خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
لم تشرق الشمس على سناء منذ أكثر من خمسين يوماً،في مضجعها منذ أن استشهد زوجها في المعركة، فذلك الطفل الذي في أحشاءها هو سببها
الوحيد للاستمرار بالعيش في هكذا حياة، فقد كان التفكير بمستقبل ذلك الطفل أمرًا مرهقاً ويدعو الى الجنون
حيث أصبحت الأمهات مصانعاً لإنتاج الشباب الذين
سيزج بهم من دون شك في غياهب المعارك اللامتناهية ليتم بعدها تكريمهم
بقطراتٍ من الحبر لكتابة أسمائهم في قائمة الوفيات اليومية،ستُجبر على دفع المال ثمناً لقراءتها، ولكل اسم فيها صلاحية على وجوده في
ستنتهي ما إن ينتهي القارئ من ذكره على لسانه أو في أعماقه ولا
يبقى ذكره الا على لسان المقربين.وكانت تلك الثمار لا تكاد تنتهي في شهرٍ معينٍ من أشهر السنة وكأن دمائهم
فا تكاد تجد طريقاً يخلو من أصوات النحيب أو من
تجمعات المواسين لتلك الأم الثكلى أو الوالد الهَرِم،الموازين مقلوبةً عن طبيعتها، فتجدُ أن الموت قد ترك الكبار ليهرموا ويكونوا
الأكثر عددًا في مجتمعهم، وأن الشباب هم من بدأوا بالتفكير بمصيرهم القريب،متمنين أن يتخطوا تلك المرحلة ليضمنوا حياتهم، لم تَهنأ سناء بزواجها كثيرًا، فقد انتظرت وزوجها لأكثر من ثمانِ
سنوات حتى أصبحت حاماً بطفلها الأول وما هي الا أشهرٌ قليلة حتى أخذوا
زوجها الى المعركة ليموت قبل رؤية ولده بشهرين فقط،هذا الفراق طوياً فقد ودعت ولدها هي الأخرى يومَ مولده، وترسم على شفتيها ابتسامة النصر ثم تموت
ليولد الطفل باكياً، وحيدًا في مواجهة ذلك العالم المرعب.نشأ ذلك الطفل في كنفِ جده الضرير، ذلك الجد الذي فقد بصره عندما كانت
وكان مسمى الوطن يُحرك القلوب ويشعل فتيل المشاعر
ويضفي القوة والفخر للقائل، تلك الصورُ التي كان يسترجعها ويهذي بها كشكلٍ
حتى أصرّ على أن يكون اسم حفيده وطن. عاش وطن مع جده مشوش
فقد كان يقص عليه قصص التضحيات والصمود
وكان يحدثه عن تاريخٍ مشرفٍ بالإنجازات والتطور،أن الباد أصبحت مركزًا عالمياً للقوة والتقدم، وكان أكثرُ ما يؤذي تفكيره عندما
يتحدث الجد عن الحياة الكريمة والترف الذي يعيشه الشعب، وكأن الجد كان يرى الأمورَ ثم يسرد نقيضها!
لم يعش وطن مرحلة الطفولة كما عاشها أقارنه، فقد أعطاها لجده الكفيف
حينما أصبح عينه التي ترشده في الطرقات الى أي وجهةٍ يريدها انتهاءً بتوضيب
كما عاش شعور ألم الفقد مبكرًا، فما زال يذكر لحظة
امتناع أصدقائه عن اللعب صباحاً بعد أن دخلوا المدرسة،تمنى لو أن والدته أنجبته قبل عام من تاريخ مولده، ولم يعش حزناً كحزنِ اليوم الثامن والعشرين من بدء
فقد استيقظ على أصوات الانفجارات التي لم يعهد
كانت تلك الأصوات رسالة قطيعةٍ دائميةٍ مع أصدقائه،فقد ذهبوا ضحية تلك المعارك التي أخذت الشباب من قبلهم،العدوان مدرستهم في الساعة السابعة وخمس و أربعين دقيقة،التلاميذ ليغردوا بالنشيد الوطني وقبل أن يفتحوا دفاترهم التي بكوا من أجلها
كانت تلك الصدمة الاولى لوطن في حياته المبكرة، أن
يفقد أصدقاء الطفولة بعد أن فقد حياة الطفولة من قبل.السنوات الست الأولى ما تعلمه لغيره في عشرين سنة،أصبحت مغامراته أكبر، كان الصفّ
سبقوه في المدرسة، ومع مراجعته ومطابقته للصورة الذهنية وحقيقة الواقع
الكتابة،لم يتلقَ أيّ إجابة منهم، جاعليه
جعله
من الوحدة هناك، حصل على كتبه المدرسية ليعلن مجبرًا انضمامه الى رحلة
وقد كان
كتاباً وقراءً ،الصورة ذاتها التي سخروا منه بسببها،تلك الكتب التي كانت بحوزته، فقام ومن غيرِ شعور بتمزيقها بحرقة وغضب، لم
رشده، فقد عُوقِبَ على
منتكس الرأس، فقد
كان التفكير في الأمر وحده يدعوه إلى البكاء، فقد شعر بظلمٍ كبير في مكانٍ
كان يجب أن يكون له مصدر للسعادة. كانت لحظات عصيبة عليه،دائماً ما يتحدث عن حظِ جده في هذه الحياة،في ظلِ أشدّ الظروف ضراوةً، وقد مات قبل أن يرى المجاعة التي حصلت
في بلدهم أو يعيش قساوتها، تلك الحقبة
وقد أصبح الناس بسبب نقص
حتى
ومنهم
وقد وصل
يبكون حالهم، فالجوع يُرضي الأسود بالجيَف.كان وطن يقضي أغلب قته منعزلًا في بيت جده مع كتبه التي يستعيرها
الخارج،حتى من جارك،الماء. يسير وهو يتأمل حال الناس، ففي كل دقيقة يقضيها
خارجاً كان يضيف إلى ذاكرته قصة تشهد مأساةَ قومٍ أذلهم الزمان بعد عز،الخبز إلا في ذلك الزمن،باهتة، متأهبين للانقضاض على كل غريب
يمرّ من هناك كفريسةٍ سهلة المنال، لتبدأ بعدها الصراعات
فالغنيمة الأكبر لا يستحقها هناك إلا صاحب القوة
كان ذلك العجوز
بصوته المبحوح وسعاله الذي يقطع رتابة
أذنه الشمال، حقاً إن الموت لا يأخذ الى
أعادت تلك الكلمات الى ذاكرته ما كان يسمع من جده من كلمات لا تمتُ
حتى تسللت إلى نفسه فكرة أن جده كان مصاباً بالخرف كذلك
وأن خياله كان يعملُ كمخرجٍ محترفٍ في تصوير المشاهد السعيدة التي
ثم تعمقَ في تفكيره ليبدأ التشكيك في سبب إصابته بالعمى،أخبره حينها أن فقدانه لبصره جاء نتيجة ارتفاعٍ في مرض السكري،يظن بأنه قد خسر بصره بسبب ضغوطات الحياة وصعوبتها، انقضت الساعة
بطيئاً، فقد كانت مرهقةً لعقلٍ وطن قبل جسده، المكتبة
انتهت بنهاية
سلطة صاحب الصورة،لخرفِ جده وللعقول المغلقة التي خلّفَها صاحبُ الصورة، فقد تم اقصائه
من منصبه بدخولِ قواتٍ أجنبية إلى الباد، لتبدأ حربٌ جديدةٌ بعد جوعٍ طويل،كانت الليلة الأولى مضيئة بشكل لافت فا تكاد تميزها عن النهار بسبب وابل
القذائف والقنابل التي أحرقت كل شيء، وكانت أصوات القنابل المرعبة وصراخ
الأطفال تذكره بأصدقائه من شهداء المدرسة وهو ينتظر بخوف تلك اللحظة
ولم يكن الصباح بأفضل حالٍ من تلك الليلة، فقد
وكأنه قد صُهر
في فرنٍ حراريٍ،وقد أصبح رأسه منبعاً للدماء التي شقت بسيلانها نهرًا أحمر اللون على ذلك
تطورت تلك الحرب خال أسابيع قليلة لتدخل إلى عقول الناس وطرق
قبل، واحتوت كلُ فئةٍ على عدة مجموعات،يُسأل من قبلِ أصدقائه ومن الذين يتعرف عليهم عن الفئة التي ينتمي اليها،وبمرور الأيام علِمَ أن والديه كانا من فئتين مختلفتين، وأن التفرقة التي أصبح
عليها كطائر الببغاء الذي يردد ما يسمع دون أن يفكر بعقلانية فيما يقول، فقد
الصفات المشتركة التي تمثل سبباً مقنعاً للعيش بسعادة وسام. يزداد فيه تباعد الناس وانعزال الفئات بعضها عن بعض، كان
ذلك فرصة ذهبية للدول الطامعة بكنوز ذلك البلد، فقد صُنف البلد ضمن
قائمة الدول الأكثر ثراءً بالموارد، على العكس تماماً من التصنيف المعيشي
كانت تلك الدول الطامعة تسير وفق استراتيجية “فرق تسُد”،التي ستحتاج الى أعوام لترسخ مبدأ الخضوع والانتماء في عقول الرافضين
للتغيير،الوصول إلى المرحلة التي يتبناها الفرد كقضية ذات أولوية ويبدأ بتحريض الاخرين
عليها، كانت كمراحلِ خروج الفراشة من شرنقتها، فما هي الا أعوام قليلة حتى
بدأت حربٌ أهليةٌ بين أبناء ذلك البلد، فما كانت لشرانقهم الا أن تلد
وحوشاً ضارية، تقتلُ دون تفكيرٍ أو سؤال، متناسين أن الاختاف هو سمة كونية
كانت أياماً عصيبة على وطن،تجفّ عيناه يوماً بسبب المأساة التي عاشتها الباد حينها، فا يكاد يمر يوم إلا
ويسمع بموت صاحبٍ أو صديق أو قريب،الذي كان سنده بعد وفاة جده. وبعد أن زال
صاحب الصورة، بأشكالٍ ورغباتٍ مختلفة،وأن من حولهم هم رعاعٌ لا جدوى من وجودهم سوى للعمل والتكاثر، وقد تمكنوا لأكثر من ست عشرة سنة
وقد كانوا يشترون كل من يساندهم على البقاء بما
امتلكوه من أموال الشعب، وكان لدول الجوار الطامعة شأنٌ كبير في ذلك،فقد عقدوا معهم صفقة مفتوحة الأمد منذ اليوم الأول لإزالة صاحب الصورة
تشمل تدريباً خاصاً لكبار مسؤولي الباد لإعادة برمجة ولائهم ثم تطور الأمر
العملِ في الخفاء بأيدي ناعمة وليسيطروا على أصحاب التفكير الوطني والواعين
حتى أصبحوا بعد عدة سنين جزءًا اساسياً من أصحاب القرار في
شؤون البلد،كان وطن يرى أن شعبه من أكثر الشعوب عاطفة وصبرًا، وكانت تلك هي
وأن الفقراء
وأن حالهم هو أفضل من حال الكثير من البلدانِ
الاخرى، كانت كلماتهم تلك وهم يدّعون الخشوع تقنع الكثير من فقراء البلد،عن الوقوف بجانبهم والتحدث عن ظلم العباد واستبداد السلطات، عن أكلِ
ومع مرور الأيام وانقضاء السنين، أصبح الكثير من أبناء
ذلك البلد يفكرون با حاجز أو رادع، فقد فكروا بصفتهم بشرًا ينتمون إلى بادٍ
تلك كانت نظرةوطن إلى مجريات الأمور في الباد خال الحقبة الفائتة كما رواها لصديقه فادي
في أحد المقاهي،قواتِ مكافحة الشغب، اللقاء مساء كل سبت خال الاسبوع في هذا المقهى،وأثناء نقاشهم الطويل ذاك ظهر على التلفاز نبأ عاجل يتحدث عن قيام قواتٍ
من الجيش برمي متظاهرين بالرصاص وقتل وإصابة العشرات منهم في إحدى
الدول. ساد الصمت بين الاثنين لبرهة من الزمن، ثم انطلق صوت وطن قائاً:
• لا يمكن أن يطلقوا تسمية “جيش تلك الدولة” على أولئك القتلة المأجورين،○ قد يكونون مأجورين كما قلت، وقد يكونون مجبرين على فعلِ ما يملى
• لا عذر لمن يقتل الأبرياء، فكيف ببريء خرج ليسترد حقه ومظلوميته،القتل؟! ثم تخيل لو أنك كنت تواجه متظاهرين في بلدك،ما فعله أولئك القتلة؟
لكن لا أعلم
إن كنت سأستطيع الصمود في موقفٍ كهذا إن حدث فعاً، حيث اندفاع
الأبرياء وضغط السلطات بإبعادهم!
وطن،كان لهم النصيب الأكبر من التواصل ورؤية العالم المختلف، ذلك العالم الذي
يعيش فيه من هم بأعمارهم أو أكبر منهم بقليل بفضل وجود الانترنيت ومواقع
فقد أدركوا أنهم مظلومون وأن لا خاص إلا بالخروج
ومواجهة السلطة ضمن ما يسمح به الدستور، كان جياً عظيماً بجرأته وصلادته
واندفاعه نحو الموت دون تردد أو خوف، فا يمكن للعقل أن يصدق مشهدًا يظهر فيه شاب وهو يواجه الرصاص
بيدين عاريتين إلا من علمٍ الباد إلا لو كان مشهدًا تمثيلياً أو أن صاحبه يعيش
في عالم آخر!
تردد وطن في المشاركة في هذه الانتفاضة،الصور السلبية عما سبقها من انتفاضات،قرر أن يذهب ساعةً ليرى الصورة الحقيقية ثم يتخذ القرار الصحيح اعتمادًا على
نتائج الواقع. فقد كان
للتفكير العميق دورٌ كبير في زيادة معدل ضخ الادرينالين مما تسبب ببطءٍ
حتى بدأ يسمعُ هتافات بعيدة واضحة التردد، كانت تزداد ارتفاعاً كلما اقترب
وفي لحظة الوصول، فقد كان هناك الآلاف
كأنه عرضٌ
وتحدد مجموعاتهم التي ينتمون إليها، كانوا كشخصٍ واحد، جهور
ثم لفتت انتباهه المجموعات الأخرى
التي تعمل بهمة عالية، كمجموعة نحلٍ يعملون في خليةٍ واحدة، دون كللٍ أو
كانت اللوحة المتكاملة الفريدة سبباً في خروج وطن مسرعاً من سيارته تاركاً
كانت تلك الثورة مصدرًا لاستفزاز الفاسدين من مسؤولي البلد،المفرطة، وتنظيمها المتقن، وخلوها من قيادة تتحدث باسم الشعب، مما أشعل حقد
الطامعين وأظهر وحشيتهم بعد أن أصدروا أمرًا بتفريق المتظاهرين باستخدامالقوة والرصاص، فلم
فقد اعتبروا أن باستسامهم سيهينون دماء شهدائهم،لأجلها. في تلك الأثناء،ضحايا قبله، وأن الخوف من المطالبة بحق هو إهانةٌ للنفس العزيزة، دفعت
بيديه وبدأ يهتف بأعلى صوته بهتافاتٍ أرعبت الجبناء من حملة الساح،يطلقون النار على المتظاهرين العُزّل،عرف أن من كان يطلق تلك الرصاصات لم يكن من أولئك القوات التي تقف
فقد شهد مقتل صديقه الضابط فادي برصاصة اخترقت رأسه
“بيب .بيب” تلك كانت أول الأصوات التي استقبلتها أذنا وطن منذ
فقد كان فاقدًا لوعيه منذ لحظة سقوطه في ساحة
ثم بدأت عيناه تتحرك برجفةٍ سريعة محاولةً أن تروي ظمأها من
الضوء، كانتا ثقيلتين بما يكفي لتجعاه يستسلم عن فتحهما عند المحاولة
منتظرًا الساعات لتمر ويحاول من جديد، لكن الأمر كان خارجاً عن إرادته
كان بحاجةٍ إلى دليل على أنه
كان الانتظار مرعباً مع
وجود تلك الأصوات التي لم يدرك مصدرها بعد، فهو لا يذكر شيئاً مما حدث.بعد ساعات من الانتظار، استقبلت أذناه أصواتاً جديدة، كانت أصوات وقع أقدام
ترتفع بمرور الزمن حتى توقفت فجأة،وقام بانتزاع شيءٍ ما منها ثم بعد لحظات شعر بوغزة في مكان ما في تلك
كانت وغزةً تدعو إلى الأمل والسعادة،المعطل ليعيد السيطرة عليه، وبعد المحاولة الثالثة بدأ النور يتدفق من جديد
إلى عينيه، فبدأت الصورة تتحول من السواد إلى البياض ثم إلى صورةٍ ضبابيةغير واضحة حتى استطاع أن يبصر صورة السقف الأبيض المائل للسواد،الانابيب الممدودة من أجهزة مختلفة إلى جسده وأنفه، ثم أدرك أيضاً أن مصدر
الصوت الأول كان من جهاز نبضات القلب،قريبة للبحث عن سبب وجوده في هذا المكان. تلك الفتاة
فقد اعتادت أن تأتي وتجلس بجوار
قضاها في غيبوبته، كانت ناصعة البياض بما يكفي ليعرف أن الحادثة التي وقعت
تركها تستقر من فرحتها وتجلس ثم سألها عن سبب
حدث إطاق نارٍ كثيف علينا في ساحة الاعتصام،إصابتي لا تذكر مقارنةً بأولئك الذين استشهدوا.الاعتصامات،الناس يُقتلون؟ هل قلت عزيمتهم فعادوا أدراجهم؟ هل حققوا شيئاً؟ ماذا
قال تلك الكلمات بانفعال ومشاعر أنسته بأن يوبخ ابنته بسبب ذهابها إلى
هناك، وأنسته أيضاً بأن يسألها عن يدها إن كانت تؤلمها في تلك اللحظة، وعن
فقد غطت ذاكرته من صور المتظاهرين وهتافاتهم على
نظرت أمل في عيني والدها،بزفير يدعو إلى الاطمئنان،لكاهلها، ثم قالت:• كان يوم سقوطي على يدي هو يوم انتصار الثورة، فقد شهد الشعب
مساءَ ذلك اليوم هروب أغلب المسؤولين الفاسدين إلى دول أخرى، ومن
الجميع في ساحة الاعتصامات،لم يرضَ المتظاهرون ببقاء أيّ مسؤول قديم، فقد اعتبروهم جميعاً بأنهم
انتخابات جديدة لاختيار مسؤولين يحملون الأمانة وحب الوطن، لاشك في
أنهم سيكونون كفؤًا لمهامهم، فهو القاضي والمُقَيم
لأداء من يخدم هذا البلد.قاطع حديث أمل صوتٌ مرتفع من الخارج،فنظرت إلى تعابير وجه والدها الذي بان عليه الارتباك من تلك الأصوات لتجيبه
• لا تقلق يا أبي،
لم تشرق الشمس على سناء منذ أكثر من خمسين يوماً، فما زالت معتكفةً
في مضجعها منذ أن استشهد زوجها في المعركة، لا شيء هناك يواسيها ويقلل
من ألم الفراق الا بطنها المنتفخ، فذلك الطفل الذي في أحشاءها هو سببها
الوحيد للاستمرار بالعيش في هكذا حياة، وهو السبب في تعاستها في أحيانٍ
أخرى، فقد كان التفكير بمستقبل ذلك الطفل أمرًا مرهقاً ويدعو الى الجنون
في ظل تلك الظروف، حيث أصبحت الأمهات مصانعاً لإنتاج الشباب الذين
سيزج بهم من دون شك في غياهب المعارك اللامتناهية ليتم بعدها تكريمهم
بقطراتٍ من الحبر لكتابة أسمائهم في قائمة الوفيات اليومية، تلك القوائم التي
ستُجبر على دفع المال ثمناً لقراءتها، ولكل اسم فيها صلاحية على وجوده في
هذه الحياة، ستنتهي ما إن ينتهي القارئ من ذكره على لسانه أو في أعماقه ولا
يبقى ذكره الا على لسان المقربين. كان الشباب هم الحصاد في موسمِ الثمر،
وكانت تلك الثمار لا تكاد تنتهي في شهرٍ معينٍ من أشهر السنة وكأن دمائهم
سمادٌ سحريٌ لتربة الموت، فا تكاد تجد طريقاً يخلو من أصوات النحيب أو من
تجمعات المواسين لتلك الأم الثكلى أو الوالد الهَرِم، ففي ذلك البلد، أصبحت
الموازين مقلوبةً عن طبيعتها، فتجدُ أن الموت قد ترك الكبار ليهرموا ويكونوا
الأكثر عددًا في مجتمعهم، وأن الشباب هم من بدأوا بالتفكير بمصيرهم القريب،
متمنين أن يتخطوا تلك المرحلة ليضمنوا حياتهم، وكأن الموت وباءٌ لا يصيب
سوى الشباب. لم تَهنأ سناء بزواجها كثيرًا، فقد انتظرت وزوجها لأكثر من ثمانِ
سنوات حتى أصبحت حاماً بطفلها الأول وما هي الا أشهرٌ قليلة حتى أخذوا
زوجها الى المعركة ليموت قبل رؤية ولده بشهرين فقط، لم تصبر سناء على
هذا الفراق طوياً فقد ودعت ولدها هي الأخرى يومَ مولده، كانت نظرةً واحدة
اليه كافية لتزيل معاناة الماضي، وترسم على شفتيها ابتسامة النصر ثم تموت
عليها، ليولد الطفل باكياً، وحيدًا في مواجهة ذلك العالم المرعب.نشأ ذلك الطفل في كنفِ جده الضرير، ذلك الجد الذي فقد بصره عندما كانت
بلادهم جنة في الدنيا، وكان مسمى الوطن يُحرك القلوب ويشعل فتيل المشاعر
ويضفي القوة والفخر للقائل، تلك الصورُ التي كان يسترجعها ويهذي بها كشكلٍ
للوطن، حتى أصرّ على أن يكون اسم حفيده وطن. عاش وطن مع جده مشوش
الذهن سارحاً بالمتناقضات، فقد كان يقص عليه قصص التضحيات والصمود
وتكاتف أبناء الشعب، وكان يحدثه عن تاريخٍ مشرفٍ بالإنجازات والتطور، حتى
أن الباد أصبحت مركزًا عالمياً للقوة والتقدم، وكان أكثرُ ما يؤذي تفكيره عندما
يتحدث الجد عن الحياة الكريمة والترف الذي يعيشه الشعب، فقد كان الواقع
يحكي قصصاً أخرى، وكأن الجد كان يرى الأمورَ ثم يسرد نقيضها!
لم يعش وطن مرحلة الطفولة كما عاشها أقارنه، فقد أعطاها لجده الكفيف
حينما أصبح عينه التي ترشده في الطرقات الى أي وجهةٍ يريدها انتهاءً بتوضيب
فراشه في نهاية اليوم، كما عاش شعور ألم الفقد مبكرًا، فما زال يذكر لحظة
امتناع أصدقائه عن اللعب صباحاً بعد أن دخلوا المدرسة، تلك اللحظات التي
تمنى لو أن والدته أنجبته قبل عام من تاريخ مولده، فلم يعش صباحاتٍ مملة
كتلك التي قضاها وحيدًا، ولم يعش حزناً كحزنِ اليوم الثامن والعشرين من بدء
تلك القطيعة الصباحية، فقد استيقظ على أصوات الانفجارات التي لم يعهد
أن يسمعها من قبل، كانت تلك الأصوات رسالة قطيعةٍ دائميةٍ مع أصدقائه،
فقد ذهبوا ضحية تلك المعارك التي أخذت الشباب من قبلهم، عندما قصف
العدوان مدرستهم في الساعة السابعة وخمس و أربعين دقيقة، قبل أن يصطف
التلاميذ ليغردوا بالنشيد الوطني وقبل أن يفتحوا دفاترهم التي بكوا من أجلها
كثيرًا لإكمال واجبهم، كانت تلك الصدمة الاولى لوطن في حياته المبكرة، أن
يفقد أصدقاء الطفولة بعد أن فقد حياة الطفولة من قبل.
عاش وطن كثيرًا ليصلَ الى عامه الأول في المدرسة، فقد علمته الحياة في
السنوات الست الأولى ما تعلمه لغيره في عشرين سنة، فمع التحاقه بالمدرسة
أصبحت مغامراته أكبر، وكان لكل اكتشافٍ جديد ضريبة مؤلمة. كان الصفّ
شيئاً مألوفاً بالنسبة لتصوراته فقد سمع كثيرًا عن تفاصيله من أصدقائه الذينمأمون العاني
4
سبقوه في المدرسة، ومع مراجعته ومطابقته للصورة الذهنية وحقيقة الواقع
لفت انتباهه صورةٌ كبيرة لرجلٍ يرتدي ملبساً أنيقاً كانت قد عُلقت فوق لوح
الكتابة، تأملها قلياً ثم سأل زملائه في الصف:
• هل هذا هو مدير المدرسة؟
لم يتلقَ أيّ إجابة منهم، فقد كانوا منهكين بالضحك على سؤاله، جاعليه
في حيرةٍ وهو يراجعُ كلماته التي نطقها لعل في سؤاله شيءٌ من الخطأ، جعله
ذلك الموقف يتردد في الحديث أمامهم وفي طرح الأسئلة، وبعد نصف ساعة
من الوحدة هناك، حصل على كتبه المدرسية ليعلن مجبرًا انضمامه الى رحلة
التعليم التي سيقضي فيها ست عشرة سنة لحين الاعان عن تحريره، وقد كان
الفضول يقتله وهو يحاول اكتشاف آلية عمل ذلك السحر الذي يجعل الناس
كتاباً وقراءً ، وما أن بادر بقلب الصفحة الأولى من الكتاب حتى تفاجأ بوجود
الصورة ذاتها التي سخروا منه بسببها، ومما زاد في دهشته أنه رآها في جميع
تلك الكتب التي كانت بحوزته، فقام ومن غيرِ شعور بتمزيقها بحرقة وغضب،
فقد ترك له زملائه بموقفهم ذاك انطباعاً سلبياً مع حامل هذه الصورة، لم
يتوقف عن تفتيت تلك الصور الى قطعٍ لولا صوت المعلمة الذي أعاده الى
رشده، تلك المرأة التي ما زال يذكر ملامحها كلما أصابه ألم، فقد عُوقِبَ على
فعلته تلك بالضرب المفرط ثم قاموا بفصله لأسبوعين من الزمن، ليعود إلى
جده في غير موعد الخروج، منتكس الرأس، منتفخ العينين من شدة البكاء، فقد
كان التفكير في الأمر وحده يدعوه إلى البكاء، فقد شعر بظلمٍ كبير في مكانٍ
كان يجب أن يكون له مصدر للسعادة.
كان وطن ينمو سريعاً بعقله قبل جسده، ومع اتمامه لعقده الأول تلقى نبأ
وفاة جده، كانت لحظات عصيبة عليه، تزامنت مع بدء الحصار على بلده، فكان
دائماً ما يتحدث عن حظِ جده في هذه الحياة، فقد كان يعيش عالمه المثالي
في ظلِ أشدّ الظروف ضراوةً، وقد مات قبل أن يرى المجاعة التي حصلت
في بلدهم أو يعيش قساوتها، عندما بدأت مرحلة موتٍ جديدة، تلك الحقبة
التي كان ضحيتها الأطفال بدلًا من الشباب، وقد أصبح الناس بسبب نقص
الغذاء يبيعون كل شيءٍ له قيمة ليحصلوا بدلًا منه على لقمة النجاة، حتى
أصبحت الكثير من المنازل خالية إلا من السجاد الذي ليس له قيمة، ومنهم
من كان يغسل العفن الذي يغطي ما تبقى لديه من الخبز أو ما حصل عليه
من المزبلة ثم يجففه ويأكله، فعند الجوع، ليس هنالك خبزٌ سيء، وقد وصل
الحال ببعضهم أن بدأوا بمطاردة القطط والكلاب ليأكلوها، مجتمعين حول القدرٍ
يبكون حالهم، فالجوع يُرضي الأسود بالجيَف.
كان وطن يقضي أغلب قته منعزلًا في بيت جده مع كتبه التي يستعيرها
من أصدقائه أو يشتريها من مدخراته الشخصية، فالعالم كان غير مستقر في
الخارج، فقد أصبح الناس غير الناس بعد الحصار، وأصبح من الصعب أن تأمن
حتى من جارك، فالأخاق تتآكل في الجوع كما يتآكل المعدن الذى يقطر فوقه
الماء. كانت المسافة التي يقضيها وطن للوصول الى أقرب مكتبةٍ من بيته
تتجاوز الساعة من الزمن، يسير وهو يتأمل حال الناس، ففي كل دقيقة يقضيها
خارجاً كان يضيف إلى ذاكرته قصة تشهد مأساةَ قومٍ أذلهم الزمان بعد عز،
فلم يكن من المنطقي على مرّ الأزمان أن يقتل الرجل لصاً سرق منه رغيف
الخبز إلا في ذلك الزمن، فقد كان الفارق بين موتٍ أحدهم ونجاته كسرة خبز
باهتة، والى اليمين هناك، كان يرى جيوشاً من الأطفال ممن هم بعمره أو
أصغر منه بقليل، وهم يفترشون الطرقات، متأهبين للانقضاض على كل غريب
يمرّ من هناك كفريسةٍ سهلة المنال، فا يخرج من حيهم إلا حافيّ القدمين،
خاليَ الجيوب إلا من بطاقته الشخصية بصورتها البائسة، لتبدأ بعدها الصراعات
الداخلية بين أولئك الصغار، فالغنيمة الأكبر لا يستحقها هناك إلا صاحب القوة
والنفوذ، ثم لفت انتباهه مشهدٌ أبطاله شيخٌ كبير يقوده طفل، كان ذلك العجوز
يتحدث عن أشياء ليس لها وجود، بصوته المبحوح وسعاله الذي يقطع رتابة
كلماته، وما هي الا لحظات حتى سمعَ صوتاً من جانب آخر كان قد اخترق طبلة
أذنه الشمال، قائاً:
• أما زالَ هذا العجوز الخرف على قيد الحياة، حقاً إن الموت لا يأخذ الى
الصالحين من الناس ..أعادت تلك الكلمات الى ذاكرته ما كان يسمع من جده من كلمات لا تمتُ
للحقيقةِ في صلة، حتى تسللت إلى نفسه فكرة أن جده كان مصاباً بالخرف كذلك
العجوز، وأن خياله كان يعملُ كمخرجٍ محترفٍ في تصوير المشاهد السعيدة التي
كان يصفها، ثم تعمقَ في تفكيره ليبدأ التشكيك في سبب إصابته بالعمى، فقد
أخبره حينها أن فقدانه لبصره جاء نتيجة ارتفاعٍ في مرض السكري، لكن وطن بدأ
يظن بأنه قد خسر بصره بسبب ضغوطات الحياة وصعوبتها، وأنها قد محت
من ذاكرته كل تلك الآلام ليستطيع أن يتكيف مع واقع الحياة. انقضت الساعة
بطيئاً، فقد كانت مرهقةً لعقلٍ وطن قبل جسده، والأكثر إرهاقاً تلك العبارة التي
وجدها معلقةً على باب المكتبة الموصد «الحصار وصل إلى عقولنا.. المكتبة
مغلقة حتى تمتلئ البطون .»
انتهت تلك المجاعة بعد مرور عقدٍ من الزمن من تأريخ بدايتها، انتهت بنهاية
سلطة صاحب الصورة، تلك النهاية التي سيدفع الشعب أثماناً باهظة ضريبةً
لخرفِ جده وللعقول المغلقة التي خلّفَها صاحبُ الصورة، فقد تم اقصائه
من منصبه بدخولِ قواتٍ أجنبية إلى الباد، لتبدأ حربٌ جديدةٌ بعد جوعٍ طويل،
كانت الليلة الأولى مضيئة بشكل لافت فا تكاد تميزها عن النهار بسبب وابل
القذائف والقنابل التي أحرقت كل شيء، وكانت أصوات القنابل المرعبة وصراخ
الأطفال تذكره بأصدقائه من شهداء المدرسة وهو ينتظر بخوف تلك اللحظة
التي سيلتحق عندها بهم، ولم يكن الصباح بأفضل حالٍ من تلك الليلة، فقد
جاء يحمل لوحةً مرسومة بالدماء والأسى، فلن ينسى وطن وجه جاره عندما
أخرجوه من تحت الأنقاض، كانت ملامحه قد مُحيت بالكامل، وكأنه قد صُهر
في فرنٍ حراريٍ، وعلى الجانب الآخر من الطريق صورةٌ لطفلٍ ممدٍ على الأرض
وقد أصبح رأسه منبعاً للدماء التي شقت بسيلانها نهرًا أحمر اللون على ذلك
الطريق. تطورت تلك الحرب خال أسابيع قليلة لتدخل إلى عقول الناس وطرق
تفكيرهم، فبدأ الناس يتحدثون بمصطلحات جديدةٍ لم يكن يعهدها وطن من
قبل، ثم تقسموا إلى عدة فئات، واحتوت كلُ فئةٍ على عدة مجموعات، فكان
يُسأل من قبلِ أصدقائه ومن الذين يتعرف عليهم عن الفئة التي ينتمي اليها،
ليجيب باستغراب:• لا أعلم عن ماذا تتحدثون!؟
وبمرور الأيام علِمَ أن والديه كانا من فئتين مختلفتين، وأن التفرقة التي أصبح
يتحدث بها الناس بسبب الاختاف ما هي الا صورٌ ثابتة قد تم أدلجة عقولهم
عليها كطائر الببغاء الذي يردد ما يسمع دون أن يفكر بعقلانية فيما يقول، فقد
أثبت والداه أن الاختاف في شيء لا يعني نهاية كل شيء فهناك المئات من
الصفات المشتركة التي تمثل سبباً مقنعاً للعيش بسعادة وسام.
عامٌ بعد عام، يزداد فيه تباعد الناس وانعزال الفئات بعضها عن بعض، كان
ذلك فرصة ذهبية للدول الطامعة بكنوز ذلك البلد، فقد صُنف البلد ضمن
قائمة الدول الأكثر ثراءً بالموارد، على العكس تماماً من التصنيف المعيشي
للسكان الذي احتل فيه البلد المرتبة ما قبل الأخيرة!
كانت تلك الدول الطامعة تسير وفق استراتيجية “فرق تسُد”، تلك الاستراتيجية
التي ستحتاج الى أعوام لترسخ مبدأ الخضوع والانتماء في عقول الرافضين
للتغيير، فبمرور الزمن ستتغير قناعات كثيرة حتى يصبح الانقسام أمرًا عادياً ثم
الوصول إلى المرحلة التي يتبناها الفرد كقضية ذات أولوية ويبدأ بتحريض الاخرين
عليها، كانت كمراحلِ خروج الفراشة من شرنقتها، فما هي الا أعوام قليلة حتى
بدأت حربٌ أهليةٌ بين أبناء ذلك البلد، حربٌ كان الخاسرُ الوحيد فيها هم أولئك
الذين كانوا يغذون عقولهم على الحقد والانتقام، فما كانت لشرانقهم الا أن تلد
وحوشاً ضارية، تقتلُ دون تفكيرٍ أو سؤال، فقد أصبح المنطق عندهم أن الحياة
لا يستحقها إلا المنتمون إلى فئتهم، متناسين أن الاختاف هو سمة كونية
لديمومة الحياة!
كان قانون الغاب هو السائد في ذلك الزمان والمكان، وكان الضعفاء من
الناس مختبئين خشية أن يلتهمهم أحد، كانت أياماً عصيبة على وطن، فلم
تجفّ عيناه يوماً بسبب المأساة التي عاشتها الباد حينها، فا يكاد يمر يوم إلا
ويسمع بموت صاحبٍ أو صديق أو قريب، وقد أخمدت الحرب نارها بموتِ خاله
الذي كان سنده بعد وفاة جده.في زمنٍ مضى، كان حكمُ البادِ بيدِ متسلطٍ واحد، أما اليوم، وبعد أن زال
صاحب الصورة من الحكم، فقد جاء من هو أسوء منه، فظهر المئات من
صاحب الصورة، بأشكالٍ ورغباتٍ مختلفة، فهم يفكرون بأنهم أصحاب ملكِ كبير
وأن من حولهم هم رعاعٌ لا جدوى من وجودهم سوى للعمل والتكاثر، وأن ثروات
الباد وخزينتها هي ملك خاص لهم، وقد تمكنوا لأكثر من ست عشرة سنة
من السيطرة على الباد، وقد كانوا يشترون كل من يساندهم على البقاء بما
امتلكوه من أموال الشعب، وكان لدول الجوار الطامعة شأنٌ كبير في ذلك،
فقد عقدوا معهم صفقة مفتوحة الأمد منذ اليوم الأول لإزالة صاحب الصورة
تشمل تدريباً خاصاً لكبار مسؤولي الباد لإعادة برمجة ولائهم ثم تطور الأمر
ليشتمل على غرس خلايا خاصة بهم في مناطق رئيسية في الباد ليتمكنوا من
العملِ في الخفاء بأيدي ناعمة وليسيطروا على أصحاب التفكير الوطني والواعين
من الناس، حتى أصبحوا بعد عدة سنين جزءًا اساسياً من أصحاب القرار في
شؤون البلد، فكان مصير الباد مرتبطاً بمصالح دول الجوار الطامعة.
كان وطن يرى أن شعبه من أكثر الشعوب عاطفة وصبرًا، وكانت تلك هي
نقطة الضعف التي تم استغلاله بها من قبل أشخاص يدّعون أنهم رجال دين،
وكانوا يحثونهم على الصبر على حالهم، وأن الله يحب الصابرين، وأن الفقراء
هم أول من سيدخلون الجنة، وأن حالهم هو أفضل من حال الكثير من البلدانِ
الاخرى، كانت كلماتهم تلك وهم يدّعون الخشوع تقنع الكثير من فقراء البلد،
تلك الكلمات التي مثلت حاجزًا صخرياً ضد التفكير في سبب امتناع رجال الدين
عن الوقوف بجانبهم والتحدث عن ظلم العباد واستبداد السلطات، عن أكلِ
أموالٍ بالباطلِ وموتِ فقير في دولةٍ غنية بسبب الجوع.
كان تصاعد الأحداث واستبداد السلطة بمثابة مطرقة ضد ذلك الحاجز الصخري
في عقول الشعب، ومع مرور الأيام وانقضاء السنين، أصبح الكثير من أبناء
ذلك البلد يفكرون با حاجز أو رادع، فقد فكروا بصفتهم بشرًا ينتمون إلى بادٍ
واحدةٍ بعيدًا عن الانتماءات الفئوية التي فعّلتها الدول الطامعة. تلك كانت نظرةوطن إلى مجريات الأمور في الباد خال الحقبة الفائتة كما رواها لصديقه فادي
في أحد المقاهي، فقد اعتاد وصديقه فادي، الذي يعمل كضابط شرطة في
قواتِ مكافحة الشغب، اللقاء مساء كل سبت خال الاسبوع في هذا المقهى،
وأثناء نقاشهم الطويل ذاك ظهر على التلفاز نبأ عاجل يتحدث عن قيام قواتٍ
من الجيش برمي متظاهرين بالرصاص وقتل وإصابة العشرات منهم في إحدى
الدول. ساد الصمت بين الاثنين لبرهة من الزمن، ثم انطلق صوت وطن قائاً:
• لا يمكن أن يطلقوا تسمية “جيش تلك الدولة” على أولئك القتلة المأجورين،
فلو سألت طفاً عن مهمة الجيش لقال )الجيش سورٌ للوطن(!
○ قد يكونون مأجورين كما قلت، وقد يكونون مجبرين على فعلِ ما يملى
عليهم.
• لا عذر لمن يقتل الأبرياء، فكيف ببريء خرج ليسترد حقه ومظلوميته، فهل
يمكن أن توضح لي من سن ذلك القانون الذي ينص بأن جزاء المظلوم هو
القتل؟! ثم تخيل لو أنك كنت تواجه متظاهرين في بلدك، فهل ستفعل
ما فعله أولئك القتلة؟
○ سيكون جوابي ب لا بدون تردد لأنني الآن في موقفٍ مختلف، لكن لا أعلم
إن كنت سأستطيع الصمود في موقفٍ كهذا إن حدث فعاً، حيث اندفاع
الأبرياء وضغط السلطات بإبعادهم!
لم يمر على هذا اللقاء أكثر من ثلاثة أيام حتى حدثت ثورة حقيقة في باد
وطن، كانت ثورة عفوية ساعد في انشاءها وتوسيعها أبناء الجيل الجديد الذين
كان لهم النصيب الأكبر من التواصل ورؤية العالم المختلف، ذلك العالم الذي
يعيش فيه من هم بأعمارهم أو أكبر منهم بقليل بفضل وجود الانترنيت ومواقع
التواصل الاجتماعي، فقد أدركوا أنهم مظلومون وأن لا خاص إلا بالخروج
ومواجهة السلطة ضمن ما يسمح به الدستور، كان جياً عظيماً بجرأته وصلادته
واندفاعه نحو الموت دون تردد أو خوف، قد يكون لتلك الألعاب الجماعية التي
كانوا يغوصون في أعماقها في عالمٍ افتراضي على الحاسوب دورٌ في صمودهمذاك، فا يمكن للعقل أن يصدق مشهدًا يظهر فيه شاب وهو يواجه الرصاص
بيدين عاريتين إلا من علمٍ الباد إلا لو كان مشهدًا تمثيلياً أو أن صاحبه يعيش
في عالم آخر!
تردد وطن في المشاركة في هذه الانتفاضة، فقد عادت إلى ذاكرته كل تلك
الصور السلبية عما سبقها من انتفاضات، إلا أنه بعد صراعٍ داخليٍ مع ذاته
قرر أن يذهب ساعةً ليرى الصورة الحقيقية ثم يتخذ القرار الصحيح اعتمادًا على
نتائج الواقع. كان الطريق إلى ساحة الاعتصامات أطول من ذي قبل، فقد كان
للتفكير العميق دورٌ كبير في زيادة معدل ضخ الادرينالين مما تسبب ببطءٍ
واضح في حركة الوقت بالنسبة إلى إنسان طبيعي، ثم ما هي إلا لحظات
حتى بدأ يسمعُ هتافات بعيدة واضحة التردد، كانت تزداد ارتفاعاً كلما اقترب
أكثر من ساحة الاعتصام، وفي لحظة الوصول، بقيَ وطن ساكناً في سيارته
لأكثر من خمس دقائق من هول ما رأى من موقف، فقد كان هناك الآلاف
من الناس يتحركون معاً كجسدٍ واحد ويهتفون معاً بصوتٍ واحد، كأنه عرضٌ
تلفزيوني لفرقة استعراضيةٍ محترفة، فقد كان من المستحيل التفريق بين حامل
الشهادة والعامل البسيط، وكان من المستحيل أيضاً أن تصنف فئات الحاضرين
وتحدد مجموعاتهم التي ينتمون إليها، كانوا كشخصٍ واحد، كبير الحجم، جهور
الصوت، منتصب القوام ومتزن الحركة، ثم لفتت انتباهه المجموعات الأخرى
التي تعمل بهمة عالية، كمجموعة نحلٍ يعملون في خليةٍ واحدة، دون كللٍ أو
ملل، سعادتهم بمساعدة الغير، وشقاؤهم بالتفكير بنقصِ احتياجات الاخرين.
كانت اللوحة المتكاملة الفريدة سبباً في خروج وطن مسرعاً من سيارته تاركاً
خلفه فكرة العودة قبل أن تتحقق مطالب الشعب.
كانت تلك الثورة مصدرًا لاستفزاز الفاسدين من مسؤولي البلد، بسلميّتها
المفرطة، وتنظيمها المتقن، وخلوها من قيادة تتحدث باسم الشعب، فلم
تكن المطالب غامضة ولم تحتوِ على بنود قابلةٍ للتفاوض، مما أشعل حقد
الطامعين وأظهر وحشيتهم بعد أن أصدروا أمرًا بتفريق المتظاهرين باستخدامالقوة والرصاص، ليسقط في دقائق العشرات من الشهداء ومئات الجرحى.
كانت تلك الرصاصات سبباً في إصرار المتظاهرين على الاستمرار والبقاء، فلم
يعد هناك مجال للعودة، فقد اعتبروا أن باستسامهم سيهينون دماء شهدائهم،
وأن تزكية تلك الدماء بتحقيق أهدافهم التي خرجوا يطالبون بها واستشهدوا
لأجلها. في تلك الأثناء، فكرّ وطن في أن دمائه ليست بأغلى من دماء من راحوا
ضحايا قبله، وأن الخوف من المطالبة بحق هو إهانةٌ للنفس العزيزة، دفعت
تلك الأفكار بوطن للتقدم إلى الصفوف الأمامية بعد أن حمل معه علم الباد
بيديه وبدأ يهتف بأعلى صوته بهتافاتٍ أرعبت الجبناء من حملة الساح، فعادوا
يطلقون النار على المتظاهرين العُزّل، لكنه وفي لحظة أصابته بإطلاقات نارية
وعند سقوطه و قبل أن يفقد وعيه لاحظ مشهدًا كشفَ له حقيقة مخفية، فقد
عرف أن من كان يطلق تلك الرصاصات لم يكن من أولئك القوات التي تقف
بالقربِ منهم، فقد شهد مقتل صديقه الضابط فادي برصاصة اخترقت رأسه
ليسقط ميتاً في لحظتها.
“بيب ...بيب ...بيب” تلك كانت أول الأصوات التي استقبلتها أذنا وطن منذ
دخوله إلى المستشفى، فقد كان فاقدًا لوعيه منذ لحظة سقوطه في ساحة
الاعتصامات، ثم بدأت عيناه تتحرك برجفةٍ سريعة محاولةً أن تروي ظمأها من
الضوء، كانتا ثقيلتين بما يكفي لتجعاه يستسلم عن فتحهما عند المحاولة
الأولى، منتظرًا الساعات لتمر ويحاول من جديد، لكن الأمر كان خارجاً عن إرادته
وكأنه قد فقد السيطرة على قدرته على الحركة، كان بحاجةٍ إلى دليل على أنه
ما زال على قيد الحياة ليشجعه على المحاولة من جديد، كان الانتظار مرعباً مع
وجود تلك الأصوات التي لم يدرك مصدرها بعد، فهو لا يذكر شيئاً مما حدث.
بعد ساعات من الانتظار، استقبلت أذناه أصواتاً جديدة، كانت أصوات وقع أقدام
ترتفع بمرور الزمن حتى توقفت فجأة، ثم شعر بأن هناك من قد أمسك بيده
وقام بانتزاع شيءٍ ما منها ثم بعد لحظات شعر بوغزة في مكان ما في تلك
اليد، كانت وغزةً تدعو إلى الأمل والسعادة، شجعته على المحاولة مع جسده
المعطل ليعيد السيطرة عليه، وبعد المحاولة الثالثة بدأ النور يتدفق من جديد
إلى عينيه، فبدأت الصورة تتحول من السواد إلى البياض ثم إلى صورةٍ ضبابيةغير واضحة حتى استطاع أن يبصر صورة السقف الأبيض المائل للسواد، وتلك
الانابيب الممدودة من أجهزة مختلفة إلى جسده وأنفه، ثم أدرك أيضاً أن مصدر
الصوت الأول كان من جهاز نبضات القلب، وشيئاً فشيئاً بدأ يسرحُ في ذكريات
قريبة للبحث عن سبب وجوده في هذا المكان.
كان أول من اكتشف استيقاظ وطن من غيبوبته هي ابنته أمل، تلك الفتاة
التي لم يتجاوز عمرها الأربعة عشر عاماً، فقد اعتادت أن تأتي وتجلس بجوار
والدها والنظر إليه عند الساعة الرابعة من كل يوم طوال الخمسة عشر يوماً التي
قضاها في غيبوبته، ظلت تبكي وتقبل يدي والدها حتى لاحظ أن يدها اليمين
قد لفت بجبيرة، كانت ناصعة البياض بما يكفي ليعرف أن الحادثة التي وقعت
لها كانت قريبة الحدوث، تركها تستقر من فرحتها وتجلس ثم سألها عن سبب
تلك الجبيرة؛
• أصيبت يدي برضوض بسيطة والتواءٍ بالمفصل بعد أن سقطت عليها.
○ وأين حدث ذلك؟ ومتى؟
• قبل أربعة أيام، حدث إطاق نارٍ كثيف علينا في ساحة الاعتصام، وكانت
إصابتي لا تذكر مقارنةً بأولئك الذين استشهدوا.
○ نعم تذكرت ...الاعتصامات، حدثيني بسرعة ماذا حدث لها، هل ما زال
الناس يُقتلون؟ هل قلت عزيمتهم فعادوا أدراجهم؟ هل حققوا شيئاً؟ ماذا
حدث؟
قال تلك الكلمات بانفعال ومشاعر أنسته بأن يوبخ ابنته بسبب ذهابها إلى
هناك، وأنسته أيضاً بأن يسألها عن يدها إن كانت تؤلمها في تلك اللحظة، وعن
أخبار أمها وأخويها، فقد غطت ذاكرته من صور المتظاهرين وهتافاتهم على
ذاكرته الشخصية. نظرت أمل في عيني والدها، شهقت شهقةً طويلة ثم أتبعتها
بزفير يدعو إلى الاطمئنان، وكأنها قد أزاحت بزفيرها ذاك هموماً كانت مثقلةً
لكاهلها، ثم قالت:• كان يوم سقوطي على يدي هو يوم انتصار الثورة، فقد شهد الشعب
مساءَ ذلك اليوم هروب أغلب المسؤولين الفاسدين إلى دول أخرى، ومن
تبقى منهم ظلّ يقاوم ضد إرادة الشعب حتى انتهى مصيره مذلولًا أمام
الجميع في ساحة الاعتصامات، فمات بعضهم بسبب الضرب وتم سجن
من تبقى في ذات السجون التي سجنوا بها العديد من متظاهري الثورة،
لم يرضَ المتظاهرون ببقاء أيّ مسؤول قديم، فقد اعتبروهم جميعاً بأنهم
مشاركون في تدمير الباد وسفك دماء الأبرياء، وستجري في الأيام القادمة
انتخابات جديدة لاختيار مسؤولين يحملون الأمانة وحب الوطن، لاشك في
أنهم سيكونون كفؤًا لمهامهم، فقد أثبت المتظاهرون بأنهم أصحاب وعي
عالٍ و أن مصير الحكومات القادمة بيد الشعب، فهو القاضي والمُقَيم
لأداء من يخدم هذا البلد.
قاطع حديث أمل صوتٌ مرتفع من الخارج، كان يشبه صوت اطلاقات الرصاص،
فنظرت إلى تعابير وجه والدها الذي بان عليه الارتباك من تلك الأصوات لتجيبه
عن تساؤلٍ يراوده لم يسأله بلسانه:
• لا تقلق يا أبي، فتلك هي أصوات المفرقعات النارية، فما زال الشعب فرحاً
بإنجازه العظيم ويجب أن تعتاد على هذه الأصوات إلى إشعارٍ غير معلوم.
ختمت أمل كلامها بضحكة بريئة، ثم ساد صمت طويل، فقد كان وطن غارقاً
بتصوراته وأفكاره وهو ينظر إلى جمال السماء بعد أن انجلى ليلها الحالك بتلك
الألوان البهية.
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
Side panel Saylor University History of Psychology Back to '1.2: History of Psychology\' Completion...
شهدت الأبحاث الطبية والنفسية في السنوات الأخيرة زيادة في الاهتمام بالأمراض المزمنة، بسبب ما تسببه من...
محادثة مع Gemini اريد الاجابة المنطقية والواقعية لديوان المحاسبة الاردني الوحدة 3: كيف يمكن لمدقق في...
الفصل بين السلطات والتعاون فيما بينهما . نظام الحكم في دولة الكويت ، يعمل في ظل هيكل دستوري فريد ، ي...
السيادة في الدولة الفدرالية لا يمكن أن يتوافق مفهوم السيادة في الدولة الدستورية مع الفصل بين السلطات...
كخلاصة لما جاء في هذا الفصل، فالسياسة الخارجية الجزائرية بمقارباتها المختلفة حققت العديد من المكاسب ...
لن يعود شيء كما كان بعد نهاية العصر الجليدي، حيث عُزلت جيوب كبيرة من البشرية على جانبي الكرة الأرضية...
كما مٌكن ب عٌ الأصل التجاري الإلكترون ،ً فإنه مٌكن تقد مٌه حصة ف شركة والمقصود بتقد مٌ الأصل التجاري...
تغزو سهول شرق أفريقيا موطن الغابات التقليدي لأسلافنا من القردة، حيث تقل الأشجار وتتسع المسافات بينها...
الكود الزائف يشبه لغات البرمجة مثل C++ ، لكنك لستِ مجبرة على الالتزام بقواعدها الصارمة (Syntax). نحن...
الأصالة: قوة أن تكون حقيقي فالأصالة هي حجر الزاوية للقيادة الفعالة. تخلق القيادات النسائية اللواتي ي...
تفرض طبيعة الحياة الإنسانية على الفرد مواجهة سلسلة مستمرة من التغيرات والتحديات التي تترافق مع ضغوط ...