خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
فرغنا من الحديث فى الورق ، ثم نفرغُ للكلام على الوراقين . وقد عقد ابن خلدون لهم فصلا فى مقدمته (١) بسط فيه صناعتهم فقال : ( كانت العناية قديما بالدواين العلمية والسجلات فى نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط ، وكان سبب ذلك ماوقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة ، وقد ذهب العهدُ بذهاب الدولة وتقلّص العمران ، بعد أن كان منه فى الملة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس ، إذ هو كله من توابع العمران واتساع نطاق الدولة ، ونَفَاق أسواق ذلك لديهما ، فكثر التآليف العلمية والدواوين ، وحرص الناس على تناقلهما فى الأفاق والأمصار، فانتسخت وجلدت وجاءت صناعة الوراقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين ، واختصت بالأمصار العظيمة العمران ) . ويفهم من هذا أن الوراقة جاءت تابعة لقوة الدولة واتساع الحضارة ، وأن الورّاقين كان لهم مكان فى الأمصار العظيمة والبلدان الكبيرة ، فهم بمثابة المطابع الحديثة التى تحتل أمصار بلادنا الآن . وكانت مهمتهم موزعة بين الانتساخ ، والتصحيح ، والتجليد ، والتذهيب ، وكل ما يمت إلى صناعة الكتب بصلة )) . وكانت لهم أسواق فى بعض الأمصار ، كانت بمثابة المعاهد العلمية . وجاء فى فهرست ابن النديم (٢) عن ابن دُريد قال : ( رأيت رجلا فى الوراقين بالبصرة يقرأ كتاب المنطق لابن السّكيت )) . وكانت صناعة هؤلاء الورّاقين رائجة رَواجًا . فالجاحظ (٣) يذكر أن يحيى ابن خالد البرمكى لم يكن فى خزانة كتبه كتاب إلا وله (( ثلاث نسخ ) . ويذكر ابن الأثير أنه كان فى خزانة سابور بن أردشيروز بهاء الدولة بن عضد الأول مائة مصحف بخط ابن مقلة . ويذكر المقريزى أنه كان فى خزانة العزيز بالله ٣٠ نسخة من كتاب العين و١٠٠ نسخة من الجمهرة . وأنه كان فى خزانة كتب الفاطميين ١٢٠٠ نسخة من تاريخ الطبرى (١) . وكان العلماء يبستعينون بالورّاقين فى التأليف . قال أبو بريدة الوضاحى (٢) : أمر أمير المؤمنين المأمون الفرّاء أن يؤلف ما بجمع به أصول النَّحو ، وما سمع من العرب ، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار ، ووكّل بها جوارىً وخدمًا للقيام بما يحتاج إليه ، حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفشه إلى شىء ، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، وصيَّر له الوراقين يكتبون ، حتى صنّف كتاب الحدود . وكانت ثقة القوم بالورّاقين نازلة ، لأنهم لم يكونوا فى الغالب من العلماء أو من أهل الرواية ، بل هم أهل صناعة وتكسب . وقد عرف الطعن فيهم قديمًا . قال ثعلب (٣) فى الكلام على كتاب العين : (( وقد حشا الكتاب أيضًا قوم علماء ، إلا أنه لم يؤخذ منهم رواية ، وإنما وجد بنقل الوراقين ، فاختل الكتاب لهذه الجهة ) . ومن أوائل هؤلاء الوراقين خالد بن أبى الهياج الذى سلف ذكره فى فصل أوائل التصنيف ، (الشمس وضُحاها ) إلى آخر القرآن . فيقال إن عمر بن عبد العزير قال : « أريد أن تكتب لى مصحفاً على هذا المثال )) . فكتب له مصحفًا تَنَوَّق فيه ، فأقبل عمر يُقلبه ويستحسنه ، واستكثر ثمنه فردّه عليه . ومنهم مالك بن دينار السامى ، مولى بنى سامة بن لؤى ، البصرى الزاهد : كان أبوه من سَبْى سجستان ؛ وكان يكتب المصاحف بأجرة ويتقوَّت بذلك . وممن كان يتقوت بالنسخ من العلماء أبو على محمد بن الحسن بن الهيثم المهندس البصرى ، نزيل مصر ، المتوفَّى نحو سنة ٤٣٠ . ذكر القفطى (١) أنه كان ينسخ فى مدة سنة ثلاثة كتب فى ضمن أشغاله ، وهى إقليدس ، والمتوسطات ، والمجسطى ، ويستكملها فى مدة السنة ؛ فإذا شرع فى نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة وخمسين دينارًا مصرية ، فيجعلها مؤونة لنفسه . ومن العلماء الورّاقين أبو موسى الحامض (٢) ، وأبو عبد اللّٰه الكرمانى (٣) . ومنهم : ابن وداع ، وهو عبد اللّٰه بن محمد بن وداع الأزدى . النديم : (( حسن المعرفة صحيح الخط ، خطه يرغب الناس فيه ، ويأخذ حِطة الثمن )) ، كناية عن زهده وقناعته بالقليل من الأجر (٤) . ومن طريف ما يروى عن أحد النحاة ، وهو يحيى بن محمد الأرزنى ، ماذكره ياقوت (٥) فى شأنه إذ يقول : ( إمام فى العربية مليح الخط سريع الكتابة ، كان يخرج فى وقت العصر إلى سوق الكتب ببغداد فلا يقوم من مجلسه حتى يكتب الفصيح لثعلب ، ويبيعه بنصف دينار ، ويشترى نبيذا ولحمًا وفاكهة ، ولايبيت حتى ينفق مامعه منه )) . ويروى ابن النديم (١) فى ترجمته ليحيى بن عدى المنطقى النصرانى أن بحبى كان ينسخ كتب التفسير والكلام ، مع أنه كان من النصارى اليعقوبية . وهذا أمر عجب . ويذكر أنه لقيه وعاتبه على كثرة نسخه ، فقال له : من أى شىء تعجب فى هذا الوقت من صبرى ؟ قد نسخت بخطى سختين من التفسير للطبرى ، وحملتهما إلى ملوك الأطراف ؛ وقد كتبت من كتب المتكلمين مالا يحصى ؛ ولعَهدى بنفسى وأنا أكتب فى اليوم والليلة ماثة ورقة وأقل . وهذا النص وسابقه يبين لنا قوة المرانة التى كانت لهؤلاء الوراقين فى وممن عُرف بسرعة الخط هشام بن يوسف الأبناوىّ القاضى ، قال عن نفسه : قدم سفيان الثورى اليمن فقال : اطلبوا لى كاتبًا سريع الخط . فارتادونى فكنت أكتب (٢) . ومنهم أبو على الحسن بن شهاب العكبرى ، كان حسن الخط يكتب بالوراقة ، وكان سريع القلم صحيح النقل . وكان يقول : كسَبت فى الوراقة خمسة وعشرين آلف درهم راضيَّة . وقد عثرت فى تاريخ بغداد للخطيب (٤) فى ترجمة الفراء على نص يلقى ضوءًا على الأجور التى كان الوراقون يتقاضونها فى عهد الدولة العباسية . وذلك عند الكلام على كتاب ( المعانى للفراء ) : أنه لما فرغ من كتاب المعانى (( خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به ، وقالوا : لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم . فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم فى ذلك ، فقالوا : إنما صَحبناك لننتفع بك ، وكل ما صنعته فليس بالناس إليه من حاجة ما بهم إلى هذا الكتاب ، فدعنا نعيش به . فقال : فقاربوهم تنتفعوا وينتفعوا . فأبوا عليه ، فقال : سأريكم ! وقال للناس : إنى مُمل كتاب معان أتم شرحًا وأبسط من الذى أمليت . فجلس يملى ، فأملى الحمد فى مائة ورقة ، فجاء الوراقون إليه وقالوا : نحن نبلغ الناس ما يحبون . فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم . وهذا الأجر ينبىء فى جلاء واضح عن كثرة الوراقين بالقدر الذى يهبط به الأجر إلى هذا المستوى . لكن يبدو أن خطوط العلماء كان لها تقدير خاص ، كما سبق فى خبر يحيى بن محمد الأرزنى (١) . ومن ذلك ما أورده السيوطى فى البغية (٢) من أن السيرافى كان لا يخرج إلى مجلسه حتى ينسخ عشر ورقات بعشرة دراهم ، تكون بمقدار مؤونته . وعثرت كذلك على نص نادر لابن النديم فى الفهرست (٣) ، يذكر فيه مقدار الورقة التى يعنيها فى كتابه ، وهى الورقة السليمانية ، ( فإذا قلنا : إن شعر فلان عشر ورقات فإنا إنما عنينا بالورقة أن تكون سليمانية ، ومقدار ما فيها عشرون سطرًا ، أعنى فى صفحة الورقة ) . وليس معنى هذا أن مقدار الورقة فى المخطوطة القديمة تعنى هذا القدر فإن مقادير الأوراق تتفاوت بلا ريب بين المخطوطة والأخرى . وإنما ذكرت هذا تسجيلًا لما يعنى ابن النديم فى كتابه . ومما يعنينا تسجيله أيضًا ماذكر فى تقدير ( المجلد ) قديمًا . جاء فى ترجمة يحيى بن المبارك اليزيدى عند ابن خلكان (٤) عن أبى حمدون الطبيب قال : شهدت ابن أبى العتاهية وقد كتب عن أبى محمد اليزيدى قريبًا من ألف مجلد ، عن أبى عمرو بن العلاء خاصة ، فيكون ذلك عشرة آلاف ورقة ؛ لأن تقدير المجلد عشر ورقات . فكأن المجلد أطلق قديمًا على ما يسمى بالكراسة (١) ، التى هى إلى وقتنا هذا تقدر بعشر ورقات . وكان بعض الوراقين يتجاوزون مهنتهم الأصلية إلى صناعة التأليف . ( كانت الأسمار والخرافات مرغوبًا فيها مشتهاة فى أيام خلفاء بنى العباس وسيما فى أيام المقتدر ، فصنف الوراقون وكذبوا ، فكان ممن يفتعل ذلك رجل يعرف بابن دلان ، واسمه أحمد بن محمد بن دلان ، وآخر يعرف بابن العطار ، وجماعة )) . وكما كان هناك ورَّاقون قد نصبوا أنفسهم لهذه الصناعة فى السوق ، كان هناك ورَّاقون خاصُّون . فمنهم : دماذ أبو غسان (٣) كان يروى عن أبى عبيدة ، وكان يورق كتبه ، وأخذ عنه الأنساب والأخبار والمآثر . ومنهم : على بن المغيرة أبو الحسن الأثرم النحوى ، المتوفى سنة ٢٣٢ قال فى البغية (٤) : (( وكان أول أمره يورق لإسماعيل بن صبيح )) (٥) . وكان لأبى عثمان الجاحظ أكثر من ورّاق : فمنهم أبو يحيى زكريا بن يحيى ، ذكره القالى فى الأمالى (١) ، وياقوت فى معجم الأدباء نقلاً عن ابن النديم (٢) . ومنهم أبو القاسم عبد الوهاب بن عيسى ، ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد (٣) والزبيدى فى تاج العروس (٤) ، وكانت وفاته سنة ٣١٩ فيما ذكر الخطيب . وكان لأبى العباس محمد بن يزيد المبرد ورَّاقون (٥) منهم ابن الزجَّاجى واسمه إسماعيل بن محمد . والساسى واسمه إبراهيم بن محمد . ومن هؤلاء الوراقين عَلاَّن الشعوبى (٦) كان ينسخ فى بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة . ومنهم أحمد بن أحمد ، ابن أخى الشافعى ، كان يورق لابن عبدوس الجهشيارى (٧) . ومنهم أبو الحسن على بن عبد اللّٰه بن أبى هاشم المعرى ، لزم أبا العلاء ونسخ له كتُبه بأسرها ، بدون أجر (٨) . أما القاضى أبو المطرف ، قاضى الجماعة بقرطبة ، فكان له ستة ورَّاقين بنسخون له دائمًا ، وكان قد رتَّب لهم على ذلك وظيفة معلومة (٩) .
فرغنا من الحديث فى الورق ، ثم نفرغُ للكلام على الوراقين .
وقد عقد ابن خلدون لهم فصلا فى مقدمته (١) بسط فيه صناعتهم فقال :
( كانت العناية قديما بالدواين العلمية والسجلات فى نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط ، وكان سبب ذلك ماوقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة ، وقد ذهب العهدُ بذهاب الدولة وتقلّص العمران ، بعد أن كان منه فى الملة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس ، إذ هو كله من توابع العمران واتساع نطاق الدولة ، ونَفَاق أسواق ذلك لديهما ، فكثر التآليف العلمية والدواوين ، وحرص الناس على تناقلهما فى الأفاق والأمصار، فانتسخت وجلدت وجاءت صناعة الوراقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين ، واختصت بالأمصار العظيمة العمران ) .
ويفهم من هذا أن الوراقة جاءت تابعة لقوة الدولة واتساع الحضارة ، وأن الورّاقين كان لهم مكان فى الأمصار العظيمة والبلدان الكبيرة ، فهم بمثابة المطابع الحديثة التى تحتل أمصار بلادنا الآن . وكانت مهمتهم موزعة بين الانتساخ ، والتصحيح ، والتجليد ، والتذهيب ، وكل ما يمت إلى صناعة الكتب بصلة )) .
. وكانت لهم أسواق فى بعض الأمصار ، كانت بمثابة المعاهد العلمية .
وجاء فى فهرست ابن النديم (٢) عن ابن دُريد قال : ( رأيت رجلا فى الوراقين بالبصرة يقرأ كتاب المنطق لابن السّكيت )) .
وكانت صناعة هؤلاء الورّاقين رائجة رَواجًا . فالجاحظ (٣) يذكر أن يحيى ابن خالد البرمكى لم يكن فى خزانة كتبه كتاب إلا وله (( ثلاث نسخ ) . ويذكر ابن الأثير أنه كان فى خزانة سابور بن أردشيروز بهاء الدولة بن عضد الأول مائة مصحف بخط ابن مقلة .
ويذكر المقريزى أنه كان فى خزانة العزيز بالله ٣٠ نسخة من كتاب العين و١٠٠ نسخة من الجمهرة . وأنه كان فى خزانة كتب الفاطميين ١٢٠٠ نسخة من تاريخ الطبرى (١) .
وكان العلماء يبستعينون بالورّاقين فى التأليف .
قال أبو بريدة الوضاحى (٢) : أمر أمير المؤمنين المأمون الفرّاء أن يؤلف ما بجمع به أصول النَّحو ، وما سمع من العرب ، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار ، ووكّل بها جوارىً وخدمًا للقيام بما يحتاج إليه ، حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفشه إلى شىء ، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة ، وصيَّر له الوراقين يكتبون ، حتى صنّف كتاب الحدود .
وكانت ثقة القوم بالورّاقين نازلة ، لأنهم لم يكونوا فى الغالب من العلماء أو من أهل الرواية ، بل هم أهل صناعة وتكسب . وقد عرف الطعن فيهم قديمًا . قال ثعلب (٣) فى الكلام على كتاب العين : (( وقد حشا الكتاب أيضًا قوم علماء ، إلا أنه لم يؤخذ منهم رواية ، وإنما وجد بنقل الوراقين ، فاختل الكتاب لهذه الجهة ) .
ومن أوائل هؤلاء الوراقين خالد بن أبى الهياج الذى سلف ذكره فى فصل أوائل التصنيف ، كان موصوفًا بحسن الخط قال ابن النديم : ( وهو الذى كتب الكتاب الذى فى قبلة مسجد النبى وَلِيه بالذهب من :
(الشمس وضُحاها ) إلى آخر القرآن . فيقال إن عمر بن عبد العزير قال : « أريد أن تكتب لى مصحفاً على هذا المثال )) . فكتب له مصحفًا تَنَوَّق فيه ، فأقبل عمر يُقلبه ويستحسنه ، واستكثر ثمنه فردّه عليه .
ومنهم مالك بن دينار السامى ، مولى بنى سامة بن لؤى ، أبو يحيى
البصرى الزاهد : كان أبوه من سَبْى سجستان ؛ وكان يكتب المصاحف بأجرة ويتقوَّت بذلك .
وممن كان يتقوت بالنسخ من العلماء أبو على محمد بن الحسن بن الهيثم المهندس البصرى ، نزيل مصر ، المتوفَّى نحو سنة ٤٣٠ . ذكر القفطى (١) أنه كان ينسخ فى مدة سنة ثلاثة كتب فى ضمن أشغاله ، وهى إقليدس ، والمتوسطات ، والمجسطى ، ويستكملها فى مدة السنة ؛ فإذا شرع فى نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة وخمسين دينارًا مصرية ، فيجعلها مؤونة لنفسه .
ومن العلماء الورّاقين أبو موسى الحامض (٢) ، وأبو عبد اللّٰه الكرمانى (٣) .
ومنهم : ابن وداع ، وهو عبد اللّٰه بن محمد بن وداع الأزدى . قال ابن
النديم : (( حسن المعرفة صحيح الخط ، خطه يرغب الناس فيه ، ويأخذ حِطة الثمن )) ، كناية عن زهده وقناعته بالقليل من الأجر (٤) .
ومن طريف ما يروى عن أحد النحاة ، وهو يحيى بن محمد الأرزنى ، ماذكره ياقوت (٥) فى شأنه إذ يقول : ( إمام فى العربية مليح الخط سريع الكتابة ، كان يخرج فى وقت العصر إلى سوق الكتب ببغداد فلا يقوم من مجلسه حتى يكتب الفصيح لثعلب ، ويبيعه بنصف دينار ، ويشترى نبيذا ولحمًا وفاكهة ، ولايبيت حتى ينفق مامعه منه )) . ويروى ابن النديم (١) فى ترجمته ليحيى بن عدى المنطقى النصرانى أن بحبى كان ينسخ كتب التفسير والكلام ، مع أنه كان من النصارى اليعقوبية . وهذا أمر عجب . ويذكر أنه لقيه وعاتبه على كثرة نسخه ، فقال له : من أى شىء تعجب فى هذا الوقت من صبرى ؟ قد نسخت بخطى سختين من التفسير للطبرى ، وحملتهما إلى ملوك الأطراف ؛ وقد كتبت من كتب المتكلمين مالا يحصى ؛ ولعَهدى بنفسى وأنا أكتب فى اليوم والليلة ماثة ورقة وأقل .
وهذا النص وسابقه يبين لنا قوة المرانة التى كانت لهؤلاء الوراقين فى
سرعة الخط .
وممن عُرف بسرعة الخط هشام بن يوسف الأبناوىّ القاضى ، قال عن نفسه : قدم سفيان الثورى اليمن فقال : اطلبوا لى كاتبًا سريع الخط .
فارتادونى فكنت أكتب (٢) .
ومنهم أبو على الحسن بن شهاب العكبرى ، قال السمعانى (٣) :
كان حسن الخط يكتب بالوراقة ، وكان سريع القلم صحيح النقل .
وكان يقول : كسَبت فى الوراقة خمسة وعشرين آلف درهم راضيَّة .
وقد عثرت فى تاريخ بغداد للخطيب (٤) فى ترجمة الفراء على نص يلقى ضوءًا على الأجور التى كان الوراقون يتقاضونها فى عهد الدولة العباسية . وذلك عند الكلام على كتاب ( المعانى للفراء ) : أنه لما فرغ من كتاب المعانى (( خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به ، وقالوا : لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم . فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم فى ذلك ، فقالوا : إنما صَحبناك لننتفع بك ، وكل ما صنعته فليس بالناس إليه من حاجة ما بهم إلى هذا الكتاب ، فدعنا نعيش به . فقال : فقاربوهم تنتفعوا وينتفعوا .
فأبوا عليه ، فقال : سأريكم ! وقال للناس : إنى مُمل كتاب معان أتم شرحًا وأبسط من الذى أمليت . فجلس يملى ، فأملى الحمد فى مائة ورقة ، فجاء الوراقون إليه وقالوا : نحن نبلغ الناس ما يحبون . فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم .
وهذا الأجر ينبىء فى جلاء واضح عن كثرة الوراقين بالقدر الذى يهبط به الأجر إلى هذا المستوى .
لكن يبدو أن خطوط العلماء كان لها تقدير خاص ، كما سبق فى خبر يحيى بن محمد الأرزنى (١) . ومن ذلك ما أورده السيوطى فى البغية (٢) من أن السيرافى كان لا يخرج إلى مجلسه حتى ينسخ عشر ورقات بعشرة دراهم ، تكون بمقدار مؤونته .
وعثرت كذلك على نص نادر لابن النديم فى الفهرست (٣) ، يذكر فيه مقدار الورقة التى يعنيها فى كتابه ، وهى الورقة السليمانية ، قال :
( فإذا قلنا : إن شعر فلان عشر ورقات فإنا إنما عنينا بالورقة أن تكون سليمانية ، ومقدار ما فيها عشرون سطرًا ، أعنى فى صفحة الورقة ) .
وليس معنى هذا أن مقدار الورقة فى المخطوطة القديمة تعنى هذا القدر فإن مقادير الأوراق تتفاوت بلا ريب بين المخطوطة والأخرى . وإنما ذكرت هذا تسجيلًا لما يعنى ابن النديم فى كتابه .
ومما يعنينا تسجيله أيضًا ماذكر فى تقدير ( المجلد ) قديمًا . جاء فى ترجمة يحيى بن المبارك اليزيدى عند ابن خلكان (٤) عن أبى حمدون الطبيب قال : شهدت ابن أبى العتاهية وقد كتب عن أبى محمد اليزيدى قريبًا من ألف مجلد ، عن أبى عمرو بن العلاء خاصة ، فيكون ذلك عشرة آلاف ورقة ؛ لأن تقدير المجلد عشر ورقات .
فكأن المجلد أطلق قديمًا على ما يسمى بالكراسة (١) ، التى هى إلى وقتنا هذا تقدر بعشر ورقات .
وكان بعض الوراقين يتجاوزون مهنتهم الأصلية إلى صناعة التأليف . قال ابن النديم (٢) :
( كانت الأسمار والخرافات مرغوبًا فيها مشتهاة فى أيام خلفاء بنى العباس وسيما فى أيام المقتدر ، فصنف الوراقون وكذبوا ، فكان ممن يفتعل ذلك رجل يعرف بابن دلان ، واسمه أحمد بن محمد بن دلان ، وآخر يعرف بابن العطار ، وجماعة )) .
وكما كان هناك ورَّاقون قد نصبوا أنفسهم لهذه الصناعة فى السوق ، كان هناك ورَّاقون خاصُّون . فمنهم : دماذ أبو غسان (٣) كان يروى عن أبى عبيدة ، وكان يورق كتبه ، وأخذ عنه الأنساب والأخبار والمآثر .
ومنهم : على بن المغيرة أبو الحسن الأثرم النحوى ، المتوفى سنة ٢٣٢ قال فى البغية (٤) : (( وكان أول أمره يورق لإسماعيل بن صبيح )) (٥) . وكان لأبى عثمان الجاحظ أكثر من ورّاق : فمنهم أبو يحيى زكريا بن يحيى ، ذكره القالى فى الأمالى (١) ، وياقوت فى معجم الأدباء نقلاً عن ابن النديم (٢) . ومنهم أبو القاسم عبد الوهاب بن عيسى ، ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد (٣) والزبيدى فى تاج العروس (٤) ، وكانت وفاته سنة ٣١٩ فيما ذكر الخطيب .
وكان لأبى العباس محمد بن يزيد المبرد ورَّاقون (٥) منهم ابن الزجَّاجى واسمه إسماعيل بن محمد . والساسى واسمه إبراهيم بن محمد .
ومن هؤلاء الوراقين عَلاَّن الشعوبى (٦) كان ينسخ فى بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة .
ومنهم أحمد بن أحمد ، ابن أخى الشافعى ، كان يورق لابن عبدوس الجهشيارى (٧) .
ومنهم أبو الحسن على بن عبد اللّٰه بن أبى هاشم المعرى ، لزم أبا العلاء ونسخ له كتُبه بأسرها ، بدون أجر (٨) .
أما القاضى أبو المطرف ، قاضى الجماعة بقرطبة ، فكان له ستة ورَّاقين بنسخون له دائمًا ، وكان قد رتَّب لهم على ذلك وظيفة معلومة (٩) .ولم يخل هذا الميدان من عنصر المرأة إذ نجد من أسمائهن " ثناء " الكاتبة جارية ابن فيوما ذكرها ابن النديم فيمن كتبوا الخطوط الأصيلة الموزونة
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...
يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...
The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...
فقد هدفت دراسة () الي سهولة استخدام استخدام بيئة تعليم إلكتروني مُدمجة بمقاطع فيديو للغة الإشارة، وع...
قادة الشباب في مجال المناخ يلتقون وزير الشباب قبيل مشاركتهم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP...
المدير العام يترأس اجتماعا مع اللجان الاستشارية لبحث تطوير الخدمات الطبية التخصصية والاستقدام الطبي...
Hydrogen production technologies have been a significant area of solar chemical research since the 1...
How Ergonomics Supports Safety and Wellbeing in Healthcare Ergonomics is the practice of designing ...