Online English Summarizer tool, free and accurate!
عهده المهدية فاستغاث بعبد المؤمنين بن علي أمير دولة الموحدين فأغاته وفلك حصار المهدية سنة ٥٥٥هـ وولى عليها الحسن بن علي الصنهاجي وأشرك معه. حتى استأثر بالحكم وأنشأ دولة الموحدين. - دولة المرابطين ولهذا كانوا ذا بأس شديد، وقد رأينا موقفهم مع الفاطميين ضد غيرهم، ليتأكد أن الصراع في المغرب الأقصى كان بين قبائل زناتة والصنهاجيين، وكان الكرة لزناتة من بين الأسباب التي جعلت صنهاجة الجنوب مؤسسة لدولة المرابطين، وأطلق على القبائل الصنهاجية اسم الملثمين، أما عن سبب تلثمهم، وثانيها كما ورد في الحلل الموشية إنهم آمنوا بالرسول وكانوا قلة فاضطروا للهرب لما غلبهم أهل الكفر فتلثموا بقصد التمويه، فخالفهم إلى مضاربها وهي خالية إلا من النساء والأطفال والشيوخ فأمر الشيوخ النساء بأن يرتدين لباس الرجال ويتلثمن، ففر الأعداء، وهكذا اتخذوا اللثام سنة يلازمونه وارتقى عندهم إلى مستوى العقيدة، لما حووا إحراز كل فضيلة استوطن المتلثمون المنطقة الصحراوية الممتدة من غدامس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا ومن جبال درن شمالاً إلى أواسط الصحراء الكبرى جنوبا. وهو في عودته التقى في مدينة القيروان الشيخ المذهب المالكي هناك، وطلب منه أن يرسل أحد تلاميذه إلى الغرب في صنهاجة ليعلم الناس دينهم فرفض تلاميذه جميعهم فأرشده إلى أحد تلاميذه الذي رشح له عبد الله بن ياسين الجزولي، الذي أخذ في وعظ الناس وإرشادهم، غير أنهم بعد أن التفوا حوله واستمعوا له عادوا وأنكروا عليه ما نهاهم عنه، فتركهم، وأقام في جزيرة بالقرب من الشنغال رباطا يتنسك فيه ويتعبد استجابة لطلب يحيى بن عمر، حتى بلغ عددهم ألفا، فقال لهم: أخرجوا فأنتم المرابطون، ويقال كما ذكر ابن خلكان أن يوسف بن تاشفين هو الذي ستى أصحابه المرابطين (۱)، فخرجوا للجهاد جميعا وجاءته من صنهاجة قبائل كثيرة، فعزوا بلادا كثيرة وفتحوها من أفريقيا السوداء وكان هو رئيسهم الديني ويحيى بن عمر رئيسهم الحزبي، وظلوا ينشرون الدين الإسلامي حتى توفي يحيى بن عمر وخلفه أخوه أبو بكر، فعاد ليصلح ذات بينهم فاستعمل على الغرب الأقصى ابن عمه يوسف بن تاشفين، والقسم الشمالي تحت قيادة يوسف بنتاشفين، الذي كان قائداً شجاعاً محتكا فيني السهول والمدن، ومن أشهرها مدينة مراكش سنة ٤٥٤هـ، وافتح فاس والجزائر وطنجة، ثم أرسل للخليفة العباسي في بغداد يعلن طاعته له، ومن شدة قوته خاصة في القرن الخامس الهجري، الذي كان قائدا كأبيه في الجهاد والفتح . إلخ. وابن عربي الحاتمي وابن سبعين هم كذلك من رجال هذا العصر أو عصر الموحدين وكبار اللغويين والنحاة والمفسرين والمقرئين فضلاً عن مؤرخي الآداب والشعراء والكتاب، هم ممن لا يأتي عليهم العد، ولا يتسع المقام حتى لذكر المشاهير منهم. فهل هذا هو الاضمحلال المتحدث عنه؟ لقد كان أساس دعوة المرابطين العلم، وعليه قامت دولتهم. وإن رحلة يحيى ابن إبراهيم الكدالي التي تمخضت عن دخول عبد الله بن ياسين إلى الصحراء الأعظم دليل على ذلك. وكانت نزعة عبد الله إلى علم الفقه والدين أقوى منها إلى أي علم آخر، فغلب هذا الميل على الدولة، ومن ثم بن وهيب فرقي إلى منصب وزير لعلي بن يوسف، ولكن هذا لا يعني أن اضطهاداً فكرياً كان ينال غير هذا الصنف من العلماء أو إن حقوقهم كانت كان تقديمها للفقهاء واختصاصها لهم دون من عداهم من أرباب المعارف المتنوعة برغم ما صار إليها من جيوش العلماء والفلاسفة من جراء فتح الأندلس وضمها إلى الأيالة المغربية. ولم يكن هؤلاء يطمعون في القرب من الدولة قرب حظوة على مهدي الموحدين محمد بن تومرت واستولى خليفته عبد المؤمن بن علي القيسي (1) على دولتهم، ليعلنن بذلك قيام دولة الموحدين. إن معظم أعلام الفلسفة والطب هم ممن عاشوا في هذا العصر (1) أو تبغوا بعده فالرشدية إذن هذا المذهب الفلسفي الذي هو طابع الحياة الفكرية الأندلسية، إنما ظهرت في هذا العصر الذي يزعم صاحبنا أنه عصر اضمحلال الأندلس. وقل مثل ذلك أيضاً في الميمونية، وهي فلسفة موسى بن ميمون التي نسجت على منوال الرشدية في التوفيق بين العقل والدين بالنسبة لليهودية، وأعلام الفقه والتصوف مثل ابن رشد الكبير وأبي بكر بن العربي ما يقول المؤرخون؛ إلا أن يتلبس أحدهم بلباس الفقهاء وعلماء الدين كما فعل مالك وفيما عدا ذلك فإن كل العلماء كانوا قائمين بنشاطهم الفكري لا يعترض سبيلهم معترض. وأي خير في أن تجعل مقاليد الحكم بعد الفقهاء وهم أحق الناس بها وأولى: إذ كانوا حملة الشريعة التي هي قانون البلاد ودستورها المقدس؟ ثم إن اصطناع الدولة لنوع خاص من العلوم كثيراً ما كان ظاهرة ملحوظة في غير ما دولة من دول الشرق والغرب، فلم يعب عليها بل اعتبر من أسباب نهضة ذلك العلم، وخيراً وبركة على رجاله والمشتغلين به. على أن اهتمام المرابطين بعلوم الدين كان يزينه وصف شريف وخلق نبيل هو تشعه بالروح السلفي أنشأ هذه الدولة أبو عبد الله محمد بن تومرت المعروف بالمهدي (1) وكان ورعا ناسكا متقشقا، وكان شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، وكان الناس يزيدون في أذاء، فكان يرحل من مكان إلى آخر، ثم مصر، ثم إفريقيا، حتى انتهت إلى مدينة المهدية إحدى مدن إفريقيا، الذي سمع بعلمه فأكرمه في جملة الفقهاء، ويصحبه إلى تلمسان والتف حولهما الناس حتى مات بن تومرت سنة ٥٢٢هـ، متخذا تسمية الموحدين (1) شعارا، وتولى ابنه تاشفين الحكم، وكان يخشى منازلة عبد المؤمن الذي تابعه حتى حاصره في مدينة وهران سنة ٥٣٩هـ ومات فيها، ومنذ هذا التاريخ بدأت مدن المرابطين تسقط الواحدة تلو الأخرى، حتى سيطر على المغرب كله من طرابلس إلى المحيط. وظلت هذه الدولة ذات قوة كبرى بعد وفاة عبد المؤمن سنة ٥٥٨هـ ثم ابنه يوسف (ت ٥٨٠هـ ) ثم ابنه يعقوب (ت (٥٩٥هـ) وفي عهده كانت هزيمة الإسبان ونصارى أوربا كلهم في موقوعة الأرك ٥٨٧هـ، غير أن الهزيمة كانت في جانبه، ثم دارت الحروب وثارت الفتن بين أهل البيت الموحدي، إلى أن قضى المرينيون سنة ٦٦٨ على دولة الموحدين بالتزامن مع سقوط مدن الأندلس الكبرى في أيدي الإسبان. ذكر قبائل الموحدين ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم - سبع قبائل، وهي قبيلة تسمى هرغة، ثم قبيلة عبد المؤمن، وهي قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب، ثم جدميوه، وليست كلها بل بعضها - رعبة. ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة، ثم بعض قبائل هسكورة. يدعى هذا النهر أم ربيع عليه قبيلتان، وأخرى صنهاجة وهما من المصامدة وآخر بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل المتونة ومسوفة وسرطة وهؤلاء ليسوا مصامدة؛ فهذا حد بلاد المصامدة عرضا؛ وحدها طولا من الجبل المعروف بـ درن، إلى البحر الأعظم المسمى أقيانس؛ وجزولة، ولقطة، وجنفيسة، وهنتاتة وهزغة، وقبائل أهل تينمل؛ وحول مراكش قبائل منهم أيضا، وهم: هزمير، وهيلانة وفزرجة يدعونهم الموحدون بالقبائل؛ ثم يجمع الكل جنس البربر، والمر، والروم، وقبائل من المرابطين، وغيرهم. ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان فالصنف الأول يدعون الجموع، وهم المرتزقة الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها، والصنف الآخر يدعون العموم، وعدد المرتزقة. وهذا البيت البليغ المفرد، البلاد من الموحدين وأصناف الجند. في هذا كل شيء. نعم، لقد قال فيه كل شيء. أليس قد مدحه بالشجاعة والتفوق فيها، حتى نفي عن غيره أن يكون هاراً عطفيه مثله، في الوغى المرتفعة بين السيوف اللامعة؟ وانظر أنت إلى رشاقة هذا التعبير وما فيه من الحسن والجمال، أليس يدعو إلى الإعجاب بحسن خلق عبد المؤمن (1) قبل الإعجاب بحسن خلقه وبرشاقة قده واعتدال مشيته قبل شجاعة قلبه وثبات جاشه؟ وفوق هذا وذاك أليس قد دعاه بالخليفة؟ وهذه هي الأمنية الحلوة التي طالما تمناها ملوك الإسلام وحلموا بها في منامهم، والغاية التي لا قبلها ولا بعدها أن ينعتوا بالخليفة، فيكونوا ظل الله في أرضه ووارثي سر النبوة وواضعي أيديهم على رقاب ملايين البشر. لذلك فعبد المؤمن الناقد البصير يحق له أن يشير على السمعاني بالاقتصار من القصيدة على مطلعها هذا لأنه كما قال قد جمع كل شيء يمكن أن يقوله شاعر في ملك ذي صولة وبأس مثل عبد المؤمن، وهو من جهة أخرى خشي أن يدرس البيت ويضيع في تضاعيف القصيدة فإبقاؤه على حاله من الفردية أدعى إلى حفظه وسيره وتخليده في الناس. وإكرام أهله وإحلالهم منه المحل اللائق بهم، وإدرار الصلات الطائلة عليهم؛ ففي كل رحلة، وفي كل احتفال عيد وغيره، وفي جميع المظاهر العادية وخلافها والمقابلات الرسمية والمواقف العامة، كان يجلس إلى الشعراء، فمن أندلسيين إلى مغاربة إلى أفارقة ومنهم إلى مصري وشامي وعراقي وغيرهم، يحاورهم ويساجلهم فينشرون عليه من عقود مدائحهم كل نفيس غال فيحسن الاستماع إليهم ويسر من ثنائهم عليه وينتقد هذا ويقرظ ذاك، تحيز الكل ويفيض عليهم من سيب عطائه ومجر نواله. وهنا يحسن أن أورد القارئ ما ذكره صاحب المعجب في وصف احتفاله والمدينة الباقية إلى اليوم ووفد عليه وجوه أهل الأندلس للبيعة كامل مالقة وغرناطة ورندة وقرطبة وإشبيلية وما و إلى هذه البلاد، وكان يوم عظيم اجتمع فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله، واستدعى الشعراء وكان على بابه طائفة أكثرهم مجيدون، وتعلمت أيامه أن تعد لا وجد الهداية صورة فتشكلا ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة. وكان حظيا عنده، قال في أيامه ثروة. وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب، وكان في دولة المتونة مقدما في الشعراء، فهرب إلى الأندلس، ولم يزل بها مستخفيا ينتقل من بلد إلى بلد، حتى انتقلت الدولة المرابطية ). الهرب ؟ وأنشده ابن الشريف المعروف بالطابق المرواني: ما للعدا جنة أوقي من فقال عبد المؤمن إلى أين؟ إلى أين؟ رافعاً بها صوته فقال الشاعر : أين المفر وخيل الله في الطلب ؟ 1 تحدث عن الروم في أقطار أندلس وقد رمته سماء الله بالشهب والبحر قد ملأ العبرين بالعرب فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن مثل هذا تمدح الخلفاء! وأنشد ابن سيد الإشبيلي الملقب باللص (1): غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل أني رأي شخصه العالي فلم يزل (۳) فقال له عبد المؤمن لقد أثقلتنا يا رجل فأمر به فأجلس وهذه القصيدة من خيار ما مدح به لولا أنه كثر صفوها بهذه الفاتحة. وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرصافي كان مستوطنا مدينة مالقة من البسيط لو جنت نار الهدى من جانب الطور قبسنت ما شئت من علم ومن نور ليلا لسار ولم تشبب المقرور نور الهداية تجلو ظلمة الزور صوام هاجرة، قوام ديجور غزو على الملك القيسي منذور (1) من كل زهراء ثم ترفع ذوابتها فيضية القدح من نور النبوة أو ما زال يقضمها التقوى بموقدها نور طوى الله زند الكون منه على الحركة الأدبية ونفاق سوقها في هذا العصر الزاهر، والعرب والبربر : فأخصبت الأفكار وتفتحت العقول وأنت الآداب والفنون أكلها الشهي وثمرها الجني. أما الفضل في ذلك كله فإنه يرجع إلى عبد المؤمن وحده إلا فعله، واستحدث في ذلك أساليب خاصة به، أما في هذا العصر (1) فقد اتسعت دائرة انتشارها وتخلفت لدينا بعض الآثار التي تدل على أن هناك نهضة حقيقية كانت تتدرج بهذه العلوم في مدارج التطور والتقدم، ففي خصوص علم النحو ظهرالنحاة الذين كان لهم مقام كبير، وتسمى أيضاً المقدمة الجزولية، وبعضهم يسميها القانون والاعتماد، وكابين معط صاحب الألفية النحوية التي عمل ابن مالك الفيته على مثالها، بل إن التفوق في هذا العلم أدى إلى وجود مدارس نحوية هنا وهنالك، وهذه مدرسة سبتة التي تخالف الجمهور في ضم الفكرة المقصودة إذا لونت اضطراراً. وهذه مدرسة طنجة التي توجه أسئلة تحوية إلى مدرسة إشبيلية، وذلك في - احفظوا عني ولو آية أشار. له العلامة ابن الغايات نحو قوله عليه السلام غازي. ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها». فلم يفهم الوالي معناها حتى استحضر كتب اللغة؛ الصحاح وغيره. هذا إلى ما وضعه الأندلسيون من تأليف عديدة أخذت عنهم بالمغرب والأندلس وكان لها رواج يستتبع بالطبع رواج فنها، فإن هذه وإن كانت قد اخترعت في الأندلس ولقيت من أمراء العهد المرابطي كأبي بكر بن تاقلويت كل تشجيع إلا أنها إنما بلغت أوج الكمال في هذا العصر (1). ونجد سابق هذه الحلبة الوزير أبا بكر بن زهر قد اختص بالخليفة يعقوب المنصور وحظي عنده حظوة لا مزيد عليها، هو اصطناع للفن نفسه ينم عما وراءه من إعجاب وتقدير، كما يشعر به كلام المراكشي في المعجب الذي امتنع عن رواية شيء من موشحات ابن زهر لأن العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب تماماً كما ينظر بعضهم اليوم إلى هذا الشعر الحر. فتقريب الموحدين للوشاحين واحتفالهم بهذا الفن من القول؛ إذ الناس على دين ملوكهم كما يقولون، وانظر إلى هذه الجزئية التي رويت عن السيد أبي عمران موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن وإلى إشبيلية، فقد أنشد له من شعره قوله يخاطب الأديب أبا الحسن بن حريق يستحته على نظم الشعر في عروض الخبب: هذا وينو الآداب قضوا فقصورك عنه من العجب بطو محلك في الرتب فإن منها يظهر أن هؤلاء الأمراء كانوا يوجهون الأدباء ويقترحون عليهم ما يقولون وكيف ينظمون ومثل هذه الجزئية رويت عن المنصور نفسه (1). وما قبل في التوشيح يقال في الزجل ويزاد أنهم في فاس اخترعوا وزناً جديداً منه سموه عروض البلد ونوعوه إلى أنواع كل نوع منها له اسم، فاستحسنه أهل فاس وولعوا به وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم، وكثر شيوعه بينهم، واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها (1). ومضموناً من حيث وضعت له اسماً جديداً هو عروض البلد ونوعته إلى أصناف تندرج تحت هذا الاسم العام، وإن كان لكل صنف منها اسم خاص بحسب الغرض الذي يتناوله. فذكر منهم این شجاع التازي والكفيف الزرهوني والنماذج التي أعطاها من أزجالهم هذه، ترينا كيف تطور موضوع الزجل فأصبح يستوعب أهم الأغراض الشعرية الحماسة والحرب والمدح والوصف والوصايا والحكم، بعد أن كان قاصراً أو يكاد على الحب والخمر، والطبيعة والزهر. في المغرب. لأنه أدب الطبقة العامية، نظمته هي أو نظمه لها أفراد يحسنون الإعراب. ولكنهم تركوه قصد الإبلاغ، لا لكونه ليس من شأنهم كما مر عن ابن خلدون آنفاً، ويدل على ذلك قول الصفي الحلي في كتابه العاطل الحالي الموضوع في الزجل وقد تعرض لذكر الزجال المغربي المعروف بابن غزلة ونصه: وقد كان ابن غزلة الشاعر المغربي وهو من أكابر أشياخهم، ينظم الموشح والمزنم فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل تقصداً واستهتاراً، ويقول: إن القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك. وكان الوزير ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته المزينة في دار الطراز. واللحن هو المعتاد في الأزجال اذا نظمها الخاصة من الأدباء يتركونإعرابها مجاراة للعامة، بل إنهم كثيراً ما يتركون الأعراب حتى في الموشحات تسهيلاً لها وتصليحاً، فعمل ابن غولة ليس بدعاً في هذا الشأن، ولكن تمرين الموت الأهل فاس بكونهم ليس من شأنهم الإعراب هو الذي ليس له محل من الاعراب . وابن غولة هذا هو من زجالي عصرنا الذي تتكلم عليه، وكان عاشقاً لأخت الخليفة عبد المؤمن التي تسمى رميلة فيما يقول الحلي، ونظن أنها ابنة الخليفة لا أخته، ومن موشحاته الموشحة الطنانة الموسوعة بالعروس التي نظمها في عشيقته. وقتله الخليفة يسببها لتوهمه من مطلعها وما يليه الاجتماع بها، والواقعة مشهورة وعدم اجتماع كلمة الرؤساء والمحاربين من جراء غرور الناصر وخيانة الأندلسيين له، وجمعه من الأعداد فلم يأبه المقاتلة الأندلس الذين كانوا أعرف من غيرهم بثغور العدو، وأبصر بمواطن الضعف من بلاده وهم حيث لم يستشعر وجودهم، على زعم الحلي. وكانت هي أيضاً جليلة القدر جميلة الحلق فصيحة اللسان تنظيم الأرجال الرائعة الفائقة ). ويبقى العصر الموحدين أن فيه وضع أول تاريخ تعرفه عن المغرب حاملاً هو كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي الأمر الذي سيصبح تقليداً متبعاً في الكتب التي توضع بعده في تاريخ عصر المرينيين: وهي مثال القوة والعظمة، ورفعة السلطان، وجرت فيها سنة الكون، وتقوضت دعائمها، وسرعان ما سقطت فانتثر بموته عند رجالات الموحدين، وظهرت خيانة رؤسائهم في إقامة والضغط على إرادته، كذلك ظهرت طباعية الولاة الذين أطلقوا أيديهم في أموال الرعية وأمتعتها، ونبغ دعاة الفتنة في كل صفع وقبيل، وسلك المفسدون إلى الشر كل سبيل. أما الأندلس فلا تسل عما نزل بها من الويلات والمحن، إنه انقسمت على نفسها، وتغلب الأشقياء فيها على الأطراف، وانبرى العدو إليها ثانياً يسوم أهلها الخسف والعذاب.
عهده المهدية فاستغاث بعبد المؤمنين بن علي أمير دولة الموحدين فأغاته وفلك حصار المهدية سنة ٥٥٥هـ وولى عليها الحسن بن علي الصنهاجي وأشرك معه. عاملا من الموحدين، حتى استأثر بالحكم وأنشأ دولة الموحدين.
يؤكد المؤرخون أن دولة المرابطين (1) هم من صنهاجة، أولئك البدو الرحل، وكانت لهم قبائل كثيرة متعددة، ولهذا كانوا ذا بأس شديد، الأمر الذي مكنهم من فتح بلاد كثيرة كالسودان - السنغال .... إلخ من البلدان، وقد رأينا موقفهم مع الفاطميين ضد غيرهم، ليتأكد أن الصراع في المغرب الأقصى كان بين قبائل زناتة والصنهاجيين، وكان الكرة لزناتة من بين الأسباب التي جعلت صنهاجة الجنوب مؤسسة لدولة المرابطين، وأطلق على القبائل الصنهاجية اسم الملثمين، وأصبح
اللثام شعارا عرفوا به حتى سموا بالمرابطين.
أما عن سبب تلثمهم، فقد وردت أقوال كثيرة، منها أن أسلافهم من حمير كانوا يتلثمون لشدة الحر. وثانيها كما ورد في الحلل الموشية إنهم آمنوا بالرسول وكانوا قلة فاضطروا للهرب لما غلبهم أهل الكفر فتلثموا بقصد التمويه، وأخيرا إن طائفة منهم أغارت على عدو لها، فخالفهم إلى مضاربها وهي خالية إلا من النساء والأطفال والشيوخ فأمر الشيوخ النساء بأن يرتدين لباس الرجال ويتلثمن، ففر
الأعداء، وهكذا اتخذوا اللثام سنة يلازمونه وارتقى عندهم إلى مستوى العقيدة، وقد
قيل فيه فخرا :
لما حووا إحراز كل فضيلة
غلب عليهم الحياء فتلثموا
استوطن المتلثمون المنطقة الصحراوية الممتدة من غدامس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا ومن جبال درن شمالاً إلى أواسط الصحراء الكبرى جنوبا.
وقد كان ملكهم في النصف الأول من القرن الخامس الهجري هو يحيى بن إبراهيم الكدالي وكان على شيء من التقوى فتجهز لأداء فريضة الحج، وهو في عودته التقى في مدينة القيروان الشيخ المذهب المالكي هناك، وهو أبو عمران الفاسي، فاستمع إلى دروسه، وطلب منه أن يرسل أحد تلاميذه إلى الغرب في صنهاجة ليعلم الناس دينهم فرفض تلاميذه جميعهم فأرشده إلى أحد تلاميذه الذي رشح له عبد الله بن ياسين الجزولي، الذي أخذ في وعظ الناس وإرشادهم، غير أنهم بعد أن التفوا حوله واستمعوا له عادوا وأنكروا عليه ما نهاهم عنه، فتركهم، وأقام في جزيرة بالقرب من الشنغال رباطا يتنسك فيه ويتعبد استجابة لطلب يحيى بن عمر، حتى سمع الناس بنسكه فأقبلوا عليه، حتى بلغ عددهم ألفا، فقال لهم: أخرجوا فأنتم المرابطون، ويقال كما ذكر ابن خلكان أن يوسف بن تاشفين هو الذي ستى أصحابه المرابطين (۱)، فخرجوا للجهاد جميعا وجاءته من صنهاجة قبائل كثيرة، فعزوا بلادا كثيرة وفتحوها من أفريقيا السوداء وكان هو رئيسهم الديني ويحيى بن عمر رئيسهم الحزبي، وظلوا ينشرون الدين الإسلامي حتى توفي يحيى بن عمر وخلفه أخوه أبو بكر، الذي ظل يجاهد، حتى بلغه الخلاف بين قبيلته وقبائل أخرى في الصحراء، فعاد ليصلح ذات بينهم فاستعمل على الغرب الأقصى ابن عمه يوسف بن تاشفين، ومن هنا انقسمت دولة المرابطين إلى قسمين: قسم في الجنوب تحت قيادة أبي بكر بن عمر، والقسم الشمالي تحت قيادة يوسف بنتاشفين، الذي كان قائداً شجاعاً محتكا فيني السهول والمدن، ومن أشهرها مدينة مراكش سنة ٤٥٤هـ، وافتح فاس والجزائر وطنجة، وتلمسان (٤٦٠ هـ - ٤٧٢هـ) حتى وحد المغرب، ثم أرسل للخليفة العباسي في بغداد يعلن طاعته له، ومن شدة قوته خاصة في القرن الخامس الهجري، وبعد أن توزعت الأندلس إلى دويلات وممالك، استغاث به المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وغيره فأغاثهم، وكون دولة المرابطين في الأندلس، وظل الأمر حتى مات يوسف بن تاشعين وخلعه ابنه علي
الذي كان قائدا كأبيه في الجهاد والفتح .... إلخ..
وابن عربي الحاتمي وابن سبعين هم كذلك من رجال هذا العصر أو عصر الموحدين وكبار اللغويين والنحاة والمفسرين والمقرئين فضلاً عن مؤرخي الآداب والشعراء والكتاب، الذين أنجبتهم الأندلس في حياتها الثانية بعد خضوعها لدولة المرابطين، هم ممن لا يأتي عليهم العد، ولا يتسع المقام حتى لذكر المشاهير منهم.
فهل هذا هو الاضمحلال المتحدث عنه؟
لقد كان أساس دعوة المرابطين العلم، وعليه قامت دولتهم. وإن رحلة يحيى
ابن إبراهيم الكدالي التي تمخضت عن دخول عبد الله بن ياسين إلى الصحراء الأعظم دليل على ذلك. وكانت نزعة عبد الله إلى علم الفقه والدين أقوى منها إلى
أي علم آخر، بالطبع لأنه كان عالم دينياً، فغلب هذا الميل على الدولة، ومن ثم بن وهيب فرقي إلى منصب وزير لعلي بن يوسف، ولكن هذا لا يعني أن اضطهاداً فكرياً كان ينال غير هذا الصنف من العلماء أو إن حقوقهم كانت
كان تقديمها للفقهاء واختصاصها لهم دون من عداهم من أرباب المعارف المتنوعة
برغم ما صار إليها من جيوش العلماء والفلاسفة من جراء فتح الأندلس وضمها إلى الأيالة المغربية. ولم يكن هؤلاء يطمعون في القرب من الدولة قرب حظوة على
ليتأكد للتاريخ عظمة دولة المرابطين الذين ظلوا على قوتهم حتى ثار عليهم
مهدي الموحدين محمد بن تومرت واستولى خليفته عبد المؤمن بن علي القيسي (1)
على دولتهم، ليعلنن بذلك قيام دولة الموحدين.
الحياة الفكرية في هذا عصر المرابطين
إن معظم أعلام الفلسفة والطب هم ممن عاشوا في هذا العصر (1) أو تبغوا بعده
بقليل. فأبو بكر بن باجة المعروف بابن الصائغ الفيلسوف والطبيب والموسيقار هو من أظلته دولة المرابطين وخدم رجاها بعلمه وفنه. وأبو الوليد بن رشد وأبو بكر بن طفيل وأبناء زهر هم ممن نبغوا في أعقاب هذا العصر وانتشرت معارفهم في العصر الموحدي الذي يليه. فالرشدية إذن هذا المذهب الفلسفي الذي هو طابع الحياة الفكرية الأندلسية، إنما ظهرت في هذا العصر الذي يزعم صاحبنا أنه عصر اضمحلال الأندلس. وقل مثل ذلك أيضاً في الميمونية، وهي فلسفة موسى بن ميمون التي نسجت على منوال الرشدية في التوفيق بين العقل والدين بالنسبة لليهودية، وأعلام الفقه والتصوف مثل ابن رشد الكبير وأبي بكر بن العربي
ما يقول المؤرخون؛ إلا أن يتلبس أحدهم بلباس الفقهاء وعلماء الدين كما فعل مالك
مضيعة، فإن غاية الأمر أن وظائف الدولة كانت من نصيب رجال الشريعة، وفيما عدا ذلك فإن كل العلماء كانوا قائمين بنشاطهم الفكري لا يعترض سبيلهم معترض.
وأي خير في أن تجعل مقاليد الحكم بعد الفقهاء وهم أحق الناس بها وأولى: إذ
كانوا حملة الشريعة التي هي قانون البلاد ودستورها المقدس؟
ثم إن اصطناع الدولة لنوع خاص من العلوم كثيراً ما كان ظاهرة ملحوظة
في غير ما دولة من دول الشرق والغرب، فلم يعب عليها بل اعتبر من أسباب نهضة ذلك العلم، وخيراً وبركة على رجاله والمشتغلين به. على أن اهتمام المرابطين بعلوم الدين كان يزينه وصف شريف وخلق نبيل هو تشعه بالروح السلفي
دولة الموحدين
أنشأ هذه الدولة أبو عبد الله محمد بن تومرت المعروف بالمهدي (1) وكان
ورعا ناسكا متقشقا، وكان شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، وكان الناس يزيدون في أذاء، فكان يرحل من مكان إلى آخر، مكة، ثم مصر، ثم إفريقيا، حتى انتهت إلى مدينة المهدية إحدى مدن إفريقيا، وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي سنة ٥٠٥هـ، الذي سمع بعلمه فأكرمه في جملة الفقهاء، ثم انتقل بعدها إلى بجاية، ثم إلى ملالة فوجد فيها عبد المؤمن بن على القيسي، ويصحبه إلى تلمسان والتف حولهما الناس حتى مات بن تومرت سنة ٥٢٢هـ، وبايع الناس عبد المؤمن بن علي فواصل الفتح فأخذ أول ما أخذ وهران ثم تلمسان ثم فاس، ثم سلا ثم سبتة، متخذا تسمية الموحدين (1) شعارا، وفي هذه الأثناء توفي كما ذكرنا علي بن يوسف بن تاشفين أمر دولة المرابطين، وتولى ابنه تاشفين الحكم، وكان يخشى منازلة عبد المؤمن الذي تابعه حتى حاصره في مدينة وهران سنة ٥٣٩هـ ومات فيها، ومنذ هذا التاريخ بدأت مدن المرابطين تسقط الواحدة تلو الأخرى، حتى سيطر على المغرب كله من طرابلس إلى المحيط.
وبالعودة إلى الوارء قليلا، فيموت تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين اختلت أمور المرابطين في الأندلس واستولى الأسبان على مدن كثيرة من مدن الطوائف، وكان الموحدون يرسلون جنودهم إلى الأندلس منذ ٥٤١هـ، حتى دانتلهم إشبيلية وغرناطة، وفي سنة ٥٥٢ه استولى الفونسو السابع على المرية فجاريه عبر عبد المؤمن إلى الأندلس عن طريق مضيق جبل طارق وأسماء جبل الفتح، ووفد عليه وجوه الأندلس وبايعوه، مكونا دولة كبرى امتدت من المحيط الأطلسي إلى أنحاء طرابلس في إفريقيا ومن ديار الأسبان في الأندلس إلى درعة والسوس
في المغرب الأقصى. وظلت هذه الدولة ذات قوة كبرى بعد وفاة عبد المؤمن سنة ٥٥٨هـ ثم ابنه يوسف (ت ٥٨٠هـ ) ثم ابنه يعقوب (ت (٥٩٥هـ) وفي عهده كانت هزيمة الإسبان ونصارى أوربا كلهم في موقوعة الأرك ٥٨٧هـ، وبعد وفاته خلفه ابنه عبد الله الناصر الذي التقى مع الأسبان عند حصن الأرك سنة ٦٠٩هـ، غير أن الهزيمة كانت في جانبه، وكان ذلك إيذانا بانهيار الجبهة الإسلامية في الأندلس، ثم دارت الحروب وثارت الفتن بين أهل البيت الموحدي، إلى أن قضى المرينيون سنة ٦٦٨
على دولة الموحدين بالتزامن مع سقوط مدن الأندلس الكبرى في أيدي الإسبان.
ذكر قبائل الموحدين
وقبائل الموحدين (1) الذين يجمعهم هذا الاسم ويعمهم وهم الجند والأعوان والأنصار، ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم - سبع قبائل، وأولهم قبيلة ابن تومرت، وهي قبيلة تسمى هرغة، وهي قليلة العدد بالنسبة إلى قبائل الموحدين. ثم قبيلة عبد المؤمن، تسمى كومية، وهي قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب، لم يكن لها في قديم الدهر ولا في حديثه ذكر في رئاسة ولا حظ من نباهة، إنما كانوا أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع . فتبارك المعز المذل المعطي المانع فأصبح القوم اليوم وليس فوقهم أحد ببلاد المغرب، ولا تطاول أيديهم يد بكون عبد المؤمن منهم؛ هذا على أنه كما قدمناه ينتسب إلى غيرهم. ثم أهل تينمل، وهم
قبائل شتى يجمعها اسم هذا الموضع ثم هنتاتة، وهي أيضا قبيلة ضخمة جدا، وفي بعضها رئاسة وشرف في الدهر القديم. ثم جنفيسة، وهي قبيلة عزيزة منيعة ولغتها أجود اللغات وأفصحها في ذلك اللسان، ثم جدميوه، وليست كلها بل بعضها - رعبة. ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة، ثم بعض قبائل
هسكورة.
فهذه جملة قبائل الموحدين المستحقين لهذا الاسم عندهم، والذين يأخذون العطاء وتجمعهم الجيوش وينفرون في البعوث وغير هؤلاء القبائل من المصامدة
رعية.
وإذ قد جرى ذكرهم أعني المصامدة على هذا النسق، فلنذكر لك الآن -
حفظك الله وأصلحك وأصلح بك - القبائل التي يجمعها هذا الاسم، أعني المصامدة وحد بلادهم لتعرفهم ممن سواهم من البربر ؛ فحد بلادهم النهر الأعظم الذي يصب من جبال صنهاجة وينتمي إلى البحر الأعظم، بحر أقيانس، يدعى هذا النهر أم ربيع عليه قبيلتان، إحداهما تسمى هسكورة، وأخرى صنهاجة وهما من المصامدة وآخر بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل المتونة ومسوفة وسرطة وهؤلاء ليسوا مصامدة؛ وقد كانت المملكة في هذه القبائل أيام المرابطين (1) كما تقدم، فهذا حد بلاد المصامدة عرضا؛ وحدها طولا من الجبل المعروف بـ درن، إلى البحر الأعظم المسمى أقيانس؛ وقبائلها الذين ينطلق عليهم هذا الاسم: مشكورة وصلهاجة، ودكالة، وحاحة، ورجراجة، وجزولة، ولقطة، وجنفيسة، وهنتاتة وهزغة، وقبائل أهل تينمل؛ وحول مراكش قبائل منهم أيضا، وهم: هزمير، وهيلانة وفزرجة يدعونهم الموحدون بالقبائل؛ فهؤلاء الذين يجمعهم اسم المصامدة؛ ثم يجمع الكل جنس البربر، من طرابلس المغرب إلى أقصى سوس وما وراء ذلك ممن ذكرنا من المتونة ومسوفة وسرطة؛ وآخر بلادهم أول حد بلاد السودان. والمصامدة بعد هذا جند من سائر أصناف الناس، كالعرب، والمر، والأندلس،
والروم، وقبائل من المرابطين، وغيرهم.
ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان فالصنف الأول يدعون الجموع، وهم المرتزقة الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها، والصنف الآخر يدعون العموم، وهم الكائنون ببلادهم لا يحضرون إلى مراكش إلا في النفير الأعظم، وعدد المرتزقة. الذين بمراكش من قبائل الموحدين وسائر من ذكرنا من الأجداد على ما صح عندي تلخيصه عشرة آلاف نفس هؤلاء الذين بمراكش خارجا عما في سائر
الحياة الفكرية في هذا عصر الموحدين / الدولة والثقافة العربية (1): ما هو عطفيه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي بهذا المطلع المطرب وحده، وهذا البيت البليغ المفرد، مدح محمد بن أبي العباس المعاني عبد المؤمن بن علي الذي استعاده منه واستعاده، وأمره بأن يقتصر عليه، وأجازه فيا يقول العباد الإصبهاني في كتاب الخريدة بألف دينار قائلاً له: لقد قلت
البلاد من الموحدين وأصناف الجند.
في هذا كل شيء.
نعم، لقد قال فيه كل شيء. أليس قد مدحه بالشجاعة والتفوق فيها، حتى نفي عن غيره أن يكون هاراً عطفيه مثله، في الوغى المرتفعة بين السيوف اللامعة؟ وانظر أنت إلى رشاقة هذا التعبير وما فيه من الحسن والجمال، أليس يدعو إلى الإعجاب بحسن خلق عبد المؤمن (1) قبل الإعجاب بحسن خلقه وبرشاقة قده واعتدال مشيته قبل شجاعة قلبه وثبات جاشه؟ وفوق هذا وذاك أليس قد دعاه بالخليفة؟ وهذه هي الأمنية الحلوة التي طالما تمناها ملوك الإسلام وحلموا بها في منامهم، حتى المضروب على أيديهم منهم، فيعدون الشرف الصميم والفخر العظيم
والغاية التي لا قبلها ولا بعدها أن ينعتوا بالخليفة، فيكونوا ظل الله في أرضه ووارثي سر النبوة وواضعي أيديهم على رقاب ملايين البشر. لذلك فعبد المؤمن الناقد البصير يحق له أن يشير على السمعاني بالاقتصار من القصيدة على مطلعها هذا لأنه كما قال قد جمع كل شيء يمكن أن يقوله شاعر في ملك ذي صولة وبأس مثل عبد المؤمن، وهو من جهة أخرى خشي أن يدرس البيت ويضيع في تضاعيف
القصيدة فإبقاؤه على حاله من الفردية أدعى إلى حفظه وسيره وتخليده في الناس. وبعد، فهذا مثال واحد من أمثلة تنشيط عبد المؤمن للأدب والأخذ بضبعه
وإكرام أهله وإحلالهم منه المحل اللائق بهم، وإدرار الصلات الطائلة عليهم؛ ففي كل رحلة، وفي كل احتفال عيد وغيره، وفي جميع المظاهر العادية وخلافها
والمقابلات الرسمية والمواقف العامة، كان يجلس إلى الشعراء، وما أكثرهم في دولته؛ فمن أندلسيين إلى مغاربة إلى أفارقة ومنهم إلى مصري وشامي وعراقي وغيرهم، يحاورهم ويساجلهم فينشرون عليه من عقود مدائحهم كل نفيس غال فيحسن الاستماع إليهم ويسر من ثنائهم عليه وينتقد هذا ويقرظ ذاك، وفي الأخير
تحيز الكل ويفيض عليهم من سيب عطائه ومجر نواله. وهنا يحسن أن أورد القارئ ما ذكره صاحب المعجب في وصف احتفاله
ببيعة أهل الأندلس له على ظهر مجبل الفتح كما كان يسمي هو جبل طارق ملخصاً قال (1): ونزل الجبل المعروف بجبل طارق وسماء هو جبل الفتح فأقام به أشهراً وابتني قصوراً عظيمة، والمدينة الباقية إلى اليوم ووفد عليه وجوه أهل الأندلس للبيعة كامل مالقة وغرناطة ورندة وقرطبة وإشبيلية وما و إلى هذه البلاد، وكان يوم عظيم اجتمع فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله، واستدعى الشعراء وكان على بابه طائفة أكثرهم مجيدون، فكان أول من أنشده أبو عبدالله محمد بن حبوس من أهل فاس قصيدة
أجاد فيها ما أراد:بلغ الزمان بهديكم ما أملا ويصبه أن كان شيئاً قابلاً
وتعلمت أيامه أن تعد لا وجد الهداية صورة فتشكلا
ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة. وكان حظيا عنده، قال في أيامه ثروة. وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب، وكان في دولة المتونة مقدما في الشعراء، حتى نقلت إليهم عنه حماقات، فهرب إلى الأندلس، ولم يزل بها مستخفيا ينتقل من بلد
إلى بلد، حتى انتقلت الدولة المرابطية ).
الهرب ؟
وأنشده ابن الشريف المعروف بالطابق المرواني: ما للعدا جنة أوقي من
فقال عبد المؤمن إلى أين؟ إلى أين؟ رافعاً بها صوته فقال الشاعر :
أين المفر وخيل الله في الطلب ؟ 1
واين يذهب من في رأس شاهقة
تحدث عن الروم في أقطار أندلس
وقد رمته سماء الله بالشهب والبحر قد ملأ العبرين بالعرب
فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن مثل هذا تمدح الخلفاء! وأنشد ابن سيد
الإشبيلي الملقب باللص (1):
غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل
وانظر إلى الجبل الراسي على جبل
أني استقر به؟ أني استقل به؟
أني رأي شخصه العالي فلم يزل (۳)
فقال له عبد المؤمن لقد أثقلتنا يا رجل فأمر به فأجلس وهذه القصيدة من
خيار ما مدح به لولا أنه كثر صفوها بهذه الفاتحة.
وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي
المعروف بالرصافي كان مستوطنا مدينة مالقة من البسيط
لو جنت نار الهدى من جانب الطور
قبسنت ما شئت من علم ومن نور ليلا لسار ولم تشبب المقرور نور الهداية تجلو ظلمة الزور صوام هاجرة، قوام ديجور غزو على الملك القيسي منذور (1)
من كل زهراء ثم ترفع ذوابتها
فيضية القدح من نور النبوة أو
ما زال يقضمها التقوى بموقدها
حتى أضاءت من الإيمان عن قبس
قد كان تحت رماد الكفر مكفور منقط إلى زمن المهدى مذكور
نور طوى الله زند الكون منه على
وأيه كإياة الشمس بين يدي
الخ «هذا وغيره يفيدك بالخبر اليقين عن عناية الموحدين بالأدب ويذلك على نشاط
الحركة الأدبية ونفاق سوقها في هذا العصر الزاهر، حتى عمت البدو والحضر
والعرب والبربر : فأخصبت الأفكار وتفتحت العقول وأنت الآداب والفنون أكلها الشهي وثمرها الجني. أما الفضل في ذلك كله فإنه يرجع إلى عبد المؤمن وحده
الذي عرف من أين تؤكل الكتف، فاستغل جميع عناصر الحياة التي كانت متوفرة
في عهد الملوك المرابطين قبله ولم يترك من وسائل التشجيع وأسباب التنشيط شيئاً
إلا فعله، واستحدث في ذلك أساليب خاصة به، وكيفيات لم يتبع فيها أحداً.
أما في هذا العصر (1) فقد اتسعت دائرة انتشارها وتخلفت لدينا بعض الآثار
التي تدل على أن هناك نهضة حقيقية كانت تتدرج بهذه العلوم في مدارج التطور والتقدم، تماماً كما وقع في العلوم الدينية وغيرها. ففي خصوص علم النحو ظهرالنحاة الذين كان لهم مقام كبير، وألقوا الكتب التي ما تزال تعرف بعلو قدرهم واللي عن رسوح قدمهم في هذا العلم، كأبي موسى الجزولي صاحب الكراسة الشهيرة فين النحو، وتسمى أيضاً المقدمة الجزولية، وبعضهم يسميها القانون والاعتماد، وكابين معط صاحب الألفية النحوية التي عمل ابن مالك الفيته على مثالها، بل إن التفوق في هذا العلم أدى إلى وجود مدارس نحوية هنا وهنالك، تقربت بأراء خاصة في بعض مسائل الإعراب وغيره. فهذه مدرسة فاس (1) التي سيختلف أهلها مع مدرسة تلمسان في مسألة صرف أبي هريرة. وهذه مدرسة سبتة التي تخالف الجمهور في ضم الفكرة المقصودة إذا لونت اضطراراً. وهذه مدرسة طنجة التي توجه أسئلة تحوية إلى مدرسة إشبيلية، وأخيراً هذه مدرسة المغرب بعامة التي لا تسمى لولا شرطاً ولا لو إلا إذا كانت بمعنى إن أي حين تكون مجردة من الامتناع؛ وذلك في - احفظوا عني ولو آية أشار. له العلامة ابن الغايات نحو قوله عليه السلام غازي. . وإن عبر هذا عن شيء فإنما يعبر عن الدراسات القيمة التي كان المغاربة يقومون عليها ويوجهون جهودهم إليها في هذا العام، ومثل النحو والعروض والبيان، فقد كانت لها سوق رائحة وكان اللغويون المعنيون يحفظ متن اللغة كاللغويين الباحثين في مسائلها يأتون بالطريف المعجب في تسمية الأشياء وتحقيق معاني الألفاظ، فهذا المحدث أبو الخطاب بن دحية السبتي يقول العبريني عنه في عنوان الدراية: إنه كان من أحفظ أهل زمانه باللغة حتى صار حوشي اللغة عنده مستعملاً غالباً عليه. ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها». وروي أن والي بجاية جهز قطعاً بحرية بعث فيها بعض الغزاة إلى المغرب فأخذ خديم لأبي الخطاب في جملة هؤلاء الغزاة أثناء إقامته ببجاية. فكتب إلى الوالي رسالة مغلقة من كثرة ما استعمل فيها من الغريب، فلم يفهم الوالي معناها حتى استحضر كتب اللغة؛ الصحاح وغيره. ولم
تتضح له حتى سافرت المراكب (").
وبخصوص علم العروض من العلوم الأدبية تذكر أنه في هذا العصر نبع العلامة ضياء الدين الخزرجي السبتي صاحب القصيدة الشهيرة بالخزرجية في هذا الفن والتي يسميها المشارقة بالرامزة. وهي بقدر ما تدل على معرفته بالعروض تدل على رسوخ قدمه في الأدب حيث استطاع أن يضمن أعراض هذا العلم في قصيدة لا تتجاوز مائة بيت ما استخدم في ذلك من الرموز والإشارات حتى عد شرحها فيما بعد من المأثرات، وكذلك العلامة ابن أبي الجيش الأنصاري صاحب العروض المعروف باسمه فإنه من توابع هذا العصر. وليس هو صاحب الخزرجية ولا هذه هي عروضه كما يخلط بينها بعض الكتاب (1). ولابن معط أيضاً نظم في العروض ذكر في ترجمته، هذا إلى ما وضعه الأندلسيون من تأليف عديدة أخذت عنهم بالمغرب والأندلس وكان لها رواج يستتبع بالطبع رواج فنها، ولا تغفل في هذا الباب ما اخترع من الأعاريض والأوزان الشعرية الجديدة الموشحات والأزجال، فإن هذه وإن كانت قد اخترعت في الأندلس ولقيت من أمراء العهد المرابطي كأبي بكر بن تاقلويت كل تشجيع إلا أنها إنما بلغت أوج الكمال في هذا العصر (1). ففيما يخص التوشيح نرى جماعة من فرسانه ينقطعون إلى أمراء الموحدين الذين كانوا يعرفون بالسادة يمتدحونهم بموشحاتهم التي كانت تقع منهم أحسن موقع. ونجد سابق هذه الحلبة الوزير أبا بكر بن زهر قد اختص بالخليفة يعقوب المنصور وحظي عنده حظوة لا مزيد عليها، فمما لا ريب فيه أن اصطناع رجال الدولة من الموحدين لأهل هذا الفن، هو اصطناع للفن نفسه ينم عما وراءه من إعجاب وتقدير، لا سيما وقد كان نظر الأدباء المحافظين في التوشيح ليس بذاك، كما يشعر به كلام المراكشي في المعجب الذي امتنع عن رواية شيء من موشحات ابن زهر لأن العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب تماماً كما ينظر بعضهم اليوم إلى هذا الشعر الحر. فتقريب الموحدين للوشاحين واحتفالهم بهذا الفن من القول؛ فيه تشجيعلهم وتنشيط، إذ الناس على دين ملوكهم كما يقولون، وانظر إلى هذه الجزئية التي رويت عن السيد أبي عمران موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن وإلى إشبيلية، فقد أنشد له من شعره قوله يخاطب الأديب أبا الحسن بن حريق يستحته
على نظم الشعر في عروض الخبب:
خذ في الأشعار على الخبب
هذا وينو الآداب قضوا
فقصورك عنه من العجب بطو محلك في الرتب
فإن منها يظهر أن هؤلاء الأمراء كانوا يوجهون الأدباء ويقترحون عليهم ما يقولون وكيف ينظمون ومثل هذه الجزئية رويت عن المنصور نفسه (1)..
الأقطار كما قال ابن سعيد واذا كنا ذكرنا أبا بكر بن زهر وهو أندلسي لنقول إن التوشيح ازدهر على يده (1)، فإن الوشاح المغربي الذي يعد فريد عصره هو القاضي أبو حفص بن عمر الأديب الشهير له موشحات مشهورة يعني بها في المغربي في الغصون البائعة، وإن كان لم يصلنا منها شيء، مع الأسف، وما قبل في التوشيح يقال في الزجل ويزاد أنهم في فاس اخترعوا وزناً جديداً منه سموه عروض البلد ونوعوه إلى أنواع كل نوع منها له اسم، وذلك هو ما يتحدث عنه ابن خلدون في المقدمة، بعد كلامه على الزجال ابن قزمان وطريقة أهل الأندلس في نظم الزجل فيقول: هثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فناً آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح فنظموا فيه بلغتهم الحضرية وسموه عروض البلد وكان أول من استحدثه منهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، نظم قطعة على طريقة الموشح ولم يخرج فيها عن الإعراب إلا قليلاً، فاستحسنه أهل فاس وولعوا به وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم، وكثر شيوعه بينهم، واستفعل
فيه كثير منهم ونوعوه أصنافاً إلى المزدوج والكازي والملعبة والعزل، واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها (1).
فهذه مدرسة جديدة للزجل نشأت بالمغرب وعملت على تطوره شكلاً
ومضموناً من حيث وضعت له اسماً جديداً هو عروض البلد ونوعته إلى أصناف تندرج تحت هذا الاسم العام، وإن كان لكل صنف منها اسم خاص بحسب الغرض الذي يتناوله. وقد سمى ابن خلدون بعد ذلك بعض زعماء هذه المدرسة؛ فذكر منهم این شجاع التازي والكفيف الزرهوني والنماذج التي أعطاها من أزجالهم هذه، ترينا كيف تطور موضوع الزجل فأصبح يستوعب أهم الأغراض الشعرية الحماسة والحرب والمدح والوصف والوصايا والحكم، بعد أن كان قاصراً أو يكاد على الحب والخمر، والطبيعة والزهر. ولقد أطرد هذا التطور في الشعر الملحون، وهذا هو ما يسمى به الزجل اليوم، في المغرب. فصار يتضمن من الملاحم والقصص والتمثيل ما بقي يعوز الشعر المغرب في العالم العربي كله إلى فجر النهضة الحديثة.
ويجب أن تشير إلى أن تسمية الناس له بالشعر الملحون هي من قبيل الوصف الكاشف، لأنه أدب الطبقة العامية، نظمته هي أو نظمه لها أفراد يحسنون الإعراب. ولكنهم تركوه قصد الإبلاغ، لا لكونه ليس من شأنهم كما مر عن ابن خلدون آنفاً، ويدل على ذلك قول الصفي الحلي في كتابه العاطل الحالي الموضوع في الزجل وقد تعرض لذكر الزجال المغربي المعروف بابن غزلة ونصه: وقد كان ابن غزلة الشاعر المغربي وهو من أكابر أشياخهم، ينظم الموشح والمزنم فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل تقصداً واستهتاراً، ويقول: إن القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك. وكان الوزير ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته المزينة في دار الطراز. فانظر كيف كان يلحن ويعرب تقصداً واستهتاراً، واللحن هو المعتاد في الأزجال اذا نظمها الخاصة من الأدباء يتركونإعرابها مجاراة للعامة، بل إنهم كثيراً ما يتركون الأعراب حتى في الموشحات تسهيلاً لها وتصليحاً، فعمل ابن غولة ليس بدعاً في هذا الشأن، ولكن تمرين الموت الأهل فاس بكونهم ليس من شأنهم الإعراب هو الذي ليس له محل من الاعراب .. وابن غولة هذا هو من زجالي عصرنا الذي تتكلم عليه، وكان عاشقاً لأخت الخليفة عبد المؤمن التي تسمى رميلة فيما يقول الحلي، ونظن أنها ابنة الخليفة لا أخته، ومن موشحاته الموشحة الطنانة الموسوعة بالعروس التي نظمها في عشيقته. وقتله الخليفة يسببها لتوهمه من مطلعها وما يليه الاجتماع بها، والواقعة مشهورة
وعدم اجتماع كلمة الرؤساء والمحاربين من جراء غرور الناصر وخيانة الأندلسيين له، فهو قد اغتر بكثرة ما حشده من الأجناد، وجمعه من الأعداد فلم يأبه المقاتلة الأندلس الذين كانوا أعرف من غيرهم بثغور العدو، وأبصر بمواطن الضعف من بلاده وهم حيث لم يستشعر وجودهم، ولا عرف فضلهم، عزموا على عدم مناصحته، وبذل المعونة لها وهكذا وقعت الكرة على المسلمين وبقيت هذه الوقعة عبرة للعتبرين.
على زعم الحلي. قال: هو كان حسن الصورة جليل القدر تا عشيرة، وكانت هي أيضاً جليلة القدر جميلة الحلق فصيحة اللسان تنظيم الأرجال الرائعة الفائقة ).. ويبقى العصر الموحدين أن فيه وضع أول تاريخ تعرفه عن المغرب حاملاً
هكذا اسم المغرب، هو كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي الأمر الذي سيصبح تقليداً متبعاً في الكتب التي توضع بعده في تاريخ
هذه البلاد.
عصر المرينيين:
دامت دولة الموحدين (1) إلى آخر أيام الناصر ولد المنصور، وهي مثال القوة والعظمة، وجلال الشأن، ورفعة السلطان، ثم أخنى عليها الذي أخنى على لبد، وجرت فيها سنة الكون، فتداعت أركانها، وتقوضت دعائمها، وسرعان ما سقطت
ثم فشت بعد ذلك جملة أمراض في جسم الدولة، ومات الناصر مكبوتاً مغموماً، فانتثر بموته عند رجالات الموحدين، وظهرت خيانة رؤسائهم في إقامة
ولده المستنصر مقامه، وكان دون بلوغ ليتمكنوا من الاستبداد به، والضغط على إرادته، كذلك ظهرت طباعية الولاة الذين أطلقوا أيديهم في أموال الرعية وأمتعتها، ونبغ دعاة الفتنة في كل صفع وقبيل، وسلك المفسدون إلى الشر كل سبيل. أما الأندلس فلا تسل عما نزل بها من الويلات والمحن، إنه انقسمت على نفسها، وتغلب الأشقياء فيها على الأطراف، وانبرى العدو إليها ثانياً يسوم أهلها الخسف والعذاب. وأما إفريقية فقد ابتدأت تستعد للانفصال تحت رئاسة الموحدين الذين كان عبد المؤمن أقطعهم فيها الإقطاعات، وسوع لهم بها الجبايات فشاءوا الآن أن
يجازوه جزاء سنمار، بجحد نعمته، وتفريق وحدة مملكته (1).
وبالاختصار فقد كثرت الفتوق في جسم الدولة، وتعددت الاضطرابات هنا
وهناك فكانت الفرصة للبدو النازحين إلى المغرب من الصحراء، قصد الامتيار والتربع مراعية الخصبة، على عادتهم في كل سنة، حينما تجدب أراضيهم، وتصوح نباتاتهم. فما أن دخلوا المغرب هذا العام، حتى وجدوا المعالم قد تبدلت، والمشاهد قد تغيرت، وخلت الأوطان من السكان وبقيت الحقول والمسارح هملاً من غير راع ولم تكن هذه القبائل؛ بنو مرين وزناتة عموماً، في بلادها فوضى لا نظام لها ولا قانون، بل كانت خاضعة لأحكام الشرع الشريف في معاملاتها وأحوالها الشخصية
من حالق العز إلى حضيض الهوان
كان فاتحة ما أصابها من الكوارث، وقعة العقاب المشؤومة، التي تألبت عليها فيها دول النصرانية بحذافيرها، ودحرتها اندحاراً شائناً، بسبب ضعف القيادةالحركة العلمية والحياة الأدبية
إن تأثير الانقلاب المريني (۲) على الحالة الفكرية والحياة الأدبية ، لم يكن
ذلك التأثير القوي الذي تتبدل معه معالم الأمور وتتغير مجاري الأحوال؛ لذلك فإن الحركة العالمية قد بقيت في نشاطها وتقدمها، كما كانت على عهد الموحدين. وإن كان قد اعتراها في فترة الانقلاب بطبيعة الحال شبه انقطاع أو فتور، فإنها بعد أن انتصبت الدولة المرينية وتشيدت أركانها قد عادت فاسترجعت ما كان لها قبل من
القوة والظهور.
وأن هذا العصر كان هو العصر الذهبي للعلوم الأدبية في المغرب. وعليه فيكون هو أزهى عصور الإنتاج الأدبي فيه، لأن هذا الإنتاج ينبع غالباً تلك العلوم رقياً وانحطاطاً. خصوصاً عندما يكون الاعتماد على الدراسة والتلقين، لا على
السليقة والطبع.
وفوق ذلك، فإن الوسط الأدبي في المغرب، لم يبلغ من الرقي في عصر
من العصور ما بلغ في هذا العصر، فقد اشترك في تكوينه جميع الطبقات من الملوك فمن دومنهم إلى السوقة. أما الملوك فقد علمت أن أكثر سلاطين بني مرينكانوا من أهل العلم والمعرفة والمشاركة في فنون الأدب (1)، وبالطبع فإن دول العالم وحجابهم وقوادهم فضلاً عن كتابهم وقضاتهم كانوا كذلك، إذ يستحيل أن يقرب بساط الملوك، إذا كانوا مركاً بمعنى الكلمة، غير أهل الكفاءات النادرة من أرباب المعارف المتنوعة، وكذلك كنت لا تجد في منصب من مناصب الدولة إلا رجلاً كفوء لا يؤتى من قصور، ولا يعاب من تقصير، حتى دور البيوتات الذين كانوا يتوارثون الرياسة في هذا العصر كبني العز في وعبد المهيمن وأبي مدين والمكودي والقبائلي، لم يكونوا على ما عهد في أمثالهم من الاعتداد بالأحساب والاتكال على
الأنساب وإنما كانوا كما قيل:
إنا وإن أحسابنا كرمت تبني كما كانت أوائلنا
لسنا على الأصاب نتكل
تبني وتفعل مثل ما فعلوا
ولا يخفى أن في هذا العصر استفعل ذلك الشعر العامي الذي يتحدث عنه ابن خلدون في المقدمة، وهو من نظم عوام المغاربة؛ فيكون من الدلائل القاطعة على تمام استعرابهم، وبالتالي على رقي الوسط الأدبي عندهم، لأنهم ما نقلوا الشعر من رطانتهم إلى العربية حتى كان قد تغفل الروح العربي فيهم إلى حد بعيد جداً. ولا عبرة بما في ذلك الشعر من الفاظ ركيكة وتراكيب ضعيفة، وإنما العبرة يكونه نظماً على الأسلوب العربي وبألفاظ عربية في الجملة، يصدر من عوام المغرب الذين لم يتقفوا علماً ولا أدباً ، وابن خلدون لم يجعل هؤلاء العوام هم شعراء المغرب، وإنما أتى بهم دليلاً على ضعف الملكة الشعرية عند أهل الأمصار، وخصوصاً الأعجام منهم، ولو زاولوا الصناعة بالتعليم، وهو يغرق على عادته في هذه النظرية فيتناسى ما لأهل هذه الأمصار من اليد الطولي على العربية وآدابها خصوصاً في عصره، وقد كان محاطاً بكثير من نبغائهم الذين لا يقصرون عن
(1) نقلاً عن النبوغ المغربي في الأدب العربي، ج ۱، ص ۱۷۹
السابق، ص ١٩٥ وما بعدها.
غيرهم في فن ولا أدب، فجاء مؤلفاً كتاب المطرب في أدب الأندلس والمغرب ، الذي جمع ما اجتمع عنده من الأناشيد التي رويتها عن شعراء الأندلس وسائر المغرب بأقرب الأسانيد. فجمعت منها لخدمة مقامة العالي ما يؤكل بالضمير ويشرب، ويهتز عند سماعه ويطرب في الغزل والنسيب، والوصف والتشبيب؛ إلى غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة، ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة، ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه، ورفيق معان كتابه وجزل
الفاظ خطباته (۱). والحاصل أن في هذا العصر بلغ الأدب المغربي كماله (۲)، فتخلص من سائر التأثيرات الأجنبية عن النفس المغربية، وشق لنفسه طريقاً نحو الغاية.
المقصودة، وهي سد حاجة تلك النفس الظامئة إلى حياة أدبية حرة تتمثل فيها عواطفها ومشاعرها وسجاياها ومزاياها مصورة بصورة طبق الأصل لا رياء فيها ولا تصنع ولا ادعاء ولا تقليد؛ فبلغ تلك الغاية وأوفي عليها بمزيد التفنن والإبداع، ولا سيما في الشعر الذي حمل الطابع المغربي وحده منذ هذا العصر، فتجد الحقيقة فيه تسبق الخيال، والطبع يغلب الصنع والقصد إلى الوضوح أكثر من التعمق والرقة والجزالة والسهولة في غير ضعف ولا غرابة ولا فسولة ولا ننس وصف
الشاعر ابن زمرك لطريقة أدباء المغرب بأنها عربية. أدب المغرب وفنونه في خريدة القصر للعماد الأصفهاني:
كما كان الأدب المشرقي صاحب الأثر الكبير على أدب المغرب والأندلس
فإن حفظ كثير من أشعارها حفظه أيضا المشرق متمثلا في رجل من كبار المؤرخين والشعراء المشارقة وهو العماد الأصفهاني في كتابه وموسوعته خريدةالقصر وجريدة العصر قسم شعراء المغرب (1)، وقد ذكر فيه مجموعه من الشعراء تميزوا بشعريتهم في فنون الشعر وموضوعاته المختلفة، وهو ما سنعرض له هذه
السطور ..
وتعكس النصوص الشعرية وتراجم شعرائها أن من أسباب النهضة الشعرية في هذه المناطق المغربية ومدنها وأقاليمها ليس فقط اهتمام الأمراء والحكام بالشعر والشعراء والأدباء، وإنما لأن منهم على نحو ما سترى - شعراء أدركوا قيمة الشعر وكلمته ووقعها في النفس وعليها ومن هؤلاء الأمير المعز بن باديس الصنهاجي وابنه تميم بن المعز، والذي خصصت له دراسة منفردة من عظم قدر هذا الرجل وبلاطه، قام بها د/ عبد العزيز قلقيلة البلاط الأدبي للمعز بن باديس وبلاط المرابطين والموحدين.
وترجع نشأة وبداية الأدب في بلاد المغرب إلى العصر الدولة الإدريسية التي حكمت المغرب خلال فترة القرن الثاني الهجري، وأخذ الأدب في بلاد المغرب يتطور بشكل ملموس خلال العصور التالية للنشأة والظهور، وبداية من العصر المرابطي والعصر الموحدي والعصر المريني والسعدي إلى العصر العلوي، حيث حرص حكام المغرب على مر العصور على تشجيع الفنون الأدبية وأدبائها على
الإبداع فيها.
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
أعادت وفاة طفل في منطقة الصباحة بالعاصمة المختطفة صنعاء، إثر إصابته بداء الكلب بعد تعرضه لعضة كلب شا...
العَقيدةُ والإيمانُ والتَّوحيدُ: هي في الجُملةِ ألفاظٌ مُتقارِبةٌ عند أهل السُّنَّةِ، إلَّا أنَّهم ق...
كلُّ شخصٍ يرى غيرَه ينتمي إلى فرقةٍ ضالّةٍ و الفئة باغية بس في الحقيقة هو الذي ينتمي إلى هذه الفئة ل...
لما كانت الفكرة النظامية تتخطى الأركان الموضوعية للشركة وتنظر اليها كمجموعة أجهزة متعددة تتكامل وظائ...
شنّ الصحفي وائل البدري هجومًا لاذعًا على الرئيس السابق لجهاز الأمن القومي، علي حسن الأحمدي، متهمًا إ...
استقبل رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، اليوم الخميس، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ا...
المبحث الأول: مفهوم القيادة والقيادة النسوية تمهيد: تعد القيادة الركيزة الأساسية التي تستند إليها ال...
Statistics will be essential for my future career in medicine because they help doctors make decisio...
تساهم المنصات الرقمية المدعمة بالذكاء الاصطناعي في رفع مستوى طموح الطالبات من خلال التفاعل المستمر، ...
أثار تأخر صرف مرتبات منتسبي اللواء الثاني مشاة بحري بمنطقة بالحاف موجة استياء وغضب واسعة في أوساط ال...
أكد رئيس حلف قبائل دهم في محافظة الجوف "الشيخ عبد الرحمن مرعي"، (الخميس)، أن قضية "الشيخ حمد بن فدغم...
إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الثاني من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوا...