خدمة تلخيص النصوص العربية أونلاين،قم بتلخيص نصوصك بضغطة واحدة من خلال هذه الخدمة
المسرحية العربية: الريادة والبدايات مرّ مصطلح "المسرحية" بتطورات في تقاليدنا الثقافية في هذا القرن وفي النصف الثاني من القرن الماضي، فأُطلق -أولاً- على المسرحية اسم "الرواية"، وكان ثمة قرينة تشير إلى أنها رواية تمثيلية وليست رواية سردية، ثم استخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية، ولم يُعرف المسرح ولاالمسرحية بمفهومها المعاصر قبل منتصف القرن الماضي في الوطن العربي، وإنما عرفت أشكال مسرحية تنتمي إلى ماقبل المسرح العربي، ولذلك فإننا سنتوقف في مرحلة الريادة والبدايات عند ثلاثة رواد لايمكننا إغفال أيّ منهم، وهم مارون النقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنّوع، ولكّل منهم تلاميذ ساروا على نهجهم، ثم إننا سنتوقف -في هذا الفصل- عند مسرحية "أبو الحسن المغفّل أو هارون الرشيد" لمارون النقاش، لنحلّلها تحليلاً فنّياً لتدلّ على النصّ المسرحي في مرحلة الريادة من جهة، ولأن لهذه المسرحية فاعلات خفيّة فيما بعدها، كالاتجاه إلى التراث الشعبي للتعبير به عن تجربة معاصرة، ثم إنّ لهذه المسرحية صلة بعيدة أو قريبة ببعض المسرحيات المعاصرة، ومنها مسرحية "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس، 1- مارون النقاش مؤسس المسرح العربي: فانتقل بأسرته إلى بيروت سنة 1825، فأتقن فيها مارون القراءة والكتابة العربية، وبرع بتعلّم اللغات، والفرنسية، ودرّت عليه الربح الوفير، ولاسيّما إيطاليا، ليدرس حالات السوق ويستورد بعض السّلع، وسافر إلى الإسكندرية والقاهرة عام 1846، ثمّ عرّج من هناك إلى إيطاليا. ومكث هناك ثمانية أشهر، جثته إلى لبنان"2". ونذر له جهده وماله، فقدّم خمس مسرحيات من النوع الكوميدي، وهو أصعب أنواع الفنون المسرحية وأرقاها، واثنتين من تأليف أخيه الشاعر المحامي نقولا النقاش (1825- 1894)، ودعا إليها علية القوم، فلاقت استحساناً كبيراً، بل هي من تأليفه، ولاأن يمحو فاعليته وشخصيته الذاتية والقومية، فقد غير المكان وأعاد صياغة الشخصيات خالعاً عليها سمات عربية، وذهب الدكتور محمد يوسف نجم في دراسته لهذه المسرحية إلى أن أسلوبه الشعري أقرب إلى الركاكة"3"، ولكنه قال عنها: "زعم الكثير من الباحثين أن مسرحية البخيل لمارون النقاش، هي اقتباس أو ترجمة للمسرحية المعروفة بهذا الأسم، والحقيقة التي لايرقى إليها شكّ، أنّ هذه المسرحية مؤلفة من ألفها إلى يائها. إلاّ أنه لم يقتبس شيئاً من المادة (الموضوع) أو التنسيق الفني بنوعيه الخارجي والداخلي""4"، ويرى أن قراداً «شخصية البخيل في مسرحية النقاش» يقف على قدم المساواة مع "هرباغون" موليير"6". وعى النقاش وأدرك جيداً في مسرحيته الأولى الفروق بين المجتمع الأوروبي الذي أنتج وتلقّى مسرحية موليير "البخيل"، وهو مجتمع ذو إرث مسرحي طويل وذهنية درامية، وبنى المجتمع العربي الذي لم يعرف المسرح من قبل، وبرز هذا الفهم في خطبته التي تلاها عند تقديمه المسرحية، وقد بيّن فيها غاياته من هذا الفنّ الجديد، كما بيّن فيها رسالة المسرح، والأذهان الفريدة الرائقة، الذين هم عين المتميّزين بهذا العصر، وتاج الألبا والنجبا بهذا القطر، ولكنه يحمّلهم قسطاً من هذه التبعة في عباراته التي يمتدحهم بها، ومن هنا يمكننا أن نفسّر الحكمة من إقامة المسرح في المنزل من جهة، وأن يكون علية القوم ونخبتهم أول المدعوّين من جهة أخرى، ثمّ أنّه بين صلة المسرح بالأدب، كما وعى جيّداً أهمية أن تكون الصياغة عربية خالصة، وهو في ذلك يختصر قضايا مسرحية هامة، كالإعداد والتأصيل والهوية وماشابه ذلك. وقد اشتملت هذه الخطبة على فهم واعٍ لوظيفة المسرح وأنواعه والسبب الذي دعاه إلى أن يبتدئ المسرح العربي بالكوميديا المطعّمة بالأشعار والأغاني وتقليد المسرح الموسيقي ملاءمة للذوق العام في بلده، مبيّناً أنّ هؤلاء الممثلين هم في الحقيقة هواة، وهم هواة بلا رواد ولامعلمين ولاآباء في المسرح سوى ماشاهده النقاش واختبره بحسّه، بل هم يجهلون فنّ التمثيل جهلاً يكاد يكون كلياً، فيقول"8": "فأنتم أيضاً ستنظرون عند كثرة تكرارها. والحكم والإعجاب، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر. وعدا اكتساب الناس منها التأديب. ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب. واستماع الآلات الموسيقية. ويربحون معرفة الإشارات الفعّالة. وإظهار الأمارات العمالة. والوقايع المسرّة المبهجة. ومنادمة الملوك. وهذا ضرب منها فتمتّعوا". فالمسرح أولاً مواعظ، وأولى وظائفه إبراز العيوب ليتجنّبها المتلقي النبيه، من ظاهرها مجاز ومزاح وباطنها حقيقة وصلاح حتى أنها تجذب بحكمتها الملوك من أعلى أسرّتهم""9"، والمسرح عنده مدرسة في عصر عزّت فيه المدارس والتعليم، وهو رياضة وحركة، ناهيك عن التسلية والمتعة اللتين يقدّمهما للمتفرّج، وهو وجه الناقد المسرحي الذي يتحدّث عنه الدارسون. وقدّم مارون النقاش عام 1849 مسرحية "الشيخ الجاهل"، وهي من تأليف أخيه نقولا النقاش، وقد مثّلت كثيراً فيما بعد، ومن الذين مثّلوها أبو خليل القباني، ثم قدّم النقاش مسرحية "ربيعة بن زيد المُكدَّم" من تأليف أخيه نقولا النقاش، وهي من تأليفه، وتتمتّع ببناء راق بالقياس إلى ماقبلها، وهي كوميديا أخلاقية اجتماعية معاصرة، والتزم الموقف الاجتماعي لكلّ شخصية من الشخصيات، وكان أسلوبه فيها بسيطاً سهلاً قريباً من الواقعية. نجح مارون النقاش في نقل الظاهرة المسرحية من المجتمع الأوروبي إلى المجتمع العربي، وكانت موهبته تهيّئه لمثل هذا الدور، فهو شاعر وموسيقي ومؤلف ومخرج وممثل وناقد، وهذا ماأهّله ليقوم بكثير من الأعمال في المسرحية الواحدة، ويتنبّه على كثير من الأخطاء التي كان يرتكبها هو أو أحد أفراد فرقته التي ألّفها، وقد سلك في التأليف الطريق التي ينبغي للمسرحي أن يسلكها، 2- وأن الرجل كان يمتلك العدّة الثقافية اللازمة التي ترفد أيّ إبداع، وأهمّها معرفة اللغة والاطلاع والسياحة والتجول في البلدان المختلفة. وكان الرجل تاجراً ناجحاً، فلم يكن بحاجة إلى المال ليعيش من مسرحه، وإنما أنفق بسخاء على مسرحه من ماله الخاص، ولم يكن يهمّه سوى النجاح وتأسيس مسرح عربي. 4- وأنّ البداية التي بدأ بها النقاش مسرحه سليمة وصحيحة، وكأنه كان يدرك أهمية أن ينشأ المسرح عربياً، ولذلك ذهب إلى التراث الشعبي في مسرحيته "أبو الحسن المغّفل"، ولذلك أيضاً ذهب إلى الكوميديا مع أنه في خطبته عارف بالأنواع المسرحية الأخرى، وهو النوع المسرحي الأصعب، فبدأ بداية سليمة في مجتمع تجسّمت عيوبه وتعدّدت؟ فهو الذي مهّد لها وسوّاها، وألّف فرقته التي أثمرت جهودها المسرحية في بلاد الشام أولاً ثم في مصر، وأنتشر تلاميذه يؤسّسون الفرق ويؤلفون لها المسرحيات، ومن هؤلاء أخوه نقولا النقاش الذي ألّف في حياة أخيه مسرحيتين، ثم ألفّ بعد ذلك مسرحيته "الموصي"، فطرد الجوقة من مصر، وخليل اليازجي (1856- 1889)، وهي مسرحيته "روميو وجولييت"، وألّف عدداً من المسرحيات، منها "الرشيد والأمير غانم" و"المهدي وفتح السودان"، مثلتها فرقة جورج أبيض بتاريخ 5-7- 1914. 2- أبو خليل القباني: وأحبّ رقص السماح، ونظم الشعر والزجل مبكراً، فهو موسيقي نشر فنّ السماح، وله في الغناء باع طويل، ويروى أنه كان يحضر عروضاً لمسرحيين لبنانيين سبقوه، وخاصة لمارون النقاش وأتباعه، إضافة إلى عروض مسرحية في مدارس العازاريين في منطقة باب توما بدمشق تذكر الروايات أنه كان يتردّد عليها ويحضر عروضها P. ثم أنشأ مسرحاً عرض فيه بضع روايات غنائية من وضعه وتلحينه اقتبس حوادثها من "ألف ليلة وليلة"، فكانت تحاصره في منزله، وهي تنشد لإزعاجه: أبو خليل النشواتي يامزيف البناتِ ارجع لكارك أحسن لكْ أبو خليل مين قال لك ارجع لكارك أحسن لكْ وهكذا رحل الرجل إلى مصر عام 1884 فلاقى فيها نجاحاً ملحوظاً، وشاركه العمل الشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الجميل، والراجح أيضاً أنه هو الذي بذر بذرة المسرح الغنائي في مصر ومهّد الطريق للشيخ سلامة حجازي وسيّد درويش وغيرهما مّمن اشتغلوا بالمسرح الغنائي في مصر""12". مثّل وأخرج أكثر من ستين مسرحية غنائية له ولغيره، ألّف منها حوالي خمس عشرة مسرحية، ولم يصلنا منها سوى ثماني مسرحيات، وهي على التوالي: 1- رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب"، 2- رواية "هارون الرشيد مع أنس الجليس" تشخيصية ذات خمسة فصول. 3- رواية "الأمير محمود نجل شاه العجم"، وهي غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول. وهي مستوحاة من مسرحية "جنفياف"، 5- رواية "عنتر بن شداد" تاريخية أدبية غرامية حربية تلحينية تشخيصية ذات أربعة فصول. 6- رواية "لباب الغرام" أو "الملك متريدات" تشخيصية ذات خمسة فصول، وهي رواية أدبية غرامية حربية. وهي من تأليف جان راسين ترجمها سليم النقاش، ثم اقتبسها القباني، وهي رواية تمثيلية غرامية أدبية ذات أربعة فصول. تنتاب مسرحيات القباني عيوب كثيرة، أهمها: وخاصة "ألف ليلة وليلة"، وخلّف تلاميذ له في سورية، وكان الآخر موسيقياً، أخلص لفن القباني، فألّف المسرحيات التالية: 2- "الصدف المدهشة" وهي روايات تمثيلية ذات عيوب كثيرة. وألّف عدة مسرحيات، منها "أبو عبد اللَّه الصغير" و"الرجوع إلى أدرنة" و"الشريف" و"عمر بن العاص"، ولايختلف هذا المؤلف عن سلفه. 3- يعقوب صنوُّع المعروف بأبي نظارة: (1839-1912 ) ولد في القاهرة وتوفي في باريس، وكان يكتب مسرحياته بنفسه ويجمع الممثلين ويدرّبهم، فإن كوميدياتك وغنائياتك ومآسيك، قد عرّفت الشعب على الفنّ المسرحي. فاذهب، فإنك موليير مصر، ولكنه في الوقت ذاته كان ينزع إلى الحرية والتحرّر، وهو الذي درس في أوربة، ثم غدا مقرّباً أيضاً وقويّ الصلة بالأفغاني ومحمد عبده، ولذلك فإنّ يعقوب صنّوع كان أكثر جرأة من سلفيه النقاش والقباني في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية على خشبة المسرح، لم يصل منها سوى سبع مسرحيات كتبت باللهجة المصرية، يذكر الدارسون من مسرحيات صنّوع (آنسة على الموضة (عامية- ملهاة) و(الأميرة الإسكندرانية) و(البربري) و(البنت العصرية) و(البورصة) و(الحشّاش) و(راس ثور وشيخ البلد والقواص) و(الضرتان) و(الغندور) و(الوطن والحرية) و(موليير مصر ومايقاسيه) و(زبيدة) و(زوجة الأب) و(الأخوات اللاتينية) و(الزوج الخائن-بالإيطالية) و(السلاسل المحطمة- بالفرنسية) و(طرطوف -لموليير ترجمة) و(فاطمة -الإيطالية والفرنسية والعربية)"17"، وخاصة في المسرحين الاجتماعي والسياسي من جهة وفي المسرحية المكتوبة باللهجة المصرية من جهة. وأهمها: وقدموا نصّاً مسرحياً، وأن اللبنانيين كانوا السباقين إلى هذا الجنس بحكم اتصالهم المبكّر بأوروبة ولغاتها، وشجّعه الشعب والدولة معاً، ولكنّ المجتمع في بلاد الشام آنذاك كان غير مهيّاً لولادة هذا الجنس الأدبي، وخاصة في ظلّ الاستبداد العثماني. 2- وأن المسرحية كانت تُؤلف أو تُترجم أو تقتبس لتمثّل على الخشبة، فالنص كُتب لهذه الغاية، وهذه سمة عامّة وهامّة وضرورية. فاقترن الغناء بالتمثيل، فلانكاد نجد مسرحية واحدة في هذه المرحلة لايغنّى فيها أو لايصاحبها الغناء والرقص، وقد أدرك مارون النقاش هذه الصفة في مجتمعه، كلتاهما تقرّ فيهما العين، والأخرى تسمى أوبرا، وكان يظنّ أن الأولى أسهل وأوجب في البداية، 4- استمدّت هذه المسرحيات مادتهامن: ب- الواقع الأسطوري: ويقتصر هنا على الترجمة (نجيب الحداد -فرح أنطون). جـ التراث الأدبي: (نقولا النقاش وإبراهيم الأحدب الذي اشتهر بهذا اللون) هـ- الواقع الاجتماعي المعيش: (مارون النقّاش -سليم النقاش -فرح أنطون -يعقوب صنّوع). 5- وأن المسرحيات المترجمة كان ينتابها الحذف والتلخيص مراعاة للأصالة والتأصيل والظروف الاجتماعية، فتصبح مزيجاً من النثر والشعر، وكانت العناوين تعرب، وكان الممثل جاهلاً بكثير من أمور المسرح، وهذا ماوعاه مارون النقاش في خطبته، لأنّ هذا الفنّ بحر زاخر.
المسرحية العربية: الريادة والبدايات
مرّ مصطلح "المسرحية" بتطورات في تقاليدنا الثقافية في هذا القرن وفي النصف الثاني من القرن الماضي، فأُطلق -أولاً- على المسرحية اسم "الرواية"، وكان ثمة قرينة تشير إلى أنها رواية تمثيلية وليست رواية سردية، كأن يضاف إليها كلمة "تشخيصية" أو "تمثيلية" أو سواهما، ثم استخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية، وأطلق المغاربة على خشبة المسرح "الركح" وهو الساحة"1".
ولم يُعرف المسرح ولاالمسرحية بمفهومها المعاصر قبل منتصف القرن الماضي في الوطن العربي، وإنما عرفت أشكال مسرحية تنتمي إلى ماقبل المسرح العربي، وهي أشكال إشكالية تحتاج إلى دراسات موسّعة ، وقد مرّ بعض الحديث عنها في التمهيد، ولذلك فإننا سنتوقف في مرحلة الريادة والبدايات عند ثلاثة رواد لايمكننا إغفال أيّ منهم، لأن ذلك يجعل الدراسة ناقصة وغير موضوعية، وهم مارون النقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنّوع، ولكّل منهم تلاميذ ساروا على نهجهم، ثم إننا سنتوقف -في هذا الفصل- عند مسرحية "أبو الحسن المغفّل أو هارون الرشيد" لمارون النقاش، لنحلّلها تحليلاً فنّياً لتدلّ على النصّ المسرحي في مرحلة الريادة من جهة، ولأن لهذه المسرحية فاعلات خفيّة فيما بعدها، كالاتجاه إلى التراث الشعبي للتعبير به عن تجربة معاصرة، ثم إنّ لهذه المسرحية صلة بعيدة أو قريبة ببعض المسرحيات المعاصرة، ومنها مسرحية "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس، وسيأتي الحديث عن ذلك في الفصل الأخير.
1- مارون النقاش مؤسس المسرح العربي:
هو مارون بن إلياس النقاش مؤسّس فنّ التمثيل العربي، ولد في صيدا في 9 شباط عام 1817، وكان أبوه تاجراً، فانتقل بأسرته إلى بيروت سنة 1825، فأتقن فيها مارون القراءة والكتابة العربية، وتعلّم النحو والصرف وعلم المنطق والعروض والمعاني والبيان والبديع، وأخذ وهو في سّن الثامنة عشرة -ينظم الشعر بعيداً عن التعقيد والركاكة بالقياس إلى الشعر الذي كان سائداً في ذلك العصر، ثمّ أتقن الحساب والمحاسبة ومسك الدفاتر على الأصول الإفرنجية، وبرع بتعلّم اللغات، فأتقن إلى حدّما التركية لغة البلاد الثانية في ذلك الزمان، والإيطالية لحاجة التجارة إليها، والفرنسية، كما تعلّم الموسيقا وأتقنها، ثمّ انصرف إلى التجارة بعد أن شغل منصب رئيس كتّاب جمرك بيروت، ازدهرت تجارته، ودرّت عليه الربح الوفير، وكان يقوم في سبيلها برحلات إلى أوروبة، ولاسيّما إيطاليا، ليدرس حالات السوق ويستورد بعض السّلع، إضافة إلى أنه كان يسافر إلى بعض المدن الشامية كحلب والشّام، وسافر إلى الإسكندرية والقاهرة عام 1846، ثمّ عرّج من هناك إلى إيطاليا.
شاهد النقّاش في رحلاته إلى أوربة عامة وإيطاليا خاصة بعض المسرحيات والأوبرات، فاستهواه ذلك، عاد من إيطاليا بزادين: زاد التجارة وزاد الفتح المسرحي، ثمّ سافر إلى طرطوس في أيلول 1854 في رحلة تجارية، ومكث هناك ثمانية أشهر، وأصيب بحمّى شديدة في أواخر أيار سرعان ماأودت بحياته في الأول من حزيران عام 1855، ثمّ نقلت أسرته، فيما بعد، جثته إلى لبنان"2".
لما عاد النقاش إلى بيروت من رحلته إلى إيطاليا ضمّ إليه جماعة من أهله وأصدقائه، وأخذ يعلّمهم فنّ التمثيل، وانصرف إلى المسرح، ونذر له جهده وماله، فقدّم خمس مسرحيات من النوع الكوميدي، وهو أصعب أنواع الفنون المسرحية وأرقاها، متأثراً بالمسرحي الفرنسي الكوميدي موليير، ثلاثاً منها من تأليفه وإخراجه، واثنتين من تأليف أخيه الشاعر المحامي نقولا النقاش (1825- 1894)، وكانت كوميديا "البخيل" أولى مسرحياته، وهي أول مسرحية عربية، وقد الفها وأخرجها ومثّلها في أواخر عام 1847 وأوائل عام 1848 في منزله في بيروت، ودعا إليها علية القوم، فلاقت استحساناً كبيراً، وهي مستوحاة من مسرحية "البخيل" لموليير، ولكنها ليست ترجمةً ولااقتباساً، بل هي من تأليفه، فلم يستطع موليير أن يستلب النقاش، ولاأن يمحو فاعليته وشخصيته الذاتية والقومية، فقد غير المكان وأعاد صياغة الشخصيات خالعاً عليها سمات عربية، وذهب الدكتور محمد يوسف نجم في دراسته لهذه المسرحية إلى أن أسلوبه الشعري أقرب إلى الركاكة"3"، ولكنه قال عنها: "زعم الكثير من الباحثين أن مسرحية البخيل لمارون النقاش، هي اقتباس أو ترجمة للمسرحية المعروفة بهذا الأسم، التي كتبها المسرحي العظيم موليير. والحقيقة التي لايرقى إليها شكّ، أنّ هذه المسرحية مؤلفة من ألفها إلى يائها. بيد أن النقاش الَّفها بعد قراءته للمسرحية المولييرية، واستيعابه لبعض شخصياتها، ولمقومات الإضحاك فيها، إلاّ أنه لم يقتبس شيئاً من المادة (الموضوع) أو التنسيق الفني بنوعيه الخارجي والداخلي""4"، وهو يرى أنّ صلتها بمسرحية موليير واهية، بل منبتة "5" ، ويرى أن قراداً «شخصية البخيل في مسرحية النقاش» يقف على قدم المساواة مع "هرباغون" موليير"6".
وعى النقاش وأدرك جيداً في مسرحيته الأولى الفروق بين المجتمع الأوروبي الذي أنتج وتلقّى مسرحية موليير "البخيل"، وهو مجتمع ذو إرث مسرحي طويل وذهنية درامية، وبنى المجتمع العربي الذي لم يعرف المسرح من قبل، وبرز هذا الفهم في خطبته التي تلاها عند تقديمه المسرحية، وقد بيّن فيها غاياته من هذا الفنّ الجديد، كما بيّن فيها رسالة المسرح، وتعدّ هذه الخطبة أول بيان في المسرح العربي، وأهم ماجاء فيه: "وها أنا متقدّم دونكم إلى قدّام، محتملاً فداء عنكم إمكان الملام، مقدّماً لهؤلاء الأسياد المعتبرين، أصحاب الإدراك الموقرين، ذوي المعرفة الفائقة، والأذهان الفريدة الرائقة، الذين هم عين المتميّزين بهذا العصر، وتاج الألبا والنجبا بهذا القطر، ومبرزاً لهم مرسحاً أدبيَّاً وذهباً إفرنجياً مسبوكاً عربيّاً""7". وهذا يبيّن أن إدخال ماهو غريب علىالتراث تبعة يتحمل نتائجها المبدع، ولذلك أدرك هذه القضية بعبارته ـ"محتملاً فداء عنكم إمكان الملام"، ولكنه يحمّلهم قسطاً من هذه التبعة في عباراته التي يمتدحهم بها، ومن هنا يمكننا أن نفسّر الحكمة من إقامة المسرح في المنزل من جهة، وأن يكون علية القوم ونخبتهم أول المدعوّين من جهة أخرى، ثمّ أنّه بين صلة المسرح بالأدب، وبيّن أنه فنّ وافد وجنس إفرنجي، كما وعى جيّداً أهمية أن تكون الصياغة عربية خالصة، وهو في ذلك يختصر قضايا مسرحية هامة، كالإعداد والتأصيل والهوية وماشابه ذلك.
وقد اشتملت هذه الخطبة على فهم واعٍ لوظيفة المسرح وأنواعه والسبب الذي دعاه إلى أن يبتدئ المسرح العربي بالكوميديا المطعّمة بالأشعار والأغاني وتقليد المسرح الموسيقي ملاءمة للذوق العام في بلده، ودعا المتفرجين إلى أن يلاحظوا الأخطاء التي قد يقع فيها هو وفرقته ليتنبّه عليها، مبيّناً أنّ هؤلاء الممثلين هم في الحقيقة هواة، وهم هواة بلا رواد ولامعلمين ولاآباء في المسرح سوى ماشاهده النقاش واختبره بحسّه، بل هم يجهلون فنّ التمثيل جهلاً يكاد يكون كلياً، ومع ذلك فإنه يختتم خطبته ببيان وظائف المسرح وفوائده، فيقول"8": "فأنتم أيضاً ستنظرون عند كثرة تكرارها. منافع تعجم الألسن عن وصف مقدارها. لأنها مملوءة من المواعظ والآداب. والحكم والإعجاب، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر. فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر. وعدا اكتساب الناس منها التأديب. ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب. فإنهم بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة. ويغتنمون معاني رجيحة. إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظم. ووزن محكم. ثم ويتنعمون بالرياضة الجسدية. واستماع الآلات الموسيقية. ويتعملون إن أرادوا مقامات الألحان وفنّ الغنابين الندمان. ويربحون معرفة الإشارات الفعّالة. وإظهار الأمارات العمالة. ويتمتّعون بالنظارات المعجبة. والتشكلات المطربة. ويتلذّذون بالفصول المضحكة المفرجة. والوقايع المسرّة المبهجة. ثمّ يتفقهون بالأمور العالمية. والحوادث المدنية. ويتخرجون في علم السلوك. ومنادمة الملوك. وبالنتيجة فهي جنّة أرضية. وحافلة سنية. فأرجوكم أن تصغوا لها وتسمعوا. وهذا ضرب منها فتمتّعوا".
إن هذ الفقرة غنية بمافيها من معرفة بفوائد المسرح ووظائفه، فالمسرح أولاً مواعظ، وأولى وظائفه إبراز العيوب ليتجنّبها المتلقي النبيه، وقد جاء في خطبته: "والروايات التي يتشكّلون بها ويعتمدون عليها. من ظاهرها مجاز ومزاح وباطنها حقيقة وصلاح حتى أنها تجذب بحكمتها الملوك من أعلى أسرّتهم""9"، وهو بهذا يُعيد على أسماعنا نظرية التطهير التي جاءت في كتاب "فنّ الشعر" لأرسطو، والمسرح عنده مدرسة في عصر عزّت فيه المدارس والتعليم، فهو يعلّم اللغة العربية الفصيحة في زمن انتشرت فيه العاميات، وهو رياضة وحركة، وهو مدرسة لتعليم الموسيقا الشرقية والمقامات اللحنية، وهو وسيلة حضارية لاغنى عنها، ناهيك عن التسلية والمتعة اللتين يقدّمهما للمتفرّج، وهنا يتبين لنا الوجه الآخر للنقاش، وهو وجه الناقد المسرحي الذي يتحدّث عنه الدارسون.
وقدّم مارون النقاش عام 1849 مسرحية "الشيخ الجاهل"، وهي من تأليف أخيه نقولا النقاش، وقدّم في أواخر سنة 1849 في منزله أيضاً مسرحيته الكوميدية الشهيرة "أبو الحسن المغفّل او هارون الرشيد"، وهي هزلية مضحكة ملحنة في ثلاثة فصول، وقد مثّلت كثيراً فيما بعد، ومن الذين مثّلوها أبو خليل القباني، ثم قدّم النقاش مسرحية "ربيعة بن زيد المُكدَّم" من تأليف أخيه نقولا النقاش، أما آخر مسرحياته فهي "الحسود السليط" أو "السليط الحسود" عام 1853، وهي من تأليفه، وتتمتّع ببناء راق بالقياس إلى ماقبلها، وهي كوميديا أخلاقية اجتماعية معاصرة، أجاد فيها المؤلف صياغة الحوار، والتزم الموقف الاجتماعي لكلّ شخصية من الشخصيات، فأبدع في تصوير شخصية سمعان بطله وتطوير مواقفه وتنامي الحدث، وكان أسلوبه فيها بسيطاً سهلاً قريباً من الواقعية.
نجح مارون النقاش في نقل الظاهرة المسرحية من المجتمع الأوروبي إلى المجتمع العربي، وقد يعود ذلك إلى عوامل أهمها:
1- أن الرجل كان موهوباً، وكانت موهبته تهيّئه لمثل هذا الدور، وهي موهبة متعددة الجوانب والأبعاد مركّبة وظّفها في المسرح، فهو شاعر وموسيقي ومؤلف ومخرج وممثل وناقد، وهذا ماأهّله ليقوم بكثير من الأعمال في المسرحية الواحدة، فهو يؤلّفها ويخرجها ويدرّب الممثلين ويقوم بالتمثيل إضافة إلى وضع الألحان وسواها، وهذا ماجعله يجرّب، ويتنبّه على كثير من الأخطاء التي كان يرتكبها هو أو أحد أفراد فرقته التي ألّفها، وقد سلك في التأليف الطريق التي ينبغي للمسرحي أن يسلكها، وهو في أن يكون مسرحياً أولاً ومؤلفاً أو شاعراً ثانياً.
2- وأن الرجل كان يمتلك العدّة الثقافية اللازمة التي ترفد أيّ إبداع، وأهمّها معرفة اللغة والاطلاع والسياحة والتجول في البلدان المختلفة.
3- وأن المسرح يحتاج إلى المال، وكان الرجل تاجراً ناجحاً، فلم يكن بحاجة إلى المال ليعيش من مسرحه، وإنما أنفق بسخاء على مسرحه من ماله الخاص، ولم يكن يهمّه سوى النجاح وتأسيس مسرح عربي.
4- وأنّ البداية التي بدأ بها النقاش مسرحه سليمة وصحيحة، فهو استهدى بأعمال موليير في مسرحياته الثلاث وأعجب بها، ولكنه لم يقم بترجمتها، وكأنه كان يدرك أهمية أن ينشأ المسرح عربياً، ولذلك ذهب إلى التراث الشعبي في مسرحيته "أبو الحسن المغّفل"، ولذلك أيضاً ذهب إلى الكوميديا مع أنه في خطبته عارف بالأنواع المسرحية الأخرى، فهل ذهب إلى هذا النوع لأنه لاقى استحساناً في نفسه، أولأنه يتلاءم مع الغناء، وهو النوع المسرحي الأصعب، وخاصة أنه لايرتكز على الحدث بقدر مايرتكز على الموقف وكشف العيوب الاجتماعية، فبدأ بداية سليمة في مجتمع تجسّمت عيوبه وتعدّدت؟
لم تنتهِ الحركة المسرحية بوفاة النقاش، فهو الذي مهّد لها وسوّاها، وألّف فرقته التي أثمرت جهودها المسرحية في بلاد الشام أولاً ثم في مصر، وأنتشر تلاميذه يؤسّسون الفرق ويؤلفون لها المسرحيات، ومن هؤلاء أخوه نقولا النقاش الذي ألّف في حياة أخيه مسرحيتين، ثم ألفّ بعد ذلك مسرحيته "الموصي"، وابن أخيه سليم النقاش (ت 1884م) الذي ألّف وترجم عدداً من المسرحيات، منها (المقامر) و(الكذوب) و(غرائب الصدف) و(الظلوم) التي أغضبت الخديوي إسماعيل إذ ظن أنها نقد لأساليب الحكم في ذلك الوقت ، فطرد الجوقة من مصر، وأديب إسحق (1856- 1885) الذي ألّف وترجم بعض المسرحيات، ومنها (غرائب الأتفاق في أحوال العشاق) و"شارلمان" لفكتور هوغو، وإبراهيم علي الأحدب (1824- 1891)، وله مسرحيات كثيرة، منها "ابن زيدون مع ولادة" و"أبو نواس مع جنان" و "الاسكندر المقدوني -ترجمة" و"جميل بثينة وكثيّر عزّة" و "عروة بن حزام مع محبوبته عفراء" و"قيس ولبنى" و"مجنون ليلى" و"المعتمد بن عبّاد" و"المنخّل اليشكري مع المتجردة" وسواها، وخليل اليازجي (1856- 1889)، وله مسرحيتا (المروءة والوفاء)و(الخنساء وكيد النساء)، وسليم بطرس البستاني(1848-1884)،وله "الاسكندر و"قيس ولبنى" و"يوسف واسطاك" ونجيب الحداد (1867- 1899) الذي ترجم للمسرح ماينوف على عشر مسرحيات، منها "أوديب الملك" لسوفوكليس، "والبخيل" لموليير، و"شهداء الغرام" لشكسبير، وهي مسرحيته "روميو وجولييت"، وألّف عدداً من المسرحيات، منها "الرشيد والأمير غانم" و"المهدي وفتح السودان"، وفرح أنطون (1874- 1922) الذي ترجم للمسرح عدداً من المسرحيات، منها "أبو الهول يتحرّك" و"بنات الشوارع وبنات الخدور" و"السلطان صلاح الدين الأيوبي ومملكة أورشليم" و"مصر الجديدة ومصر القديمة" 1913 التي تعدّ بداية لتاريخ نهضة التمثيل الشرقي، مثلتها فرقة جورج أبيض بتاريخ 5-7- 1914.
2- أبو خليل القباني:
هو أبو المسرح الغنائي ومؤسس المسرح في سورية، ولكنّ المراجع تختلف بين زمني ولادته (1832-1841) ووفاته (1902- 1904)، ولد في دمشق، ودرس اللغة والعلوم الدينية والموسيقا والموشحات، وأحبّ رقص السماح، ونظم الشعر والزجل مبكراً، ثمّ أولع بالمسرح وانصرف إليه مؤلفاً ومخرجاً، فهو موسيقي نشر فنّ السماح، وله في الغناء باع طويل، وأديب وشاعر وممثّل وكاتب مسرحي، ويروى أنه كان يحضر عروضاً لمسرحيين لبنانيين سبقوه، وخاصة لمارون النقاش وأتباعه، وقد عرضت الفرقة اللبنانية في دمشق عام 1868 مسرحية "الإسكندر المقدوني" لإبراهيم الأحدب، إضافة إلى عروض مسرحية في مدارس العازاريين في منطقة باب توما بدمشق تذكر الروايات أنه كان يتردّد عليها ويحضر عروضها P.
كان القباني يمثّل مع فرقته في منزل ذويه في دمشق، ثم أنشأ مسرحاً عرض فيه بضع روايات غنائية من وضعه وتلحينه اقتبس حوادثها من "ألف ليلة وليلة"، لكنه صادف عنتاً من القوى المتزمتة بدمشق، فاستصدرت أمراً من السلطان بإغلاق مسرحه، ولم تكتف بذلك، بل أحرقت مسرحه، وحاولت أن تكيد له، فكانت تحاصره في منزله، وترسل وراءه بعض الصبية إذا خرج، وهي تنشد لإزعاجه:
أبو خليل النشواتي
يامزيف البناتِ
ارجع لكارك أحسن لكْ
ارجع لكارك نشواتي
أبو خليل مين قال لك
على الكوميضيا مين دلكْ
ارجع لكارك أحسن لكْ
ارجع لكارك قباني"11"
وهكذا رحل الرجل إلى مصر عام 1884 فلاقى فيها نجاحاً ملحوظاً، وشاركه العمل الشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الجميل، فكان "صاحب الفضل في تثبيت أقدام هذا الفن في مصر.. والراجح أيضاً أنه هو الذي بذر بذرة المسرح الغنائي في مصر ومهّد الطريق للشيخ سلامة حجازي وسيّد درويش وغيرهما مّمن اشتغلوا بالمسرح الغنائي في مصر""12".
مثّل وأخرج أكثر من ستين مسرحية غنائية له ولغيره، ألّف منها حوالي خمس عشرة مسرحية، ولم يصلنا منها سوى ثماني مسرحيات، نقلها لنا الدكتور محمد يوسف نجم في كتابه الشيخ أحمد أبو خليل القباني، وهي على التوالي:
1- رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب"، وهي تاريخية غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول.
2- رواية "هارون الرشيد مع أنس الجليس" تشخيصية ذات خمسة فصول.
3- رواية "الأمير محمود نجل شاه العجم"، وهي غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول.
4- رواية "عفيفة" تاريخية أدبية أخلاقية تمثيلية تلحينية ذات خمسة فصول. وهي مستوحاة من مسرحية "جنفياف"، وقد تردّدت في الكتب الدينية وسير القديسين.
5- رواية "عنتر بن شداد" تاريخية أدبية غرامية حربية تلحينية تشخيصية ذات أربعة فصول.
6- رواية "لباب الغرام" أو "الملك متريدات" تشخيصية ذات خمسة فصول، وهي رواية أدبية غرامية حربية. وهي من تأليف جان راسين ترجمها سليم النقاش، ثم اقتبسها القباني، ولم يكن يتقن اللغة الفرنسية.
7- رواية "حيل النساء" "الشهيرة بلوسيا"، وهي رواية تمثيلية غرامية أدبية ذات أربعة فصول.
8- ناكر الجميل.
تنتاب مسرحيات القباني عيوب كثيرة، أهمها:
1- سيطرة الغناء والشعر الغنائي والرقص والموسيقا والموشحات على بنية العمل المسرحي، ولذلك فإنّ الموسيقا والغناء يأتيان أولاً في مسرحه، وهذا مادفع محمود تيمور إلى أن يقول:"13"
"وكان أكبر مايعنيه في التمثيل إتقان الألحان الموسيقية والغنائية والأفتنان في توفير الرقصات الإيقاعية".
2- معظم مسرحياته مستمدة من الحكايات الشعبية، وخاصة "ألف ليلة وليلة"، وهو لم يستطع عامة أن يغيّر في أحداث الحكاية الأصلية، وكأنّ عمله اقتصر على توزيع الحوار على الشخصيات.
3- ضعف الحبكة لسيطرة الغناء والموسيقا، وخلو مسرحياته من الشخصيات المتماسكة المتنامية التي وجدناها عند سلفه النقاش.
ومع ذلك يظلّ القباني رائداً من رواد المسرح ناضل ليرسي دعائم هذا الفن في مجتمع لم يتهيأ بعد لمثل هذا الفن، وخلّف تلاميذ له في سورية، وأهمهم اثنان: المعلم داود قسطنطين الخوري (1860- 1939)، وكان الآخر موسيقياً، أخلص لفن القباني، فألّف المسرحيات التالية:
1- "مثال العفاف في رواية الأميرة جنفياف" مثلت في حمص 1890
2- "الصدف المدهشة"
3- اليتيمة المسكوبية"
4- عمر بن الخطاب والعجوز.
5- الابن الضال"14"
ولكنّ هذه المسرحيات كانت محدودة الأثر، إذ مثّلها تلاميذ مدرسة الروم الأرثوذكس بحمص، وكان الرجل معلّماً فيها، وهي روايات تمثيلية ذات عيوب كثيرة.
أما تلميذه الثاني فهو معروف الأرناؤوط (1893- 1948) الذي ترجم عدة مسرحيات، ومنها "حرب المائدة" و"ديانا" و"الستار الأسود" و"محمد"، وألّف عدة مسرحيات، منها "أبو عبد اللَّه الصغير" و"الرجوع إلى أدرنة" و"الشريف" و"عمر بن العاص"، ولايختلف هذا المؤلف عن سلفه.
3- يعقوب صنوُّع المعروف بأبي نظارة: (1839-1912 )
ولد في القاهرة وتوفي في باريس، وكان يتقن عدّة لغات، أهمها الإيطالية والفرنسية، وقد هيّئت له ظروف جيّدة في مصر، فقد كان والده مستشاراً للأمير أحمد يكن حفيد محمد علي، وهذا ماساعده أن ينشئ مسرحاً للتمثيل في القاهرة سنة 1870، فعُدّ بذلك مؤسّس المسرح المصري، وكان يكتب مسرحياته بنفسه ويجمع الممثلين ويدرّبهم، ولما مرّ بضعة أشهر على تأسيس مسرحه استدعاه الخديوي إسماعيل ليمثّل مع فرقته على مسرحه الخاص في قصر النيل، ثم قال له أمام الوزراء وكبار رجال القصر: "نحن ندين لك بإنشاء مسرحنا القومي، فإن كوميدياتك وغنائياتك ومآسيك، قد عرّفت الشعب على الفنّ المسرحي. فاذهب، فإنك موليير مصر، وسيبقى اسمك كذلك أبداً""15".
كان صنوع قريباً ومقرّباً من القصر، ولكنه في الوقت ذاته كان ينزع إلى الحرية والتحرّر، وهو الذي درس في أوربة، ثم غدا مقرّباً أيضاً وقويّ الصلة بالأفغاني ومحمد عبده، وهما على طرفي نقيض من الخديوي، ولذلك فإنّ يعقوب صنّوع كان أكثر جرأة من سلفيه النقاش والقباني في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية على خشبة المسرح، وهذا يعود إلى أمرين: الظروف الجيّدة التي هيئت له واختلاف النظام والمجتمع حينذاك في مصر عن بلاد الشام.
ألّف وترجم واقتبس صنّوع مايزيد على ثلاثين مسرحية، لم يصل منها سوى سبع مسرحيات كتبت باللهجة المصرية، وقطعة حوارية قصيرة، نشرها الدكتور محمد يوسف نجم"16".
يذكر الدارسون من مسرحيات صنّوع (آنسة على الموضة (عامية- ملهاة) و(الأميرة الإسكندرانية) و(البربري) و(البنت العصرية) و(البورصة) و(الحشّاش) و(راس ثور وشيخ البلد والقواص) و(الضرتان) و(الغندور) و(الوطن والحرية) و(موليير مصر ومايقاسيه) و(زبيدة) و(زوجة الأب) و(الأخوات اللاتينية) و(الزوج الخائن-بالإيطالية) و(السلاسل المحطمة- بالفرنسية) و(طرطوف -لموليير ترجمة) و(فاطمة -الإيطالية والفرنسية والعربية)"17"، وقد خلّف صنوع أثراً كبيراً في المسرح والمسرحية في مصر، وخاصة في المسرحين الاجتماعي والسياسي من جهة وفي المسرحية المكتوبة باللهجة المصرية من جهة.
وهكذا صار علينا أن نتوقف عند النتائج أو القواسم المشتركة التي يمكننا استنتاجها من مرحلة الريادة والبدايات قبل أن نتوقف لقراءة مسرحية "أبو الحسن المغفل" نموذجاً لهذه المرحلة، وأهمها:
1- أنّ هؤلاء الرواد قدّموا مسرحا لاطقساً احتفالياً، وقدموا نصّاً مسرحياً، وأن اللبنانيين كانوا السباقين إلى هذا الجنس بحكم اتصالهم المبكّر بأوروبة ولغاتها، وقد نقلوه إلى مصر وبلاد الشام الأخرى، فلاقى تجاوباً حسناً في مصر، وشجّعه الشعب والدولة معاً، ولكنّ المجتمع في بلاد الشام آنذاك كان غير مهيّاً لولادة هذا الجنس الأدبي، وخاصة في ظلّ الاستبداد العثماني.
2- وأن المسرحية كانت تُؤلف أو تُترجم أو تقتبس لتمثّل على الخشبة، فالنص كُتب لهذه الغاية، وكان الكتّاب مخرجين وممثلين ومشتغلين بالمسرح، وهذه سمة عامّة وهامّة وضرورية.
3- وأن الموسيقا والغناء والرقص كانت تقحم في العمل المسرحي والمسرحية إرضاء للذوق العام واستجلاباً للمتفرجين، ولذلك فإن المسرح قد لبى رغبات الجماهير على حساب وحدة المسرحية وبناء حبكتها بناء متماسكاً في كثير من الأحيان، أو رغبة في الغناء (سلامة حجازي)، فاقترن الغناء بالتمثيل، فلانكاد نجد مسرحية واحدة في هذه المرحلة لايغنّى فيها أو لايصاحبها الغناء والرقص، وقد أدرك مارون النقاش هذه الصفة في مجتمعه، فذهب إلى أن المسرح الغنائي هو الذي يوافق الأسماع، فعدل عن المسرح النثري إلى المسرح الشعري الموسيقي، وقد بيّن في خطبته أن المراسح تقسم إلى مرتبتين، كلتاهما تقرّ فيهما العين، إحداهما بغير أشعار وغير ملحّنة، والأخرى تسمى أوبرا، وكان يظنّ أن الأولى أسهل وأوجب في البداية، ولكنّه فضّل أن يبدأ بالثانية لسببين: الأول لأنها ألذّّ وأشهى، وثانياً لأنها أحبّ عند قومه وعشيرته، ولذلك ذهب "إلى تقليد المرسح الموسيقي المجدي""18"
4- استمدّت هذه المسرحيات مادتهامن:
آ- الواقع التاريخي: وهو يشمل التاريخ العربي وسواه (خليل اليازجي- ابراهيم الأحدب- سليم البستاني- فرح أنطون- معروف الأرناؤوط)
ب- الواقع الأسطوري: ويقتصر هنا على الترجمة (نجيب الحداد -فرح أنطون).
جـ التراث الأدبي: (نقولا النقاش وإبراهيم الأحدب الذي اشتهر بهذا اللون)
ء- التراث الشعبي: الاستفادة من ألف ليلة وليلة وبعض السير الشعبية (مارون النقاش -أبو خليل القباني -نجيب الحداد)
هـ- الواقع الاجتماعي المعيش: (مارون النقّاش -سليم النقاش -فرح أنطون -يعقوب صنّوع).
5- وأن المسرحيات المترجمة كان ينتابها الحذف والتلخيص مراعاة للأصالة والتأصيل والظروف الاجتماعية، وكانت هذه المسرحيات تزوّد بالأشعار المصنوعة مراعاة لهذه الظروف، فتصبح مزيجاً من النثر والشعر، وكانت العناوين تعرب، وهذا ماكان يحدث للشخصيات.
6- وأن المسرحيات استهدفت في هذه المرحلة تحقيق غايتين: أولاهما الإمتاع والتسلية، والأخرى الوعظ والإرشاد والتعليم، فقد كان المسرح نهضوياً إصلاحياً، وهو في ذلك يوازي الشعر الموضوعي (القصصي -التاريخي -الدرامي) الذي كان ينتاب بنيته شيء غير قليل من الوعظ والإرشاد.
7- وأن التمثيل كان في بداياته، وكان الممثل جاهلاً بكثير من أمور المسرح، وهذا ماوعاه مارون النقاش في خطبته، فطلب من السادة المتفرجين أن يلاحظوا عثراته وعثرات جماعته، فقال: "19” "ولكني مع ذلك أرجوهم لكي ينبهّوني عما فرط. ويرشدوني بمعزل إلى إصلاح الغلط. لأنّ هذا الفنّ بحر زاخر. وفلك دائر. لاسيّما أن المشتركين معي للتشكّل بهذا المظهر اللوذعي. الذين ساعدوني على هذا العمل. ووافقوني وأنجدوني لبلوغ الأمل. لم يزالوا متجدّدين ومبتدئين بفعله. ولم يمرَّ عليهم قبلاً مظهر كمثله. فلا يخلو الأمر من أنهم يقعون في بعض ورطات. ويشجبون على بعض سقطات. يشعر بها من له المطالعة. على دقايق هذه الحقائق الساطعة. ولكنهم بالحقيقة معذورون نظراً لبدائتهم. وعدم وجود إمام كاف لهدايتهم. خصوصاً نظراً لافتقارنا إلى المحلاّت اللائقة. والكواسم والطواقم الموافقة".
8
تلخيص النصوص العربية والإنجليزية اليا باستخدام الخوارزميات الإحصائية وترتيب وأهمية الجمل في النص
يمكنك تحميل ناتج التلخيص بأكثر من صيغة متوفرة مثل PDF أو ملفات Word أو حتي نصوص عادية
يمكنك مشاركة رابط التلخيص بسهولة حيث يحتفظ الموقع بالتلخيص لإمكانية الإطلاع عليه في أي وقت ومن أي جهاز ماعدا الملخصات الخاصة
نعمل علي العديد من الإضافات والمميزات لتسهيل عملية التلخيص وتحسينها
الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...
الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...
لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...
د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...
و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...
تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...
السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...