لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (50%)


عقب انتهاء فترة التدريب ، و أدائى اليمين القانونية أمام القضاء كمعاون طبيب شرعى ، فى طريقى لمقر العمل الجديد ، تداعت إلى رأسى مئات الأفكار و الذكريات ، فلم يكن عملى كطبيب شرعى مجرد صدفة ، أو فرصة كان علىً اغتنامها ، بل كان هروباً من ذكرى مؤلمة حدثت لى ، بينما كنت طبيباً للطوارىء فى احدى المستشفيات الحكومية . الحقيقة أننى كنت طبيباً مشهوداً له بالكفاءة و الانضباط ، و كان قرارى صادماً لكل من حولى عندما قررت ترك ممارسة الطب الاكلينيكى و التحول للعمل بالطب الشرعى ، واجهت انتقادات عنيفة من زملائى بالمستشفى ، لأنهم ظنوا أن موقعى كطبيب طوارى أفضل لى و للمرضى و لمستقبلى المهنى ، نظراً لكفاءتى ، و والدى كان حزيناً و ان كان لم يخبرنى بحزنه أو اعتراضه و لكننى شعرت بهذا الحزن فى نظراته إلىً ، أعرف أنه كان يريد أن يكون لى عيادة تعلوها لافتة تحمل اسمى و اسم العائلة لأكون مصدر فخر لهم ، و والدتى – أيضاً – كانت تشعر بالضيق إلا أنها أنهت كثيراً من الجدل العائلى حول قرارى بعبارة بسيطة " انت أدرى باللى يريحك ، دى حياتك و مستقبلك ، العجيب أن زوجتى لم تناقشنى فى القرار نهائيا ، و كانت تعلم أننى لن أتخذ قرار مثل هذا إلا إذا فكرت فيه مليا ، فهى على ثقة أننى لن أضع مستقبل أسرتنا الصغيرة فى مهب الريح ، لاسيما و مولودنا الأول على وشك الوصول . كانت الحالة قد أخذت وقتاً طويلاً فى التشخيص نظرا لازدحام المستشفى ، و ما زاد الطين بلة هو الخلاف الذى نشأ ين الأطباء الباطنة و أطباء الأمراض الصدرية حول ، على عاتق من منهم تقع مسئولية علاج هذه السيدة ؟ وفى أثناء هذا الوقت الطويل كانت السيدة تعانى ، و كانت تصرخ مستغيثة " الحقونى بأموت منكم لله " عرفت فيما بعد أنها توفاها الله فور ايداعها العناية المركزة ، و شعرت بتأنيب ضمير لما حدث لها ، على الرغم من أننى لم أقصر فى أى اجراء تجاهها . للأسف لم يقتصر الأمر على تانيب الضمير ، و لكنه امتد إلى أننى أصبحت أراها فى أحلامى كل ليلة ، نعم . لن أكون مسئولاً عن أرواح البشر مرة أخرى فى منظومة يملأها الفساد و البروقراطية و ضعف الامكانيات ، ربما التعامل مع الموتى سيكون أخف وطأة ، فعامل الوقت عندهم بلا ثمن ، و لكننى حقاً كنت مخطئاً مرتين ، مرة عندما ظننت أن عامل الوقت عند الموتى بلا ثمن ، و مرة عندما ظننت أن السيدة العجوز ستتركنى و شأنى بعد أن أتوقف عن ممارسة الطب ، و مليئاً بالود و اللطف ، 4 )

و لم تمر سوى ساعة حتى استدعانى مدير الادارة ، و ما أن دخلت مكتبه حتى ابتسم و قال : " درش حبيبى ، سمعت أنك كنت شاطر فى فترة التدريب " . حبة عضم لقوهم فى مزرعة مهجورة ، و ركب الهيكل العظمى و اعمل Puzzle، و ورينى شطارتك . شعرت بالارتباك حيث كنت أتوقع أن تكون أول القضايا قضية تشريح ، أو كشف على مصاب مثلاً ، و لكن لم يسبق لى فى فترة التدريب فحص هيكل عظمى ، لا أحب أن أترك انطباعاً سيئاً عنى منذ البداية ، و إذا كان العضم لنفس الشخص و اللا أكتر ، و لو عرفت تحدد زمن الوفاة و سبب الوفاة يبقى كتر خيرك قوى ، كان خاطئاً و بشدة !! . خفيفة الوزن ، و محكمة الغلق ، و تم اغلاقها بالشمع الأحمر الذى يحمل أختام وكيل النيابة المسئول عن القضية ، و ما أن فتحتها حتى انبعثت منها الرائحة العطنة المميزة لرفات عظام الموتى ، كانت العظام كما أخبرنى الدكتور " مدحت " لطفل صغير ، و لكننى اجتهدت لترتيب الموجود منها مسترشداً بكتب التشريح . و كتابة وصفها ، كما قمت بكتابة بيان بالعظام المفقودة ، مما يشير إلى أنها عظام لشخص واحد فقط ، نظراً لسوء حالة الظام و عدم اكتمالها ، و لكننى حاولت بكل ما أوتيت من معرفة ، و كذلك من خلال فحص الأسنان الموجودة بالجمجمة ، و قد توفى منذ عام تقريباً فقمت باستخراج أجزاء الملابس ، تبينت أنها أجزاء مهترئة فيما يبدو ل" تيشيرت " أطفال ، و اعادة تحريزه بالشمع الأحمر ، و ارساله إلى المخزن الملحق بالإدارة . 5 ) و عقدت العزم على كتابة التقرير فى اليوم التالى عقب مراجعة بعض التفاصيل العلمية الخاصة بها ، ثم خلدت للنوم . السيدة العجوز توقفت عن الصراخ هذه المرة ، و لكنها مازالت تقف أمامى تنظر لى بغضب ، لحظة . إنها ليست بمفردها ، إنها تمسك بيد طفل أو بيد طفلة بلا ملامح واضحة ، كان هذا باختصار أخر ما رأيته فى حلمى ، قبل أن أستيفظ صباح اليوم التالى و أنا أشعر بحيرة كبيرة من ذلك الحلم العجيب ، لماذا توقفت السيدة العجوز عن الصراخ ؟ما سر نظرة الغضب فى عينيها ؟ من هو ذلك الطفل أو الطفلة التى تمسك بيدها ؟ هل هذه رسالة من نوع ما ؟ لم أكن أعلم ما تفسير هذا الحلم الجديد ، و لكن كل ما كنت أعلمه أنه سيتكرر لأن هذه السيدة قررت ألا تتركنى بسهولة ! فى صباح نفس اليوم ذهبت إلى المكتب و قمت بأخذ احدى القضايا السهلة هذه المرة ، و ربما كان اشارة إلى أننى لم أقم بما يكفى فى هذه القضية ، الحرز أهو ، حضرتك هتفحصه تانى ؟ بعد اذنك ، عاوز أتأكد من حاجة ، و قمت بفحص العظام بعناية ، و لم أتبين شيئاً جديداً ، طعام ، حديث مع الأسرة ، ليتها تكرر الحلم مرة أخرى ، السيدة العجوز بنظرتها الغاضبة بصحبة طفل أإو طفلة بلا ملامح ، بينما قضية الهيكل العظممى بلا حسم . بعد أيام ، وصلنى تقرير المعمل الطبى المركزى يفيد بأن تلك العظام تعود لطفلة أنثى ، و أنه قد تم استخلاص الحامض النووى بنجاح ، لحظتها شعرت بسعادة غامرة ، و قررت لحظتها أن أكتب التقرير فى أقرب وقت ، و لم لا ! فقد وصلت لنتيجة مهمة و أوشك دورى على الانتهاء فى هذه القضية ، و لكننى على ما يبدو كنت واهماً . مهلاً ، إنها فتاة هذه المرة ، الحلم بدأ فى الاختلاف ، و ربما يكون هو سبيل الخلاص و صك الغفران من هذه السيدة العجوز لى . فجاء الأستاذ ( حسن ) أمين المخزن ، هو فى مشكلة وللا حاجة فى القضية ؟ رددت بهدوء مبتسماً : لا أبداً ، بس كنت عاوز أتأكد من حاجة . رد حسن باقتضاب : أصل الحرز لو اتفتح و اتقفل كتير ممكن الكرتونة تبوظ ، ياريت بلاش نفتحه كتير ، ---- و كان هذا النوع من الاختبارات يستفزنى إلى أقصى مدى ، و الحرز ده مش هيتحرك من المخزن إلا لما القضية تتصدر للنيابة بعد ما أكتب التقرير ، رد حسن بضيق : اللى تشوفه ، قمت بفتح الحرز ، ما الذى ينقصنى هذه المرة ؟ زمن الوفاة منذ عام ، و لا توجد كسور بالعظام الموجودة ، فما الذى ينقصنى ؟ اكتشفت أن هذه الملابس لم أقم بوصفها أو فحصها بما يكفى ! قمت بإزالة الطين عن ال " تيشيرت " بعناية و رفق ، مرسوم عليه نجوم بألوان مختلفة . مهلاً ، ليس هذا فحسب ، و لكن هناك – أيضاً – ربما أربعة أو خمسة قطوعات حادة الحواف بنفس المنطقة ، و هذه القطوعات وفقاً لطولها الذى لا يتعدى السنتيمترين تبدو و كأن سكيناً رفيعة أو مطواة قد أحدثتها . كان ما اكتشفته للنو مثيراً للاهتمام ، فتبينت امكانية هذا ، و قمت بالفعل بارسال ال " تيشيرت " إلى المعمل الطبى ، و قمت باعادة تحرير الملابس و العظام ، و ارسالها للمخزن . ذهبت إلى منزلى و أنا فى غاية السعادة حيث أننى وصلت إلى ترجيح أنه ربما سبب وفاة تاطفلة كان الطعن باستخدام أداة صللبة ذات نصل حاد كسكين أو مطواة ، و كنت أنتظر فقط تأكيد المعمل الطبى لوجود آثار دماء على ال " تيشيرت " حتى يصبح ما اكتشفته حقيقة ، و كذلك محاولة التعرف على الجانى فى القضية . و تكرر الحلم بذات تفاصيل المرة السابقة ، و كان هذا يعنى حسبما أعتقد أنها راضية عنى بصورة أو بأخرى ، و هذا يكفينى لحين التخلص منها نهائياً . مرت عدة أيام روتينية فى العمل ، و روتينية فى الأحلام ، حيث تكرر نفس الحلم دون تغيير ، و كان هذا دليلاً قاطعاً أن خلف الهيكل العظمى تكمن جريمة قتل بشعة راحت ضحيتها فتاة ، و قمت ببدء اجراءات إرساله للنيابة المختصة . و كنت راضياً أن يسير الحلم على نفس المنوال ، كانت السيدة العجوز غير غاضبة ، و انتهى الحلم ، و لم يكن لهذا سوى معنى واحد ، أن هناك ما فاتنى فى هذه القضية ، 7 )

و أخذت كل الاحتياطات الممكنة ، فلماذا بكاء الطفلة ؟ و قلت فى نفسى ( يعنى أنا أخلص من الست الحاجة اللى زعلانة ، ذهبت إلى المكتب فى ذلك الصباح ، ثم طلبت احضار التقرير الذى أعددته فى القضية لمراجعته ، أو معلومات غير مكتملة . قمت بفحص الحرز مرة أخرى بدقة ، هذه المرة استوقفنى أمر محير ألا و هو أن طول العظام و حجم الجمجمة غير متناسبين مع العمر التقديرى لصاحبة الهيكل العظمى ، و الذى قدرته باثنى عشر عاماً ، و لكن مع سوء حالة العظام و اعتمادى بصورة كبيرة على فحص الأسنان المتبقية فى الفكين ، أصابتنى الحيرة ، فربما أكتشف شيئاً ما ، فكيف نجرى أشعة لجمجمة على جهاز يستخدمه الأحياء ؟! بالطبع حدث جدال بينى و بينه انتهى باصرارى على إجراء الأشعة مع تهديد ضمنى بالشكوى لمدير المكتب فى حال عدم تنفيذ طلبى . بس أنا بأحب أتأكد من حبة تفاصيل قبل ما أخلص التقرير علشان الثضية أول مرة أعمل زيها . رد دكتور مدحت بحدة : و مش بتيجى تسألنى و تطلب رآيى ليه ؟ مش اتفقنا لو فى حاجة تبلغنى ؟ و محبتش أزعج حضرتك . و بعدين أنا ملاحظ إن القضية دى خدت من وقتك كتير ، يعنى مش جنايات أو جنح ، و المتهم فيها حد مشهور و لا فيها قلق ؟!! و برضه طريقة تعاملك مع الموظفين فيها عصبية ، و برضه تحاول تكون هادى مع الموظفين لأننا أسرة واحدة ، و عملنا متكامل . كنت فى هذه اللحظة بالفعل قد وصلت لقمة الاحراج و الخجل من نفسى ، و لم يعد بمقدورى النقاش و الحديث ، فما كان منى إلا أن قلت باستسلام : حاضر ، أنا أسف ، رد دكتور مدحت بهدوء : ماتتأسفش ، عاوز أشوف اختراعاتك دى أخرتها إيه . ---- و عدت إلى مكتبى و كلى احباط ، أعترف أننى ربما أسأت التصرف ، و بعد هذا العمر الطويل من العمل فى الطب الشرعى ربما فقد شغفه و حماسه للعمل ، و لكن بالنسبة لى – و مع تلك الأحلام التى أشاهدها كل ليلة – فإن هذه القضية ربما تكون خلاصى من تلك السيدة العجوز التى تطاردنى تؤنبنى كل ليلة لخطأ ربما ارتكبته بغير قصد ، أو ربما لم أرتكبه أصلاً ، لهذا كان ينبغى علىً التعلق بأى شىء من أجل إإنهاء القضية على أكمل وجه أملاً فى الخلاص !
و ما أن رفعتها لأشاهد تفاصيلها حتى اكتشفت أن الصدام و التوبيخ الذى نلته من مدير المكتب لم يذهب هباء ، لقد استحقت هذه الأشعة كل ما عانيته من أجلها حقاً . و لكن ما كشفت عنه الأشعة هو وجود أسنان مازالت لم تبزغ من الفكين ، أى أن الأسنان التى شاهدتها سابقاً وبالفكين كانت بعض الأسنان اللبنية و الأسنان الدائمة ، كان هذا كل ما يمكننى استنتاجه من الهيكل العظمى ، و من باقى محتويات الحرز ، فقمت بإعادة كتابة التقرير و ارساله للنيابة فى ذات اليوم ، و من فرط حماستى لما أنجزته فى القضية قمت بالاتصال بوكيل النيابة المسئول عن القضية ، كما أخبرته أنه فى حالة وجود من يبحث عن فتاة بنفس المواصفات فعليه إرساله إلى المعمل الطبى الرئيسى بالقاهرة لإجراء اختبارات الحامض النووى . بالطبع ، و الذى من شأننه أن يغير مجريات القضية ، و تفرغت عقب ذلك لمباشرة قضاياى العالقة بصورة أسرع ، و نلت إشادة من مدير المكتب ، حتى أننا أصبحنا أقرب إلى الأصدقاء . و بينما كنت جالساً بمكتبى أردى بعض الأعمال ، طرق الباب أحد العمال بالمكتب و أخبرنى أن هناك زائر يسأل عنى ، و لكننى وافقت على مضض على لقاء الزائر الغريب ، و ما هى إلا لحظات حتى دخل رجل فى حوالى منتصف العقد الرابع من العمر ، و قال : السلام عليكم يا دكتور مصطفى . صافحته و رددت عليه قائلاً : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ، أهلاً يا فندم ، ---- لم أكن قد باشرت أية قضايا يوجد طفلة اسمها ( أحلام ) . قال : الطفلة ( أحلام ) اللى حضرتك شلإفت الهيكل العظمى بتاعها ، حيث أننى لم أتابع تطورات القضية منذ أن انتهيت من التقرير و أرسلته للنيابة ، فما كان منى إلا أن قلت : البقاء و الدوام لله ، و ساعدهم فى حل القضية ، فقلت له : لا أبداً ماتقولش كده ، بس يا ترى إيه الجديد فى القضية ؟ بدا و كأننى قد لمست جرحاً أليماً بوجدانه ، و انسابت دمعة من عينيه و هو يقول : و الله يا دكتور مش عارف أقول إيه ، أنا كنت متجوز ، و ( أحلام ) دى بنتى الوحيدة ، و كنت شغال فى الخليج بقى لى فترة ، و اكتشفنا إن عندها سرطان الدم ، لفينا على دكاترة كتير ، و صرفت كل فلوسى على علاجها ، بس أمر الله نفذ ، رجعت ب ( أحلام ) مصر ، ناس معرفة ليا بعد كام شهر رشحهولى واحدة أتجوزها تراعينى و تراعى بنتى ، و قالوا بنت حلال و أهلها طيبين ، و اتفقنا ترجع هى و بنتى يقعدوا فى مصر و أنا أبقى أجيلهم زيارات ، عدت فترة و بعدين لقيتها هى و أخويا بيتصلوا بيا و بيقولوا إن فى ناس خطفوا أحلام ، و طالبين من أخويا فدية مليون جنيه أو هيقتلوها بعد أسبوع ، و حولت الفلوس لأخويا ، و لا سمعنا أى حاجة ، و أخويا عمل محاضر فى كذا قسم و أداهم أوصاف أحلام ، كنت بشوف أحلام فى الحلم ، و أعصابى تعبت . قلبت الدنيا فى كل حتة علشان ألاقى بنتى ، و للأسف ماعرفتش ، جبت واسطة علشان تفتش فى محاضر التغيب بتاعة الأطفال ، و قدمت بلاغ إنى أعمل كشف نسب فى مصلحة الطب الشرعى ، خلال الفترة دى مراتى الجديدة عملت مشاكل معايا لرب السما علشان ازاى أرجع مصر و أسيب حالى و شغلى فى الخليج ، لما عرفت إن بنتى اتقتلت شكيت فى طليقتى ، و إنها خافت البنت تفتن عليها ، و رمى جثتها فى مزرعة مجهولة ، مما جعلنى أقول له بتأثر : حسبى الله و نعم الوكيل ، ربنا المنتقم ، ربنا يصبرك و يعوض عليك . أجابنى باكياً : يعنى أنا غلطان علشان سافرت و سبت بنتى مع واحدة غريبة ؟! و الله العظيم كنت عاوز أعمل قرشين أأمن لها مستقبلها ، و أحميها من غدر الزمن و المرض ، طب أنا ليه يحصلى كل ده ؟! أمها تموت ، و هى تتخطف منى بدرى ! أقسم بالله عمر ما دخل فى فلوسى قرش حرام علشان يحصل لى كل ده . ---- قاومت دموعى بقوة و أنا أواسيه : وحد الله يا أستاذنا ، و انت شخص مؤمن ، و كنت بتجتهد لتوفير حياة كريمة لأسرتك و لبنتك ، دى صورتها و هى عندها 5 سنين ، أخذت الصورة من يديه و تأملتها ، كانت الصورة لفتاة صغيرة قمحية البشرة ملائكية الملامح ذات شعر أسود ناعم ، كانت حقاً أشبه بملاك صغير ، أعدت الصورة إلى والدها و قلت : ربنا يرحمها ، فى الجنة إن شاء الله ، و ربنا يصبرك و يعوض عليك . رد علىً الرجل متسائلاً : معلش يا دكتور ، و لكننى تداركت الأمر و قلت : الله يرحمها ، رد بأسى : أيوة . فى هذه اللحظة دخل موظف للمكتب و أعطانةى قضية جديدة من أجل البدء فيها ، مما دفع والد أحلام للنهوض و الاستعداد للمغادرة قائلاً : ألف شكر يا دكتور على مجهودك و وقتك ، و آسف على إنى عطلتك ، ثم غادر الغرفة مسرعاً حتى قبل أن أرد عليه ، كانت هذه المرة الأولى منذ شهور طويلة التى يدعو لى فيها غريب ما مثل هذه الدعوات ، كنت معتاداً على سماع هذه الدعوات من المرضى و ذويهم عندما كنت طبيب طوارىء ، أما بعد قدومى للطب الشرعى فلم يدع لى أحد إلى الآن ، من قال إذا إن الطب الشرعى عمل بلا مشاعر ؟ ! من قال إن الطبيب الشرعى جاف الأحاسيس ؟ من قال إن العمل مع الموتى و من أجل الموتى بلا فائدة ؟ هل هناك أسمى من أن تتواصل مع من هم تحت التراب ؟ تدافع عنهم و تقاتل من أجلهم و تحزن لمصابهم ؟! ربما مجال الطب كله كذلك ، أن تتألم لآلم الأخرين ، و تسعى من أجلهم ، لا شىء سهل فى الطب ،


النص الأصلي

القضية الأولى
أحلام ، اسمها أحلام


( 3 )


كان اليوم الأول لى رسمياً كطبيب شرعى ، عقب انتهاء فترة التدريب ، و أدائى اليمين القانونية أمام القضاء كمعاون طبيب شرعى ، و كان قد تم ارسالى للعمل فى ادارة الطب الشرعى بتلك المحافظة مترامية الأطراف بدلتا مصر .


فى طريقى لمقر العمل الجديد ، تداعت إلى رأسى مئات الأفكار و الذكريات ، فلم يكن عملى كطبيب شرعى مجرد صدفة ، أو فرصة كان علىً اغتنامها ، بل كان هروباً من ذكرى مؤلمة حدثت لى ، بينما كنت طبيباً للطوارىء فى احدى المستشفيات الحكومية .
الحقيقة أننى كنت طبيباً مشهوداً له بالكفاءة و الانضباط ، و كان قرارى صادماً لكل من حولى عندما قررت ترك ممارسة الطب الاكلينيكى و التحول للعمل بالطب الشرعى ، واجهت انتقادات عنيفة من زملائى بالمستشفى ، لأنهم ظنوا أن موقعى كطبيب طوارى أفضل لى و للمرضى و لمستقبلى المهنى ، نظراً لكفاءتى ، و والدى كان حزيناً و ان كان لم يخبرنى بحزنه أو اعتراضه و لكننى شعرت بهذا الحزن فى نظراته إلىً ، أعرف أنه كان يريد أن يكون لى عيادة تعلوها لافتة تحمل اسمى و اسم العائلة لأكون مصدر فخر لهم ،و أن هذا لن يتحقق بانضمامى للطب الشرعى ، و والدتى – أيضاً – كانت تشعر بالضيق إلا أنها أنهت كثيراً من الجدل العائلى حول قرارى بعبارة بسيطة " انت أدرى باللى يريحك ، دى حياتك و مستقبلك ، احنا عملنا اللى علينا لغاية ما وقفت على رجليك ، و الباقى عليك " .


العجيب أن زوجتى لم تناقشنى فى القرار نهائيا ، و كانت تعلم أننى لن أتخذ قرار مثل هذا إلا إذا فكرت فيه مليا ، فهى على ثقة أننى لن أضع مستقبل أسرتنا الصغيرة فى مهب الريح ، لاسيما و مولودنا الأول على وشك الوصول .


الحقيقة وراء قرارى بترك الطب العلاجى كانت تلك الحادثة التى مررت بها أثناء عملى كمطبيب للطواىء حينما حضرت سيدة عجوز إلى الاستقبال و هى تعانى من ألم شديد بالصدر ، و قمت أنا باجراء كافة الاجراءات التشخيصية ، و توصلت أنها تعانى من Pulmonary Embolism أو انسداد بالشرايين الرئوية ، كانت الحالة قد أخذت وقتاً طويلاً فى التشخيص نظرا لازدحام المستشفى ، و استغراق وقت طويل فى اجراء التحاليل و الأشعات و رسم القلب ، و ما زاد الطين بلة هو الخلاف الذى نشأ ين الأطباء الباطنة و أطباء الأمراض الصدرية حول ، على عاتق من منهم تقع مسئولية علاج هذه السيدة ؟


وفى أثناء هذا الوقت الطويل كانت السيدة تعانى ، و لم تفلح المسكنات فى تخفيف آلمها ، و كانت تصرخ مستغيثة " الحقونى بأموت منكم لله " عرفت فيما بعد أنها توفاها الله فور ايداعها العناية المركزة ، و شعرت بتأنيب ضمير لما حدث لها ، على الرغم من أننى لم أقصر فى أى اجراء تجاهها .


للأسف لم يقتصر الأمر على تانيب الضمير ، و لكنه امتد إلى أننى أصبحت أراها فى أحلامى كل ليلة ، و هى تصرخ و تقول : " منكم لله " ، اعتقدت أن تركى للطب العلاجى ربما يكفر ما اعتقدت أنه ذنبى ، نعم .. لن أكون مسئولاً عن أرواح البشر مرة أخرى فى منظومة يملأها الفساد و البروقراطية و ضعف الامكانيات ، ربما التعامل مع الموتى سيكون أخف وطأة ، فعامل الوقت عندهم بلا ثمن ، و لكننى حقاً كنت مخطئاً مرتين ، مرة عندما ظننت أن عامل الوقت عند الموتى بلا ثمن ، و مرة عندما ظننت أن السيدة العجوز ستتركنى و شأنى بعد أن أتوقف عن ممارسة الطب ، فهى لم تتركنى و لو ليوم واحد !


ما أن وصلت لمكتب الطب الشرعى حتى كان استقبال السيد الدكتور " مدحت لبيب " مدير الادارة لى و لزميلى الآخر حافلاً ، و مليئاً بالود و اللطف ، كان يدرك ما نحن مقبلين عليه ، و أراد أن يزيل عنا الرهبة و الارتباك ، و بعد وقت قصير من التعارف و شرح بعض التعليمات الخاصة بنظام العمل قمت - و زميلى – بالتوجه إلى الغرفة المخصصة لنا انتظاراً لما سوف يعرض علينا من قضايا .
( 4 )


و لم تمر سوى ساعة حتى استدعانى مدير الادارة ، و ما أن دخلت مكتبه حتى ابتسم و قال : " درش حبيبى ، سمعت أنك كنت شاطر فى فترة التدريب " . ابتسمت بخجل و قلت : " ربنا يخليك يا دكتور " مدحت " ، لا و الله عادى زيى زى زمايلى ، هو أنا بس بأحب الطب الشرعى بزيادة شوية " . ضحك الدكتور مدحت و قال : " ماشى يا أخويا ، خد الكرتونة دى ، فيها قضية خفيفة كده ، حبة عضم لقوهم فى مزرعة مهجورة ، شوف كده ظروفها إيه ، و ركب الهيكل العظمى و اعمل Puzzle، و ورينى شطارتك .


شعرت بالارتباك حيث كنت أتوقع أن تكون أول القضايا قضية تشريح ، أو كشف على مصاب مثلاً ، و لكن لم يسبق لى فى فترة التدريب فحص هيكل عظمى ، و لكننى لم أجرؤ على الاعتذار عن القضية ، لا أحب أن أترك انطباعاً سيئاً عنى منذ البداية ، الأمر الذى جعلنى ألتقط ( حرز الكرتونة ) بسرعة ، و أنا أقول بهدوء : " تحت أمرك يا دكتور " مدحت " ، حاشتغل فيها على طول "
رد دكتور " مدحت " مبتسماً : " طبعاً انت عارف حاتعمل إيه ، توصف الحرز من بره و جوه و الكارت الملزوق عليه ، تشوف العضم و توضح عدده ، من العضم تحدد سن المتوفى ، و إذا كان العضم لنفس الشخص و اللا أكتر ، و تقريباً ده عضم طفل صغير ،فهيبقى صب تحدد نوعه ذكر أو أنثى من مجرد الفحص الظاهرى ، و لو عرفت تحدد زمن الوفاة و سبب الوفاة يبقى كتر خيرك قوى ، و لو احتجت حاجة تعالى و اسألنى " .


شعرت بنوع من التشجيع و التحفيز فى كلماته ، مما أعطانى بعض الطمأنينة و الثقة ، و جعلنى أغادر مكتبه و أنا أشعر بأن الموضوع سيكون سلسا و بسيطاً ، و لكن فيما بعد اكتشفت أن شعورى كان خاطئاً ، كان خاطئاً و بشدة !! .


كان الحرز عبارة عن كرتونة متوسطة الحجم من الورق المقوى ، خفيفة الوزن ، و محكمة الغلق ، و تم اغلاقها بالشمع الأحمر الذى يحمل أختام وكيل النيابة المسئول عن القضية ، و قد قمت بفتحها بحرص ، و ما أن فتحتها حتى انبعثت منها الرائحة العطنة المميزة لرفات عظام الموتى ، مما جعلنى أقوم باستكمال الفحص فى بلكونة غرفتى لتقليل شدة الرائحة الكريهة .


قمت بوضع غطاء ورقى على الأرض ، و قمت باخراج العظام من الكرتونة برفق و حذر ، كانت العظام كما أخبرنى الدكتور " مدحت " لطفل صغير ، قمت بوضع العظام و توزيعها حسب الوضع التشريحى المعتاد ، و كانت بعض العظام مفقودة ، و لكننى اجتهدت لترتيب الموجود منها مسترشداً بكتب التشريح .


كنت قد انتهيت بعد حوالى ساعة من ترتيب العظام ، و بيان عددها ، و كتابة وصفها ، كما قمت بكتابة بيان بالعظام المفقودة ، و قد لاحظت أن العظام المشاهدة كلها سليمة ، و لا يوجد بها كسور واضحة ، كما تبينت عدم تكرار أى عظمة من العظام الموجودة ، مما يشير إلى أنها عظام لشخص واحد فقط ، بعد هذا جاءت مهمة تحديد عمر صاحب العظام ، و قد كانت مهمة شاقة فعلاً ، نظراً لسوء حالة الظام و عدم اكتمالها ، و لكننى حاولت بكل ما أوتيت من معرفة ، و مستخدماً العظام المتوفرة لدى ، و كذلك من خلال فحص الأسنان الموجودة بالجمجمة ، و كان الرآى المبدئى أن العظام لطفل فى حوالى الثانية عشرة من عمره ،و قد توفى منذ عام تقريباً
و بينما هممت أن أعيد العظام إلى الكرتونة التى كانت بها ، وجدت فى داخل الكرتونة أجزاء من ملابس مهترئة مغطاة بالطين ، كان خطأ منى أنى لم أقم بفحص محتويات الحرز بصورة كافية ، و ذلك ربما لأنها أول مرة أفحص حرزاً بمفردى ، فقمت باستخراج أجزاء الملابس ، و محاولة فحصها ، تبينت أنها أجزاء مهترئة فيما يبدو ل" تيشيرت " أطفال ، و أجزاء أخرى من بنطال صغير الحجم ، و عقب ذلك قمت بوضع كافة مشتملات الحرز فى الكرتونة مرة أخرى ، و قمت باغلاقه ، و اعادة تحريزه بالشمع الأحمر ، و ارساله إلى المخزن الملحق بالإدارة .
( 5 )


كانت القضية – فيما يبدو – سهلة ، و عقدت العزم على كتابة التقرير فى اليوم التالى عقب مراجعة بعض التفاصيل العلمية الخاصة بها ، و انتهى اليوم الأول لى فى المكتب ، و عدت إلى منزلى و تناولت الطعام و تبادلت الحديث مع أسرتى و زوجتى ، ثم خلدت للنوم .


السيدة العجوز توقفت عن الصراخ هذه المرة ، و لكنها مازالت تقف أمامى تنظر لى بغضب ، لحظة .. إنها ليست بمفردها ، إنها تمسك بيد طفل أو بيد طفلة بلا ملامح واضحة ، كان هذا باختصار أخر ما رأيته فى حلمى ، قبل أن أستيفظ صباح اليوم التالى و أنا أشعر بحيرة كبيرة من ذلك الحلم العجيب ، لماذا توقفت السيدة العجوز عن الصراخ ؟ما سر نظرة الغضب فى عينيها ؟ من هو ذلك الطفل أو الطفلة التى تمسك بيدها ؟ هل هذه رسالة من نوع ما ؟ لم أكن أعلم ما تفسير هذا الحلم الجديد ، و لكن كل ما كنت أعلمه أنه سيتكرر لأن هذه السيدة قررت ألا تتركنى بسهولة !


فى صباح نفس اليوم ذهبت إلى المكتب و قمت بأخذ احدى القضايا السهلة هذه المرة ، و قمت بكتابتها فى التو و اللحظة ، و أرسلتها إلى النيابة المختصة ، و لكنى لم أكن بعد قد انهيت تقرير الهيكل العظمى ، كان الحلم الذى رأيته و تزامنه مع هذه القضية يزيد حيرتى ، و ربما كان اشارة إلى أننى لم أقم بما يكفى فى هذه القضية ، مما دفعنى إلى احضار الحرز مرة أخرى ، و اعادة فحصه
.حضر أمين المخزن الأستاذ ( حسن ) حاملاً الحرز ، و قال : " اتفضل يا دكتور ( مصطفى ) ، الحرز أهو ، حضرتك هتفحصه تانى ؟
رددت عليه بهدوء : أيوه .. بعد اذنك ، عاوز أتأكد من حاجة ، و قمت بفض الحرز مرة أخرى ، و قمت بفحص العظام بعناية ، و لم أتبين شيئاً جديداً ، إلا أن كون هذه العظام لذكر أم أنثى كان يحيرنى ، فقمت بالاتصال بالمعمل الطبى الرئيسى بالقاهرة و الاستفسار منهم عن امكانية استخراج الحامض النووى من تلك العظام ، و تحديد أهى لذكر أم لأنثى ، و قد أجابونى بالايجاب ، و طلبوا منى ارسال أحد الضللوع لفحصه ، و قمت بالفعل بما طلبوا منى ، ثم قمت باغلاق الحرز مرة أخرى ، و ارساله للمخزن ، ثم عدت لمنزلى ، و تكرر نفس الروتين المعتاد ، طعام ، حديث مع الأسرة ، ثم أنام .


ليتها تكرر الحلم مرة أخرى ، السيدة العجوز بنظرتها الغاضبة بصحبة طفل أإو طفلة بلا ملامح ، ثم أستيقظ أنا ، و أذهب إلى العمل أعمل بقضايا أخرى و انتهى منها ، بينما قضية الهيكل العظممى بلا حسم .


بعد أيام ، وصلنى تقرير المعمل الطبى المركزى يفيد بأن تلك العظام تعود لطفلة أنثى ، و أنه قد تم استخلاص الحامض النووى بنجاح ، لحظتها شعرت بسعادة غامرة ، فقد اكتشفت إحدى النقاط المهمة ، و قررت لحظتها أن أكتب التقرير فى أقرب وقت ، و كالعادة تكرر اليوم بكافة تفاصيله ، و ذهبت إلى البيت معتقداً أننى لن أرى الحلم يتكرر هذه الليلة ، و لم لا ! فقد وصلت لنتيجة مهمة و أوشك دورى على الانتهاء فى هذه القضية ، و لكننى على ما يبدو كنت واهماً .
تكرر الحلم تلك الليلة أيضاً ، السيدة العجوز الغاضبة تنظر إلىً و تمسك بيدها فتاة صغيرة غير واضحة الملامح .. مهلاً ، إنها فتاة هذه المرة ، الحلم بدأ فى الاختلاف ، الحلم يتغير وفقاً لما أراه من مستجدات فى القضية ، كان هذا استنتاجى عن الحلم أنه يحمل اشارات حول القضية ، ربما يرشدنى لخطوات أخرى ، و ربما يكون هو سبيل الخلاص و صك الغفران من هذه السيدة العجوز لى .
ذهبت إلى المكتب صباح اليوم التالى ، و بمنتهى الفضول طلبت إعادة عرض الحرز علىً مرة أخرى ، فجاء الأستاذ ( حسن ) أمين المخزن ، و بيده الحرز ، و قال بلهجة يشوبها الضيق : الحرز أهو حضرتك ، هو فى مشكلة وللا حاجة فى القضية ؟ رددت بهدوء مبتسماً : لا أبداً ، بس كنت عاوز أتأكد من حاجة .
رد حسن باقتضاب : أصل الحرز لو اتفتح و اتقفل كتير ممكن الكرتونة تبوظ ، ياريت بلاش نفتحه كتير ، و برضه علشان نرجعه للنيابة


( 6 )


كان من الواضح أن حسن يحاول اختبار شخصيتى ، و عما إذا كنت بالعامية يمكن " ركوبى " من عدمه ، و كان هذا النوع من الاختبارات يستفزنى إلى أقصى مدى ، مما دفعنى للقول بلهجة جافة و صارمة : مبدئياً القضية مسئوليتى ، و الحرز ده مش هيتحرك من المخزن إلا لما القضية تتصدر للنيابة بعد ما أكتب التقرير ، و لو الكرتونة باظت نجيب كرتونة غيرها ، أعتقد كده واضح .
رد حسن بضيق : اللى تشوفه ، براحتك .


قمت بفتح الحرز ، و نظرت بتمعن إلى ما بداخله مرة أخرى ، ما الذى ينقصنى هذه المرة ؟ زمن الوفاة منذ عام ، و الهيكل لطفلة فى حوالى الثانية عشرة من العمر ، و لا توجد كسور بالعظام الموجودة ، فما الذى ينقصنى ؟ اكتشفت أن هذه الملابس لم أقم بوصفها أو فحصها بما يكفى !


قمت بفحص الملابس المهترئة ، قمت بإزالة الطين عن ال " تيشيرت " بعناية و رفق ، فتبينت أنه " تيشيرت " أطفال مهترىء قليلاً ، مرسوم عليه نجوم بألوان مختلفة .. مهلاً ، هناك ما يبدو أنه دم جاف على منطقة الصدر ، ليس هذا فحسب ، و لكن هناك – أيضاً – ربما أربعة أو خمسة قطوعات حادة الحواف بنفس المنطقة ، و هذه القطوعات وفقاً لطولها الذى لا يتعدى السنتيمترين تبدو و كأن سكيناً رفيعة أو مطواة قد أحدثتها .
كان ما اكتشفته للنو مثيراً للاهتمام ، فقمت بالاتصال مرة أخرى بالمعمل الطبى للسؤال عما إذا كان بالامكان الكشف عن الدماء بالملابس المهترئة ، فتبينت امكانية هذا ، و قمت بالفعل بارسال ال " تيشيرت " إلى المعمل الطبى ، و قمت باعادة تحرير الملابس و العظام ، و ارسالها للمخزن .


ذهبت إلى منزلى و أنا فى غاية السعادة حيث أننى وصلت إلى ترجيح أنه ربما سبب وفاة تاطفلة كان الطعن باستخدام أداة صللبة ذات نصل حاد كسكين أو مطواة ، و كنت أنتظر فقط تأكيد المعمل الطبى لوجود آثار دماء على ال " تيشيرت " حتى يصبح ما اكتشفته حقيقة ، و قد يكون اكتشافاً مهماً لأن القضية ستتحول من قضية التعرف على هيكل عظمى مجهول إلى قضية التعرف على ضحية لجريمة ما ، و كذلك محاولة التعرف على الجانى فى القضية .


خلدت إلى النوم هذه الليلة ، و تكرر الحلم بذات تفاصيل المرة السابقة ، إلا أن السيدة العجوز لم تكن غاضبة هذه المرة ، و كان هذا يعنى حسبما أعتقد أنها راضية عنى بصورة أو بأخرى ، و هذا يكفينى لحين التخلص منها نهائياً .


مرت عدة أيام روتينية فى العمل ، و روتينية فى الأحلام ، حيث تكرر نفس الحلم دون تغيير ، و فى أحد الأيام ورد تقرير المعمل الطبى مؤكداً وجود آثار لدماء بشرية على الملابس المرسلة ، و كان هذا دليلاً قاطعاً أن خلف الهيكل العظمى تكمن جريمة قتل بشعة راحت ضحيتها فتاة ، كان هذا يكفى بالنسبة لى للبداية فى اعداد تقرير طبى شرعى خاص بالقضية ، و أنهيته بالفعل ، و قمت ببدء اجراءات إرساله للنيابة المختصة .
لم أكن أتوقع فى هذه المرحلة أن يختفى الحلم ، و كنت راضياً أن يسير الحلم على نفس المنوال ، و لاسيما أن السيدة العجوز أصبحت راضية عنى فيما يبدو ، و لكن فى الليلة التى اتخذت فيما اجراءات إرسال التقرير للنيابة المختصة عاودنى الحلم مرة أخرى و لكن بصورة مغايرة ، كانت السيدة العجوز غير غاضبة ، و تنظر هذه المرة إلى الطفلة غير واضحة المعالم التى تمسك بيدها ، كانت الطفلة هذه المرة تبكى بصوت أسمعه بوضوح ، هى لا ، هى لا تتحدث بكلام مفهوم ، فقط تبكى ، و السيدة العجوز تنظر إليها ثم تنظر إلىً بحزن ، و انتهى الحلم ، و لم يكن لهذا سوى معنى واحد ، أن هناك ما فاتنى فى هذه القضية ، و أن ما فاتنى ربما يدمر القضية ، و الأسوأ أنه سيضيع حق الفتاة للأبد .
( 7 )


استيقظت حزيناً و مشوشاً فى صباح هذا اليوم ، ما الذى أفعله أكثر من هذا ؟ لقد فحصت الحرز جيداً ، و أخذت كل الاحتياطات الممكنة ، فلماذا بكاء الطفلة ؟ و قلت فى نفسى ( يعنى أنا أخلص من الست الحاجة اللى زعلانة ، تقوم البت تعيط !! )


ذهبت إلى المكتب فى ذلك الصباح ، و كنت قد عقدت العزم على فحص الحرز لمرة أخيرة و نهائية ، لن أضيع عمرى كله فى الفحص و التمحيص ، و فعلاً و فور وصولى للمكتب طلبت احضار الحرز مرة أخرى لاعادة فحصه ، ثم طلبت احضار التقرير الذى أعددته فى القضية لمراجعته ، و اكتشاف ما به من أخطاء ، أو معلومات غير مكتملة .


قمت بفحص الحرز مرة أخرى بدقة ، هذه المرة استوقفنى أمر محير ألا و هو أن طول العظام و حجم الجمجمة غير متناسبين مع العمر التقديرى لصاحبة الهيكل العظمى ، و الذى قدرته باثنى عشر عاماً ، إن العظام تبدو لطفلة أصغر فى السن ، و لكن مع سوء حالة العظام و اعتمادى بصورة كبيرة على فحص الأسنان المتبقية فى الفكين ، فإن تقديرى يبدو صحيحاً ، و لكن الجمجمة صغيرة جداً ، أصابتنى الحيرة ، قررت أن أجرى أشعة عادية على الجمجمة و الفكين ، فربما أكتشف شيئاً ما ، و بالفعل طلبت من فنى الأشعة فى المكتب إجراء أشعة على الجمجمة ، و بالطبع قوبل طلبى بالاستغراب و الاندهاش مع نبرة اعتراض من فنى الأشعة ، فكيف نجرى أشعة لجمجمة على جهاز يستخدمه الأحياء ؟!


بالطبع حدث جدال بينى و بينه انتهى باصرارى على إجراء الأشعة مع تهديد ضمنى بالشكوى لمدير المكتب فى حال عدم تنفيذ طلبى .


مر ما يقرب من نصف الساعة دون أن أتلقى الأشعة التى طلبتها ، و لكن ما تلقيته هو طلب من الدكتور ( مدحت ) مدير المكتب لمقابلته بصورة عاجلة فى مكتبه ، و ما أن دخلت المكتب حتى قال لى : فى إيه يا دكتور مصطفى ؟ إنت عندك مشكلة فى قضية الهيكل العظمى ولا إيه ؟


بدا على صوتى الارتباك و أنا أقول بحذر : لا أبداً ، حضرتك زى ما قلتلى القضية سهلة ، بس أنا بأحب أتأكد من حبة تفاصيل قبل ما أخلص التقرير علشان الثضية أول مرة أعمل زيها .
رد دكتور مدحت بحدة : و مش بتيجى تسألنى و تطلب رآيى ليه ؟ مش اتفقنا لو فى حاجة تبلغنى ؟
قلت بخجل : و الله يعنى قلت قضية سهلة ، و محبتش أزعج حضرتك .


قال دكتور مدحت : هو أنا قاعد فى بيتنا علشان تزعجنى !! ده شغل ، و بعدين أنا ملاحظ إن القضية دى خدت من وقتك كتير ، القضية متقيدة عند النيابة ( ادارى ) .. يعنى مش جنايات أو جنح ، يعنى قضية ميتة ماحدش هيدوًر عليها كتير ، و مافيهاش دوشة ، أومال هتعمل إيه لما تتعرض عليك قضية رأى عام ، و المتهم فيها حد مشهور و لا فيها قلق ؟!! و برضه طريقة تعاملك مع الموظفين فيها عصبية ، و هما اشتكولى منك ، أنا ماحبتش أكلمك قدامهم علشان ماصغركش ، بس ياريت بعد كده تاخد رأيى فى أى حاجة تقف عليك ، و برضه تحاول تكون هادى مع الموظفين لأننا أسرة واحدة ، و عملنا متكامل .


كنت فى هذه اللحظة بالفعل قد وصلت لقمة الاحراج و الخجل من نفسى ، و لم يعد بمقدورى النقاش و الحديث ، فما كان منى إلا أن قلت باستسلام : حاضر ، أنا أسف ، و مش هيتكرر تانى .
رد دكتور مدحت بهدوء : ماتتأسفش ، انت لسه جديد و متحمس ، و إن شاء الله بكره هتكتسب خبرة بالتدريج ، و بالمناسبة أنا قلت لفنى الأشعة يعمل الأشعة على الجمجمة زى ما أنا طلبت ، عاوز أشوف اختراعاتك دى أخرتها إيه .
( 8 )


ابتسمت ثم استأذنت للانصراف ، و عدت إلى مكتبى و كلى احباط ، أعترف أننى ربما أسأت التصرف ، و لكننى – أيضاً – أدرك أن الدكتور مدحت ، و بعد هذا العمر الطويل من العمل فى الطب الشرعى ربما فقد شغفه و حماسه للعمل ، و ربما أصبحت بالنسبة له معظم القضايا روتينية و مجرد أرقام فى كشوف القضايا ، و لكن بالنسبة لى – و مع تلك الأحلام التى أشاهدها كل ليلة – فإن هذه القضية ربما تكون خلاصى من تلك السيدة العجوز التى تطاردنى تؤنبنى كل ليلة لخطأ ربما ارتكبته بغير قصد ، أو ربما لم أرتكبه أصلاً ، لهذا كان ينبغى علىً التعلق بأى شىء من أجل إإنهاء القضية على أكمل وجه أملاً فى الخلاص !


أمسكت بالأشعة التى وجدتها على مكتبى بالفعل ، و ما أن رفعتها لأشاهد تفاصيلها حتى اكتشفت أن الصدام و التوبيخ الذى نلته من مدير المكتب لم يذهب هباء ، لقد استحقت هذه الأشعة كل ما عانيته من أجلها حقاً .
كانت الأشعة توضح وجود أسنان بازغة ، و هى التى اعتمدت عليها فى تحديد عمر صاحبة الهيكل العظمى ، و لكن ما كشفت عنه الأشعة هو وجود أسنان مازالت لم تبزغ من الفكين ، أى أن الأسنان التى شاهدتها سابقاً وبالفكين كانت بعض الأسنان اللبنية و الأسنان الدائمة ، أما ما كان مختبئاً فى هذا الفك الصغير فهو باقى الأسنان الدائمة ، و هو ما يعنى أن العمر الذى حددته سابقاً كان خاطئاً ، عمر الفتاة يتراوح ما بين ستة أو سبعة أعوام ، و ليس اثنى عشر عاماً ، و كان هذا يعنى الكثير فى حالة ما إذا كان هناك طفلة مفقودة فى نفس العمر ..
كان هذا كل ما يمكننى استنتاجه من الهيكل العظمى ، و من باقى محتويات الحرز ، و لم يكن بمقدورى فعل المزيد ، فقمت بإعادة كتابة التقرير و ارساله للنيابة فى ذات اليوم ، و كذلك إرسال الحرز ، و من فرط حماستى لما أنجزته فى القضية قمت بالاتصال بوكيل النيابة المسئول عن القضية ، و أخبرته أن يبحث فى قضايا الفمفقودين عن قضية لطفلة فى حوالى السادسة من عمرها طولها حوالى 120 سم ، و كانت ترتدى " تيشيرت " عليه نجوم بألوان مختلفة ، و بنطال الترينج أخضر ، كما أخبرته أن سبب الوفاة المرجح هو الطعن فى الصدر باستخدام آداة ذات نصل حاد و طرف مدبب مثل سكين رفيع أو مطواة ، كما أخبرته أنه فى حالة وجود من يبحث عن فتاة بنفس المواصفات فعليه إرساله إلى المعمل الطبى الرئيسى بالقاهرة لإجراء اختبارات الحامض النووى .
بالطبع ، نلت كثيراً من الاطراء من السيد وكيل النيابة نظراً لكم المعلومات الكبير الذى وفرته له ، و الذى من شأننه أن يغير مجريات القضية ، و تفرغت عقب ذلك لمباشرة قضاياى العالقة بصورة أسرع ، و نلت إشادة من مدير المكتب ، كما تحسنت علاقتى كثيراً بموظفى الادارة ، حتى أننا أصبحنا أقرب إلى الأصدقاء .


مرت عدة أسابيع منذ انتهائى من قضية الهيكل العظمى ، و كانت أحلامى الخاصة بالسيدة العجوز قد بدأت تقل تدريجياً ، إلا أنها لم تختف نهائياً ، كانت السيدة العجوز تجلس أمامى ناظرة إلى الطفلة الصغيرة الممسكة بيدها ، لا حديث و لا بكاء و لا صراخ ، فقط صمت مطبق لثوان ، ثم ينتهى الحلم .


و فى أحد الأيام ، و بينما كنت جالساً بمكتبى أردى بعض الأعمال ، طرق الباب أحد العمال بالمكتب و أخبرنى أن هناك زائر يسأل عنى ، و لقد اندهشت كثيراً ، نظراً لأننى لا أعرف أحداً خارج دائرة المكتب ، و لكننى وافقت على مضض على لقاء الزائر الغريب ، و ما هى إلا لحظات حتى دخل رجل فى حوالى منتصف العقد الرابع من العمر ، ذو لحية خفيفة ، و يبدو على ملامحه الحزن ، ثم صافحنى مبادراً بالحديث ، و قال : السلام عليكم يا دكتور مصطفى .
صافحته و رددت عليه قائلاً : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ، أهلاً يا فندم ، تحت أمرك .
أجابنى بنبرة حزينة : أنا والد الطفلة ( أحلام ) .
( 9 )


لم أكن قد باشرت أية قضايا يوجد طفلة اسمها ( أحلام ) .مما جعلنى أجيبه متسائلاً : معلش ، أحلام مين ؟!
قال : الطفلة ( أحلام ) اللى حضرتك شلإفت الهيكل العظمى بتاعها ، و كتبت عنها تقرير .
هنا تذكرت قضية الهيكل العظمى ، حيث أننى لم أتابع تطورات القضية منذ أن انتهيت من التقرير و أرسلته للنيابة ، فما كان منى إلا أن قلت : البقاء و الدوام لله ، ربنا يصبركم و يرحمها .
رد بحزن : الله يخليك يا دكتور ، أنا جاى أشكرك على مجهودك علشان تجيب حق بنتى ، فى النيابة قالولى إن تقريرك كان ليه دور ، و ساعدهم فى حل القضية ، و أنا عمرى ما هنسى لك الجميل ده .


كان حديثه قد أثار فضولى لمعرفة تفاصيل القضية ، فقلت له : لا أبداً ماتقولش كده ، ده واجبى ، بس يا ترى إيه الجديد فى القضية ؟


بدا و كأننى قد لمست جرحاً أليماً بوجدانه ، و انسابت دمعة من عينيه و هو يقول : و الله يا دكتور مش عارف أقول إيه ، أنا كنت متجوز ، و ( أحلام ) دى بنتى الوحيدة ، و كنت شغال فى الخليج بقى لى فترة ، أم ( أحلام ) – الله يرحمها – تعبت فجأة ، و اكتشفنا إن عندها سرطان الدم ، لفينا على دكاترة كتير ، و صرفت كل فلوسى على علاجها ، بس أمر الله نفذ ، و ماتت ( أم أحلام ) ، رجعت ب ( أحلام ) مصر ، و قعدت فترة أظبط أمورى ، ناس معرفة ليا بعد كام شهر رشحهولى واحدة أتجوزها تراعينى و تراعى بنتى ، و تبقى فى مقام أم ليها ، و أنا سألت عليها ، و قالوا بنت حلال و أهلها طيبين ، و فعلاً اتجوزتها ، و خدتها هى و أحلام و سافرنا الخليج تانى علشان أعمل قرشين ، و أبدأ حياتى من جديد ، كام شهر و مراتى الجديدة عملت مشاكل معايا و قالت مش عاوزة أقعد فى الغربة ، و اتفقنا ترجع هى و بنتى يقعدوا فى مصر و أنا أبقى أجيلهم زيارات ، عدت فترة و بعدين لقيتها هى و أخويا بيتصلوا بيا و بيقولوا إن فى ناس خطفوا أحلام ، و طالبين من أخويا فدية مليون جنيه أو هيقتلوها بعد أسبوع ، أو لو بلغنا البوليس ، أقسم بالله ما كان حيلتى عشر المبلغ ، استلفت من الناس اللى قدرت عليه ، و حولت الفلوس لأخويا ، بس ماحدش اتصل بيه تانى ، و لا سمعنا أى حاجة ، و أخويا عمل محاضر فى كذا قسم و أداهم أوصاف أحلام ، أنا ماكنتش عارف أعمل إيه ، كنت بشوف أحلام فى الحلم ، هى و المرحومة أمها ، و أعصابى تعبت .. فضلت كمان شهرين فى الغربة و بعدين ماقدرتش أكمل و رجعت مصر ، قلبت الدنيا فى كل حتة علشان ألاقى بنتى ، و للأسف ماعرفتش ، جبت واسطة علشان تفتش فى محاضر التغيب بتاعة الأطفال ، و جبت واسطة علشان تشوف قضايا الجثث مجهولة الهوية فى3 محافظات حوالينا ، لغاية ما لقيت القضية اللى حضرتك عملتها ، و قدمت بلاغ إنى أعمل كشف نسب فى مصلحة الطب الشرعى ، و طلعت بنتى هى صاحبة الهيكل العظمى ، و عرفت إنها ماتت مقتولة ، خلال الفترة دى مراتى الجديدة عملت مشاكل معايا لرب السما علشان ازاى أرجع مصر و أسيب حالى و شغلى فى الخليج ، ماكانتش مقدرة حالتى النفسية ، طلقتها و فوجئت بعدها بكام شهر متجوزة شاب تانى ، لما عرفت إن بنتى اتقتلت شكيت فى طليقتى ، و بلغت النيابة إنى بتهمها بخطفها و قتلها ، مع التحقيقات و بعض الشهود اكتشفت إن طليقتى كانت على علاقة بالشاب اللى اتجوزته و هى لسه مراتى ، و طليقتى اعترفت إن أحلام شافتها و عشيقها مع بعض ، و إنها خافت البنت تفتن عليها ، و راحوا مدبرين موضوع الخطف ، و عشيقها خد البنت و قتلها ، و رمى جثتها فى مزرعة مجهولة ، و حصل اللى حصل .


كانت تفاصيل القصة محزنة و بشعة و مروعة إلى أبعد مدى ، مما جعلنى أقول له بتأثر : حسبى الله و نعم الوكيل ، ربنا المنتقم ، ربنا يصبرك و يعوض عليك .
أجابنى باكياً : يعنى أنا غلطان علشان سافرت و سبت بنتى مع واحدة غريبة ؟! و الله العظيم كنت عاوز أعمل قرشين أأمن لها مستقبلها ، و أحميها من غدر الزمن و المرض ، طب أنا ليه يحصلى كل ده ؟! أمها تموت ، و هى تتخطف منى بدرى ! أقسم بالله عمر ما دخل فى فلوسى قرش حرام علشان يحصل لى كل ده .
( 10 )


قاومت دموعى بقوة و أنا أواسيه : وحد الله يا أستاذنا ، ده ابتلاء من ربنا مش عقاب ، و انت شخص مؤمن ، انت ماكنتش تعرف الغيب ، و كنت بتجتهد لتوفير حياة كريمة لأسرتك و لبنتك ، و اللى حصل ده الله و قدره .


بدأ الرجل فى الهدوء تدريجياً قبل أن يخرج صورة من جيبه و يقول : بص كده يا دكتور ، دى أحلام بنتى ، دى صورتها و هى عندها 5 سنين ، بقى الملاك دى يحصل لها كده ؟! دول عالم كفرة مايعرفوش ربنا .


أخذت الصورة من يديه و تأملتها ، كانت الصورة لفتاة صغيرة قمحية البشرة ملائكية الملامح ذات شعر أسود ناعم ، ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة ، بينما تبدو كزهرة صغيرة و هى ترتدى فستاناً أبيض ، كانت حقاً أشبه بملاك صغير ، زادتنى هذه الصورة ألماً و حزناً على مصير تلك الفتاة الصغيرة ، أعدت الصورة إلى والدها و قلت : ربنا يرحمها ، فى الجنة إن شاء الله ، و ربنا يصبرك و يعوض عليك .
رد علىً الرجل متسائلاً : معلش يا دكتور ، هى اتعذبت قوى و هى بتموت ؟ انت أكيد عارف !
كان سؤاله مفاجئاً و صادماً لى بشدة ، و لكن اجابتى الحقيقية أيضاً كانت صادمة و مؤلمة له ، و لكننى تداركت الأمر و قلت : الله يرحمها ، لو كانت اتعذبت و اتألمت فى حياتها ، فهى أكيد مرتاحة دلوقت ، و فى مكان أحسن ..
رد بأسى : أيوة .. الحمد لله ، هى ارتاحت و أمها الله يرحمها ارتاحت و سابونى أنا أتعذب فى حياتى من غيرهم و بحسرتى عليهم .
فى هذه اللحظة دخل موظف للمكتب و أعطانةى قضية جديدة من أجل البدء فيها ، مما دفع والد أحلام للنهوض و الاستعداد للمغادرة قائلاً : ألف شكر يا دكتور على مجهودك و وقتك ، و آسف على إنى عطلتك ، ربنا يحفظك لأسرتك و يخلى حبايبك ليك ،و يكفيكم شر المرض و أولاد الحرام ، و لا يكتب عليكم اللى اتكتب عليا .


ثم غادر الغرفة مسرعاً حتى قبل أن أرد عليه ، كانت هذه المرة الأولى منذ شهور طويلة التى يدعو لى فيها غريب ما مثل هذه الدعوات ، كنت معتاداً على سماع هذه الدعوات من المرضى و ذويهم عندما كنت طبيب طوارىء ، أما بعد قدومى للطب الشرعى فلم يدع لى أحد إلى الآن ، من قال إذا إن الطب الشرعى عمل بلا مشاعر ؟ ! من قال إن الطبيب الشرعى جاف الأحاسيس ؟ من قال إن العمل مع الموتى و من أجل الموتى بلا فائدة ؟ هل هناك أسمى من أن تتواصل مع من هم تحت التراب ؟ تدافع عنهم و تقاتل من أجلهم و تحزن لمصابهم ؟!


ربما مجال الطب كله كذلك ، أن تتألم لآلم الأخرين ، و تسعى من أجلهم ، و تحارب من أجلهم ، سواء كانوا أحياء أم موتى ، لا شىء سهل فى الطب ، لا شىء مفرح ، إلا إذا عالجت نفساً أو أعدت لها حقها .


عدت إلى منزلى فى هذا اليوم تملؤنى مشاعر متضاربة ، السعادة فى اظهار الحق ، و نصرة العدل فى قضية أحلام الغامضة و الصعبة ، و الحزن و الآسى على مصير الطفلة و أبيها ، هكذا هى الحياة مليئة بالمآسى و المصائب ، و لكنها تستمر إلى أن يرث الله الأرض و من عليها .
فى هذه الليلة نمت بعمق ، و رأيت ذلك الحلم ، رأيت السيدة العجوز ، و لأول مرة تنظر إلىً مبتسمة و تمسك بيدها طفلة ، و لكن فى هذه المرة ملامح الطفلة واضحة ، الطفلة كانت هى الطفلة أحلام ، و هى تضحك ضحكة طفولية رائعة ، تلوح لى و تودعنى ، ثم السيدة العجوز و أحلام ترحلان مبتعدتين عنى حتى غابتا عن ناظرى .
استيقظت فى اليوم التالى سعيداً ، و مارست حياتى فيما بعد بصورة طبيعية ، و لم تعاودنى أبداً أية أحلام عن السيدة العجوز ، أو عن الطفلة ، و يبدو أننى قد حصلت على صك الغفران من السيدة العجوز بفضل تلك الطفلة الصغيرة ، بفضل أحلام .


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها


آخر التلخيصات

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

الليلة الأولى ...

الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...

لا تخافي ترا ال...

لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...

د.رقية العلواني...

د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...

و من أهم المعوق...

و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...

تعتبر اليابان ن...

تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...

السودان يمتلك ب...

السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...

يُعدّ هذا الفصل...

يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...

Research Summar...

Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...

لا شك في أن الظ...

لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...

لم تُعرَّف جريم...

لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...

ديم إشكالي نهجت...

ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...