف الذات والعالم والبحث عن المعنى الخفي والتطلع إلى آفاق جديدة، لذلك كان التبئير على العين في بيت أبي العتاهية( لم أر) التي يتسع مجالها ها هنا وتقبع وراء كل حدث وزاوية نظر، وتقترن بدلالات متعددة فتنفتح على تجربة الزهد لا لتبقى في حدودها، وإنما لتأخذنا إلى لون من الإدراك الذهني، بل تغدو العين رمز الوجود والمعرفة التي تتنبأ بالقادم.
مضمون الرواية:
بطل الرواية هو أبو هريرة، يعيش في مكة المكرمة التي ترمز إلى التقيد بالروابط الاجتماعية والطقوس الدينية، فهو ملتزم بعبادته، متزوج بطريقة شرعية، يمثل الرجل التقليدي فارغ الكيان في عالم راكد لا حراك فيه، وصلته به تقوم على التسليم بكل شيء إلى أن يأتيه صديق له يدعوه إلى الخروج عن المألوف:« جاءني صديق لي يوما فقال : أحب أن أصرفك عن الدنيا عامة يوم من أيامك، فهل لك في ذلك؟».
وهكذا، فالبعث الأول منطلقه عوامل خارجية عن أبي هريرة الذي لم يكن مستعدا للرحيل، وقد كان الخروج من مكة فجرا[ والفجر هنا يرمز لابتداء المغامرة الوجودية] إلى الصحراء« بوصفها فضاء أرحب يحتضن تجربة الفتى والفتاة ويخرج بها من قيم المدينة ومتوارث أخلاقها ودينها إلى قيم جديدة تبني ثقافة الجسد أداة لوعي الذات والعالم. فإذا الجسد بإمكاناته التعبيرية وأنساقه الرمزية أداة تعبير يفصح ويقول ما لا تقوله الكلمات...».
وإذا كان البعث الأول يفصح عن تجربة ذات في علاقتها بذاتها أو بالآخر من حولها، ويؤسس للتحول الذي سيشهده أبو هريرة من حال إلى حال، من الموت إلى الحياة، ومن السكون إلى الحركة، من الخضوع إلى التمرد وارتياد المحظور، فان البعث الآخر سينبئ بالرحيل من عالم الأرض إلى عالم السماء أفقا مفتوحا وعالما لا حدود له، ورمزا للقيم الروحية والمناخات البعيدة التي لا يمكن للإنسان بلوغها إلا بعد مجاهدة ومكابدة ورحلة صعبة فيها من العنت الكثير.
التحق أبو هريرة بصديقه، فتغيرت علاقته بالعالم، وتغيرت العلاقات السردية داخل النص، فلم يبق أبو هريرة قادرا على قبول العالم الذي عاش فيه، فهجره، فبعد أن كان في السابق مجرد وهم وتابع ومستسلم ومقود، أصبح الآن حقيقة ومتبوعا وسائلا وقائلا.
اكتشف أبو هريرة- وهو يخرج من كهفه المسيج بطوطم السحر وبالأسطورة ليرى أكداس الحياة وهي تتفاعل بعنف وتمتد بصلابة، فيرتمي على حقول الضياء وعلى اللحظة الراهنة التي تفيض دفعة واحدة، كالجسد الذي يعود إليه ليحرره من عبودية الماضي- نفسه وعالمه، وكانت ريحانة دليله إلى ذلك، وما لبث أن استبدل تلك القوة العليا الغامضة، فانتقل إلى الفردوس الجديد، وانخرط في طقس اللذة الجسدية برفقة ريحانة، وأعلن أن ولادته الحقيقية بدأت من هذا اللقاء( الاكتشاف)، ثم انهمكا في ملذات الجسد في فضاء وثني ينطق كل ما فيه بالانتماء إلى الحياة ومتعها، وتبع ذلك تغير في علاقة أبي هريرة وريحانة بالعالم الذي لم يعد مستقرا للسكون والاستقرار والطمأنينة، وإنما أصبح مضمارا للإرتحال والإغتراب واللذة والشك.
الكرونوتوب( الزمكانية):
4-1- الزمن:
يعرف جيرالد برنس الزمن بقوله:« هو الفترة أو الفترات التي تقع فيها المواقف والأحداث المقدمة( زمن القصة، زمن المروي) والفترة أو الفترات التي يستغرقها عرض هذه المواقف والأحداث( زمن الخطاب، زمن السرد)».
ويذهب عبد الملك مرتاض في تعريفه الى حد القول: « الزمن مظهر وهمي يزمن الأحياء والأشياء فتتأثر بماضيه الوهمي، غير المرئي، غير المحسوس، والزمن كالأكسجين يعايشنا في كل لحظة من حياتنا ، وفي كل مكان من حركاتنا، غير أننا نحس به، ولا نستطيع أن نتلمسه، ولا أن نراه ولا أن نسمع حركته الوهمية على كل حال».
هذا، وقد أشرنا - فيما سبق- إلى أن المسعدي كان قد استثمر الأحاديث حسب ما« تقتضيه أحدث أساليب البناء القصصي. ففصلها على المواقف وحدات متقطعة تتداعى معنويا أكثر مما تتلاحم زمانيا لأنه كسر خط الزمان وتصرف فيه طردا وعكسا بما لا تنكره آخر تقنيات" الرواية الجديدة"».
وعلى هذا الأساس، فقد عمد الروائي إلى التلاعب بزمن الرواية، كما تلاعب بزمن الأحداث، وراح يكسر خطيتها لمزيد من التنويع في البناء، ولأجل ذلك فقد جاءت الرواية متداخلة في أزمنتها، غير منتظمة، لا يحويها زمن معين، فكانت الأحداث وتيرة سردها تسير على نظام زمني قائم على التداخل والتباين بين الأزمنة، فيكون القارئ مسافرا حسب عرض البطل أو الراوي للأزمنة، فيعرج به مرتدا إلى الماضي أو متجها نحو المستقبل، وهو ما يعزز حضور تقنيتي الاسترجاع والاستباق في تضاعيف المتن الروائي.
تحضر تقنية الاسترجاع- ( والذي «يشكل بالقياس إلى الحكاية التي يندرج فيها وينضاف إليها حكاية ثانية زمنيا تابعة للأولى في ذلك النوع من التركيب السردي») لترتد بنا إلى الوراء، كالومضة التي استرجعها أبو هريرة عن طفولته وعلاقته بأخته ورفاقه، وهي ومضة توقظ في البطل حاضره للكشف عن مظاهر التمرد منيرة له المستقبل ليهرب إليه.
أما تقنية الاستباق، والتي يعرفها جيرار جينيت بقوله: هو « كل حركة سردية تقوم على أن يروى حدث لاحق أو أن يذكر مقدما»، فإنها تحضر مثلا على مستوى حديث الوضع والوضع أيضا، فهما يتتاليان من حيث ترتيب الأحاديث، لكنهما لا يخضعان لتتابع الأفعال، فإذا كان حديث الوضع قد حدثت به ريحانة بعد وفاة أبي هريرة كما يثبته المقطع السردي الآتي:« رحم الله أبا هريرة»، فان حديث الوضع ابيضا حدث به أبو هريرة في آخر أيامه، وبهذا يتلاعب القص بالزمن، إذ يختفي التطابق بين زمني الخطاب والخبر، لتحدث هنا مفارقة زمنية، فيتعرف البطل على الوقائع قبل حدوثها بفعل تقنية الاستباق وتقديم الأحداث لاحقة يبرزها القص بطريقة صريحة.
وهكذا، فإن الأحاديث وإن اشتركت في التعريف بتجارب أبي هريرة، فإنها لا تخضع لنظام التتابع في بنيتها الزمنية، بل كثيرا ما تعصف لعبة الزمن بتتابع الأفعال داخل الحديث الواحد، كما تعصف بالترتيب المنطقي للأحاديث، وهذا في حد ذاته مظهر من مظاهر الحداثة في النص الروائي.
ويبدو أن زمن الرواية إنما يتضاعف « بتضاعف المحدثين في السند:" روي عن أبي سعد، قال: حدثت ريحانة قالت:..." وبديهي أن تكاثر الأزمنة يكثف القصصية في الخبر...».
4-2- المكان:
المكان – كما يعرفه الناقد حميد لحميداني- هو:«العالم الواسع الذي يشمل مجموع الأحداث الروائية ويشمل جميع الأشياء المحيطة بنا، فالمقهى أو المنزل أو الشارع أو الساحة كل واحد منها يعتبر مكانا محددا»، وهو عند جيرالد برنس:« الامكنة التي تقع فيها المواقف والاحداث المعروضة».
كما أن« المكان يمثل المسرح الذي تجري فيه أحداث الرواية، هو الحيز الذي تجتمع فيه عناصر السرد وتظهر فيه الشخصيات والاشياء متلبسة بالاحداث تبعا لعوامل عدة تتصل بالرؤياا الفلسفية وبنوعية الجنس الادبي وبحساسية الكاتب أو الروائي».
تبدو رواية" حدث أبو هريرة قال..." ومنذ خطاب العتبات رواية مكان بالدرجة الأولى، فالفاتحة النصية ممثلة في بيت الشاعر أبي العتاهية تؤكد مدى احتفاء المسعدي بهذا العنصر السردي، ولأجل ذلك جاء المتن النصي ليكرس حضور الإنسان الفرد الراحل دوما في المكان بحثا عن معنى الوجود.
وبالولوج إلى مسارب الرواية نكتشف أن البطل دخل التجربة من باب المكان، ثم إن معالم هذا المكان موصولة أصلا برؤية البطل ومنظوره، وعلى هذه النحو تنطلق مسيرة أبي هريرة الوجودية من خلال تفاعله مع المكان، ومن ثم نكتشف أن البطل كلما أوغل في تجربة الحس تلونت الأمكنة بألوانه ورؤاه.
والحقيقة أن الإطار المكاني في الرواية لم يكن إطارا بقدر ما كان مساحة نفسية يحمل الكثير من دلالات المرحلة ويوحي بحالة البطل النفسية، فكلما أحس البطل بالانقباض والوحشة ضاق المكان رغم اتساعه وكلما أحس البطل بالاتساع والانشراح امتد المكان رغم ضيقه مشيرا إلى تجربة الحس؛ ومعنى ذلك أن الإطار المكاني لم يكن تأثيثا فقط، بل حاملا لدلالات رمزية، تعبر عن مراحل البحث الوجودي للشخصية المحورية، ويمكن استظهار هذه الأماكن على النحو الآتي:
الأمكنة المنفتحة:
المكان المفتوح هو «حيز مكاني خارجي لا تحده حدود ضيقة يشكل فضاء رحبا وغالبا ما يكون لوحة طبيعية للهواء الطلق، كما يمتاز بأفقه الواسع الذي يرمي إلى الانفتاح الفكري والنفسي فضلا عن الاجتماعي»، وقد تجسد في المتن الروائي من خلال:
*- الصحراء:
هي رمز الامتداد والانطلاق والتحرر من القيود التي كبلت البطل أبو هريرة فكانت بمثابة الوسيط الذي كشف له البعد الحسي ولذة الجسد، إذ يفاجأ في خلاء الصحراء بمشهد احتفائي مدهش بالجسد، وكأنه حلم جميل:« على رأس كثيب في مستوى الأفق تتفجر شهوة الوجود أنغاما ورقصا موقعا من جسدين عاريين، فتى وفتاة في زي آدم وحواء يقيمانها صلاة أخرى وثنية طاربة للشمس الإله وهي تطلع على الكون وترسل في الموجودات من فيض نورها وحرارتها روح الحياة».
وبغض النظر عن كون الصحراء تحيل إيحائيا على القيود الاجتماعية والأعراف الدينية والأخلاقية البالية، فإنها تمثل رمز الطهارة، وهي من الأماكن المنفتحة، لأن اتساعها وامتدادها الرحيب هو اتساع لنفسية الذات وانفتاح لأفق البحث لديها من أجل العثور على ضالتها.
*- الجبل:
إن حديث البعثين الأول والآخر يفصحان عن عالمين متباينين الأسفل والأعلى، ويأتي الجبل ليمثل الأعلى إلى جانب السماء، ذلك أن البعث الآخر ينبئ بالرحيل من عالم الأرض إلى عالم السماء كأفق مفتوح وعالم بلا حدود، والعالم السماوي هو رمز « للقيم الروحية والمناخات البعيدة التي لا يمكن للإنسان بلوغها إلا بعد مجاهدة ومكابدة ورحلة صعبة، فيها من العنت ما به تترقى النفس، وتدرك كمالها عبر التصوف».
ويرمز الجبل إلى« الترقي والرفعة واللقاء بين عالمي الأرض والسماء. بل هو مركز الكون وأداة الاستقرار الأرض ومن عليها. وهو- فضلا عن ذلك – يحمل في المعتقدات القديمة لونا من القداسة والأسرار الغامضة، أسرار تضفي عليه دلالة مخصوصة، وتجعله مستقر القيم الروحية والدينية والرمزية».
ومهما قلنا، سيبقى الجبل نقطة التقاء بين العالم السفلي الدنيوي الطيني، والعالم العلوي الأكثر سموا، وفي ذلك نشدان للالتحام بالمطلق والأنقى والأصفى؛ أي أن هذا المعطى المكاني يتموضع بالضبط بين ضيق المكان الخانق والمميت للشخصية البطلة واتساع المكان الدافع للأمل والإنعتاق.
ب- الأمكنة المنغلقة:
المكان المغلق هو« الذي يخص فردا واحدا أو أفرادا عدة يتحرك الفرد في دوائر متراكزة من الأماكن ، تندرج من الخاص الشديد الخصوصية( غرفة النوم) إلى العام المتاح بين كل الناس( الشارع) ولكل من هذه الأماكن دلالتها»، ويشمل في الرواية:
*-البيت:
إنه مكان منغلق، يعبر عن الضيق والاختناق في حياة أبي هريرة، بل يمثل السجن – من المنظور النفسي- والذي لم يستطع البطل الهروب منه، وهو رمز للروابط الاجتماعية التي سرعان ما تتحول- من وجهة نظر الروائي- إلى قيود وأغلال تثقل كاهله، لذا تم حرقه من أجل تحرير الشخصيات الروائية منه ومن ذكرياته.
*- المقبرة:
تأتي كرمز للموت الظاهري للإنسان، ورغم كونها ضيقة ومنغلقة في ظاهرها، إلا أنها كانت توحي بانبثاق التحدي في نفس البطل، ومواجهة المصير المنتظر، أين خرج إليها هو وريحانة في آخر تجربة الحس، وهكذا كانت المآل في نهاية المطاف عندما توفي أبو هريرة.
*- مكة:
إن مكة في هذه الرواية هي« كناية عن المجتمع الإسلامي في عهد ركوده التاريخي»، وبالتالي فهي توحي بالجمود والتحجر والقيود المكبلة لشخصية البطل، فكان أول ما فعله هو الهروب والتحرر منها، يقول أبو هريرة:« ثم خرجنا من مكة وانصرفنا عن طريق القوافل، وسرنا سيرا حثيثا حتى أصبنا الرمال».
كانت هذه رحلة قرائية متواضعة في النص الروائي" حدث أبو هريرة قال..." ، والتي ستبقى من المتون السردية التونسية بل المغاربية المتميزة بعوالمها التخييلية المبتكرة وتقنياتها السردية ال
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين
تلخيص النصوص آلياً
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
تحميل التلخيص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
رابط دائم
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
مميزات أخري
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
آخر التلخيصات
في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...
يستدعي استشراف ...يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...
حذر مركز التنبؤ...حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...
الاجابة علي تسا...الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...
مقدمة التعريف ب...مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...
دروس في المال: ...دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...
درك الإمام أن ط...درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...
2 - بداية عصر ا...2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...
بالقرب من مدينة...بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...
This is my Engl...This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...
ينتسب المعنيون ...ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...
زار وفد شركة «م...زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...