الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (100%)

مصادر السياسة الشرعية
تقوم السياسة الشرعية على مصادر بدونها لا يعتبر العمل شرعياً وهذه المصادر يقصد بها
فالسياسة الشرعية لابد أن تكون
قائمة على مصدر شرعي من رجوعها إلى قاعدة عامة منصوص عليها، أو دليل تبعي، وسنبين هذه الأقسام:
القسم الأول: القواعد العامة التي نصت عليها الشريعة الإسلامية:
نص القرآن والسنة على مجموعة من القواعد الشرعية العامة ومن هذه القواعد تستفاد الأحكام الشرعية المتعلقة بسياسة الدولة. ومن ذلك القواعد التالية:
قاعدة العدل
هذه القاعدة ورد النص عليها في القرآن الكريم قال تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ وقاعدة العدل عليها مدار السياسة في الدولة الإسلامية فيجب على ولاتها عند إحداث أي تنظيم أو قرار أن يراعوا العمل بهذه القاعدة من جميع جوانبها فبدون ذلك لا يعتبر العمل مشروعاً.وقاعدة العدل لها وسائل متعددة فمن أهم أسباب تحقيق القاعدة:
1-المساواة: فالأصل أن الناس سواسية في الأحكام والحقوق والواجبات والالتزامات ولا
يجوز خرق ذلك إلا إذا كان تابعاً لقاعدة أخرى ترتبط بقاعدة العدل. أما إذا لم تكن كذلك فإن العمل بالمساواة يعتبر ظلماً وخروجاً عن قاعدة العدل، فمثلاً حينما يتساوى المتقدمان على الدراسة في الصفات فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بسبب يوجبه ولكن إذا كان أحدهما تقديره أفضل من الآخر ومؤهلاته أقوى فيلزم تقديمه في هذه الحالة وتكون المساواة بينهما في ذلك ظلماً.2- مراعاة أصحاب الحقوق الخاصة فمن العدل أن يراعى أهل الحقوق الخاصة ولا
يساوون بغيرهم من أهل الحقوق العامة.يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ويقصد بقاعدة رفع الحرج أن يراعي السائس الرفق برعيته ورفع المشقة والعنت عنهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم من
ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم،فارفق به )
قاعدة نفي الضرر :
وهذه القاعدة يقصد بها أنه لا يجوز لشخص له حق أن يعتدي بهذا الحق على غيره بل له
أن يستخدمه بنفسه دون تعد وفي حالة تعديه على غيره تأتي هذه القاعدة فتعمل، وقد ورد
النص على اعتبارها، ففي سنن أبي داوود كانت لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه
فقال: إنك تطأ حائطي إلى عذقك فأنا أعطيك مثله في حائطك فأخرجه عني فأبى عليه
فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فضمها إلى مالك
واكفف عن صاحبك ما يكره» فقال: ما أنا بفاعل قال فاذهب فأخرج له عذقا مثل
عذقه إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار ، فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار) قال أبو
داود والعذق بالفتح النخلة والعذق بالكسر الكناسة ، و الحديث مرسل وله شواهد. قاعدة تحريم الإفساد في الأرض:
وردت النصوص على هذه القاعدة في القرآن والسنة، ومن ذلك قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا في
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ
فمثلاً رمى المخلفات في الطرق والحدائق العامة من الإفساد في الأرض. فعلى ولي الأمر أن يراعى في سياسته هذه القاعدة وله أن يمنع من بعض الأعمال التي ينطبق عليها وصف الإفساد ويضع العقوبة الزاجرة لكل مخالفة بحسبها
قاعدة مراعاة الضعفاء
أمرت الشريعة الإسلامية بمراعاة الضعفاء في التعامل وحرمت استغلالهم بغير حق،الضعفاء الأيتام قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾،أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ .فعلى السائس أن يراعي الضعفاء في المجتمع ولا يساويهم بغيرهم من الأقوياء والأغنياء
القسم الثاني: المقاصد العامة والخاصة التي راعتها الشريعة الإسلامية في أحكامها :
اتفقت الشريعة الإسلامية على رعاية الضرورات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية على
رعايتها والعناية بها وهي:
• حفظ الدين: أي حفظ ما يعتقده المسلم ويؤمن به وكذلك الأعمال التي هي
وحفظ الدين يكون بتشريع ما من شأنه أن يصفي معتقدات الإنسان
ويجعلها نقية . من الشوائب وهي الشركيات)، وكذلك بتشريع الأعمال التي يتقرب بها إلى الله
جل وعلا كالصلاة والصيام ونحو ذلك. حفظ النفس: وذلك بتشريع الأحكام التي يؤدي إعمالها إلى حفظ النفوس من الهلاك
والتلف الكلى أو الجزئي. حفظ العقل: وذلك بتشريع الأحكام المتعلقة بحفظ العقل من الزوال كتحريم تناول المسكرات والمخدرات والنقص كالعلوم التي لا نفع فيها أو تضر عالمها.• حفظ العرض: ذلك بتشريع الأحكام التي يترتب على المحافظة عليها صيانة أعراض
شأنها المحافظة على أموال الناس وعدم
التي من والشريعة راعت هذه المقاصد الخمس من جانبين :
وتختلف درجة الحفظ إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: الضروريات سواء من جانب الوجود أو العدم، مثال ذلك، الأمر بالصلاة،الدرجة الثانية الحاجيات وهي أقل من درجة الضروريات ومن الأمثلة عليها: وجوب
صلاة العيدين، والصلوات ذوات الأسباب.الدرجة: فتقدم الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات.النوع: فيقدم حفظ الدين ثم النفس ثم العقل ثم العرض ثم المال. العدم: فيقدم العدم على الوجود، وذلك في حال التساوي.القسم الثالث: الأدلة التبعية
يقصد بالأدلة التبعية الأدلة التي تتبع المصادر الأصلية "القرآن والسنة" وتشمل دليل
المصلحة المرسلة ودليل الاستحسان ودليل سد الذريعة ودليل العرف.أولا: المصلحة المرسلة:
تنقسم المصلحة إلى ثلاثة أقسام:
التي ورد النص على إعمالها وهذه من قبيل النص وليست من
1 - المصلحة المعتبرة: وهي التي ورد النص في إعمالها وهذه من قبيل النص وليست من قبيل المصلحة.2 - المصلحة الملغاة: وهي المصلحة التي قد يبدو منفعها إلا أنها في حقيقة الأمر مفسدة، الشارع نص على عدم اعتبارها مثال ذلك: تحريم الخمر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.3- المصلحة المرسلة: وهي التي لم يرد فيها نص لا في اعتبارها ولا في إلغائها وإعمالها يؤدي
وعدم ورود دليل معين على اعتبار المصلحة لا ينفي يوجد دليل عام على اعتبار جنس المصلحة، فإن ورود مثل هذا الدليل لا يخرجها عن كونها مصلحة مرسلة،حجية العمل بالمصلحة المرسلة
أي بناء الحكم عليها واعتبارها أصلاً
1- أن يتحقق من بناء الحكم عليها جلب مصلحة أو درء ،مفسدة، مثل: تسعير ولي الأمر
أثمان السلع إذا تغالى التجار في أثمانها ، فإن ذلك يكبح جماح الجشع ويدفع الحرج عن العامة
حتما، فإذا كان جلب المصلحة أو دفع المفسدة متوهماً فإن هذه المصلحة لا تصلح لبناء
الأحكام عليها.٢- أن تكون المصلحة التي يبنى الحكم عليها كلية لا جزئية، أي أنه لابد أن تشمل أكبر
عدد من الناس تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضرر ، فلو أفادت فرداً خاصاً أو جماعة
خاصة،٣- ألا تعارض المصلحة حكماً أو قاعدة ثبتت بالنص أو الإجماع، فإفتاء غني أفطر في
رمضان بأنه لا كفارة في إفطاره إلا صوم شهرين متتابعين -
لأن هذه المصلحة شهد لها النص بالإلغاء.استدل الجمهور على حجية العمل بالمصالح المرسلة وبناء الأحكام عليها بما يلي:
١- أن الصحابة رضوان الله عليهم - قد أثر عنهم الكثير من
الأحكام التي بنوها على المصلحة دون غيرها من غير أن يوجد لها شاهد بالاعتبار كجمع الصحف المتفرقة في مصحف واحد في عهد أبي بكر، وإبقاء عمر الأرض المفتوحة في أيدي أهلها مع
ليكون مورداً دائماً للدولة تنفق منه على مرافق الدولة، وجمع عثمان الناس على مصحف واحد وتحريق ما عداه وقضائه بتوريث الزوجة التي طلقها زوجها في مرض الموت
من تركته وقضاء علي بتضمين الصناع وغير ذلك من الوقائع التي بنى فيها الخلفاء
وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يخالف منهم
أحد، فكان ذلك إجماعاً على حجية العمل بالمصلحة المرسلة ولا عبرة بمخالفة الظاهرية في قولهم بعدم حجيتها،2- أن الوقائع متجددة غير متناهية،عليها لضاقت الشريعة عن الوفاء بمصالح البشر، ووقفت جامدة لا تساير الأزمنة والأمكنة
أثر المصالح المرسلة في سياسة الأمة:
وحاجاتها
فعن طريق بناء الأحكام عليها يمكن الوصول إلى تنظيم الشؤون الإدارية العامة،ومصالح المجتمع،المصالح العامة كتجهيز الجيوش وبناء الجسور والقناطر، والمصانع
والمستشفيات واستحداث النظم والأوضاع التي تحفظ كيان الدولة وأمنها، وفرض العقوبات
على المخالفين بحسب ما تقتضيه المصلحة وإحداث المؤسسات والوظائف حسب الحاجة
إليها.الشرعية الدقيقة لا بموازين الأهواء والمطامع والشهوات والمصالح الخاصة، بل عن الشريعة كلها إلى دائرة الأحكام والقوانين
الوضعية.الذريعة في اللغة الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء، والمراد بها هنا: ما يتوصل به إلى الشيء
ومعنى سد الذريعة : المنع منها،إليه " ولما كان بين المقدمة" و الذريعة" نوع من الشبه، وهو الإيصال والإفضاء، لذلك كان من
المناسب أن نذكر كلمة في الفرق بينهما، ونسبة إحداهما إلى الأخرى، فنقول: إن الفرق
بينهما يتبين مما يلي:
فالملاحظ فيها هو: توقف
أما الذريعة فهي ما تفضي إلى المقصود، سواء توقف المقصود عليها أو لا، فقوله تعالى: ﴿وَلَا
لكن لا يتوقف حصول الافتنان بها على ضربها الأرض برجلها لجواز الافتنان بها بغير ذلك، كخروجها متبرجة متعطرة فلا يكون ضرب الأرض برجلها ذات الخلاخيل مقدمة لعدم انطباق حقيقة المقدمة، - أنه لا خلاف بين العلماء في أن المقدمة تتبع ما يتوقف عليها،واجبة. وإذا كان مندوباً كانت مندوبة، وإنما الخلاف بينهم في
وبعضها مختلف في
فإن سب المشركين إله العالمين لا يتوقف حصوله على سب المؤمنين آلهة المشركين وأصنامهم
لقتل إنسان معين يتوقف ارتكابه على السفر وقطع المسافة،الافضاء إلى ارتكاب إلى القتل.وقد تجتمع المقدمة والذريعة في شيء واحد كما في شرب الخمر المفضي إلى السكر، والزنا
المفضي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفراش، فكل منهما مقدمة للمفسدة، وذريعة إليها
ويتبين مما تقدم أن النسبة بين المقدمة والذريعة هي العموم والخصوص الوجهي،الزنا وشرب الخمر، وتنفرد الذريعة في سب
أقسام سد الذرائع
للعلماء تقسيمات متعددة لدليل سد الذرائع منها تقسيم القرافي رحمه الله حيث قسمها إلى
- ما أجمع العلماء على سده، كسب الأصنام عند من يعلم أنه الله تعالى حينئذ وحفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم أو ظن وقوعهم فيها
- ما أجمع العلماء على عدم سده، فهذا ونحوه من الذرائع البعيدة التي اتفقوا على
- ما هو مختلف فيه هل يسد أم لا؟
وذلك مثل أن يبيع البائع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يشتريها
سد الذرائع من أعظم القواعد والأصول التي تساير بها السياسة الشرعية ما يجد من وقائع
وحوادث لا نص فيها،عن قصد وسيلة إلى مفسدة،مما يفضي إليه من مصلحة كان له أن يمنعه ويسد ،بابه، ويكون هذا المنع من الشريعة، لبنائه على قاعدة شرعية هي قاعدة سد الذرائع أثبت ابن القيم شرعيتها بتسعة وتسعين
وجهاً من الكتاب والسنة.فلولي الأمر أن يمنع بيع السلاح أيام الفتن لما تجر إليه من مفاسد الاعتداء على الأنفس
والأموال، وله
منع استئجار الدور والحوانيت التي يغلب استعمال الأعمال الضارة فيها،وهو: "العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى"، لأن
هذا التعريف يصور أصدق تصوير معنى الاستحسان ويرشد إلى الفرق بينه وبين المصلحة
فإنه ينبه إلى أن الاستحسان يقتضي أن يكون للمسألة التي يحكم به فيها نظائر
محكوم فيها على خلاف ذلك، أما المصلحة المرسلة فليس لمحلها نظائر محكوم فيها على
ويتحقق في كل قياس يترك العمل به للضرورة وعموم البلوى، وذلك كالحكم بطهارة مياه
الآبار في الصحراء، على الرغم مما يقع فيها من بعر الحيوان أو روثه،في آبار الصحراء إلا بحرج ومشقة،يحول بينها وبين الوقوع فيها حائل من مبان أو أشجار . وآلات الحرب من خيل وسلاح مع أن القاعدة
وهو إنما يتحقق في العقار دون المنقول، لكن لما جرى عرف الناس
بذلك وفي منعهم منه حرج ومشقة أجيز وقفه استحساناً.3- الاستحسان بالمصلحة المرسلة
ويتحقق في كل مسألة عدل فيها عن مقتضى القياس إلى حكم آخر للمصلحة الراجحة،وذلك مثل الأجير المشترك فإنه لا يضمن ما تحت يده من أموال الناس، لأنه أمين، والأمين
لا يضمن إلا بالتعدي ،كثير من العلماء، وهي مصلحة
راجحة لأنها مقصد من مقاصد الشريعة.ذهب فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة إلى حجية الاستحسان واعتبار العمل به، فقد نقل
عن الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قوله: "إن العالم بالاستحسان
مع باقي الأدلة يسعه الاجتهاد في كل شيء من أموره، ونقل عن الإمام مالك قوله : "إن الاستحسان تسعة أعشار العلم،استدل الفريق الأول بأن : اضطراد العمل بالقياس أو تعميم الحكم في بعض الوقائع قد يؤدي
إلى تفويت مصلحة الناس والإضرار بهم،الناس والرحمة بهم الحد من غلو القياس بأن يفتح للمجتهد باب للعدول عن حكم القياس
الشريف، وما هذا الباب إلا الاستحسان. كما في إجازة عقد السلم، فإن القياس يقتضي عدم جوازه،معدوم وبيع المعدوم لا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام الحكيم بن حزام
لا تبع ما ليس عندك ( لكن الشارع أجازه لمصلحة الناس ويرشد إلى ذلك قول الرسول
صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)،وكذلك عدل الشارع عن تعميم الحكم في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير فأباحها عند الاضطرار،واستدل القائلون بعدم حجية الاستحسان بما يلي:
وما لم يبينه فيهما فقد ترك
الأمر فيه إلى استنتاجه من القياس عليهما ، قال تعالى : ﴿فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
فإن كان الاستحسان من الكتاب أو السنة فلا داعي إليه، وإن كان خارجاً
2 - الاستحسان لا ضابط له ولا توجد له مقاييس يقاس بها الحق من الباطل،لاختلفت الأحكام في المسألة الواحدة، وهذا يتنافى مع شريعة الإسلام الواضحة السمحة.والظاهر أن منشأ الاختلاف بين الفريقين هو عدم الاتفاق على معناه، فالذين أنكروه
يريدون به الحكم والتشهي والأهواء،أو عن حكم كلي لدليل اقتضى هذا العدول،بهذا المعنى لا يسع أحد أن ينكر ،حجيته،شرع " فمعناه أن من استحسن بالهوى فقد شرع ويحتمل أنه أراد بهذه العبارة: أن من
والذي
ثلاثة أيام، وهذا منه قول بالاستحسان في مقابل القياس ويتضح مما ذكرنا أن الاستحسان بمعناه الاصطلاحي الذي اخترناه لا يخالف أحد في حجيته، وأن محل الإنكار هو الاستحسان المبني على الهوى والتشهي.إن تطبيق هذه الأنواع الأخيرة من الاستحسان لا يتحقق إلا عندما يؤدي تطبيق القياس أو
القاعدة الكلية إلى حرج أو مشقة في بعض المسائل، والعرف والمصلحة. وهو ما يعرف بالاستحسان وبهذا يعتبر الاستحسان وسيلة
كبرى من وسائل مجاراة السياسة الشرعية لحاجات الناس المتجددة، عندما يصادفهم أمر
فيؤدي الاستحسان
الأسلامية.المصدر الرابع: العرف
تعريفه العرف هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل تكرر مرة بعد أخرى، حتى
تمكن أثره من نفوسهم،وليس المراد بالناس في التعريف ،جمهورهم كما أن المراد بالجمهور
فما استحدثه بعض الناس في أوروبا من إنشاء
في العادات لا تقبله العقول الرشيدة والطباع السليمة ولابد في تكوّن العرف من تكرار الفعل أو القول عدة مرات حتى ينطبع أثره في النفوس وتطمئن إليه الطباع، خلافاً لمن زعم ذلك
ينقسم العرف باعتبار إقرار الشارع له وعدمه إلى ثلاثة أقسام صحيح، وفاسد، ومسكوت عنه
اعتباره، وتشريع وجوب الدية على العاقلة والثابت بهذا العرف يعتبر من الأحكام الفقهية، ولا علاقة له بالأحكام السياسية لورود النصوص به.العرف الفاسد : هو ما خالف النص، كتعارف بعض المجتمعات بالتعامل بالربا،الإسلامية، فإن هذه الأعراف خارجة عن نطاق السياسة الشرعية، بل عن دائرة الإسلام. وهذا العرف هو
الذي تبنى عليه أحكامها. إذا كان مطرداً أو غالباً، مثل قولهم العادة محكمة والثابت بالعرف كالثابت بالنص، ينقسم العرف إلى قولي وفعلي، وعام وخاص:
العرف القولي: كتعارف الناس إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، مع أن اللغة تشمل
وإطلاق لفظ الدابة على خصوص الفرس،مع أن لفظ الدابة اسم لكل ما يدب على وجه الأرض.العرف الفعلي: كتعارف الناس على البيع بالتعاطي من غير استخدام صيغة لفظية، وتعجيل
وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.العرف العام: الذي اتفق جميع الناس على العمل به في جميع البلاد في زمن من الأزمان
وليس من الضروري في حقيقته أن يشمل الأزمنة السابقة أيضاً،حمام السوق نظير أجر معين بدون تقدير كمية المياه التي يستهلكها المستحم، ولا المدة التي
يمكثها في الحمام مع أنه لابد في عقد الإجارة من بيان مدة المنفعة،العرف الخاص : الذي اتفق الناس على العمل به في بلد من البلاد، أو إقليم من الأقاليم، أو
كتعارف أهل مصر على أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته قبل الزفاف
يعتبر هدية وليس جزءاً من المهر. أدلة اعتبار العرف
1- قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن "الجاهلين" فقد قال المفسرون في معنى
الأمر بالعرف الأمر بما هو معروف للناس مما لا ينكره الشرع.شكت إليه شح زوجها أبي سفيان وبخله خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ١، وسواء
فقد أباح لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من
مال زوجها ما جرى العرف بمثله وما ألفه الناس في هذا المجال.4- أن الناس قد ألفت ما تعارفوا عليه وفي نزع الناس عما ألفوه واعتادوا عليه حرج ومشقة
والحرج والمشقة مدفوعان بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
5- أن المتتبع لمذاهب الأئمة المجتهدين يجد فيها الكثير من الأحكام التي بنيت على العرف، وهو عرف عملي.والإمام الشافعي عدل عن بعض الأحكام التي قال بها في بغداد عندما استقر في مصر،بسبب ما رآه من اختلاف الأعراف والعادات بين البلدين،بالمذهب القديم،والحنفية يعتبرون العرف من أكبر قواعد الاستنباط عندهم، فإذا اختلف المتبايعان ولا بينة
لأحدهما، فالقول عندهم لمن يشهد له العرف وإذا اختلف الزوجان على المقدم والمؤخر في
المهر فالحكم عرف البلد في ذلك، ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حكموا بعدم حنثه
بناء على أن العرف لا يسمي السمك لحماً، ومن حلف لا يضع قدمه في دار فلان حنث
بدخوله محمولاً أو راكباً، بناء على أن العرف في هذه العبارة يراد
ومن أجل اعتبار العرف نجد كثيراً من متأخري الفقهاء يخالفون أئمتهم المتقدمين في بعض
المسائل فقد أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن،بالطاعات، وكانت وجهة المتأخرين في إجازة أخذ الأجر على تعليم
القرآن أنهم رأوا أن معلمي القرآن قد انقطعت عنهم المرتبات التي كانت تدفع إليهم من
بيت المال في الزمن الماضي، وأصبح العرف في زمن المتأخرين يقضي بعدم إعطائهم شيئاً من
بيت المال بسبب خراب بيت المال أحياناً،أخرى، فأقدم المتأخرون على الفتوى بجواز أخذ الأجرة على تعليمه، فيضيع القرآن بسبب ذلك. ومثل هذا الخلاف هو الذي قال الفقهاء فيه : إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان ولذا يعتبر كل منها صحيحاً في عصره الذي وقع فيه، لأنه كما ذكرنا - ليس مبنياً على اختلاف الحجج والأدلة،أثر هذه المصادر في قيام السياسة الشرعية
الأمور أن يسوسوا بها الأمة فيما لا نص على حكمه من الوقائع المتجددة،المشاكل المتعددة التي تصادفهم فيجدون في ظلها الحلول التي تمكنهم من سياسة الأمة
سياسة صالحة،

النص الأصلي

مصادر السياسة الشرعية


تقوم السياسة الشرعية على مصادر بدونها لا يعتبر العمل شرعياً وهذه المصادر يقصد بها
الدليل الذي قام عليه جواز العمل بهذا الحكم السياسي، فالسياسة الشرعية لابد أن تكون
قائمة على مصدر شرعي من رجوعها إلى قاعدة عامة منصوص عليها، أو مقصد عام أو خاص للحكم الشرعي، أو دليل تبعي، وسنبين هذه الأقسام:


القسم الأول: القواعد العامة التي نصت عليها الشريعة الإسلامية:
نص القرآن والسنة على مجموعة من القواعد الشرعية العامة ومن هذه القواعد تستفاد الأحكام الشرعية المتعلقة بسياسة الدولة. ومن ذلك القواعد التالية:


قاعدة العدل
هذه القاعدة ورد النص عليها في القرآن الكريم قال تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ وقاعدة العدل عليها مدار السياسة في الدولة الإسلامية فيجب على ولاتها عند إحداث أي تنظيم أو قرار أن يراعوا العمل بهذه القاعدة من جميع جوانبها فبدون ذلك لا يعتبر العمل مشروعاً.


وقاعدة العدل لها وسائل متعددة فمن أهم أسباب تحقيق القاعدة:
1-المساواة: فالأصل أن الناس سواسية في الأحكام والحقوق والواجبات والالتزامات ولا
يجوز خرق ذلك إلا إذا كان تابعاً لقاعدة أخرى ترتبط بقاعدة العدل. وتعني قاعدة المساواة المتفرعة من قاعدة العدل أن يساوى بين أصحاب الحقوق الواحدة حينما تكون موجبات استحقاقهم متساوية، أما إذا لم تكن كذلك فإن العمل بالمساواة يعتبر ظلماً وخروجاً عن قاعدة العدل، فمثلاً حينما يتساوى المتقدمان على الدراسة في الصفات فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بسبب يوجبه ولكن إذا كان أحدهما تقديره أفضل من الآخر ومؤهلاته أقوى فيلزم تقديمه في هذه الحالة وتكون المساواة بينهما في ذلك ظلماً.


2- مراعاة أصحاب الحقوق الخاصة فمن العدل أن يراعى أهل الحقوق الخاصة ولا
يساوون بغيرهم من أهل الحقوق العامة.


قاعدة رفع الحرج:
يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ويقصد بقاعدة رفع الحرج أن يراعي السائس الرفق برعيته ورفع المشقة والعنت عنهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم من
ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم،
فارفق به )


قاعدة نفي الضرر :
وهذه القاعدة يقصد بها أنه لا يجوز لشخص له حق أن يعتدي بهذا الحق على غيره بل له
أن يستخدمه بنفسه دون تعد وفي حالة تعديه على غيره تأتي هذه القاعدة فتعمل، وقد ورد
النص على اعتبارها، ففي سنن أبي داوود كانت لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه
فقال: إنك تطأ حائطي إلى عذقك فأنا أعطيك مثله في حائطك فأخرجه عني فأبى عليه
فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فضمها إلى مالك
واكفف عن صاحبك ما يكره» فقال: ما أنا بفاعل قال فاذهب فأخرج له عذقا مثل
عذقه إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار ، فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار) قال أبو
داود والعذق بالفتح النخلة والعذق بالكسر الكناسة ، و الحديث مرسل وله شواهد.


قاعدة تحريم الإفساد في الأرض:
وردت النصوص على هذه القاعدة في القرآن والسنة، ومن ذلك قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا في
الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ﴾ فهذه النصوص تدل على تحريم كل ما من شأنه أن يكون إفساداً في الأرض سواء كان صغيراً أو كبيراً مقصوداً أو غير مقصود من جماعة أو من فرد. فمثلاً رمى المخلفات في الطرق والحدائق العامة من الإفساد في الأرض. فعلى ولي الأمر أن يراعى في سياسته هذه القاعدة وله أن يمنع من بعض الأعمال التي ينطبق عليها وصف الإفساد ويضع العقوبة الزاجرة لكل مخالفة بحسبها


قاعدة مراعاة الضعفاء
أمرت الشريعة الإسلامية بمراعاة الضعفاء في التعامل وحرمت استغلالهم بغير حق، ومن
الضعفاء الأيتام قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، وقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ . فالله حرم الاعتداء على أموال اليتامى رغم أن تحريم الاعتداء عام على الضعفاء وعلى غيرهم إلا أن الاعتداء عليهم أو على أموالهم أشد حرمة.
فعلى السائس أن يراعي الضعفاء في المجتمع ولا يساويهم بغيرهم من الأقوياء والأغنياء
ونحوهم .


القسم الثاني: المقاصد العامة والخاصة التي راعتها الشريعة الإسلامية في أحكامها :
اتفقت الشريعة الإسلامية على رعاية الضرورات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية على
رعايتها والعناية بها وهي:
• حفظ الدين: أي حفظ ما يعتقده المسلم ويؤمن به وكذلك الأعمال التي هي
العبد وربه (العبادات)، وحفظ الدين يكون بتشريع ما من شأنه أن يصفي معتقدات الإنسان
ويجعلها نقية . من الشوائب وهي الشركيات)، وكذلك بتشريع الأعمال التي يتقرب بها إلى الله
جل وعلا كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
. حفظ النفس: وذلك بتشريع الأحكام التي يؤدي إعمالها إلى حفظ النفوس من الهلاك
والتلف الكلى أو الجزئي.
. حفظ العقل: وذلك بتشريع الأحكام المتعلقة بحفظ العقل من الزوال كتحريم تناول المسكرات والمخدرات والنقص كالعلوم التي لا نفع فيها أو تضر عالمها.
• حفظ العرض: ذلك بتشريع الأحكام التي يترتب على المحافظة عليها صيانة أعراض
الناس، وقد يطلق بعض أهل العلم على هذا النوع حفظ النسل ومنهم من يجعله مستقلا. شأنها المحافظة على أموال الناس وعدم
. حفظ المال وذلك بتشريع الأحكام الاعتداء عليها. التي من والشريعة راعت هذه المقاصد الخمس من جانبين :
الجانب الأول: جانب الوجود وذلك بتشريع الأحكام التي تؤدي إلى وجودها.
الجانب الثاني: جانب العدم وذلك بتشريع الأحكام التي تحافظ عليها من الزوال والاندثار
وتختلف درجة الحفظ إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: الضروريات سواء من جانب الوجود أو العدم، مثال ذلك، الأمر بالصلاة،
الأمر بالشهادتين النهي عن الشرك، وعن الذبح لغير الله.
الدرجة الثانية الحاجيات وهي أقل من درجة الضروريات ومن الأمثلة عليها: وجوب
صلاة العيدين، والصلوات ذوات الأسباب.
الدرجة الثالثة: التحسينات وهي أقل الدرجات الثلاثة استحباب نوافل العبادات كالسنن الرواتب فقه الموازنات :
يراعى عند التعارض بين المقاصد ما يلي ومنا الأمثلة عليها :
الدرجة: فتقدم الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات.
النوع: فيقدم حفظ الدين ثم النفس ثم العقل ثم العرض ثم المال.
العدم: فيقدم العدم على الوجود، وذلك في حال التساوي.


القسم الثالث: الأدلة التبعية
يقصد بالأدلة التبعية الأدلة التي تتبع المصادر الأصلية "القرآن والسنة" وتشمل دليل
المصلحة المرسلة ودليل الاستحسان ودليل سد الذريعة ودليل العرف.
أولا: المصلحة المرسلة:
تنقسم المصلحة إلى ثلاثة أقسام:
التي ورد النص على إعمالها وهذه من قبيل النص وليست من
1 - المصلحة المعتبرة: وهي التي ورد النص في إعمالها وهذه من قبيل النص وليست من قبيل المصلحة.


2 - المصلحة الملغاة: وهي المصلحة التي قد يبدو منفعها إلا أنها في حقيقة الأمر مفسدة، الشارع نص على عدم اعتبارها مثال ذلك: تحريم الخمر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.


3- المصلحة المرسلة: وهي التي لم يرد فيها نص لا في اعتبارها ولا في إلغائها وإعمالها يؤدي
إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشرع. أن فهي مصلحة لم يرد فيها دليل معين على اعتبارها أو إلغائها ولكن يحصل من ربط الحكم بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وعدم ورود دليل معين على اعتبار المصلحة لا ينفي يوجد دليل عام على اعتبار جنس المصلحة، فإن ورود مثل هذا الدليل لا يخرجها عن كونها مصلحة مرسلة، ومعنى كونها مرسلة أنها مطلقة عن دليل اعتبارها أو إلغائها.


حجية العمل بالمصلحة المرسلة
ذهب جمهور العلماء إلى حجية العمل بالمصالح المرسلة، أي بناء الحكم عليها واعتبارها أصلاً
تثبت بها الأحكام السياسية الشرعية إذا توفرت فيها الشروط الآتية:


1- أن يتحقق من بناء الحكم عليها جلب مصلحة أو درء ،مفسدة، مثل: تسعير ولي الأمر
أثمان السلع إذا تغالى التجار في أثمانها ، فإن ذلك يكبح جماح الجشع ويدفع الحرج عن العامة
حتما، فإذا كان جلب المصلحة أو دفع المفسدة متوهماً فإن هذه المصلحة لا تصلح لبناء
الأحكام عليها.
٢- أن تكون المصلحة التي يبنى الحكم عليها كلية لا جزئية، أي أنه لابد أن تشمل أكبر
عدد من الناس تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضرر ، فلو أفادت فرداً خاصاً أو جماعة
خاصة، فإنها لا تصلح لبناء الحكم عليها.
٣- ألا تعارض المصلحة حكماً أو قاعدة ثبتت بالنص أو الإجماع، فإفتاء غني أفطر في
رمضان بأنه لا كفارة في إفطاره إلا صوم شهرين متتابعين -
لأن المقصود من الكفارة الزجر والغني لا ينزجر بالإعتاق لسهولة ذلك عليه وإنما ينزجر بالصوم - تعتبر فتوى غير صحيحة، لأن هذه المصلحة شهد لها النص بالإلغاء.
الأدلة على اعتبار المصلحة المرسلة:
استدل الجمهور على حجية العمل بالمصالح المرسلة وبناء الأحكام عليها بما يلي:
١- أن الصحابة رضوان الله عليهم - قد أثر عنهم الكثير من
الأحكام التي بنوها على المصلحة دون غيرها من غير أن يوجد لها شاهد بالاعتبار كجمع الصحف المتفرقة في مصحف واحد في عهد أبي بكر، وإبقاء عمر الأرض المفتوحة في أيدي أهلها مع
فرضه الخراج عليها، ليكون مورداً دائماً للدولة تنفق منه على مرافق الدولة، وجمع عثمان الناس على مصحف واحد وتحريق ما عداه وقضائه بتوريث الزوجة التي طلقها زوجها في مرض الموت
من تركته وقضاء علي بتضمين الصناع وغير ذلك من الوقائع التي بنى فيها الخلفاء
الراشدون الحكم على المصلحة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يخالف منهم
أحد، فكان ذلك إجماعاً على حجية العمل بالمصلحة المرسلة ولا عبرة بمخالفة الظاهرية في قولهم بعدم حجيتها، لأنهم وجدوا بعد انعقاد عصر الإجماع على حجيتها ولا قولهم بأن اعتبارها قد يغري الحكام والولاة باستخدامها طبقاً لأهوائهم وشهواتهم، لأنه لا مجال لهذا القول بعد تحقق الشروط التي ذكرناها آنفاً في المصلحة المرسلة التي تعتبر حجة في بناء الأحكام عليها.


2- أن الوقائع متجددة غير متناهية، والنصوص متناهية، فلو لم يقبل بحجيتها وبناء الأحكام
عليها لضاقت الشريعة عن الوفاء بمصالح البشر، ووقفت جامدة لا تساير الأزمنة والأمكنة
والبيئات والأحوال، مع أنها خاتمة الشرائع وأنها في غاية الكمال والتمام.


أثر المصالح المرسلة في سياسة الأمة:
والمصالح المرسلة طريق مهم من طرق مسايرة السياسة للحياة في مطالبها المتجددة، وحاجاتها
المتعددة، فعن طريق بناء الأحكام عليها يمكن الوصول إلى تنظيم الشؤون الإدارية العامة،
ومصالح المجتمع، كفرض الضرائب المعقولة، إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي للإنفاق على
المصالح العامة كتجهيز الجيوش وبناء الجسور والقناطر، وإنشاء المدارس، والمصانع
والمستشفيات واستحداث النظم والأوضاع التي تحفظ كيان الدولة وأمنها، وفرض العقوبات
على المخالفين بحسب ما تقتضيه المصلحة وإحداث المؤسسات والوظائف حسب الحاجة
إليها.
لكن يجب التنبيه إلى شيء مهم وهو أن تقدير المصالح والمفاسد يجب أن يوزن بالموازين
الشرعية الدقيقة لا بموازين الأهواء والمطامع والشهوات والمصالح الخاصة، فإن التقدير بذلك
يخرج الأحكام عن دائرة السياسة الشرعية، بل عن الشريعة كلها إلى دائرة الأحكام والقوانين
الوضعية.


المصدر الثاني: سد الذرائع
الذريعة في اللغة الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء، والمراد بها هنا: ما يتوصل به إلى الشيء
الممنوع المشتمل على مفسدة، ومعنى سد الذريعة : المنع منها، والحيلولة بينها وبين ما تفضي
إليه " ولما كان بين المقدمة" و الذريعة" نوع من الشبه، وهو الإيصال والإفضاء، لذلك كان من
المناسب أن نذكر كلمة في الفرق بينهما، ونسبة إحداهما إلى الأخرى، فنقول: إن الفرق
بينهما يتبين مما يلي:



  • مقدمة الشيء هي: الأمر الذي يتوقف عليه وجود الشيء، فالملاحظ فيها هو: توقف
    حصول المقصود عليها مثل الوضوء، فإنه مقدمة يتوقف عليه وجود الصلاة، فالمدار في
    المقدمة على حصول المقصود منها.
    أما الذريعة فهي ما تفضي إلى المقصود، سواء توقف المقصود عليها أو لا، فقوله تعالى: ﴿وَلَا
    يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ذريعة لأن ضرب المرأة ذات الخلاخيل الأرض برجلها من شأنه أن يجر إلى الالتفات إليها والافتنان بها، لكن لا يتوقف حصول الافتنان بها على ضربها الأرض برجلها لجواز الافتنان بها بغير ذلك، كخروجها متبرجة متعطرة فلا يكون ضرب الأرض برجلها ذات الخلاخيل مقدمة لعدم انطباق حقيقة المقدمة، على هذا الضرب.


. - أنه لا خلاف بين العلماء في أن المقدمة تتبع ما يتوقف عليها، فإن كان واجباً كانت
واجبة. وإذا كان مندوباً كانت مندوبة، وإن كان حراماً كانت حراماً، وإنما الخلاف بينهم في
الدليل الذي يدل على ما يتوقف عليها هل يدل عليها أو لا؟
أما سد الذريعة فليس كل أنواعه محل اتفاق بل بعضها متفق على سده، وبعضها مختلف في
سده بين العلماء فمن باب سد الذرائع: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا ا
اللهَ عَدْوا بِغَيْرِ عِلْمٍا)


فإن سب المشركين إله العالمين لا يتوقف حصوله على سب المؤمنين آلهة المشركين وأصنامهم
ولكن سب المؤمنين هذه المعبودات والأصنام ذريعة تجر أن يسب المشركون إله الناس أجمعين وقد تتحقق مقدمة المفسدة من غير أن يكون فيها معنى الذريعة المفضية إليها، وذلك كالسفر
لقتل إنسان معين يتوقف ارتكابه على السفر وقطع المسافة، ولكن السفر ليس من
الافضاء إلى ارتكاب إلى القتل.


وقد تجتمع المقدمة والذريعة في شيء واحد كما في شرب الخمر المفضي إلى السكر، والزنا
المفضي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفراش، فكل منهما مقدمة للمفسدة، وذريعة إليها
ويتبين مما تقدم أن النسبة بين المقدمة والذريعة هي العموم والخصوص الوجهي، يجتمعان في
الزنا وشرب الخمر، وتنفرد المقدمة في السفر لارتكاب المعصية، وتنفرد الذريعة في سب
المؤمنين آلهة المشركين، وضرب المرأة الأرض برجلها ذات الخلاخيل


. أقسام سد الذرائع
للعلماء تقسيمات متعددة لدليل سد الذرائع منها تقسيم القرافي رحمه الله حيث قسمها إلى
ثلاثة أقسام هي:



  • ما أجمع العلماء على سده، كسب الأصنام عند من يعلم أنه الله تعالى حينئذ وحفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم أو ظن وقوعهم فيها
    . - ما أجمع العلماء على عدم سده، كزراعة العنب خشية أن يتخذ من عصيره الخمر
    والتجاور في البيوت خشية الوقوع في الزنا، فهذا ونحوه من الذرائع البعيدة التي اتفقوا على
    عدم سدها ومنعها
    . - ما هو مختلف فيه هل يسد أم لا؟
    ومن ذلك: بيوع الآجال، وذلك مثل أن يبيع البائع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يشتريها
    البائع من المشتري بخمسة نقداً.



  • أثر سد الذرائع في سياسة الأمة
    سد الذرائع من أعظم القواعد والأصول التي تساير بها السياسة الشرعية ما يجد من وقائع
    وحوادث لا نص فيها، فإن ولي الأمر في الأمة إذا رأى شيئاً من المباحات قد اتخذه الناس
    عن قصد وسيلة إلى مفسدة، أو أنه بسبب فساد المجتمع أصبح يفضي إلى مفسدة أرجح
    مما يفضي إليه من مصلحة كان له أن يمنعه ويسد ،بابه، ويكون هذا المنع من الشريعة، لبنائه على قاعدة شرعية هي قاعدة سد الذرائع أثبت ابن القيم شرعيتها بتسعة وتسعين
    وجهاً من الكتاب والسنة.
    فلولي الأمر أن يمنع بيع السلاح أيام الفتن لما تجر إليه من مفاسد الاعتداء على الأنفس
    والأموال، وله منع استيراد البضائع الأجنبية لما يجره الاستيراد من كساد البضائع الوطنية، وله
    منع استئجار الدور والحوانيت التي يغلب استعمال الأعمال الضارة فيها، لما تجره من الفساد.


المصدر الثالث: الاستحسان
. تعريفه : لعل أجمع تعريف لأنواع الاستحسان تعريف أبي الحسن الكرخي من فقهاء الحنفية
وهو: "العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى"، لأن
هذا التعريف يصور أصدق تصوير معنى الاستحسان ويرشد إلى الفرق بينه وبين المصلحة
المرسلة، فإنه ينبه إلى أن الاستحسان يقتضي أن يكون للمسألة التي يحكم به فيها نظائر
محكوم فيها على خلاف ذلك، أما المصلحة المرسلة فليس لمحلها نظائر محكوم فيها على
خلاف ما تقتضيه المصلحة في ذلك المحل.


أنواع الاستحسان الداخلة في السياسة الشرعية


1- الاستحسان بالضرورة:
ويتحقق في كل قياس يترك العمل به للضرورة وعموم البلوى، وذلك كالحكم بطهارة مياه
الآبار في الصحراء، على الرغم مما يقع فيها من بعر الحيوان أو روثه، على خلاف الحكم في
آبار المدن والقرى، وذلك نظراً للضرورة، وهي عدم إمكان التحرز عن وقوع هذه النجاسات
في آبار الصحراء إلا بحرج ومشقة، لأن الريح تلقي بهذه النجاسات في هذه الآبار دون أن
يحول بينها وبين الوقوع فيها حائل من مبان أو أشجار .
2- الإستحسان بالعرف:
ويتمثل في كل عرف جاء مخالفاً لقياس أو قاعدة ومثال ذلك الحكم بجواز وقف المنقول
الذي جرى بوقفه العرف كوقف الكتب، وآلات الحرب من خيل وسلاح مع أن القاعدة
في الوقف هي التأبيد، وهو إنما يتحقق في العقار دون المنقول، لكن لما جرى عرف الناس
بذلك وفي منعهم منه حرج ومشقة أجيز وقفه استحساناً.
3- الاستحسان بالمصلحة المرسلة
ويتحقق في كل مسألة عدل فيها عن مقتضى القياس إلى حكم آخر للمصلحة الراجحة،
وذلك مثل الأجير المشترك فإنه لا يضمن ما تحت يده من أموال الناس، لأنه أمين، والأمين
لا يضمن إلا بالتعدي ،والتقصير، لكن قضى علي رضي الله عنه بضمانه وهو ما ذهب إليه
كثير من العلماء، نظراً للمصلحة وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع، وهي مصلحة
راجحة لأنها مقصد من مقاصد الشريعة.


حجية الاستحسان
ذهب فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة إلى حجية الاستحسان واعتبار العمل به، فقد نقل
عن الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قوله: "إن العالم بالاستحسان
مع باقي الأدلة يسعه الاجتهاد في كل شيء من أموره، ونقل عن الإمام مالك قوله : "إن الاستحسان تسعة أعشار العلم، وخالف في ذلك الإمام الشافعي فقد نقل عنه قوله: "من استحسن فقد شرع".
استدل الفريق الأول بأن : اضطراد العمل بالقياس أو تعميم الحكم في بعض الوقائع قد يؤدي
إلى تفويت مصلحة الناس والإضرار بهم، فمن العدل والحكمة والتيسير ومراعاة مصلحة
الناس والرحمة بهم الحد من غلو القياس بأن يفتح للمجتهد باب للعدول عن حكم القياس
أو الحكم الكلي إلى حكم آخر يحقق المصلحة ويدفع المفسدة بما يتفق مع أغراض الشرع
الشريف، وما هذا الباب إلا الاستحسان.


وقد ثبت أن الشرع الحكيم عدل في بعض الوقائع عن موجب القياس أو عن تعميم الحكم،
جلباً للمصلحة ودرءاً للمفسدة، كما في إجازة عقد السلم، فإن القياس يقتضي عدم جوازه،
لأن المعقود عليه ،معدوم وبيع المعدوم لا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام الحكيم بن حزام
(لا تبع ما ليس عندك ( لكن الشارع أجازه لمصلحة الناس ويرشد إلى ذلك قول الرسول
صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)،
وكذلك عدل الشارع عن تعميم الحكم في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير فأباحها عند الاضطرار، وما العدول عن موجب القياس أو العموم إلى حكم آخر جلباً للمصلحة ودرءاً للمفسدة إلا الاستحسان


واستدل القائلون بعدم حجية الاستحسان بما يلي:


1- أن الشارع الحكيم بين الأحكام في القرآن أو السنة، وما لم يبينه فيهما فقد ترك
الأمر فيه إلى استنتاجه من القياس عليهما ، قال تعالى : ﴿فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ ﴾ . فإن كان الاستحسان من الكتاب أو السنة فلا داعي إليه، وإن كان خارجاً
عنهما فالواجب طرحه وعدم الالتفات إليه.


2 - الاستحسان لا ضابط له ولا توجد له مقاييس يقاس بها الحق من الباطل، فلو أخذ به
لاختلفت الأحكام في المسألة الواحدة، وهذا يتنافى مع شريعة الإسلام الواضحة السمحة.
والظاهر أن منشأ الاختلاف بين الفريقين هو عدم الاتفاق على معناه، فالذين أنكروه
يريدون به الحكم والتشهي والأهواء، والذين يرون حجيته يريدون به: العدول عن دليل ظاهر
أو عن حكم كلي لدليل اقتضى هذا العدول، ولا يريدون به التشريع بالهوى والتشهي، وهو
بهذا المعنى لا يسع أحد أن ينكر ،حجيته، وما نقل عن الشافعي أنه قال: "من استحسن فقد
شرع " فمعناه أن من استحسن بالهوى فقد شرع ويحتمل أنه أراد بهذه العبارة: أن من
استحسن فقد صار بمنزلة نبي ذي شريعة والعبارة بهذا المعنى تفيد مدح المستحسن، والذي
يدفعنا إلى القول بأن الشافعي - رحمه الله - لا ينكر حجية الاستحسان أنه روي عنه أنه
قال: استحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهماً واستحسن في ثبوت الشفعة للشفيع إلى
ثلاثة أيام، وقال في السارق إذا أخرج يده اليسرى فقطعت القياس أن تقطع يده اليمنى،
واستحسن ألا تقطع، وهذا منه قول بالاستحسان في مقابل القياس ويتضح مما ذكرنا أن الاستحسان بمعناه الاصطلاحي الذي اخترناه لا يخالف أحد في حجيته، وأن محل الإنكار هو الاستحسان المبني على الهوى والتشهي.


. أثر الاستحسان في السياسة الشرعية


إن تطبيق هذه الأنواع الأخيرة من الاستحسان لا يتحقق إلا عندما يؤدي تطبيق القياس أو
القاعدة الكلية إلى حرج أو مشقة في بعض المسائل، فيكون الحل فيها هو العدول عن مقتضى القياس أو القاعدة الكلية إلى قاعدة أخرى ترفع هذا الحرج وتدفع هذه المشقة، وفي
الغالب تكون هذه القاعدة إحدى هذه القواعد الثلاثة
الضرورة، والعرف والمصلحة. وهو ما يعرف بالاستحسان وبهذا يعتبر الاستحسان وسيلة
كبرى من وسائل مجاراة السياسة الشرعية لحاجات الناس المتجددة، عندما يصادفهم أمر
يقتضي تطبيق القياس أو القاعدة عليه وقوع الناس في الحرج والمشقة، فيؤدي الاستحسان
بهذه الأنواع الثلاثة إلى رفع الحرج ودفع المشقة التي هي سمة من سمات التشريع في الشريعة
الأسلامية.


المصدر الرابع: العرف
. تعريفه العرف هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل تكرر مرة بعد أخرى، حتى
تمكن أثره من نفوسهم، واطمأنت إليه طباعهم وصارت تتلقاه عقولهم بالقبول
وليس المراد بالناس في التعريف ،جميعهم وإنما المراد ،جمهورهم كما أن المراد بالجمهور
أصحاب العقول الرشيدة والطباع السليمة، فما استحدثه بعض الناس في أوروبا من إنشاء
مدن للعراة وتعارفوا الإقامة فيها عراة، ليس من العرف الذي نقصده، لأن كشف العورة قبيح
في العادات لا تقبله العقول الرشيدة والطباع السليمة ولابد في تكوّن العرف من تكرار الفعل أو القول عدة مرات حتى ينطبع أثره في النفوس وتطمئن إليه الطباع، فالعرف لا يثبت بمرة أو مرتين، خلافاً لمن زعم ذلك
أقسام العرف باعتبار الصحة والفساد:
ينقسم العرف باعتبار إقرار الشارع له وعدمه إلى ثلاثة أقسام صحيح، وفاسد، ومسكوت عنه


العرف الصحيح هو ما أقره الشارع بورود نص يفيد ،اعتباره، كتشريع تزويج الأيامى بالأكفاء من الرجال، وتشريع وجوب الدية على العاقلة والثابت بهذا العرف يعتبر من الأحكام الفقهية، ولا علاقة له بالأحكام السياسية لورود النصوص به.


العرف الفاسد : هو ما خالف النص، كتعارف بعض المجتمعات بالتعامل بالربا، وتقديم
الخمور في الحفلات الرسمية وخروج النساء متبرجات كاسيات عاريات في مدن بعض البلاد
الإسلامية، فإن هذه الأعراف خارجة عن نطاق السياسة الشرعية، بل عن دائرة الإسلام.


العرف المسكوت عنه وهو العرف الذي لم يرد نص باعتباره أو إلغائه، وهذا العرف هو
المعتبر في باب السياسة الشرعية، الذي تبنى عليه أحكامها. وقد اعتبر جمهور الفقهاء في المذاهب المختلفة هذا العرف واعتبروه أصلاً تبنى عليه الأحكام، إذا كان مطرداً أو غالباً، ووردت عنهم بشأنه عبارات جرت مجرى المبادئ العامة، والقواعد الكلية، مثل قولهم العادة محكمة والثابت بالعرف كالثابت بالنص، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.


أقسام العرف
ينقسم العرف إلى قولي وفعلي، وعام وخاص:
العرف القولي: كتعارف الناس إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، مع أن اللغة تشمل
الاثنين: وإطلاق لفظ الطعام على خصوص البر، وإطلاق لفظ الدابة على خصوص الفرس،
مع أن لفظ الدابة اسم لكل ما يدب على وجه الأرض.


العرف الفعلي: كتعارف الناس على البيع بالتعاطي من غير استخدام صيغة لفظية، وتعجيل
الأجرة قبل استيفاء المنفعة، وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.


العرف العام: الذي اتفق جميع الناس على العمل به في جميع البلاد في زمن من الأزمان
وليس من الضروري في حقيقته أن يشمل الأزمنة السابقة أيضاً، كتعارف الناس على دخول
حمام السوق نظير أجر معين بدون تقدير كمية المياه التي يستهلكها المستحم، ولا المدة التي
يمكثها في الحمام مع أنه لابد في عقد الإجارة من بيان مدة المنفعة، وقدر الماء المستهلك.


العرف الخاص : الذي اتفق الناس على العمل به في بلد من البلاد، أو إقليم من الأقاليم، أو
طائفة من الطوائف، كتعارف أهل مصر على أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته قبل الزفاف
يعتبر هدية وليس جزءاً من المهر.


أدلة اعتبار العرف
1- قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن "الجاهلين" فقد قال المفسرون في معنى
الأمر بالعرف الأمر بما هو معروف للناس مما لا ينكره الشرع.


2- ما رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند امرأة أبي سفيان – عندما
شكت إليه شح زوجها أبي سفيان وبخله خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ١، وسواء
كان هذا القول الكريم قضاء أو فتيا، فقد أباح لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من
مال زوجها ما جرى العرف بمثله وما ألفه الناس في هذا المجال.


3- ما روي عن عبد الله بن مسعود موقوفاً من قوله: (ما رأه المسلمون حسناً فهو عند الله
حسن) .


4- أن الناس قد ألفت ما تعارفوا عليه وفي نزع الناس عما ألفوه واعتادوا عليه حرج ومشقة
والحرج والمشقة مدفوعان بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾


5- أن المتتبع لمذاهب الأئمة المجتهدين يجد فيها الكثير من الأحكام التي بنيت على العرف،
فالإمام مالك من قواعد مذهبه اعتبار عمل أهل المدينة، وهو عرف عملي.
والإمام الشافعي عدل عن بعض الأحكام التي قال بها في بغداد عندما استقر في مصر،
بسبب ما رآه من اختلاف الأعراف والعادات بين البلدين، واصطلح على تسمية آرائه الأولى
بالمذهب القديم، وتسمية آرائه الثانية بالمذهب الجديد.
والحنفية يعتبرون العرف من أكبر قواعد الاستنباط عندهم، فإذا اختلف المتبايعان ولا بينة
لأحدهما، فالقول عندهم لمن يشهد له العرف وإذا اختلف الزوجان على المقدم والمؤخر في
المهر فالحكم عرف البلد في ذلك، ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حكموا بعدم حنثه
بناء على أن العرف لا يسمي السمك لحماً، ومن حلف لا يضع قدمه في دار فلان حنث
بدخوله محمولاً أو راكباً، ولم يحنث بوضع قدمه فقط، بناء على أن العرف في هذه العبارة يراد
به الدخول لا وضع القدم.


ومن أجل اعتبار العرف نجد كثيراً من متأخري الفقهاء يخالفون أئمتهم المتقدمين في بعض
المسائل فقد أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والقيام
بالطاعات، كالأذان والإمامة على خلاف ما كان يراه فقهاء الحنفية القدامى باعتبار أن الطاعات لا يجوز أخذ الأجر عليها، وكانت وجهة المتأخرين في إجازة أخذ الأجر على تعليم
القرآن أنهم رأوا أن معلمي القرآن قد انقطعت عنهم المرتبات التي كانت تدفع إليهم من
بيت المال في الزمن الماضي، وأصبح العرف في زمن المتأخرين يقضي بعدم إعطائهم شيئاً من
بيت المال بسبب خراب بيت المال أحياناً، وخراب ذمم القائمين عليه وانحرافهم أحياناً
أخرى، فأقدم المتأخرون على الفتوى بجواز أخذ الأجرة على تعليمه، خوفاً من انصراف
المعلمين إلى كسب معاشهم عن طريق آخر، فيضيع القرآن بسبب ذلك. ومثل هذا الخلاف هو الذي قال الفقهاء فيه : إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان ولذا يعتبر كل منها صحيحاً في عصره الذي وقع فيه، على الرغم من الاختلاف الواقع في المسألة الواحدة، لأنه كما ذكرنا - ليس مبنياً على اختلاف الحجج والأدلة، بل على تغير العرف بتغير الزمان.


أثر هذه المصادر في قيام السياسة الشرعية


هذه أهم الأصول والأسس التي تقوم عليها السياسة الشرعية، وبها يستطيع الحكام وولاة
الأمور أن يسوسوا بها الأمة فيما لا نص على حكمه من الوقائع المتجددة، وأن يواجهوا بها
المشاكل المتعددة التي تصادفهم فيجدون في ظلها الحلول التي تمكنهم من سياسة الأمة
سياسة صالحة، إذ هي أسس تستند إلى الأدلة الشرعية - كما قدمنا – ولها من المرونة ما
يحقق مصلحة الحكام والمحكومين في كل وقت من غير أن يشعروا بالحاجة إلى قوانين أخرى
من صنع البشر، إذا روعي في تطبيق هذه الأسس وبناء الأحكام عليها ما قرره الفقهاء لها
من شروط وأحكام شرعية.


ونختم كلامنا عن الأصول التي تقوم عليها السياسة الشرعية بالإشارة إلى أن الفقهاء قصدوا
بأحكام السياسة الشرعية: التوسعة على الحكام نظراً إلى أنهم قد ابتلوا بالتطبيق الفعلي
للأحكام الشرعية على الأفراد والجماعات، ومن ابتلى بهذه الأمور قد تصادفه عقبات كثيرة
لا سبيل إلى حلها إلا بالتوسعة عليه في ظل الشريعة بما تضمنته من أصول عامة، وقواعد
كلية تحقق المصلحة والرفاهية للأفراد والجماعات يرشد إلى ذلك أن الترجيح في مسائل
القضاء وتوابعه في الفقه الحنفي لرأي الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، لأنه ابتلي بتولي
القضاء، وشغل به زمناً طويلاً، وذلك لأن التطبيق العملي تتولد منه مشاكل تتطلب حلولاً تغنينا
هي في ظل الشريعة، وهذه الحلول تقتضي الخروج عن الدائرة النظرية إلى ما هو أوسع وأرحب
منها، طبقاً لروح الشريعة وقواعدها الكلية، وهذا هو ما تكفلت به السياسة الشرعية، التي
والأحكام الفقهية عن الالتجاء إلى القوانين الوضعية بسبب ما في السياسة والفقه
كمال، يحقق مصالح العباد ورفاهية العالم وسعادته وصدق الله إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فالحمد لله تعالى
ة


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

12 نموذج العقد ...

12 نموذج العقد • يلزم المكاتب بالموافقة على الشروط والأحكام المدرجة بالعقد • اصدار عقد تلقائي من ا...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

مقدمة يُعتبر ا...

مقدمة يُعتبر القانون الدولي العام الهيكل القواعدي والنظمي الذي يحكم العلاقات بين ذوات الشخصية الدول...

ב. דיסגרפיה (Dy...

ב. דיסגרפיה (Dysgraphia) דיסגרפיה היא הפרעה שבה עיבוד חזותי-מוטורי וארגון שפתי משפיעים על ההבעה בכתב...

0:22 okay today...

0:22 okay today we're going to talk about 0:24 carb cycling 0:25 what it is how it works why it work...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

أخبار التقنية