لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (19%)

وتعكس القيم الأخلاقية في تمظهراتها حقائق أسمى تتصل لا فقط بما ينبغي وما لا ينبغي بل بما هو الأحسن كوناً وتحققاً في عالم الوجود ـ ولو الانساني ـ بمعنى من المعاني. أي ان ثمة تصورٌ بأن القيم الاخلاقية للعالِم ـ أي عالِم ـ قيمٌ تتصل بمرحلة بعدية ثانوية لمرحلة عالِميته وفكره وتأملاته، وينجم عن ذلك القول بأن إصلاح مناهجنا المعرفية وانماط تفكيرنا أمرٌ مرهون إلى حد معين بإصلاح اخلاقياتنا البحثية، فما لم نسع لاصلاح تلك الاخلاقيات فإن اصلاح معرفياتنا سيكون أمراً مشوباً بشيء من الخطر. فما لم نحز ـ وهو امرٌ ليس بهذه السهولة ـ على شخصية تتمتع بميزات اخلاقية تمس البحث العلمي فلن نقدر على تحصيل أكبر عدد من ضمانات الصحة والصواب في هذا البحث. وعندما يعنون هذا المقال بعنوان “أخلاقيات البحث العلمي” فإن في العنوان عدة اشارات مقصودة:
ويفترض ان يتحلى بها كل باحث بعيداً عن توجهه وقناعاته واهتماماته. رية ظاهرة عامة وواسعة في زماننا وما قبل زماننا أيضاً، فهناك مؤلفات مستقلة ينسبها اصحابها الى انفسهم فيما ترجع هذه المؤلفات الى مؤلفين آخرين، ولو أنها عبارة عن اجزاء مقتطفة من كتب عدة جرت اضافة شكلية عليها لتغيير مظهرها الأولي، لكن ذلك لا يعني إتهام الكتّاب بعدم تقدير الملكيات الفكرية لمجرّد تشابه فكرتهم مع فكرة أخرى، وهو ما ربما يعده البعض اليوم بمثابة تجميع لا فائدة منه، ومن هنا يمكن أن يلاحظ على بعض حركات الترجمة التي تحصل سيما ما بين اللغة الفارسية والعربية، فيما الامر ليس كذلك، إن التسامح في نقل وفهم أفكار الآخرين له مردودات سلبية، فإن البحث الأمين يستدعي التعامل مع الفكرة دون نظر إلى حجم تأثيرها وشعبيتها اذا ما كان الهدف هو الحقيقة النظرية، وهذا معناه أن الموقف من شخص معين أو تيار معين أو فئة معينة لا ينبغي ان يكون اساساً في الحكم على فكره أو رأيه في قضية هنا أو هناك، فإن ذلك نوع من إقحام العناصر النفسية والذاتية في الجهد العلمي والتحقيقي، أو الحكم السلبي عليهم أو الايجابي بصورة مسبقة. واذا ابتعدنا عن كلمة صالح حتى ننىء بأنفسنا عن المفهوم النفسي والخلقي يمكن القول السلف المصيب والسلف غير المصيب، ونفس تلك الشخصية تصبح فيما بعد ـ لو تصدّت لتقديم شيء ثقافي ـ أحد الذين يمارسون الاستبداد والقمع… لان الاستبداد افضل وسيلة لتهدئتها نفسياً. ان هناك مشكلة ثنائية الطرف تعاني منها بعض الساحات الثقافيةٍ وهي مشكلة أهلية البحث، لان الخلل المنهجي أو ما يسمّى اليوم الخلل في العقل نفسه لا يمكن اصلاحه بترميم فوقاني للفكر مهما طالت مدة البحث ومهما عمّر الانسان عمره في الدراسة والتحقيق. لان كلامنا هنا يدور حول خصوصية من خصوصيات هذا التيار إلا وهي ان بعض روّاده وبعض المشتغلين فيه لم يهضموا جيداً اصول وموضوعات الفكر الديني واتسمت نتاجاتهم بشيء من التسرع، فكيف يحقّ لشخص ان يلغي كل نتاج علم اصول الفقه على صعيد مباحث الالفاظ (حتى لوكان رأيه صحيحاً) ما لم يكن انساناً هاضماً خبيراً بهذا العلم حتى يقف على مناهجه واساليبه في البحث وعلى تياراته ومدارسه و…؟! إن مجرّد قراءة كتاب أو كتابين لا يبرّر عادةً ـ على المستوى الاخلاقي العلمي وعلى المستوى المعرفي أيضاً ـ التصدّي لاتخاذ مواقف كبيرة من هذا القبيل، إن هذه اللاأكاديمية في البحث العلمي وهذه الارتجالية في استخلاص النتائج تجر على الجسم الثقافي العام الكثير من النتائج الضارّة، ولم يكن يحق له أن ينقد هذا العقل دون أن يدرسه ماراً بالمدارس الفقهية والكلامية والفلسفية وغيرها، ويضيف هؤلاء إن السير لا وفق المنهج المعهود في المدارس الدينية أفضى وما يزال إلى مخاطر عديدة وقد شاهدنا بأعيننا النتائج السلبية لهذا الأمر. وهذا المقدار مما تثيره المعاهد الدينية الرسمية يمكن الموافقة عليه، وأخذ الدارسون الرسميون ـ طبعاً نحن نتكلم عن البعض بالتأكيد والكلام ليس شاملاً أبداً ـ يتصوّرون أن كل من يكتب أو يتكلم في مجال المعرفة الدينية دون ان يكون متحركاً في إطار السلك الرسمي فهو معتدٍ ـ علمياً ـ ويتدخل فيما لا يعنيه وانه متأثر بالافكار الغربية أو أنه لا أصالة في فكره أو … وساد اعتقاد بلامشروعية التفكير أيُّ تفكير لا ينطلق من الخطوط والرسوم الكلاسيكية لتسلب بعد ذلك القيمة عنه والاحترام. وربما تطوّر الامر لدى البعض الى مستوى أعلى حين يضع اللباس الديني كجزءٍ مكوّن للمشروعية البحثية بحيث لا يحق لمن لا يضع هذا اللباس أن يتكلم باسم الدين والتدين مهما بلغ من العلم بل والايمان… أو انه لا يحق له ـ حتى لو كان ملبساً بلباس رجل الدين ـ البتّ في شيء والتصدّي له ما لم يصل الى سنّ معينة بحيث يمكن عدّه مخضرماً حينئذٍ. وانما نتكلم عن الحق المعرفي الذي ينتج امكانية احترام الطرف الآخر معرفياً، وهي طبقية يحتاج البحث حولها وحول مبرراتها العقلية والدينية الى مجال أوسع. وقد كثرت الافكار والآراء حول هذه الظاهرة، ودرسها الباحثون من زوايا متعدّدة، وليس هناك تيار ينادي بنظرة واحدة إلى العنف أي عدمت قسيمه الى عنف مشروع ومقونن وعنف غير مشروع وغير اخلاقي ولا قانوني، فمن ناحية نفسية وسلوكية هناك اشخاص يفكرون بطريقة عنيفة وهناك بعض آخر يفكر بهدوء وببرودة أعصاب، أي الشخصية ذات التفكير الهادىء… إن هذه الشخصية ليست أمراً ثابتاً أو من المفترض أن يتحلّى به جميع الناس، أي هل نتحدث عن ازمنة فنقول إن هذا العصر يتطلب نمطاً من التفكير أما ذاك فيتطلب نمطاً آخر؟ أم نجعل التوزيع قائماً على اساس تصنيفي بين الناس بحيث نتحدث عن شريحة يملكها نمط تفكير أو فئة فيما شريحة اخرى تحكمها طريقة أخرى؟… نجعل في شخصية كل انسان اكثر من شخصية دفعةً واحدة يستبدل إحداها بالاخرى عندما يتحقق موضوع كل طريقة وظرفها؟… أم نترك الامور على رسلها تتحكم فيها التنوّعات الطبيعية في شخصيات الناس التي تختلف باختلاف الوراثة والبيئة و…؟ بحسب العرض المتقدّم، ينفتح هذا الموضوع على اكثر من صورة وشكل، ب ـ البحث العلمي داخل الدائرة الاسلامية من المطلوب ان تحكمه حالة الهدوء والتفاهم والاستقرار، هذه القاعدة حسبما يفهم من النص القرآني لا يخرج عنها سوى في حالة الصراع السياسي المتمثل في مفهوم البغي الذي يستدعي اثارة الهيجان في الدائرة الاسلامية ككل، 6 ـ النظر بعين ناقدة للنتاج الشخصي / التواضع العلمي : ثمة قصص ومقولات مسجلة أو تتناقل شفاهاً أن بعض العلماء السابقين أوبعض المعاصرين يحجم عادةً عن نشر كتبه ومؤلفاته، إن الشعور الدائم بالنقد الذاتي ـ وكذلك تقبل النقد الموضوعي من طرف الآخرين ـ يشكل ضمانةً هامة لديمومة الرقي والارتفاع المعرفي، إن نقد الذات القائم على اعتقاد حقيقي مسبق بمكانتها الواقعية المحدودة في المعرفة، اما الاعتقاد بالخطأ في الذات وممارسة العصمة فيها فهو مفارقة تجر الكثير من السلبيات. وهذه المشكلة ـ التكبّر وخوف النقد وإعادة النظر ـ تظهر في كلمات الباحثين كثيراً وبأساليب متعدّدة أحدها تعقيد العبارات اللفظية ومحاولة ابهام الافكار على الآخرين (طبعاً ليس الامر على نحو الموجبة الكلية بالتأكيد)، سابقاً كان شعار العلمية ان تستخدم تعابير الفلسفة والاصول أما اليوم فتعابير جديدة مشكلة بعضها انها لم تدخل بصورة رسميّة المعاجم الجديدة الى حد بلغت فيه الحال ان كل كاتب صارت له مصطلحات خاصة.


النص الأصلي

تمتدّ القيم الاخلاقية إلى كافة مرافق الحياة لتحكمها بدرجة من الدرجات وتوجّهها نحو رشدها وصوابها وتعيدها إلى طريقها القويم المرسوم وفقاً للسنّة والفطرة، وتعكس القيم الأخلاقية في تمظهراتها حقائق أسمى تتصل لا فقط بما ينبغي وما لا ينبغي بل بما هو الأحسن كوناً وتحققاً في عالم الوجود ـ ولو الانساني ـ بمعنى من المعاني. وتمتدّ درجة تأثيرات القيم والمثل الأخلاقية الى مجالات في الحياة تلعب هذه المثل دور الاسهام في إصابتها وحقانيتها، ومن هنا لم تنحصر الاخلاق بالبعد الاجتماعي بل شملت أبعاداً أخرى أيضاً.


وواحدٌ من هذه الابعاد، البعد العلمي، إذ أن التصوّر السائد لدى البعض يقضي بوجود قيم اخلاقية تتصل بالحياة العلمية دون أن يجري فهم كيف تؤثر هذه القيم في ترشيد المعرفة نفسها، أي ان ثمة تصورٌ بأن القيم الاخلاقية للعالِم ـ أي عالِم ـ قيمٌ تتصل بمرحلة بعدية ثانوية لمرحلة عالِميته وفكره وتأملاته، فالعالم في مختبره أو بين كتبه ودفاتره يخضع لقوانين معرفية عليه ان يطبقها حتى ينجح في الوصول إلى نتائج سليمة، أما الأخلاق فهي مسائل اجتماعية يتعاطاها هذا العالِم بعد خروجه من المختبر أو عقب طيّه لكتبه ودفاتره فيما بينه وبين الآخرين، ولهذا نجد أن أكثر محتويات كتب الاخلاق العلمية تصبّ اهتمامها ـ في الغالب ـ على علاقات تقع خارج دائرة البحث العلمي نفسه، أي في علاقة الاستاذ بتلميذه أو التلميذ مع استاذه أو . وهذا يعني ان القيم الاخلاقية ـ وكما تشير إليه أيضاً نصوصنا الدينية ـ ليست معزولةً عن النشاط المعرفي من حيث هو نشاط معرفي، وينجم عن ذلك القول بأن إصلاح مناهجنا المعرفية وانماط تفكيرنا أمرٌ مرهون إلى حد معين بإصلاح اخلاقياتنا البحثية، فما لم نسع لاصلاح تلك الاخلاقيات فإن اصلاح معرفياتنا سيكون أمراً مشوباً بشيء من الخطر.


إن السلبيات الاخلاقية تمثل موانع امام ترشيد نشاطنا الذهني سيما في الدائرة الدينية، فما لم نحز ـ وهو امرٌ ليس بهذه السهولة ـ على شخصية تتمتع بميزات اخلاقية تمس البحث العلمي فلن نقدر على تحصيل أكبر عدد من ضمانات الصحة والصواب في هذا البحث.


ولا نقصد بالبحث العلمي خصوص تلك الحالة المعهودة لباحث، ذلك أن كل انسان مطلع يمكن ان يتمثل شخصية باحث علمي، فليس المقصود بالباحث المجتهد أو أستاذ الجامعة أو المفكر أو المنظّر أو… فحسب بل حتى عموم طلبة الحوزات والمعاهد والجامعات الدينية وكافة الجامعيين العاملين في مختلف الاختصاصات، وربما ما هو أوسع من ذلك أحياناً كثيرة. وعندما يعنون هذا المقال بعنوان “أخلاقيات البحث العلمي” فإن في العنوان عدة اشارات مقصودة:


احدها: ان هذه الاخلاقيات نابعة من وصف الباحث وكما كانوا يقولون قديماً إن الوصف مشعرٌ بالعلّية أي ان عنوان البحث والباحث يستدعي ـ في اعتقاد كاتب هذه السطور ـ سلسلة من الاخلاقيات، تماماً كما نقول أخلاق الإيمان واخلاق المؤمن حيث نعني ان ايمان المؤمن يتطلّب منه اخلاقاً خاصةً ويدفعه لتحقيقها.


وثانيها: لم نخصص البحث بوصف الديني أو غيره، قناعةً بأن هذه الاخلاقيات ـ في الأغلب كما سنلاحظ ـ تعود لسمة البحث العلمي مهما كان، ويفترض ان يتحلى بها كل باحث بعيداً عن توجهه وقناعاته واهتماماته. * القيم الاخلاقية للبحث العلمي


نشير إلى بعض من القيم الاخلاقية للبحث العلمي على الشكل التالي:


1 ـ الأمانة العلمية : من أهم اخلاقيات البحث العلمي، الامانة العلمية، ولهذه الامانة مظاهر عديدة ابرزها:


أ ـ احترام الملكية الفكرية للآخرين : اذ أن ما يسميه البعض ظاهرة السرقة.رية ظاهرة عامة وواسعة في زماننا وما قبل زماننا أيضاً، فإذا ما راجعنا الكتب القديمة مثلاً سنجد ان هناك الكثير من النصوص واحياناً الصفحات ينقلها المؤلفون عن بعضهم البعض دون أن يشيروا الى ان هذه النصوص أو المقاطع أو الآراء ليست من ابتكارهم وانما أخذوها عن غيرهم، وهو ما يوحي أوّلياً للمطالع غير الواسع التتبع بملكية هذا المؤلف لهذه الفكرة والحال انها ملكٌ لغيره، وهكذا الحال في زماننا المعاصر ولعله اكثر من الماضي، فهناك مؤلفات مستقلة ينسبها اصحابها الى انفسهم فيما ترجع هذه المؤلفات الى مؤلفين آخرين، ولو أنها عبارة عن اجزاء مقتطفة من كتب عدة جرت اضافة شكلية عليها لتغيير مظهرها الأولي، بل يوحي الكثير من الاساتذة في المعاهد العلمية إلى تلاميذهم أنهم أصحاب فكرة معينة والحال أنهم قد حازوا عليها من مصادر اخرى لم يطلع التلاميذ عليها بعدُ أو من كتب ومخطوطات لم تصل الى أيديهم.


ان احترام الملكيات الفكرية والابداعية للناس ـ وبعيداً عن الجدل الإسلامي الفقهي في هذا الموضوع ـ صار ضرورةً أخلاقية ماسّة تسقط متجاهلها نفسه عن الاعتبار فيما بعد وتصيّره كإنسان يتاجر بأفكار وجهود الآخرين ولو بطريقته الخاصة سيما وان تطور وسائل المعلومات والاتصال قد سهل من كشف مثل هذه التصرفات لكثير من الناس، ومن هنا تمس الحاجة إلى اشاعة ثقافة التوثيق سيما في المعاهد الدينية التي لم تعتد سابقاً ـ كالمناخ الفكري العام قديماً ـ على هذه الظاهرة، فكلما نقل الباحث شيئاً عن باحث آخر وكانت فكرة الثاني مستمدة من الاول فمقتض اخلاقية الامانة العلمية توثيق المصدر بالدقة تحرزاً عن التورّط في منافيات أخلاقية.


لكن ذلك لا يعني إتهام الكتّاب بعدم تقدير الملكيات الفكرية لمجرّد تشابه فكرتهم مع فكرة أخرى، لأن تشابه الأفكار أمرٌ كثير الوقوع، ومن سوء الظن التسرّع في الحكم في أمثال هذه الموارد.


ب ـ الدقة في نقل أفكار الآخرين : لقد تميز بعض الفقهاء بدقته العالية في ضبط الآراء والأقوال لدرجة أنهم كانوا يميزون الاقوال بعبارة دقيقة جداً، فإذا أرادوا نقل كلام لفقيه يقول “الانسب كذا كذا” لا يعبرون بكلمة “قوّاه” و… بل يأخذون تعابير تطابق موقفه ودرجته كقولهم استنسبه وهكذا يقولون قوّاه اذا قال على الاقوى، واستجوده إذا قال “الأجود كذا…” و… بل بلغت بهم الدقة أحياناً إلى حدّ تحديد المواضع التي اختار فيها هذا القول، فلو كان له كلامان حول شرطية معلومية العوضين احدهما في كتاب البيع وثانيهما في كتاب الإجارة قالوا ذهب إليه في إجارته ولم يقولوا مطلقاً أو سكتوا بما يوحي أن له موقفاً واحداً، وهذا ما يفعلونه مع كتبه فيقولون اختاره الطوسي في خلافه وعدل عنه في مبسوطه واقتصاده… وتعدّ مسألة الدقّة في نقل أو بيان أقوال الآخرين قضية حساسة جداً، فقد حصل أن ميّز الأصوليون المتأخرون تقريرات بعض العلماء ممن سبقوهم، فقالوا هذا التقرير لدروس الميرزا النائيني أدق من ذاك التقرير، وتمّ استخدام تعابير تفيد ان هذا القول لعله من اشتباه المقرِّر لا المقرَّر له وهكذا… وهذا التدقيق تطوّر أكثر فأكثر إلى حد نقل النصوص الحرفية لمن سبقهم من العلماء، كما هو الحال مع الشيخ الانصاري (قده) وغيره، وهو ما ربما يعده البعض اليوم بمثابة تجميع لا فائدة منه،إن التدقيق في مواقف العلماء والمفكرين من أي اتجاه أو مذهب أو دين أو مدرسة كانوا صار اليوم علامة الباحث الدقيق والمنصف، بل لم يعد يقتصر هذا الامر على موردٍ واحدٍ من الموارد التي أثار فيها هذا العالم أو المفكّر هذه النقطة بل صار لابُدّ من إطلالة على مختلف مصادره ومنابعه أحياناً، سيما إذا كان الموضوع في غاية الحساسية تماماً كما يراه بعض الباحثين المعاصرين.نسبة القول بتحريف القرآن الى الفيض الكاشاني انطلاقاً مما جاء في سلسلة مقدّمات كتابه التفسيري الروائي، الصافي، حيث إن مراجعة بعض ما ذكره حول هذا الموضوع في كتابه “علم اليقين” يفيد في التعرّف على موقفه بدقّة أكبر حتى لا يجري نسبة القول بالتحريف إليه اعتماداً على نصٍّ واحد مع تجاهل نصوصه الاخرى في المصادر الأخرى كما فعله بعض الناقدين من أهل السنة، ومن هنا يمكن أن يلاحظ على بعض حركات الترجمة التي تحصل سيما ما بين اللغة الفارسية والعربية، حيث يقوم بعض المترجمين بتطعيم ترجمته بما يؤدي إلى اضافة مطالب أو حذف أمور قد يعتقد هو انها هامشية، فيما الامر ليس كذلك، سيما اذا كان مصبّ الترجمة شخصيات بارزة يمكن ان تقع محلاً لدراسة وقراءة الباحثين فيما بعد.


إن التسامح في نقل وفهم أفكار الآخرين له مردودات سلبية، وربما تكون احد اسبابه العجلة واللاتروّي في دراسة الامور وتهيئة المقدّمات أو اللامنهجية في ورود الابحاث واستخدام القلم، الامر الذي يحصل مع بعض الكتّاب حينما يعمد إلى تأليف كتاب أو مقالة دونما اعتماد على ما يسمونه بمنطق تنظيم البطاقات التي تجمع المصادر بدقة وعناية، فنسبة الافكار بطريقة مشوّشة يؤدي إلى العديد من المخاطر العلمية ولا فرق فيه بين عالم أو باحث وبين آخر، فبعض الباحثين كثير التشدّد في تحديد مواقف بعض المفكّرين فيما يتساهل في آراء مفكرّين آخرين ويكتفي لنسبة قولٍ اليهم بنقل القيل عن القال، وهو أمرٌ يحتوي على نوع من الانتقائية غير المبرّرة في كثير من الحالات.


2 ـ الأفكار أو الأشخاص : يتعاطى البحث العلمي الافكار والمعلومات مادةً له، أما الأشخاص فلا علاقة لهم بهذا البحث في غالب الموارد والحالات، وهذا معناه أن البحث العلمي لا يدخل في جدال مع الأسماء والأشخاص بقدر ما تعنيه الأفكار نفسها، فبقطع النظر عن مدى التأييد الذي تحظى به فكرةٌ ما أو مدى الرفض والتقريع الذي تعاني منه فكرة اخرى على المستوى الاجتماعي والثقافي الرسمي أو السياسي أو. فإن البحث الأمين يستدعي التعامل مع الفكرة دون نظر إلى حجم تأثيرها وشعبيتها اذا ما كان الهدف هو الحقيقة النظرية، وهذا معناه أن الموقف من شخص معين أو تيار معين أو فئة معينة لا ينبغي ان يكون اساساً في الحكم على فكره أو رأيه في قضية هنا أو هناك، فإن ذلك نوع من إقحام العناصر النفسية والذاتية في الجهد العلمي والتحقيقي، وهو ما يدفع الباحث ـ لا شعورياً ـ إلى التأثر النفسي من هذا الأمر، وهذا ما يدفع بالعديد من الباحثين إلى تأييد فكرةٍ لمجرّد أن فلاناً من الناس قد نطق بها وبقطع النظر عن مدى امتلاك الذي يؤيد هذه الفكرة ادلة كافية على الاقتناع بها وهو ما يمثل نوعاً من الاستلاب غير المبرّر، بل قد يحصل لدى بعض الناس ان يرفضوا فكرةً معينةً لكن عندما ينطق بها شخصٌ من الاشخاص يقدّرونه أو يحترمونه أو يقدّسونه يتحوّلون عن موقفهم السابق وبسرعة لا تكاد تكون مفهومة في بعض الاحيان، والعكس هو الصحيح فكثيراً ما تكون فكرةٌ ما محلاً لقبول الشخص الباحث أو الناظر لكن وبمجرّد ان يتبناها شخصٌ أو اتجاه يسرع الى رفضها والتنكّر لها.. وهذا كله يعبّر في الساحة العلمية عن واقع مأزوم تتحكم فيه الشخصيات أو الفئويات اكثر مما تحكمه الافكار أو الرؤى أو التطلعات، إن الثقافة القرآنية ـ على ما يفهمه الكاتب ـ ترفض ظاهرة التقليد، وهي ظاهرة تشلّ حركة الانسان عن رؤية الحق وتجعله احياناً مصداقاً لقـوله تعالى: (وأكثـرهم للحق كارهون(، والرفض القرآني للتقليد وفق هذا الفهم ليس رفضاً جزئياً وانما هو تأسيس لأصالة الفكر والعقلانية، أو بعبارة اخرى تأسيس لنوع من أصالة السعي الفردي لكشف الحقيقة والاهتداء إليها، وهي أصالة لها مداليلها ولها عواقبها ولوازمها التي لابد من الأخذ بأكثرها إن لم نقل بجميعها كي لا نقع بتناقض ذاتي، ومن هنا فإن الثقافة القرآنية ثقافة ترفض الآباء الذين يعبرون عن منهج خاطىء وتقبل بالآباء الذين يعبرون عن منهج سليم، وهذا معناه ضرورة السعي في المرحلة الاسبق لتحديد الصحة والخطأ، وتبعاً له تحديد ان الآباء ما هي طبيعة الموقف منهم، لا اعتبارهم اساساً لتحديد الباطل والحق، أو الحكم السلبي عليهم أو الايجابي بصورة مسبقة. إن اللاتقليد للآباء تعبير آخر عن اللاتقليد للمحيط وللسلف، وكسرٌ لمركّب السلف والصالح، لاعادة انتاج ثنائيتين جديدتين هما السلف الصالح والسلف غير الصالح، واذا ابتعدنا عن كلمة صالح حتى ننىء بأنفسنا عن المفهوم النفسي والخلقي يمكن القول السلف المصيب والسلف غير المصيب، لا ثنائية واحدة جدلية بين الاصابة والسلفية أو احادية تبدأ من السلفية وتنتهي بالاصابة. وما قلناه تعبير آخر عن استبعاد علمي ومدروس للاشخاص عند دراسة الافكار في مرحلة التقييم النهائي. لكن هذا الامر، لا يعني ـ كما هو الحاصل لدى البعض ـ نوعاً من ردة الفعل إزاء الاشخاص أو السلف أو التاريخ أو … ومحاولة للافتخار بنقد السلف وكأن نقد السلف والمشهور تحوّل لدى هذا البعض إلى علامة افتخار أو مؤشرٍ علميٍ للتطور والتخلّف إلى درجة ان البعض صار يشعر بعيب موافقة الماضين أو الشخصيات، ويشعر أيضاً بذاته وكيانه ووجوده عندما ينقدهم أو يفند جهودهم كلاً أو جُلاً أو بعضاً. ان هذه المشاعر والاحاسيس التي تغرق بها الساحة الثقافية تشل اخلاقيات البحث العلمي، وتبقي الحركة الثقافية في نوع من الجداليات التي غالباً ما تعبّر عن دوامات لا مآل لها.


3 ـ الهدف الأخلاقي للبحث العلمي : غرق علم الكلام في النزعة الجدالية التي استنزفته، فيما سعت الفلسفة ـ وفقت أو لم توفق ـ إلى تفادي هذه النزعة بطرحها البرهانية الفلسفية اساساً للنشاط أو الفعالية، وهذا الفارق مابين الفلسفة والكلام هو بعينه واحدة من مشكلات البحث العلمي، إننا نجد أحياناً ان بعض الباحثين لا مشروع لديه سوى النقد سواء كان نقداً لاشخاص أو لتاريخ… وهو يعمل ليلاً نهاراً مخلصاً وجاداً في نشاط النقد هذا، وهدفه تفنيد هذا الشخص أو ذاك التاريخ، وهذا النشاط في حدّ نفسه مفيد جداً، لأن العقلية النّقادة عقلية ناضجة بالاساس ولا ينبغي الحيلولة دون وجود هذه العقلية في المجتمع الثقافي، لانها تمثل احد ضمانات التوازن المعرفي، لكن المشكلة التي تحصل تكمن في تحوّل هذه العقلية الى مشروع شامل لا يقف الى جنبه مشروع آخر، فالفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت صاحب ربما أشهر مدرسة نقدية في تاريخ الفلسفة لم يكتفِ بنقد العقل ومن ثم ابقى الفكر في اللاشيء أو في الفراغ، وانما سعى ـ الى جانب ذلك ـ لايجاد البديل ولو وفق وجهة نظره التي يحق لمن بعده تأييده عليها أو رفضه، أن تملِكُنا عقلية نقدية فهذا خطر اما ان نملك عقلية نقدية فهذا عين الصواب بل والضرورة، إن بعض الباحثين المعاصرين لا يستهدف من نقده للتراث غير تفنيده، واذا ما فتّشت في كتبه ونتاجاته عن بديل ما ربما يصعب ان تجد شيئاً من هذا القبيل، وهذه هي نقطة الخطأ، ان لا يعتاد الباحث ـ أي باحث ـ على مجرد ان ينقد فحسب… أن ينقد كل جديد أو فكرة جديدة دون أن تكون له وظيفة أخرى عدا تتبّع كل ما يقال من جانب فلان أو جماعة أو مذهب… بغية نقده، او ان ينقد القديم كل قديم بحيث لا همّ له سوى مواصلة الجهد لتنحية هذه المقولة أو تلك… إلى حد يصل الحال الى أن يقرأ هؤلاء أي كتاب أو مقالة بعقلية يسميها الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه دوائر الخوف “استراتيجية البحث عن العفريت”,الهدف الصحيح لحركة البحث العلمي يجب أن يكون الحقيقة، فعندما يشاهد الباحث فكرةً خاطئة عليه أن ينقدها، لكن أن لا يبقى في نقدها.. بل عليه ان يسير إلى الامام لوضع حل أو صيغة أو بديل آخر لها كما هي عادة علمائنا سيما في علم الاصول حيث يتعرّضون للآراء واحداً بعد الآخر ثم ينقدونها، وفي النهاية يقومون بتبني رأي معين والدفاع عنه أو ابتكار رأي جديد والبرهنة عليه، لا أنهم يبقون دائماً في إطار نقد الآراء التي لا يؤمنون بها.


ان هدف الباحث معرفة الحقيقة واتباعها وهو امرٌ قد يجعله يمر احياناً على نقد وأخرى على تدعيم وثالثة على تأسيس ورابعة على تأييد وموافقة وهكذا دون ان يبقي نفسه في أسار النقد ويصنع من ذاته شخصية نقادة، وفقط نقّاده، سواء لهذا الطرف أو لذاك لا فرق.


ان النقد ـ من الناحية العلمية ـ اسهل من إعادة الانتاج والبناء، والشخصيات النقادة وفقط النقادة كثيراً ما تكون شخصيات خائفة ومحجمة، والسبب هو ان هذه الشخصيات تظن ان كل الناس تفكر على طريقتها في النقد، فلا تتصور أو تترقب إذا ما قدّمت شيئاً سوى النقد في عقول الآخرين لافكارها وانجازاتها، لهذا فهي تشعر دائماً بحالة من الاحباط والقلق وربما الهزيمة، ونفس تلك الشخصية تصبح فيما بعد ـ لو تصدّت لتقديم شيء ثقافي ـ أحد الذين يمارسون الاستبداد والقمع… لان الاستبداد افضل وسيلة لتهدئتها نفسياً.


4 ـ أهلية البحث العلمي : موضوع أهلية البحث العلمي موضوع طويل ومتشابك الى حد معين، لكننا سنشير الى بعض نقاطه باختصار. ان هناك مشكلة ثنائية الطرف تعاني منها بعض الساحات الثقافيةٍ وهي مشكلة أهلية البحث، فمن جهة هناك حالة من تدخل الذين قد لا تكون لهم أهلية البحث العلمي (خصوصاً الديني) في مباحث الفكر الديني، وهناك من جهة أخرى تشدّداً زائداً عن الحد من جانب آخر، ويمثل الجانب الاول تيار التجديد وكذلك شريحة من الجامعيين المتدينين المثقفين وشريحة محدودة من طلاب العلوم الدينية في الحوزات العلمية، اما الجانب الثاني فيمثله التيار الرسمي الديني. يقول الاتجاه الأوّل ان التيار الكلاسيكي في المعرفة الدينية المتمثل بالمعاهد والحوزات الدينية الشيعية والسنية أخفق في تقديم مشروع فكري ناضج ومتكامل، ولهذا فمن حقنا نقده ومن ثم السعي لصنع شيء بديل من هذا القبيل، وقد نمى هذا التيار وازداد نموّه في الفترة الاخيرة حتى نجح في صنع روّاد ومفكرين اساسيين وهامين انسحبوا من السلك الرسمي او كانوا من البداية قريبين منه… وفي الحقيقة هناك مبررات ـ قسمٌ منها مقبول ـ جعلت أو أنشأت هذا التيار الرافض لما يسمى باحتكار المعرفة الدينية من جانب شريحة من الناس قد تكون اسس تفكيرها خاطئة مهما بذلت جهوداً في البحث والتنقيب، لان الخلل المنهجي أو ما يسمّى اليوم الخلل في العقل نفسه لا يمكن اصلاحه بترميم فوقاني للفكر مهما طالت مدة البحث ومهما عمّر الانسان عمره في الدراسة والتحقيق.


طبعاً، نحن لسنا بصدد الحديث عن وجهة النظر هذه، لان كلامنا هنا يدور حول خصوصية من خصوصيات هذا التيار إلا وهي ان بعض روّاده وبعض المشتغلين فيه لم يهضموا جيداً اصول وموضوعات الفكر الديني واتسمت نتاجاتهم بشيء من التسرع، فكيف يحقّ لشخص ان يلغي كل نتاج علم اصول الفقه على صعيد مباحث الالفاظ (حتى لوكان رأيه صحيحاً) ما لم يكن انساناً هاضماً خبيراً بهذا العلم حتى يقف على مناهجه واساليبه في البحث وعلى تياراته ومدارسه و…؟! إن مجرّد قراءة كتاب أو كتابين لا يبرّر عادةً ـ على المستوى الاخلاقي العلمي وعلى المستوى المعرفي أيضاً ـ التصدّي لاتخاذ مواقف كبيرة من هذا القبيل، إن هذه اللاأكاديمية في البحث العلمي وهذه الارتجالية في استخلاص النتائج تجر على الجسم الثقافي العام الكثير من النتائج الضارّة، كيف يمكن ويحق لشخص أن يحكم على الفلسفة الاسلامية سلباً أو ايجاباً لمجرّد اطلاعه على نتاج العلامة الطباطبائي فقط أو عمانوئيل كانت وكارل پوپر وميشيال فوكو و..، وانما نقول ذلك لان النقد الذي يثيره هذا التيار نقد منهجي تأسيسي بنيوي يمس العقل ولا يمكن لنقد كهذا ان يتجاهل قراءة تاريخية وشاملة… فهذا الدكتور محمد عابد الجابري ـ وافقناه او عارضناه ـ قرأ العقل العربي أولاً في مجلدات ثم نقده، ولم يكن يحق له أن ينقد هذا العقل دون أن يدرسه ماراً بالمدارس الفقهية والكلامية والفلسفية وغيرها، ولهذا يمكن القول بأن اشاعة ثقافة التدّخل من جانب البعض في قضايا الفكر الديني وهو ممن لا اختصاص له فيها.. ان اشاعة هذه الثقافة امرٌ غير سليم على ما يبدو، لكن هذا الامر شيء وممارسة قمع واحتقار لمن ينقد شيء آخر، فنحن نتكلم في البعدين المعرفي والاخلاقي لا في البعد القانوني والحقوقي، اذ يحق لاي إنسان ان يستفهم ويسأل وينقد، لكننا هنا نطلب منه ان لا يستخلص نتائج دون شيء من الخبروية والدراية حفاظاً على النمو السليم للمعرفة. أما الاتجاه الثاني فيقول إن المعرفة الدينية وعلوم الدين تحتاج إلى تحصص وجهد غير عادي لفهمها ودرك خباياها، لذلك لا يحق لأي شخصٍ أن يتجرء ويقحم نفسه في هذه العلوم دون أن يكون قد طوى المراحل المتعددة التي تؤهله لهذا الأمر، ويضيف هؤلاء إن السير لا وفق المنهج المعهود في المدارس الدينية أفضى وما يزال إلى مخاطر عديدة وقد شاهدنا بأعيننا النتائج السلبية لهذا الأمر. وهذا المقدار مما تثيره المعاهد الدينية الرسمية يمكن الموافقة عليه، بيد أن القضية على هذا الصعيد أخذت بالتصاعد الى حد غير مبرّر على ما يبدو، ذلك ان هذه الحالة أفضت من جهة إلى قناعة بنوع من الحكرة في عالم الفكر والمعرفة، وأخذ الدارسون الرسميون ـ طبعاً نحن نتكلم عن البعض بالتأكيد والكلام ليس شاملاً أبداً ـ يتصوّرون أن كل من يكتب أو يتكلم في مجال المعرفة الدينية دون ان يكون متحركاً في إطار السلك الرسمي فهو معتدٍ ـ علمياً ـ ويتدخل فيما لا يعنيه وانه متأثر بالافكار الغربية أو أنه لا أصالة في فكره أو … وساد اعتقاد بلامشروعية التفكير أيُّ تفكير لا ينطلق من الخطوط والرسوم الكلاسيكية لتسلب بعد ذلك القيمة عنه والاحترام. وربما تطوّر الامر لدى البعض الى مستوى أعلى حين يضع اللباس الديني كجزءٍ مكوّن للمشروعية البحثية بحيث لا يحق لمن لا يضع هذا اللباس أن يتكلم باسم الدين والتدين مهما بلغ من العلم بل والايمان… أو انه لا يحق له ـ حتى لو كان ملبساً بلباس رجل الدين ـ البتّ في شيء والتصدّي له ما لم يصل الى سنّ معينة بحيث يمكن عدّه مخضرماً حينئذٍ. لكن هذا الواقع ـ كالواقع السابق ـ يواجه مشكلات لاسيما مشكلات تبرير، فمن اين لنا ان نجزم بعدم أحقيّة أحد للبحث الديني إلا إذا فكر وفق الطريقة التي نفكّر نحن بها وكيف عرفنا ان مجرّد صحة طريقتنا تخولنا سلب الشرعية المعرفية عن طريقة غيرنا؟ لا نريد الحديث عن الحق القانوني، وانما نتكلم عن الحق المعرفي الذي ينتج امكانية احترام الطرف الآخر معرفياً، فما لم نكن نقرّ بحق الطرف الآخر في النظر والمعرفة بعيداً عن لباسه أو انتمائه الطبقي فمن الصعب احترام قواعد اللعبة المعرفية حينئذٍ. المشكلة الاساس هي في ان هذا الموضوع بالخصوص يخلق نوعاً من الطبقية الفكرية، وهي طبقية يحتاج البحث حولها وحول مبرراتها العقلية والدينية الى مجال أوسع.


5 ـ العنف الفكري / الاعتدال والوسطية : تعاني الكثير من مجتمعات العالم اليوم من ظاهرة العنف، وقد كثرت الافكار والآراء حول هذه الظاهرة، ودرسها الباحثون من زوايا متعدّدة، وأحد أنواع العنف هو العنف الفكري. ليس هناك نظرية على ما يبدو قادرة على ادعاء نبذ العنف بشكل مطلق، وليس هناك تيار ينادي بنظرة واحدة إلى العنف أي عدمت قسيمه الى عنف مشروع ومقونن وعنف غير مشروع وغير اخلاقي ولا قانوني، والاسلام كان واحداً من هذه التيارات والاتجاهات التي قسمت العنف الى قسمين فرفضت بعضه وقبلت بالبعض الآخر، وهو أمرٌ لا يعنينا فعلاً. الشيء الذي يعنينا هنا، مسألة العنف الفكري عند الباحث، فمن ناحية نفسية وسلوكية هناك اشخاص يفكرون بطريقة عنيفة وهناك بعض آخر يفكر بهدوء وببرودة أعصاب، وهاتان الشخصيتان قد لا نتمكن من توجيه رفض شامل لهما ممتدٍ في الزمان والمكان والظرف والحال، لان التفكير الذي يتسم بنوع من الصخب والعنف والانفعال والإثارة نحوٌ من أنحاء التفكير قد يحتاجه أحياناً شاعرٌ أو سياسي أو زعيم أو عارف أو… وقد لا يحتاجونه في حالات أخرى، ومن الخطأ ـ فيما يبدو ـ ان يتصور التفكير الممزوج بالاثارة على انه تفكير خاطئ دائماً، وذلك ان له حالات قد لا ينوب عنه فيها أي نمط آخر من التفكير. وهكذا الحال في الشخصية الثانية، أي الشخصية ذات التفكير الهادىء… إن هذه الشخصية ليست أمراً ثابتاً أو من المفترض أن يتحلّى به جميع الناس، إن بعض الحالات تفرض شخصية لا هدوء في تفكيرها وإلاّ لضاعت الفرص، و… فيما تتطلب حالات اخرى تفكيراً هادئاً. ولا يعني التفكير غير الهادىء التفكير الفوضوي، بل يعني التفكير الممزوج بالاثارة والطابع الانفعالي بعيداً عن فوضويته أو انتظامه فبعض الابحاث قد تتحلى بنظم شديد وترتيب كامل بيد ان التفكير الذي انتجها تفكير غير هادىء، والعكس هو الصحيح. لكن السؤال الذي يبقى مثاراً، ما هو الاطار العام الغالب الذي يطالب الباحث أو المفكر أو التفكير بصورة عامة ان يسير ضمنه وما هو الاستثناء على هذا الصعيد؟ كيف يمكن توزيع الادوار؟ هل أن التوزيع زماني، أي هل نتحدث عن ازمنة فنقول إن هذا العصر يتطلب نمطاً من التفكير أما ذاك فيتطلب نمطاً آخر؟ أم نجعل التوزيع قائماً على اساس تصنيفي بين الناس بحيث نتحدث عن شريحة يملكها نمط تفكير أو فئة فيما شريحة اخرى تحكمها طريقة أخرى؟… نجعل في شخصية كل انسان اكثر من شخصية دفعةً واحدة يستبدل إحداها بالاخرى عندما يتحقق موضوع كل طريقة وظرفها؟… أم نترك الامور على رسلها تتحكم فيها التنوّعات الطبيعية في شخصيات الناس التي تختلف باختلاف الوراثة والبيئة و…؟ بحسب العرض المتقدّم، ينفتح هذا الموضوع على اكثر من صورة وشكل، لكن من الممكن هنا إثارة نقاط سريعة وموجزة.


أ ـ إن البحث الذي يستهدف الحقيقة يرجح ان يكون هادئاً، لأن الصخب قد يعيق تصاعد التفكير وبشكل منتظم وممنهج، فكلما كان التفكير هادئاً كلما استطاع ان يحيط بجوانب الموضوع وكلما كان اقدر على قطع منافذ التوتر والارباك.


ب ـ البحث العلمي داخل الدائرة الاسلامية من المطلوب ان تحكمه حالة الهدوء والتفاهم والاستقرار، انطلاقاً من القاعدة القرآنية القاضية (رحماء بينهم(، هذه القاعدة حسبما يفهم من النص القرآني لا يخرج عنها سوى في حالة الصراع السياسي المتمثل في مفهوم البغي الذي يستدعي اثارة الهيجان في الدائرة الاسلامية ككل، وقد يعثر في النصوص على أمور اخرى كحالات البدعة أو ما شابه ذلك مما يتوقف عليه احياناً حفظ الدين، وإلا فالاصل في علاقة المسلم بالمسلم هو علاقة الرحمة، وهي علاقة تجعل من أي نشاط فكري داخل هذه الدائرة نشاطاً هادئاً مستقراً.


ج ـ من الضروري معرفة ان التحرّق على الدين من الهجمات الثقافية التي يتعرّض لها اليوم لا يبرر استخدام اساليب العنف الفكري في مقام انتاج الافكار او في مقام عرضها، لأن التجارب الواقعية باتت تؤكد ـ وبتواصل ـ ان هذه الاساليب غالباً ما جرّت (في الفترة الاخيرة، أي في القرن العشرين) سلبيات على المدافعين عن الدين، لا اقل انها صنعت شخصيات في الطرف الآخر اثارت تعاطف الشارع عموماً بدءاً من طه حسين وعلي عبدالرزاق وصولاً حتى نصر حامد ابو زيد وعلي الوردي وعبدالكريم سروش وعلي شريعتي ونوال السعداوي وغيرهم.. وقد اكدت اكثر من تجربة ان العقبة الأساس التي كان يواجهها بعض هذه الشخصيات كانت اللغة العلمية الهادئة التي استخدمها بعض خصومهم ضدهم، كما يقال عن ((مطارحات)) الشيخ محمد مهدي شمس الدين المخصص للرد على كتاب ((نقد الفكر الديني)) للدكتور صادق جلال العظم، فقد شكلت هذه اللغة إحراجاً لهذه الشخصيات حتى لو تعرّض نفس اصحاب هذه اللغة احياناً لغضب التيار الكلاسيكي.


ان هذا الموضوع دخل عملياً دائرة التجاذب حول ما هي الوسيلة الانجع اليوم في بدايات الالفية الثالثة للدفاع عن الدين هل خلق الارباك والمنطق الثوري في ردع الآخر أو تهدئة الامور واستخدام منطق هادئ وفي تقدير كاتب هذه السطور ان المنطق الهادىء يمكن اعتباره اليوم في الاطار العام ـ وكل شيء له استثناءاته ـ الوسيلة الانجع في الدفاع عن الدين، فنحن نعيش في عالم بدأ لا يرفض منطق الصخب في المعرفة فحسب بل أخذ يشعر بحالة من التقزّز ازاءه وهو ما يؤدي إذا لم نعد انتاج خطابنا الفكري وفق ضرورات المرحلة إلى المزيد من التراجع على الصعيد الثقافي والفكري عموماً. إن طفو مظاهر التطرف الفكري على مختلف اتجاهات الثقافة بلا استثناء وتربع المتطرّفين من جميع الاتجاهات على كرسي المعرفة والامور وانزواء المعتدلين واتهامهم بالجبن او الخوار أو المهادنة أو المداراة أو الرياء سيكرّس ثقافة العنف في عالم المعرفة وسيعمد في نهاية المطاف الى اغراق الساحة الثقافية في عواصف من الارباك، والتوتر واللااستقرار.


6 ـ النظر بعين ناقدة للنتاج الشخصي / التواضع العلمي : ثمة قصص ومقولات مسجلة أو تتناقل شفاهاً أن بعض العلماء السابقين أوبعض المعاصرين يحجم عادةً عن نشر كتبه ومؤلفاته، ويبرر هذا الصنف من العلماء أو من يؤيد توجههم هذا التصرّف بتبريرات عدّة يرجع بعضها إلى القول بأن الانسان كلما نظر فيما كتبه بعد مدةٍ شعر بالنقص فيه. ولسنا بصدد محاكمة هذا السلوك، لكن اساسه صحيح ودقيق فكلما تقدّم الانسان الباحث في العلم وصارت لديه خبرة اكبر في هذا المجال كلما شعر بالنقص فيما قدّمه سلفاً من نتاجات، وهذا امرٌ ـ كما أَُلمح ـ ان دلّ فإنما يدل على تقدّم الانسان نفسه وإلاّ لشعر بعظمة ما كتبه ولو بعد حين. إن الشعور الدائم بالنقد الذاتي ـ وكذلك تقبل النقد الموضوعي من طرف الآخرين ـ يشكل ضمانةً هامة لديمومة الرقي والارتفاع المعرفي، إن الباحث الذي يعيد قراءة أو التفكير فيما انتجه وبصورة متواصلة هو باحث متواضع وليس متكبراً، وهو باحث يهدف الحق والحقيقة لا الانا والذات، إن الشعور بنقص ما قدّمه الانسان شعورٌ اخلاقي ينمّ في ساحة التدين عن تقوى وتواضع، أما التكبر في الحياة العلمية فلا معنى له في ظل وسائل الادراك المحدودة للانسان، وهذا التكبر هو اليوم ـ وربما قبل اليوم ـ إحدى آفات الباحثين والبحث العلمي، ان الكثير من مقدّمات الكتب او في مطاويها لا تزول منها عبارات ان ما أتيت به لم أجده عند أحد قبلي، أو لم يسبقني إليه أحد، أو هو فتح عظيم، أو هو تغيير سيقلب معادلات المعرفة والتفكير، أو هو حل لمعضلات دامت قروناً متمادية… ان هذه الكلمات عندما تصدر في عصرنا الحديث، عصر التواضع المعرفي، والاعتقاد بضعف قدرة العقل امام كشف الحقائق إنما تعبر عن دوغمائية وجزم لا موضوعي، فيما المطلوب تقديم نمط تفكير أكثر تواضعاً، أو اذا اردنا ان نعبر بطريقة براغماتية نفعية نقول نمط تفكير اكثر تكتيكاً وأقدر على امتصاص أي خطأ في المستقبل، إن نقد الذات القائم على اعتقاد حقيقي مسبق بمكانتها الواقعية المحدودة في المعرفة، وترويض النفس على تحمل هذا النقد وتقبل اكتشاف الخطأ… ليس امراً سهلاً أو مجرد شعار نطلقه وننضوي تحته وانما تربية للنفس صعبة كل الصعوبة تحتاج إلى سلسلة ـ لا واحد ـ من الأخلاقيات ان تتضافر لصنع شخصية علمية متواضعة من جهة ومتفهمة ثانية ومسرورة باكتشاف الخطأ ثالثة، اما الاعتقاد بالخطأ في الذات وممارسة العصمة فيها فهو مفارقة تجر الكثير من السلبيات. وهذه المشكلة ـ التكبّر وخوف النقد وإعادة النظر ـ تظهر في كلمات الباحثين كثيراً وبأساليب متعدّدة أحدها تعقيد العبارات اللفظية ومحاولة ابهام الافكار على الآخرين (طبعاً ليس الامر على نحو الموجبة الكلية بالتأكيد)، إن الحملة العنيفة التي شنها التيار الجديد ضد الكتب الدينية ـ والحوزوية بالخصوص ـ في تعقيداتها واساليب بيانها المبهم وان كانت صائبة من وجهة نظر لكن البديل الذي قدّمته النتاجات الجديدة لم يكن دائماً أسهل، فالكتب الجديدة التي تصدر عادت اليها نفس الظاهرة مع اختلاف الشكل والقالب، وصارت هناك حالة شبه سائدة اليوم ان الباحث كلما مارس تعقيداً أكبر وإبهاماً أعمق في كلماته وعباراته كلما نمّ ذلك عن عمق معرفي ومستوى علمي أكبر عنده، وكلما بسّط الافكار ـ لا الى حد الابتذال ـ كلما كشف ذلك عن نقص علمي عنده، بل يرى البعض ـ كما كانت ترى التيارات المدرسية الدينية ـ بأنك اذا لم تستعمل المصطلحات الخاصة فإنك لم تدخل في المناخ العلمي المطلوب، سابقاً كان شعار العلمية ان تستخدم تعابير الفلسفة والاصول أما اليوم فتعابير جديدة مشكلة بعضها انها لم تدخل بصورة رسميّة المعاجم الجديدة الى حد بلغت فيه الحال ان كل كاتب صارت له مصطلحات خاصة. ان تطوّر المصطلح امرٌ في غاية الضرورة، ولا مجال لتجاوزه، ولا نقاش هنا في هذا الامر، انما الحديث عما يمكن تسميته بحالة اللااستقرار في انتاج المصطلح واستخدامه إلى حد النظر (اضافة الى من قال…) إلى كيف قال لا إلى ما قال، وهو امرٌ يعكس فيما يعكس ـ من وجهة نظر شخصية ـ اشكالية تعود في بعض امتداداتها الى الجانب الاخلاقي بالمعنى الذي ذكرناه للأخلاقي. وهذا التعقيد يعبّر في بعض الاحيان الاخرى عن محاولة من الباحث لسدّ الطريق على النقد المركّز والواضح، وهي نقطة جديرة بالتركيز عليها والتأمل فيها. إذن الاحساس بثقل النقد الذاتي، ومن ثم النقد الموجّه من الآخر يعبّر عن رغبة في الاستقرار في نقطة محددة علمياً وعدم تخطيها نحو الأمام.


والأمر الذي قد يُجبر الباحث على اتخاذ مواقف متصلّبة أحياناً هو الثقافة والتربية العامة التي تنظر إلى من يعترف بخطئه أو يعدل عن رأيه بمثابة الضعيف علمياً، صحيح أن المفكّر الناضج أو المجتهد في العلوم الدينية مطالبٌ بالدفاع عن أفكاره لا التخلّي عنها وكأنه لم يتعمق بها، لكن هذا لا يعني خلق مناخ لا يسمح بالتراجع او التبديل، بل المطلوب عدّ ذلك كرامة ومفخرة تمنح صاحبها وساماً في الاوساط العلمية، فأكثر العلماء عبر التاريخ تغيرت آراؤهم عدّة مرات في حياتهم، فقد عرف ذلك من فلاسفة كبار كابن سينا والملا صدرا كما عرف عن فقهاء أجلاء كالعلامة الحلّي وغيرهم، بل إن ذلك سنّة الله في خلقه إلا من عصم، وهذا ما يجعلنا نضع بعض علامات الاستفهام على المحاولات التي ترمي إلى تصوير بعض المفكرين وكأنهم لم تتبدّل أفكارهم منذ نعومة أظفارهم كشاهد على عبقريتهم.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

أولاً : من حيث ...

أولاً : من حيث الاختصاص المكاني : صدر للمدعي قرار نقل مع مجموعة من الموظفين للمكتب التنفيذي لمدينة ا...

أصبحت الابتكارا...

أصبحت الابتكارات المتطورة والتقدم التكنولوجي في وقتنا الحالي موضع اهتمام ودراسة في المعامل والختبرات...

شكا رجل إلى طبي...

شكا رجل إلى طبيب وجعاً في بطنه، فسأله الطبيب: "ماذا أكلت؟" أجاب المريض: "أكلتُ طعاماً فاسداً"، فدعا ...

Interatomic spa...

Interatomic spacing, the equilibrium distance between atoms, is caused by a balance between repulsiv...

وفي مجال تعليم ...

وفي مجال تعليم الرعاية الصحية وإشراك المرضى، يبدأ النهج الإنمائي بالتركيز على المكافآت والعواقب الفو...

حي الشفا في تبو...

حي الشفا في تبوك حي تجاري وإداري حي الشفا يقع في مدينة تبوك بالمملكة العربية السعودية، وهو حي تجاري...

De nombreux sig...

De nombreux signes d'activation de l'immunité à médiation cellulaire mais aussi humorale et des cell...

موريس كوديلييه)...

موريس كوديلييه)1982(، وسنتطرق له فيما بعد، هي األماكن والمجاالت التي يتربى فيها الفتيان مع أندادهم ...

المياه من أهم ا...

المياه من أهم الموارد التي وهبها الله لنا سبحانه وتعالى فهي تعتبر عنصر أساسي في حياتنا اليومية ولا ي...

PNF procedures ...

PNF procedures irradiation: spreading of response of nerve impulses of stimulus. Reinforcement: inc...

صحيح أن التقاط ...

صحيح أن التقاط صور السيلفي يسمح لك بالاحتفاظ بذكرى صورة التقطتها في مكان ما، أو مع شخص ما، لكن الشبا...

The Corona viru...

The Corona virus is one of the types of viruses that have appeared and attacked the world over the y...