الرئيسية

لخّصلي

خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة

نتيجة التلخيص (60%)

وبالتالي تعددت الفروع التي مضى الباحثون يدلون بدلوهم فيها. وكان لنشر المذكرات الخاصة بأولئك الذين أدوا أدوارا حفظها لهم تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وخصوصا في فترات التحول الموقع على خريطة المركز الذي وقع اختياره على ما كتبه سليمان حافظ - وكيل مجلس الدولة ثم المستشار القانوني الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء - تحت عنوان ذكرياتي عن الثورة، فإنها تفيض بالأحداث، وتعد مصدراً من أهم المصادر التاريخية لتلك الفترة نظرا للدور الذي قام به صاحبها في تثبيت دعائم الثورة. وبناءً على المنهج الذي تتبعه اللجنة العلمية للمركز، فإنها في حالات كثيرة تفضل أن يسبق العمل الذي نقوم بنشره دراسة تحليلية له، وبالذات إذا كان هذا العمل يعبر عن وجهة نظر كاتبه التي تميل في معظم الأحيان إلى التحيز لنفسها . ويتبين ذلك بشكل ملحوظ في كثير من المذكرات التي يدونها أصحابها، وفي الوقت نفسه هناك البعض الذي لا يسبح مع هذا التيار، وإنما يتحرى الدقة ولا يتوارى عن أن يعترف بما يمكن أن يسيء إليه، وهي - إذا جاز التعبير - هوجة المذكرات التي كتبتها شخصيات لا وزن لها ونسبت لنفسها الأعمال الخارقة، وأوضحت كيف أنها كانت العالمة ببواطن الأمور نتيجة لمعرفتها بمكامن الأسرار. ومن هنا اختلطت الأمور على الناس ما بين الغث والسمين، وأصبح لزاما على المؤرخين أن يواجهوا هذا التردي، وهو ما فطنت له اللجنة العلمية عند نشر أعمالها، من حيث الاختيار المتأني الذي يخضع لمعايير موضوعية أولا ثم الدراسة الحيادية المتأنية التي تسبق العمل. في رحاب مدينة الإسكندرية، وعلى أرض حي كوم الشقافة الشعبي، وفي أغلب الأحيان يمتلك التجار الثقافة بحكم معاملاتهم مع الناس، أي من خلال علاقاتهم الاجتماعية، ومن ثم فقد نشأ الابن في بيئة هيأت له أن يكون تكوينه ممتزجا بذلك المناخ، فبدأ طريقه العلمي حتى حصل على البكالوريا. وفي ذلك الوقت كانت دراسة الحقوق تحتل مكانتها، نظرًا لنوعية دراستها المرتبطة بالقانون فضلا عن أنها تؤهل أصحابها لتولي المناصب الإدارية العليا بالدولة، وفي حاجة الرجال يدافعون عن قضيتها من هذا المنطلق التحق سليمان حافظ بالحقوق، فعمل موظفا في مصلحة الجمارك، وشكل إصراره وقوة إرادته وقدرته الذهنية عاملا مهما في مواصلة تعليمه وحصوله على ليسانس الحقوق ثم وكيلا لوزارة العدل. أما عن الماضي الوطني لسليمان حافظ، الوطني، وشارك بحماس في الحركة الوطنية ضد الاحتلال وقت جذوتها، ووقع تحت الاتهام في قضية اغتيال السير لي ستاك عام ۱۹۲٥ ، ولكن أنقذه القدر، ولم يصدر عليه حكم الإعدام كغيره. وقد دفعته هويته السياسية منذ وقت مبكر إلى أن يكون معارضًا ويُعد عام ١٩٤٩ من العلامات الفارقة في حياة سليمان حافظ، مجلس الدولة، وهو مجلس جديد على النظام القضائي المصري الحديث، تأسس عام ١٩٤٦ وشمل محكمة القضاء الإداري، وقسمي التشريع والرأي، وأمسك بزمام قسمي التشريع والرأي وتوثقت علاقة الود بين الطرفين. لم تتمكن السلطة التنفيذية قبل ثورة يوليو من السيطرة عليه، تلك التي أقلقت وأرقت الملك فاروق، وفشلت محاولات السلطة في اختراقه، إذ قامت الثورة، وكان للثنائي القانوني السنهوري وسليمان حافظ دورهما معها. وتعتبر الفترة من قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ - التي عرفت وقتئذ بحركة الضباط المباركة - وحتى نهاية أزمة مارس ١٩٥٤ من أحرج الفترات الصاخبة في حياة مصر، ونجحوا في جانبا، وذلك منذ أن أشرك رشاد مهنا في الوصاية المؤقتة على عرش الملك الطفل أحمد فؤاد الثاني. ظهر أمام الجميع عزوف سليمان حافظ عن المشاركة في وزارة علي ماهر، كما صرح برغبته في الاستقالة من مجلس الدولة ليعمل بالمحاماة ويكون حرا طليقا، ولكن عندما رفض رئيس الوزراء ذلك، وهنا يتبادر للذهن، فهما اللذان يحتاجان إليه بل ويخضعان لمشورته. كذلك فإنه إذا قبل المنصب، هذا في وقت يعلم فيه سليمان حافظ نوعية وتركيبة شخصية علي ماهر، فهو يمثل له نموذج رجل القصر العتيد، وصاحب المصلحة والسطوة، ومما يُسجل في هذا الصدد أنه قد ومن منطلق آخر، فإن سليمان حافظ، فله الباع في الحركة الوطنية منذ وقت مبكر، ويحمل موقفا سياسيا، وكثيرا ما صب غضبه على نظام ما قبل يوليو ، مركزا على تاج الدولة وحزب الأغلبية، وعليه فقد آمن بما قام به الضباط، وشجعهم وذلل لهم العقبات التي تتفق في الوقت نفسه مع التخلص من العهد البائد بكل مقوماته. وفي الحين ذاته، فإن الضباط رأوا فيه الأداة التي تثبت وجودهم وتدعم شرعيتهم. فإنه لم يمكنه، وانتهي بسقوط الأولى بعد خمسة وأربعين يوما من الحكم. وعرض على بساط البحث اختيار الشخص الذي سيتولى تشكيل الوزارة الجديدة فاقترح سلیمان حافظ اسم صديقه وربيب مهنته السنهوري، ولكنه استبعد لما سبق أن تردد بشأن ميوله اليسارية. اقترح فتحي رضوان ترشيحه لهذا المنصب، ووجد الاقتراح قبولا من مجلس قيادة الثورة. ومرة أخرى يرفض. وهنا يختلف الأمر عن سابقه، وضع في اعتباره أن الوزارة معرضة في أي لحظة اختلاف للإقالة، فضلا عن أن قبوله يخالف السياسة التي انتهجها والخاصة بتبوؤ وبالتالي رشح محمد نجيب للمنصب. ولما كان لسليمان حافظ تلك المكانة بين الوافدين العسكريين الجدد على الحكم فإنه حينما شكل محمد نجيب وزارته في ٧ سبتمبر ١٩٥٢ ، تم اختياره نائبا له ووزيرا للداخلية، وعلى الفور أصبح له الباع في اختيار الوزراء. والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا قبل الاشتراك في الوزارة ؟ لقد كان حينئذ قد تملك السلطة، وليس العكس بعد تلك الثقة التي نالها من العسكريين. وبحكم الواقع، فإن نجيبا لم يكن متفرغا لموقعه الجديد، وذلك بعد أن تدفقت عليه الشعبية الجارفة التي جعلته دائم التحرك وكثير الزيارات واللقاءات، وعمقت فيه الإحساس بالزعامة، بالإضافة إلى فقدانه فن الممارسة السياسية، والنتيجة أن أصبح الوضع مهيئا لسليمان حافظ؛ فأمسك بزمام الأمور بعد أن تركت له حرية التصرف. ومن منطلق سلطته لم يعد المشرع فقط وإنما أيضا المنفذ، ومما لا شك فيه أنه أرضى مجلس قيادة الثورة بتلك الإجراءات التي أقدم عليها، وبالذات المتعلقة بالأحزاب والدستور، وذلك أثناء الصراع struggle على السلطة بين رئيس الوزراء ومن انضم إليه من الضباط وبين مجلس قيادة الثورة. والواقع أنه لم يكن نزاعا conflict، بمعنى أن المسألة ليست اختلافا في توزيع الاختصاصات بقدر ما كانت التصميم على استحواذ السلطة. وحاول سليمان حافظ إصلاح ذات البين، وذلك بعد أن برز الدور القيادي لجمال عبد الناصر ومجموعته في مجلس قيادة الثورة الذي أصبح يشغل الساحة منفردا، وما كان يقدمه له من تفسيرات وشروحات قانونية، واستمر الصراع بين المجلسين، ورأى سليمان حافظ استقالة الوزراء، وتسليمه للعسكريين، وإما أن يشركوا معهم مدنيين متحججا بأن عليهم تحمل المسئولية مصرحا بأن هذا الوضع هو الأفضل من ازدواج السلطة القائم، الذي كلل فيه تثبيت الحكم العسكري. ورغم ما قدمه سليمان حافظ من خدمات، فإن مجلس قيادة الثورة بعد أن استنفد ما لديه، ووجد أن ميوله منعطفة ناحية نجيب، أبقاه مؤقتا حتى تحين فرصة التخلص منه، وذلك في وقت كان الإعداد لإعلان الجمهورية على قدم وساق، وذلك قبل إقرار الدستور، وبتعيين نجيب رئيسا لها وتقلده رئاسة الوزراء، وشغل عبد الناصر منصب سليمان حافظ في الوزارة السابقة، وهو منصب شرفي قصد من ورائه أنه قد استغني عن خدماته. وبالذات بعد سحب القيادة العامة للقوات المسلحة من رئيس الجمهورية وتسليمها إلى عبد الحكيم عامر وترقيته من رتبة صاغ ( رائد) إلى رتبة لواء، حاول سليمان حافظ استكمال طريقته بشأن فك الاشتباك بين المتصارعين، وتوالت الأحداث سريعا، ورأى مجلس قيادة الثورة ضرورة التخلص من نجيب وطلب عبد الناصر من سليمان حافظ استقالة نجيب، أدى إلى عودة نجيب إلى رئاسة الجمهورية في ۲۷ فبراير ولكن دون سلطات، وعندما تعذر تحديد اختصاصاته مع هذا المناخ المفعم بالتوتر، وكان لعودته الأثر الكبير على الشعب الذي استقبله بكل الحب، وأخذت المظاهرات المدبرة طريقها، وساءت الأحوال، وتفاقمت الأمور، وأنذرت بأن هناك ما ينبئ بحدوث تغييرات. وأدرك أنه أضحى غير مرغوب فيه، فقدم استقالته في ۲۷ مارس، ليعود إلى مهنة المحاماة التي رأى فيها مكانه الأخير، ولكنه ظل متابعا للأحداث، وينتقد اتفاقية الجلاء. لكنه لم يفعل حتى أعفي من مهامه الرسمية واعتقل في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ ليسدل الستار على ما اصطلح على تسميتها - في الخطاب التاريخي - بأزمة مارس ١٩٥٤. وأخذ على عاتقه مهمة إعادة الحرية إليه قانونا، وسعى في ذلك، وما ترتب على ذلك من وقائع أبرزها العدوان الثلاثي على مصر. ولم يكن سليمان حافظ ببعيد عما يحدث، فكانت له الآراء التي جهر بها، وتمكن من نقلها للمسئولين والتي حملت بين طياتها رغبته في تولى نجيب شئون البلاد، مما أسفر عن اعتقاله مع سياسيين آخرين، ورغم أنه لم يستمر فترة طويلة في الاعتقال، لكنها أثرت في نفسيته كثيرا، حيث وجد فيها تكفيرا عما ارتكبه من ذنوب، ومضى في تأنيب نفسه، وجهر بالندم على ما صنعه من أجل نجاح العسكريين وتوطيد حكمهم والذي كان على حساب وأد الديمقراطية. ولم يتخل عن جلد ذاته عندما خرج من معتقله، واستمر في بعد أن ترك للتاريخ الحكم عليه. وقبل أن نتعرض لذكريات سليمان حافظ التي بين أيدينا نشير إلى موقع المذكرات على خريطة الكتابة التاريخية، فمن المعروف أن لها أكثر من نوع - وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين أدوا دورا في الحياة السياسية - فهناك اليوميات التي يسجل صاحبها الأحداث في حينها، وهناك الذكريات وتنقسم بدورها إلى تلك التي تكتب بعد فترة قريبة من الأحداث بحيث تكون ماثلة أمام عين صاحب القلم، فيكون الزمن قدران عليها. فإن الأمر يتفاوت بين قلم وآخر تبعا لشخصية الكاتب وتكوينه المختلف الأبعاد فيما يختص بالنشأة والثقافة والقدر الإيجابي من الرؤية الحيادية والصدق والمرحلة العمرية وبالذات إذا كانت متقدمة فإن الأمور تختلط عليه، فضلا عن دور الكاتب فيما يرويه من أحداث، وما يسوقه من مبررات ليجعل صورته وردية. ولكن على جانب آخر، هناك آخرون لم يستروا أخطاءهم، ومن ثم فهم يقدمون خدماتهم للتاريخ، وفي الوقت نفسه ينالون احترام القراء، ونتيجة لذلك، وذلك عندما توضع تحت المنظار، وقبل ذلك الاتجاه الحيادي ليتسنى وذكريات سليمان حافظ سبق أن نشرت صحيفة الأخبار أجزاء منها عام ١٩٧٥، كما نشرتها صحيفة العربي عام ۱۹۹۷ . الأستاذ عادل السمرة. ومما يذكر أننا قد تدخلنا بالقدر البسيط في هذا النص سواء من حيث وضع علامات الترقيم والهمزات والتقسيم إلى فقرات أو التعليق العابر في الهامش التصويب معلومة جاءت سهوا من كاتبها بدأ سليمان حافظ كتابة هذه الذكريات بعد اعتزاله المناصب، حتى تكون نظرته لها بعد وقوعها مختلفة عن أثنائها، وانتهى منها في ٢٣ يونيو ١٩٥٦ ، ولا تنقسم إلى فصول، وإنما هي موضوعات التزمت إلى حد كبير بتتبع التاريخ، واختلفت من حيث الصفحات التي شغلتها، يستهل سليمان حافظ ذكرياته بإشارات لنظام ما قبل ثورة يوليو، تثبت أنه كان ناقما عليه، وعلى ما أصاب مصر منه. وبذلك يكون قد خرج عن الحياد الذي ذكره في بداية كتابته، ويرجع ذلك إلى أنه رجل صاحب ميول حزبية، وإن كان ينكر على نفسه ذلك. وترجم مشاعر الفرح التي غمرته مع بوادر قيام حركة الضباط، وكيف تمنى نجاحها والخلاص من الوضع القائم. وينقل إلينا إعجابه بنجيب، وهذا أمر طبيعي، فهو القائد وصاحب الماضي المشرف. وكان سليمان حافظ شأنه في ذلك شأن المصريين الذين أحبوه واعتبروه المنقذ لهم مما يعانون منه. ومنذ البداية جاء اختياره موفقا للمهمة التي ألقيت على عاتقه لما له من كياسة ودبلوماسية، وغبطة بما يحدث. ومما يميز الذكريات أن سليمان حافظ اعترف مبكرا في أثناء كتابته بأن ما أقدم عليه بالنسبة لمسألة الوصاية المؤقتة مع زميله السنهوري كان خطأ. ويُسجل أنه في أيامه الأولى مع الانقلاب كان يرغب في الاستقالة ليتفرغ لممارسة مهنة المحاماة، وقد استمر يعزف على هذه النغمة حتى استقال بالفعل بعد واحد وعشرين شهرا من إسهاماته في الأحداث، ويرجع السبب في الرجوع عنها طوال هذه الفترة إلى الضغط عليه من ناحية، من ناحية أخرى. وبين الأخير ونجيب في النهاية، ولكن الأمر اختلف بين الشخصيتين فلم يكن يرتاح للأول والعكس مع الثاني. وكان يؤمن بأن حركة الضباط تحولت إلى. انقلاب عسكري ثم أصبحت ثورة، وأن الشواهد دلت على ذلك، وعد أن الأمر أصبح لزاما على القانونيين بشأن حمايتها، ويدافع عن نفسه بأنه أراد أن يحيط أعمالها بسياج من الشرعية، ويلوم الآخرين الذين اتهموه بهذا المسلك، وغدا ذلك ورقة استخدمت ضده فيما بعد. وعندما يتعرض لشخصيات من مجلس قيادة الثورة لا يذكر أسماءهم، وإن كان بعد ذلك رددها. كما يتضح أنه كانت له العلاقات القوية مع بعضهم، فهو أحيانا لا يسميهم، هو ويرجع ذلك إلى طبيعة عملهم السري فيما قبل القيام بحركتهم. إذ انتابه الإحساس بسحب البساط من تحت قدميه، معترفا بما كان له من الحسنات والسيئات، وأنهم لم يقدروا ما فعله في سبيل نجاحها، ومن ثم لازمه الندم، هؤلاء الرجال ؟ فإنه - أي سليمان حافظ - استبعد ذلك، ورجح أن ما حدث تم بناء على تدبير رجال الصف الثاني، وعندما علم فيما بعد بأن عبد الناصر له اليد في هذه المسألة، بذلك، ويذكر أن التساهل جاء خوفا على النظام القائم، وهو أقرب للواقع، ويحلل جيدا لماذا فضل السودان الانفصال عن مصر، وأن الأخيرة خسرت نتيجة سوء تصرف القائمين عليها وصراعاتهم التي أفضت لما صار عليه الوضع، ويتناول شخصية الدكتاتور وصفاته وتصرفاته والمنافقين الذين يلتفون حوله وواضح أن المقصود هو عبد الناصر، ولكن على الوجه الآخر،

النص الأصلي

منذ أن أنشئ مركز الدراسات التاريخية بدار الشروق على يد المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق وهو يسعى لإضافة الجديد الذي يثمر في الحقل التاريخي، وبالتالي تعددت الفروع التي مضى الباحثون يدلون بدلوهم فيها.. وكان لنشر المذكرات الخاصة بأولئك الذين أدوا أدوارا حفظها لهم تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وخصوصا في فترات التحول الموقع على خريطة المركز الذي وقع اختياره على ما كتبه سليمان حافظ - وكيل مجلس الدولة ثم المستشار القانوني الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء - تحت عنوان ذكرياتي عن الثورة، والتي تحمل صفحاتها تجربته التي خاضها مع بداية ثورة يوليو ١٩٥٢ ، ورغم قصر عمرها في سجل التاريخ، فإنها تفيض بالأحداث، وتعد مصدراً من أهم المصادر التاريخية لتلك الفترة نظرا للدور الذي قام به صاحبها في تثبيت دعائم الثورة.


وبناءً على المنهج الذي تتبعه اللجنة العلمية للمركز، فإنها في حالات كثيرة تفضل أن يسبق العمل الذي نقوم بنشره دراسة تحليلية له، وبالذات إذا كان هذا العمل يعبر عن وجهة نظر كاتبه التي تميل في معظم الأحيان إلى التحيز لنفسها .. ويتبين ذلك بشكل ملحوظ في كثير من المذكرات التي يدونها أصحابها، حيث يبررون ما أقدموا عليه من خطوات لم تحسب لهم وإنما عليهم. وفي الوقت نفسه هناك البعض الذي لا يسبح مع هذا التيار، وإنما يتحرى الدقة ولا يتوارى عن أن يعترف بما يمكن أن يسيء إليه، لكنه اختار أن يكون أمينا. أيضا توجد ظاهرة أخرى، وهي - إذا جاز التعبير - هوجة المذكرات التي كتبتها شخصيات لا وزن لها ونسبت لنفسها الأعمال الخارقة، وأوضحت كيف أنها كانت العالمة ببواطن الأمور نتيجة لمعرفتها بمكامن الأسرار. ومن هنا اختلطت


الأمور على الناس ما بين الغث والسمين، وأصبح لزاما على المؤرخين أن يواجهوا هذا التردي، وهو ما فطنت له اللجنة العلمية عند نشر أعمالها، من حيث الاختيار المتأني الذي يخضع لمعايير موضوعية أولا ثم الدراسة الحيادية المتأنية التي تسبق العمل.


وقد طبق ذلك المنهج على تلك الذكريات التي استحضرها سليمان حافظ في كتابه الذي هو بين يدي القارئ الآن، ونأمل أن يحقق الهدف المنشود.


في رحاب مدينة الإسكندرية، وعلى أرض حي كوم الشقافة الشعبي، ولد سليمان حافظ عام ١٨٩٦ ، وهو ابن التاجر، وفي أغلب الأحيان يمتلك التجار الثقافة بحكم معاملاتهم مع الناس، أي من خلال علاقاتهم الاجتماعية، ومن ثم فقد نشأ الابن في بيئة هيأت له أن يكون تكوينه ممتزجا بذلك المناخ، فبدأ طريقه العلمي حتى حصل على البكالوريا. وفي ذلك الوقت كانت دراسة الحقوق تحتل مكانتها، فمن المعروف أنها الوعاء الحاضن للعاملين بالسياسة والقضاء، نظرًا لنوعية دراستها المرتبطة بالقانون فضلا عن أنها تؤهل أصحابها لتولي المناصب الإدارية العليا بالدولة، وبالتالي تطلع إليها الشباب آنئذ في وقت كانت مصر ترزح تحت الاحتلال البريطاني، وفي حاجة الرجال يدافعون عن قضيتها من هذا المنطلق التحق سليمان حافظ بالحقوق، وبينما هو مشغول في دراسته توفي والده، فورث عنه تحمل مسئولية الأسرة، فعمل موظفا في مصلحة الجمارك، واستطاع أن يواجه ظروف الحياة القاسية، وشكل إصراره وقوة
إرادته وقدرته الذهنية عاملا مهما في مواصلة تعليمه وحصوله على ليسانس الحقوق


من الجامعة المصرية عام ١٩٢٠.


وبدأ عمله القانوني بالمحاماة بالإسكندرية، ونال شهرة واسعة فيها، تلك المهنة التي هواها، وتمنى أن يهب حياته لها. وتدرج في السلك القضائي حتى أصبح مستشارا


بمحكمة النقض، ثم وكيلا لوزارة العدل.


أما عن الماضي الوطني لسليمان حافظ، ففي مرحلة شبابه آمن بمبادئ الحزب


الوطني، وشارك بحماس في الحركة الوطنية ضد الاحتلال وقت جذوتها، ووقع تحت الاتهام في قضية اغتيال السير لي ستاك عام ۱۹۲٥ ، ولكن أنقذه القدر، ولم يصدر عليه حكم الإعدام كغيره. وقد دفعته هويته السياسية منذ وقت مبكر إلى أن يكون معارضًا


عنيفا لحزب الوفد، إذ جمع العداء بينهما.


ويُعد عام ١٩٤٩ من العلامات الفارقة في حياة سليمان حافظ، حيث انتقل إلى


مجلس الدولة، وهو مجلس جديد على النظام القضائي المصري الحديث، تأسس عام ١٩٤٦ وشمل محكمة القضاء الإداري، وقسمي التشريع والرأي، والجمعية العمومية و تولى رئاسته الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي ينتمي للهيئة السعدية، وقد نجح في أن يجعل له الشخصية المتميزة. وعندما التحق سليمان حافظ بالمجلس - وكان زميل دراسة للسنهوري - تولى وكالة المجلس، وأمسك بزمام قسمي التشريع والرأي وتوثقت علاقة الود بين الطرفين. وفي فترة وجودهما بالمجلس، لم تتمكن السلطة التنفيذية قبل ثورة يوليو من السيطرة عليه، إذ واصل أحكامه المضادة لرغبتها، وخاصة فيما يتعلق بالصحافة، تلك التي أقلقت وأرقت الملك فاروق، فكان المجلس صلبا في


مواقفه عنيفا في ردود أفعاله. وفشلت محاولات السلطة في اختراقه، مما أدى إلى الترتيب للإطاحة به، ولكن لم يتحقق لها ما خططت له، إذ قامت الثورة، وكان للثنائي


القانوني السنهوري وسليمان حافظ دورهما معها.


وتعتبر الفترة من قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ - التي عرفت وقتئذ بحركة الضباط المباركة - وحتى نهاية أزمة مارس ١٩٥٤ من أحرج الفترات الصاخبة في حياة مصر، نظرا للظروف الصعبة التي واجهتها؛ فالقائمون على الحركة مجموعة من الضباط الشبان اختاروا اللواء محمد نجيب ليكون قائدهم لأسباب عديدة، ونجحوا في
جانبا، لدرجة أنه قد وصل الأمر إلى إصدار أكثر من قانون في اليوم الواحد، مما دل على التسرع والهوجائية. وبجوار ذلك فإن لسليمان حافظ اليد الطولي في إضفاء السلطات على مجلس قيادة الثورة الذي كان متخوفا في البداية من اقتحام العمل السياسي لعدم درایته به، وذلك منذ أن أشرك رشاد مهنا في الوصاية المؤقتة على عرش الملك الطفل


أحمد فؤاد الثاني.


وفي بداية الأمر، ظهر أمام الجميع عزوف سليمان حافظ عن المشاركة في وزارة علي ماهر، كما صرح برغبته في الاستقالة من مجلس الدولة ليعمل بالمحاماة ويكون حرا طليقا، ولكن عندما رفض رئيس الوزراء ذلك، وطلب منه الاستمرار معه لفترة قصيرة حتى تستقر الأوضاع القانونية، لم يتردد ووافق. وهنا يتبادر للذهن، لماذا كان التمنع عن المنصب الوزاري ؟ أكان زهدا في السلطة أم أن هناك أبعادا أخرى ؟ فيما يبدو أن وجوده في الميدان التشريعي كان أفضل له بالنسبة للطرفين، أي علي ماهر ومجلس قيادة الثورة، فهما اللذان يحتاجان إليه بل ويخضعان لمشورته.. كذلك فإنه إذا قبل المنصب، فإن موقع رئيس الوزراء يجعله رهن إشارته وأيضا تحت عينيه، هذا في وقت يعلم فيه سليمان حافظ نوعية وتركيبة شخصية علي ماهر، فهو يمثل له نموذج رجل القصر العتيد، وصاحب المصلحة والسطوة، ومما يُسجل في هذا الصدد أنه قد


أسهم في إسقاطه بعد قليل.


ومن منطلق آخر، فإن سليمان حافظ، بالإضافة إلى أنه جهبذ في القانون، فله الباع في الحركة الوطنية منذ وقت مبكر، ويحمل موقفا سياسيا، وكثيرا ما صب غضبه على نظام ما قبل يوليو ، مركزا على تاج الدولة وحزب الأغلبية، وعليه فقد آمن بما قام به الضباط، وشجعهم وذلل لهم العقبات التي تتفق في الوقت نفسه مع التخلص من العهد البائد بكل مقوماته. وفي الحين ذاته، فإن الضباط رأوا فيه الأداة التي تثبت وجودهم وتدعم شرعيتهم. ورغم أن علي ماهر أراد الاستئثار به، فإنه لم يمكنه، وغزل شبكة من العلاقات مع مجلس قيادة الثورة، وأصبح أكثر قربا من محمد نجيب والأخوين صلاح وجمال سالم. وكان ذلك من الأسباب التي زكت الصراع بين الوزارة والقيادة العسكرية، وانتهي بسقوط الأولى بعد خمسة وأربعين يوما من الحكم.


وعرض على بساط البحث اختيار الشخص الذي سيتولى تشكيل الوزارة الجديدة
فاقترح سلیمان حافظ اسم صديقه وربيب مهنته السنهوري، ولكنه استبعد لما سبق أن تردد بشأن ميوله اليسارية. ووفقا لعلاقة سليمان حافظ بالقائمين على الحركة وما قدمه من خدمات قانونية لصالحهم، اقترح فتحي رضوان ترشيحه لهذا المنصب، ووجد الاقتراح قبولا من مجلس قيادة الثورة. ومرة أخرى يرفض.. وهنا يختلف الأمر عن سابقه، فبعد أن درس الموقف جيدا، وضع في اعتباره أن الوزارة معرضة في أي لحظة اختلاف للإقالة، فضلا عن أن قبوله يخالف السياسة التي انتهجها والخاصة بتبوؤ


العسكريين السلطة على يديه، وبالتالي رشح محمد نجيب للمنصب.


ولما كان لسليمان حافظ تلك المكانة بين الوافدين العسكريين الجدد على الحكم فإنه حينما شكل محمد نجيب وزارته في ٧ سبتمبر ١٩٥٢ ، تم اختياره نائبا له ووزيرا للداخلية، وعلى الفور أصبح له الباع في اختيار الوزراء. والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا قبل الاشتراك في الوزارة ؟ لقد كان حينئذ قد تملك السلطة، وأيقن أنه سيكون المحرك الرئيس الوزراء، وليس العكس بعد تلك الثقة التي نالها من العسكريين.


وبحكم الواقع، فإن نجيبا لم يكن متفرغا لموقعه الجديد، وذلك بعد أن تدفقت عليه الشعبية الجارفة التي جعلته دائم التحرك وكثير الزيارات واللقاءات، وعمقت فيه الإحساس بالزعامة، وبالتالي حب السلطة والحرص عليها، بالإضافة إلى فقدانه فن الممارسة السياسية، والنتيجة أن أصبح الوضع مهيئا لسليمان حافظ؛ فأمسك بزمام الأمور بعد أن تركت له حرية التصرف. ومن منطلق سلطته لم يعد المشرع فقط وإنما أيضا المنفذ، أي أنه امتلك السلطتين التشريعية والتنفيذية. ومما لا شك فيه أنه أرضى مجلس قيادة الثورة بتلك الإجراءات التي أقدم عليها، وبالذات المتعلقة بالأحزاب والدستور، ولكنه في الآن نفسه لم يقدر الموقف بمختلف أبعاده، بمعنى أنه لعب على حصان نجيب وهو على يقين أنه الرابح، وذلك أثناء الصراع struggle على السلطة بين رئيس الوزراء ومن انضم إليه من الضباط وبين مجلس قيادة الثورة. والواقع أنه لم يكن نزاعا conflict، بمعنى أن المسألة ليست اختلافا في توزيع الاختصاصات بقدر ما كانت التصميم على استحواذ السلطة.


وحاول سليمان حافظ إصلاح ذات البين، وعمل على أن يكون هناك تعاون بين المجلسين مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، وعلى ذلك تشكلت أكثر من لجنة
ثم مؤتمر ضم العناصر من الطرفين، ولكن ثمار هذا كانت محدودة ولم تف بالغرض المطلوب تماما، وذلك بعد أن برز الدور القيادي لجمال عبد الناصر ومجموعته في مجلس قيادة الثورة الذي أصبح يشغل الساحة منفردا، ومضى يصدر القرارات في غيبة نجيب، ولم يكن من الصعب عليه إدراك ميول سليمان حافظ تجاه الأخير، وما كان يقدمه له من تفسيرات وشروحات قانونية، وفي تلك الأثناء تم إسقاط دستور ۱۹۲۳


على يديه وإعلان الدستور المؤقت.


واستمر الصراع بين المجلسين، ورأى سليمان حافظ استقالة الوزراء، وانسحاب المدنيين من الموقع، وتسليمه للعسكريين، ليتصرفوا وفقا لرغباتهم، إما أن يكون خالصا لهم، وإما أن يشركوا معهم مدنيين متحججا بأن عليهم تحمل المسئولية مصرحا بأن هذا الوضع هو الأفضل من ازدواج السلطة القائم، وكان ذلك هو الموقف


الذي كلل فيه تثبيت الحكم العسكري.


ورغم ما قدمه سليمان حافظ من خدمات، فإن مجلس قيادة الثورة بعد أن استنفد ما لديه، ووجد أن ميوله منعطفة ناحية نجيب، أبقاه مؤقتا حتى تحين فرصة التخلص منه، وذلك في وقت كان الإعداد لإعلان الجمهورية على قدم وساق، وذلك قبل إقرار الدستور، وسرعان ما أعلنت في ۱۸ يونيو ۱۹۵۳ ، وقد علم سليمان حافظ ببيانها في ليلة الإعلان، وبتعيين نجيب رئيسا لها وتقلده رئاسة الوزراء، وشغل عبد الناصر منصب سليمان حافظ في الوزارة السابقة، وأصبح الأخير المستشار القانوني لرئيس الجمهورية، وهو منصب شرفي قصد من ورائه أنه قد استغني عن خدماته.


وبارتفاع مؤشر العداء والبغضاء بين عبد الناصر ونجيب وصحبه، وبالذات بعد سحب القيادة العامة للقوات المسلحة من رئيس الجمهورية وتسليمها إلى عبد الحكيم عامر وترقيته من رتبة صاغ ( رائد) إلى رتبة لواء، حاول سليمان حافظ استكمال طريقته بشأن فك الاشتباك بين المتصارعين، ولكن محاولاته ذهبت هباء منثورا .. أيضا فإن ما قدمه من اقتراحات أصبح حبيسا في الأدراج. حدث ذلك حينما كانت المحادثات مع بريطانيا مذبذبة بين التواصل والانقطاع، مما زاد الموقف صعوبة في قضية مهمة


تحدد مصير البلاد.


وتوالت الأحداث سريعا، ورأى مجلس قيادة الثورة ضرورة التخلص من نجيب
وطلب عبد الناصر من سليمان حافظ استقالة نجيب، فاستقال في ٢٢ فبراير ١٩٥٤، ولكن ما حدث من ردود أفعال للشعب وأيضا داخل الجيش ومجلس قيادة الثورة، أدى إلى عودة نجيب إلى رئاسة الجمهورية في ۲۷ فبراير ولكن دون سلطات، وعندما تعذر تحديد اختصاصاته مع هذا المناخ المفعم بالتوتر، أحيلت إليه مرة أخرى المناصب التي كان يشغلها قبل الاستقالة. وكان لعودته الأثر الكبير على الشعب الذي استقبله بكل الحب، وعبر عن ذلك بمختلف الوسائل واشتعلت أزمة مارس، وصدرت قرارات وألغيت، وأخذت المظاهرات المدبرة طريقها، وساءت الأحوال، وتفاقمت الأمور، وأنذرت بأن هناك ما ينبئ بحدوث تغييرات. ومرة أخرى يتم رفض الحلول التي طرحها سليمان حافظ، وعندئذ ضاق به الأمر، ووجد أنه أصبح من المستحيل الاستمرار في ظل تغير وضعه، وأدرك أنه أضحى غير مرغوب فيه، فقدم استقالته في ۲۷ مارس، ليعود إلى مهنة المحاماة التي رأى فيها مكانه الأخير، ولكنه ظل متابعا للأحداث، فهو يدلي برأيه فيما وقع على السنهوري من اعتداء، وينتقد اتفاقية الجلاء. وفي البداية كانت له لقاءات عابرة مع عبد الناصر وآخرين ونجيب، ونصح الأخير بالاستقالة بعد أن حرم تماما من ممارسة سلطاته الفعلية، لكنه لم يفعل حتى أعفي من مهامه الرسمية واعتقل في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ ليسدل الستار على ما اصطلح على تسميتها - في الخطاب التاريخي - بأزمة مارس ١٩٥٤.


ولم تنقطع صلة سليمان حافظ بالرئيس السابق نجيب، وأخذ على عاتقه مهمة إعادة الحرية إليه قانونا، وسعى في ذلك، ولكن ما وقع من أحداث شكل عائقا، حيث أعلن عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في ٢٦ يوليو ١٩٥٦ ، وما ترتب على ذلك من وقائع أبرزها العدوان الثلاثي على مصر. ولم يكن سليمان حافظ ببعيد عما يحدث، فكانت له الآراء التي جهر بها، وتمكن من نقلها للمسئولين والتي حملت بين طياتها رغبته في تولى نجيب شئون البلاد، مما أسفر عن اعتقاله مع سياسيين آخرين، ورغم أنه لم يستمر فترة طويلة في الاعتقال، لكنها أثرت في نفسيته كثيرا، وانعكست عليه بقضية فلسفية، حيث وجد فيها تكفيرا عما ارتكبه من ذنوب، ومضى في تأنيب نفسه، وجهر بالندم على ما صنعه من أجل نجاح العسكريين وتوطيد حكمهم والذي كان على حساب وأد الديمقراطية. ولم يتخل عن جلد ذاته عندما خرج من معتقله، وأظهر ذلك لمن كانوا يختلفون معه فيما سبق، واستمر في
ممارسة عمله إلى أن قضي نحبه عام ١٩٦٨ عن عمر يناهز الثانية والسبعين عاما، بعد أن ترك للتاريخ الحكم عليه.




وقبل أن نتعرض لذكريات سليمان حافظ التي بين أيدينا نشير إلى موقع المذكرات على خريطة الكتابة التاريخية، فمن المعروف أن لها أكثر من نوع - وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين أدوا دورا في الحياة السياسية - فهناك اليوميات التي يسجل صاحبها الأحداث في حينها، وهناك الذكريات وتنقسم بدورها إلى تلك التي تكتب بعد فترة قريبة من الأحداث بحيث تكون ماثلة أمام عين صاحب القلم، والأخرى التي تسجل بعد مدة من وقوع الأحداث، فيكون الزمن قدران عليها. وعلى أي حال، فإن الأمر يتفاوت بين قلم وآخر تبعا لشخصية الكاتب وتكوينه المختلف الأبعاد فيما يختص بالنشأة والثقافة والقدر الإيجابي من الرؤية الحيادية والصدق والمرحلة العمرية وبالذات إذا كانت متقدمة فإن الأمور تختلط عليه، فضلا عن دور الكاتب فيما يرويه من أحداث، وكثيرا ما يجعل هذا الدور بطوليا ليضفيه على نفسه، وما يسوقه من مبررات ليجعل صورته وردية.


ولكن على جانب آخر، هناك آخرون لم يستروا أخطاءهم، ومن ثم فهم يقدمون خدماتهم للتاريخ، وفي الوقت نفسه ينالون احترام القراء، ونتيجة لذلك، فإن المذكرات هي عامل مساعد للمؤرخين، وذلك عندما توضع تحت المنظار، وتدرس جيدا في ظل أدوات البحث الأخرى من وثائق وخلافه حتى يمكن التيقن من صحة ما ورد فيها، وهي مهمة صعبة تتطلب البحث والتنقيب، وقبل ذلك الاتجاه الحيادي ليتسنى


الاستفادة من المذكرات.


وذكريات سليمان حافظ سبق أن نشرت صحيفة الأخبار أجزاء منها عام ١٩٧٥، كما نشرتها صحيفة العربي عام ۱۹۹۷ . وقد جاء الدافع وراء هذا النشر الجديد حين تسلمت دار الشروق النص الكامل للذكريات من زوج ابنة سليمان حافظ، الأستاذ عادل السمرة. ومما يذكر أننا قد تدخلنا بالقدر البسيط في هذا النص سواء من حيث وضع علامات الترقيم والهمزات والتقسيم إلى فقرات أو التعليق العابر في الهامش


التصويب معلومة جاءت سهوا من كاتبها
بدأ سليمان حافظ كتابة هذه الذكريات بعد اعتزاله المناصب، وسجل أنه لم يدون الوقائع وقت حدوثها، حتى تكون نظرته لها بعد وقوعها مختلفة عن أثنائها، وانتهى منها في ٢٣ يونيو ١٩٥٦ ، ثم ألحق بها ملحقا توقف فيه عند ٨ يناير ١٩٥٧. ومما لا شك فيه أنها تمثل أهمية، فقد عايشت الأحداث ونطقت بها من وقوع الانقلاب العسكري إلى توطيد الثورة لأركانها، وذلك من خلال مشارك فعال وشاهد عيان على ما جرى في تلك الفترة العصيبة والذكريات تقع في ١٠٦ صفحة ٨٤، ولا تنقسم إلى فصول، وإنما هي موضوعات التزمت إلى حد كبير بتتبع التاريخ، واختلفت من حيث الصفحات التي شغلتها، ما بين الاختصار والتوسع وفقا لرؤية مسجلها.


يستهل سليمان حافظ ذكرياته بإشارات لنظام ما قبل ثورة يوليو، تثبت أنه كان ناقما عليه، وعلى ما أصاب مصر منه. ومن اللحظة الأولى يعلن رأيه بصراحة في عدائه المتأصل لحزب الوفد، وبذلك يكون قد خرج عن الحياد الذي ذكره في بداية كتابته، ويرجع ذلك إلى أنه رجل صاحب ميول حزبية، وإن كان ينكر على نفسه ذلك. وترجم مشاعر الفرح التي غمرته مع بوادر قيام حركة الضباط، وكيف تمنى نجاحها والخلاص من الوضع القائم. وينقل إلينا إعجابه بنجيب، وهذا أمر طبيعي، فهو القائد وصاحب الماضي المشرف. وكان سليمان حافظ شأنه في ذلك شأن المصريين الذين


أحبوه واعتبروه المنقذ لهم مما يعانون منه.


ومنذ البداية جاء اختياره موفقا للمهمة التي ألقيت على عاتقه لما له من كياسة ودبلوماسية، وقد وضح ذلك فيما وصفه لنا عند مقابلته للملك فاروق لتوقيع وثيقة التنازل عن العرش، وكيف أن هذا الموقف أعطاه زهوة بنفسه، وغبطة بما يحدث. ومما يميز الذكريات أن سليمان حافظ اعترف مبكرا في أثناء كتابته بأن ما أقدم عليه


بالنسبة لمسألة الوصاية المؤقتة مع زميله السنهوري كان خطأ.


ويُسجل أنه في أيامه الأولى مع الانقلاب كان يرغب في الاستقالة ليتفرغ لممارسة مهنة المحاماة، وقد استمر يعزف على هذه النغمة حتى استقال بالفعل بعد واحد وعشرين شهرا من إسهاماته في الأحداث، ويرجع السبب في الرجوع عنها طوال هذه الفترة إلى الضغط عليه من ناحية، ورؤيته بأن الواجب الوطني يحتم عليه ذلك


من ناحية أخرى..
وتوضح الذكريات ما أقدم عليه من مساع للتوفيق بين علي ماهر ومجلس قيادة الثورة في البداية، وبين الأخير ونجيب في النهاية، ولكن الأمر اختلف بين الشخصيتين فلم يكن يرتاح للأول والعكس مع الثاني. وكان يؤمن بأن حركة الضباط تحولت إلى. انقلاب عسكري ثم أصبحت ثورة، وأن الشواهد دلت على ذلك، وعد أن الأمر أصبح لزاما على القانونيين بشأن حمايتها، ويُبرر ما أقدم عليه من إصدار القوانين، ويدافع عن نفسه بأنه أراد أن يحيط أعمالها بسياج من الشرعية، ويلوم الآخرين الذين اتهموه بهذا المسلك، وإن كان بعد فترة قد تعنت في بعض المسائل، وهذا يحسب له، وغدا


ذلك ورقة استخدمت ضده فيما بعد.


ومن المستلفت للنظر أنه في بداية الذكريات، وعندما يتعرض لشخصيات من مجلس قيادة الثورة لا يذكر أسماءهم، وإن كان بعد ذلك رددها. كما يتضح أنه كانت له العلاقات القوية مع بعضهم، كذلك الحال بالنسبة للوزراء، فهو أحيانا لا يسميهم، وربما كان الهدف نوعا من الحرص الإمكانية أن تكون لهم ردود فعل لما يقول، هو


في غني عنها.


لقد رأى سليمان حافظ في الضباط الشبان الأمل الذي كان يصبو إليه من زمن ولكن شجاعته في أثناء الكتابة جعلته يعترف بأنه كان حسن النية في هذا الشأن. وينتقد أعمال مجلس قيادة الثورة ويصفها بالارتجال والتردد والتباطؤ مما تمخض عنه التعارض، ويرجع ذلك إلى طبيعة عملهم السري فيما قبل القيام بحركتهم. وينقلب على المجلس بعد أن راح يتصرف دون رأيه مما أغضبه، إذ انتابه الإحساس بسحب البساط من تحت قدميه، وواجه عبد الناصر بذلك، ولكن دون فائدة.


ومع تقديم استقالته يسجل أنه استرجع ما مضي وحاسب نفسه على تصرفاته منذ بدء عمله وقت قيام الحركة، معترفا بما كان له من الحسنات والسيئات، وهذا في حد ذاته شيء طيب، إذ لا نجد كثيرًا من الذين يكتبون مذكراتهم يبررون ما ارتكبوه من أخطاء، فهل السبب بالنسبة لسليمان حافظ أنه تعرض للغدر من رجال الثورة، وأنهم لم يقدروا ما فعله في سبيل نجاحها، ومن ثم لازمه الندم، وأقر بأن هناك سيئات اقترفها ؟ أم أنه راجع نفسه من منطلق صحوة انتابته ليس لها ارتباط بما وقع عليه من


هؤلاء الرجال ؟
ومن المسترعي للنظر فيما كتبه سليمان حافظ أنه رغم ما لاقاه من قادة الثورة وعندما تعرض لحادثة الاعتداء على السنهوري الذي وجه الاتهام لعبد الناصر بالتدبير لها، فإنه - أي سليمان حافظ - استبعد ذلك، ورجح أن ما حدث تم بناء على تدبير رجال الصف الثاني، وعندما علم فيما بعد بأن عبد الناصر له اليد في هذه المسألة، لم يجزم


بذلك، مما يدل على أنه لم يكن يخلط الأوراق بعضها ببعض.


وانتقد سليمان حافظ توقيع اتفاقية الجلاء لما فيها من نقاط ضعف، ويذكر أن التساهل جاء خوفا على النظام القائم، وهو أقرب للواقع، ومرة أخرى يراجع نفسه ويلومها على أنه كان مغمض العينين ومغالطا لعقله، وقد كانت سطوره تعبر عن صدمته من جراء ما يحدث. ويحلل جيدا لماذا فضل السودان الانفصال عن مصر، وأن الأخيرة خسرت نتيجة سوء تصرف القائمين عليها وصراعاتهم التي أفضت لما


صار عليه الوضع، وعد ذلك من النكبات.


ويتناول شخصية الدكتاتور وصفاته وتصرفاته والمنافقين الذين يلتفون حوله وواضح أن المقصود هو عبد الناصر، ويتيقن من مضار انغماس الجيش في السياسة ومن هنا يتراجع عما أقدم عليه بتشجيع هذا المنهج فيما سبق. ولكن على الوجه الآخر، ومما يحسب له أنه لا ينكر ما أحرزته مصر من نجاح خارجي، واتباعها السياسة الحياد، وفي الوقت ذاته يرى أنه لابد من وجود توازن بين الخارج والداخل فيطالب بالإصلاح وخاصة ما يتعلق بنظام الحكم. ورغم إشادته بالتقدم الذي وصل إليه الجيش في المجال العسكري، يُعرّج على عيوبه، كذلك ينوه عن التغييرات التي طرأت على المجتمع في مختلف المجالات، لكنه لم يكن راضيا عنها، وأخيرا وعندما يذكر انسحاب القوات البريطانية من منطقة القناة، يشير إلى أبعاد القاعدة العسكرية.


وبذلك تتبين رؤيته النقدية التقويمية لأوضاع مصر.


أما عن الملحق فقد اختص بصلاته مع نجيب، وتوليه مسألة العمل على إطلاق سراحه، واتصالاته في هذا الشأن، وما قدمه من حلول، وتوقف ذلك بحدث تأميم شركة القناة، وخشيته من أن يكون عملا متهورا، وفكرته في حياد مصر، والعدوان عليها، وموقفه مما ذكره عبد الناصر عن المقاومة الشعبية المسلحة، والإفصاح عن رأيه بعودة نجيب لسدة الحكم، ونزول عبد الناصر للميدان العسكري، فكان ذلك ايذانا بالقبض عليه.. وفي المعتقل سطر بقلمه تجربته الأخيرة لتكتمل صورة ذكرياته
ثورة يوليو.


والآن نترك القارئ مع الصفحات القادمة ليطلع على تلك الذكريات التي تعبر عن


قلم صاحبها.


تلخيص النصوص العربية والإنجليزية أونلاين

تلخيص النصوص آلياً

تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص

تحميل التلخيص

يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية

رابط دائم

يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة

مميزات أخري

نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها

آخر التلخيصات

- 2- قالَ بُزَر...

- 2- قالَ بُزَرْ جَمِهْرُ لِوَلِيِّ العَهْدِ: - لا بُدَّ، أَيُّها الأَمِيرُ السَّعيدُ، أَنَّكَ سَمِع...

أسباب تناول الم...

أسباب تناول المشكلة الحالية : ١- التحول الرقمي في الإعلام الرياضي : مع انتشار الإعلام الرياضي الإلكت...

قصة الشيوخ الثل...

قصة الشيوخ الثلاث المحبة والثروة والنجاح ذات مرة خرجت امرأة من بيتها فرأت ثلاثة شيوخ لهم لحى بيضاء ط...

مة: إنّ ال...

مة: إنّ التعليم مهنةٌ سامية تُسهم في بناء الأمم ورقيّها، إذ يُعدّ التعليم الجيّد الركيزة الأساس...

ارتفعت معدالت إ...

ارتفعت معدالت إكمال الدراسة في المرحلة االبتدائية من 75 في المائة في عام 2000 إلى 85.4 في المائة في...

تعتبر السلطة ال...

تعتبر السلطة اللامركزية الإقليمية من أهم الأساليب التي تستخدمها الدولة لتنظيم إدارتها. تهدف هذه السل...

باريس - لقد أضح...

باريس - لقد أضحى اسمها على جميع الشفاه منذ أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بزيارة مفاجئة للمعهد الاستش...

مقدمة: تبدأ ال...

مقدمة: تبدأ الوظائف التي تتيح للإنسان الحركة وممارسة النشاط البدني من تفاعلات دقيقة داخل الخلايا؛ ف...

# الترجمة الكام...

# الترجمة الكاملة للبحث: نظام التكاليف على أساس الأنشطة (ABC) عنوان البحث: نظام التكاليف على أساس ا...

لبُزُق (أو الغل...

لبُزُق (أو الغلما) هي آلة موسيقية وترية خشبية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود. وكانت تسمى...

تطوير لوحة مؤشر...

تطوير لوحة مؤشرات تشمل إجمالي العقود والكميات المتعاقد عليها، ونسب التعاقد بحسب الجهات والدول، إضافة...

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

أخبار التقنية