Online English Summarizer tool, free and accurate!
أساسيا لقد كانت فكرة العدالةمطلبا ً العدالة االجتماعية في عهد الدولة القديمة من تعاليم ب يتكلم تاح حتب إذ يقول لولده "إذا وجدت رجال وكان فقيرا بعد أن كنت وضيعا 1998 . ص33، 30 )ومن الجدير بالذكر أن ذلك الحكم ما زالت موجودة في وقتنا توارثتها األجيال املصرية جيل بعد جيل . وإذا أصبحت غنيا إن ذلكال يعطيكالحق فيأن تتكبر علىفقيروتحتقره، فالكلسواء إال أن تلكاملساواةلم تكن ظاهرةبوضوح في عهد الدولة القديمة والتي انهارت في فوض ى عارمة وانجرفت قيم املكانة وامللكية في تيار طاغ )فرانكفورت. ولعل أروع ما نجده منهذا األدبهو وثيقةكارهالبشر، ً عدو البشر مع نفسه. ص183 لعصره فيرفض قيم هذه الدنيا اإليجابية )فرانكفورت. إن القيمة األخالقية لهذا النص ليست كامنة في مجرد تجسيده للتيار التشاؤمي أو العدمي الرافض لقيم عصره، فالنص ال يكتفي بمجرد أخرى يؤمن بهاويتمنى لها أن ولكن مثل هذهالقيم غائبةوال أمل فيإرجاعهاومن ثم فإن كارهالبشر ينطلق في عدميتهمن أساس 2023 03 16 ً لكن استحالةتامةولذافقدتالحياةقيمتهاوأصبح املوتهو الخالص، فمن يدري؟ لعل القيم الغائبة عن هذه الدنيا تكون موجودة هناك في الحياة اآلخرة فيتحقق P. Frankfort. ( األوليتصفلنامقتالعالم بغيرالحق السم هذا التعيس إذيقول فيها "ملن أتحدث اليوم؟إن اسميممقوت أكثر من رائحةاللحم النتن في أيام الصيف، غن اسمي وفيالقصيدةالثانيةينتقلكارهالبشر منوصفنفسهإلىوصفاملجتمعالذييسودهالغشوالظلموعدم الوفاء حتى بين األقرباءفيقول "ملن أتحدث اليوم؟اإلخوة سوءوأصدقاء اليوم ليسوا جديرين بالحب. ملن برستيد ص 185 ، 186)86. P. Frankfort/ أما القصيدة الثالثة فهي أنشودة في مدح املوت، ولكنهاشكوىلرجل حاقبهالظلم، "ملن أتحدث اليوم؟ املوت أمامي اليوم، كمثل رجل يشتاق لرؤيةمنزلةبعد أن قض ي سنين في اآلسر"، فيها املتوفي بالخلود حيث األخالق والقيم والفضيلة (87. P. Frankfort. وفي القصيدة الرابعة واألخيرة يختتم ذلك البائس كالمه بااللتجاء إلى العدالة في اآلخرة وبذلك جعل من املوت مدخال واملساواة في الدنيا ال يعنى انعدامها في اآلخر ة، بل إن تحقيقيه أمر حتمي في العالم اآلخر. فرانكفورت ص 122 ، 123 /جريمال ص 189 ، 190 ) العدالةاملطلوبةوعودة قيمتهاومكانتها في الحياة الدنيا من خالل رجل حكيم يستطيعنشرها على األرض. إلى العاصمة بنفسه ليقدم تقرير للبالط امللكي عن حاله البالد املالية، كما أنه لم يتوان في توجيه اللوم والنذرللملكفيقول "لديكالحكمةوالبصيرةوالعدالةولكنكتتركالفسادينتشر فيالبالد، لقد كذبوا عليك فالبالد تشتعل كالقش امللتهب والناس على شفا الهالك، وهذه أن االنهيار األخالقي يؤول بالضرورة إلى انهيار األمم وزوالها. لم يقف إيبور ويفيد ذلك أيضا ولم يقتر على التنبؤ بمجيء حاكم أعدل منه يحق الحق ويعلى من بل حمل امللك كامل املسئولية عن التدهور األخالقي الذي فت في عضد البالد. وينهي إيبور حديثه مع امللك بقوله "إن األمر امللكي واملعرفة والعدالة في قبضة يدك ولكن من تصنعه في البالد هو النزاع وبهتانا لدى الباحثين فياملصرياتباسم تحذيراتإيبور، مللكواقفا أمامهمنددا 51 :57 / برستيد. ملا سبق يتضح أن إيبور يربط العدالةالخلقيةبشخص واحد هو الحاكم، وتحملهاملسئولية الكاملة عن حماية الفضيلة واألخالق. ولم تكن هذه هي الرؤية اليوتوبية الوحيدة لدى املفكرين في ذلك العصر، ال سيما املوظفون واإلداريون القائمون على أمور الناس )طلب، 2003 . 173 ، وموضوع هذا النص يتلخص في شخص فصيح يلقي تسع خطب في ثوب شكاوى تعد من أروع ما قيل بسبب حادث ومحور هذه الخطبمدح العدل وذم دناءةاملوظفين )بسيوني، م. ع. ص92 ) يروي نص الفالح الفصيح قصة فالح بسيط يسمى خونانبو يزرع قطعة أرض صغيرة في وادي النطرونوفيأحد األيام عزم علىحملإنتاجهمناملحاصيلالزراعيةإلىواديالنيل للتجارةوشراءما يلزمه إلعاشةأهله، طمع نخت في حمير الفالح فدبر له مكيدة كي يستولي عليها، وبالفعل استطاع نخت االستيالء على حمير لهومكث بباب تحوتي نخت أربعةأيام يرجو فيها حميرهولكن دون جدوى، املدير العظيم لبيت امللك، ولي وجهه شطر املدينة ليشكوا إليه ما حاق به، 2023 03 16 39 فأرسل وهو تحامل املوظ ف على الفقير في الدوائر الحكوميةمهما كان الحق في جانبه، وعند سماع الفالح بموقف املوظفين تقدم إلى رنزي وأخذ يقص عليه شكايته بفصاحة ولباقة. )جيميز. 1997 . ص61 :64 ) يحقق الفالح مطلبه في سلسلة من تسعة أحاديث طويلة كل واحدة منها أبلغ وأجرأ من السابقة عليها، وفيها يذكر كبار املوظفين حتى امللك بواجباتهم، "إن بل لكونها أزليةتبقي برغم وجوداإلهمال والفسادوهو يعلن قائال يشبه نهجك الصائب هل تخطئ املوازين؟ أن لسانك هو مؤشر املوازين وقلبك هو املثقال وشفتاك هما ذراعها". تظهر كلمة املوازين م في خطب الفالح لتوضيح أن إجراء العدل يوجد بين الطبقة فاقتادوا تحوتي إلىاملحكمةومعأن السطوراألخيرةمن النصغيرواضحةوالجزء بمنطوق الحكم مفقود إال أنه يفهم من سياق النص أن نخت تم تجريده من كافة ممتلكاته ليأخذها خونانبو كتعويض عما لحقه منضرر. )جيميز. جمال. ص 153 :159) نظام الحكم وان املوظفين الجائرين يجباستبدالهم بموظفين عادلين، بمعنىأن الفالح لم يأمل بأن يكون أي الرضا بالوضع االجتماعي. )توملين. العدل معيار لألخالق املصرية فإن هذا يعنى الجانبان الفردي واالجتماعي لهذه الفضيلة، سائر األفكار األخرى التي انتشرت في ذلك العصر املتردي وأهمها األفكار املنتشرة في الحكم والنصائح طلب. 40 مع انحطاط بناء على ما تقدم يمكننا القول إن انحالل الدولة واالنحطاط األخالقي ال يسير دائما العقل، فكما هو واضحأن الفترة التي انهارت فيها األخالق وأصبح يستهان بالعدالةلم تكف فيها املحاوالت الباحثة عنها وتثبيت دعائمها املفقودة. تعد محاوالت هؤالء املصلحين االجتماعيين خطوة أولى في توطيد العدالة االجتماعية التي وجدت للظهوراوال عمليا واعتقد في الحال أن مقت أنفسهم للظلم هو يشعرون بها فيقرارة أنفسهم قد صار أمرا نفس مقت اإللهللظلم وبذلكصارت مثلهم العليا في األخالق هيكذلك مثل اإلله، مسيطرة جديدة. ص 230 ، إن تلك املساواة االجتماعية ظهرت بوضوح في عهد الدولة الوسطى والتي أدركت في بحثها عن الحياة متساويين بالفرص وان املاء والهواء متاحان بالتساوي ليس املاء والهواء فقط بل إن )فرانكفورت. ص وعلىأية حال؛ لم ينظر للعدالةفيمصر باعتباره يتمتعبهاألغنياءواألقوياء، ا امتيازا بل فتحت العدالة صدرها حتى ألدنى الناس فكانت املساواة حقا ما. وباختصار كان توافر العدالة من التطلعات املوروثة في كل املجتمعات إال أن تحقيقية هو الذي كان فيبعضها. )جيميز. مفقودا ص 61 ) ففي الوثائق القديمة نجد الحكماء يوصون الوزراء بإقامة العدل وأن يقوموا بأعباء وظائفهم، له"إذاكنت في صحبة جماعةمن الناس وكنت عليهم رئيسا ولش فعاملهم معاملةحسنةحتىال تالم وليكنمسلككمعهمال يشوبهنقص، طريقة سوية مستقيمة هو ثابت غير متغير، انه لم يتغير منذ عصر اإلله خالقه، 2023 03 16 41 بمو أخذ معه الحالل وذهب ما كان الشر يوما علىقوم فتصرففي شئونهم بما تقضين بهقواعد القوانين واألنظمة، عندما تصغيإلى شكوى مظلوم وال مستأنيا ". )كمال، محرم. 1998 دفعا من النص السابق مدى عمق هذه التعاليم واألهداف النبيلة التي ترمي إليها، فبتاح يحذر ابنه من أكل الحرام ألنه يأخذ الحالل معه، فالبد وأن يكون يستمعلشكوىاملظلوم أيكان طبقتهوأن يزي وعادال رحيما عطوفا ل عنه ظلمه حتى ال يالم بعد ذلك. ولعل يعامل من يعرفه كمن ال يعرفه واملقرب من امللك كالبعيد عنه. )برستيد. فهناك فحوى هذهالتعاليم فيالنصائح املوجهةإلى مريكارعحيثيقول امللكناصحا ألن الذي يقول ليت لي لن يكون محايدا بل ينحاز إلى الشخص الذي يحمل في يده العطية" )برستيد. ص 168 )وفي تلك الوصية إشارة إلى فكرة الحياة الكريمة فاإلنسان الذي لديه ما يكفيه من متطلبات الحياة سوف يحكم بالعدل أما الفقير الذي يفتقد وجودضرورياتالحياةفإنهيكون بانتظارالرشوةوبالتالي ال يحكم بالعدل . بالقضاة فيما يتصل بمناصبهم أوتعاقبادون وجه حق" "ال ترفعمن شأن ابن الرجل ا حتى ال تظلم أحدا مدققا ص 72 )ومن النصوص السابقة يتضح الحرص على املساواة بين الجميع في املعاملة وان اختيار الرجل من أجل منصب ما يكون لتثقيفه وتعريفة بمهامه وباألساليب التي عليه أن يتبعها في أداء وظيفته الرفيعة. والتعاليم حسب – االلتزام بالقانون – في تطبيق ص 47 ، كالمهللوزير "ال تنس ى أن تحكم بالعدل أل من تعرفه كمن ال تعرفه، اعلم أنك سوف تصل إلى تحقيق الغاية من منصبك، إذا جعلت العدل رائدك في عملك، العدل املعروفةمنذ أيام حكم اإللهفياألرض". )املرزوقي، ص 145 ) البد من اإلشارة إلى أن تشريعات مصر القديمةكانت جزءا منها مصدرها املعبودات مما زاد احترام الشعبلهاوالعملعلىتطبيقها، وتشريعاتمصدرها امللكفكانلهحقالتشريعوان أوامرهلهاقوةالقانون بها، فكان ولكنه هو لول الناس التزاما بالحياد التام تجاه أحكام القضاة الذين يضعون أحكاماقضائيةلهاقوة التشريعوطبقا إذا كانت أوامره ظاملةأي تتضمن ما يؤدى إلى خرق التشريعات. رمضان. هو منبع العدالة ألنه هو مصدر لكل السلطات (43. على أداء القاض ي لهذا اليمين عند توليه مهام وظيفته. لقد أدرك املصريين القدماء بفطنتهم وذكائهم أن إن واجب العدل الذي كان يقع على عاتق امللك، لم يكن مجرد واجب أخالقي، وسياس يفيالوقتذاته، ونحو البشر. وعليه أن يدافع عن تصرفاته توضع موضع التنفيذ كأنها قرارات موحى بها وقد يكون هذا السبب في ندرة الوثائق القانونية واإلدارية. النظام الشئون اإلدارية، الزراعة، األحوال املعيشية، هذه االختصاصات شاملة للغاية وتغطي معظم مشاكل املجتمعات القديمة والحديثة. )جيمز. ص 56) ألن ماعت التي تعني الحق والعدل محترما أنه فكان الرجل الصامت الحكيم يدرك جيدا اإللهي وموظفيه، وضيع أن يرتقوا إلى رفعة املراكز، وتعد سيرة أوني الذي كان في خدمة ثالثة ملوك متتاليين من األسرة السادسةتوضح أنهباستطاعةأصغر املوظفين أن يرتقوا إلى أعلى املناصب عندما تظهر قدرتهونزاهته، لم يوجد في مصر القديمةنبذ املوهوبين من أجل فارق طبيعي أو لوني، كما كان يمكن للنوبي الذي يدعو نفسه بالبانيهيس ى أي النوبي أو الزنجي أن يحتل أعلى املراكز. )فرانكفورت، ص 109 :113) ثانيا عت يجب أن تتحقق للسكنى، وفي ذلك إشارة ضمنية أن الكون دون املاعت ال يصلح للحياة، حياته، ألي معبود في إقليمهدون اإلساءة إلى حرمةاملعبودات وعقيدة الغير. وباملبادئ الثالثة هذه قامت فلسفة 236 )علىمدارتاريخ مصر القديمةلم يكن هناك تمييز اجتماعي بين الرجال والنساء، 2004. P. 44 لقد مر على مصر ثالثة عصور لم يقم خاللها أي محاولة لقلب النظام القائم، أن ذلك يدل على أخالقيا وألن انهياراألمم يسبقهانهيارا عاشت فترات طويلة من االستقرار فهذا املفهوم من الناحيةالتاريخيةذوأهميةبالغة، يمثل التدبيرالصحيح للكون وشئون البشر، ومعذلك فإن استمرارماعتبذاتهباعتباره تقريرا )مجموعة من املؤلفين. 2000 . والعدالةوالبروالصواب، هيأسمىمفهوم للقانون الطبيعيواألخالقي عرفهقدماءاملصريين، فكانتاإللهة تم ماعت تجسيدا بناء الحضارة املصرية على هذا املفهوم الشامل مع خصوبة معانيها الكبيرة، ومن ثم (( 47 هكذا نرى أن العدالةمن أبرزالقيم املكونةلنسيج الحضارة املصرية، إنها حضارة أخالقيةفياملقام األساس الديني فكونا أعظم قيم أخالقية عرفها التاريخ. مما ساعد على استقرار وتقدم املصريين القدماء في مختلف املجاالت. في كل فترات التاريخ املصري، فكانت على قمة القيم األخالقية للمصريين، فهي كانت ماعت مطلبا بالبقاء ملن ينتهج تعطى وعدا فالدينوالدولةوذكرىالفردالطيبةفي حياتهوبعد وفاتهلم يكن لهم بقاءدون املاعت، لذلككانت فيكل الفتراتالتيمرت بها املثل األعلىالذيسعياملصريين من أجل تحقيقية. ومثلماكانتالعدالةمطلبا 2023 03 16 من قبل اإللهونهي عنهمقابل حبهللعدالةواألمر ومكروها كان الظلم مرذوال هذه الصبغةالدينيةملفهوم العدالة جعلتاملصريين يشعرون بقداستهوضرورةااللتزام به. ملفهوم املاعت بالغاألثر على سلوك الفرداألخالقي، حيث عرف املصريون القدماء جيدا أن حصول لذلك حرص املصريون على أ يسلكوا سلوكا وكأنهم سجلوا ما كان يفعلونه كي يسير على نهجهم من يأتي بعدهم. لتحقيقه بجادة املاعت بل كان هناك فترات على املستوى االجتماعي،
ثالثا
في كل عصر من عصورمصر،وإننا نستطيعأن نلمس فكرة
ً
أساسيا
ً
لقد كانت فكرة العدالةمطلبا
ً العدالة االجتماعية في عهد الدولة القديمة من تعاليم ب يتكلم
تاح حتب إذ يقول لولده "إذا وجدت رجال
لك فال تحتقره ألنهأقل منك بل دعهوشأنه،وال تحرجهلتسر قلبك وال تصب
ً
أي ليس مساويا
ً
وكان فقيرا
عليه حام غضبك، فإذا بدا لك أن تطيع أهواء قلبك فتظلمه فأقهر أهواءك، ألن الظلم ال يتفق مع شيم
ً
الكرم".كما يقول لهأيضا فال
ً
بعد أن كنت فقيرا
ً
،وصرت غنيا
ً
بعد أن كنت وضيعا
ً
" إذا أصبحت عظيما
تنس ىماكنتعليهفياملاض يوال تفخر بثروتكوتستكبرفإنكلستبأحسن حاال من رفاقكالذين حل بهم
الفقر". )كمال، محرم. 1998 .ص33،30 )ومن الجدير بالذكر أن ذلك الحكم ما زالت موجودة في وقتنا
الحاليفيالتراثالشعبيأوما يسمىباألمثال الشعبية، توارثتها األجيال املصرية جيل بعد جيل .
بعد أن
ً
من أقوال الفيلسوفالحكيم إنه ال فرق بين الغنيوالفقير،وإذا أصبحت غنيا
ً
يبدوواضحا
إن ذلكال يعطيكالحق فيأن تتكبر علىفقيروتحتقره،فالكلسواء
ً
كنتفقيرا وإن دل ذلك فإنه يدل على
حضورفكرةاملساواةاالجتماعيةوما أحوجنا إليها اليوم. إال أن تلكاملساواةلم تكن ظاهرةبوضوح في عهد
من العنف
ٍ
الدولة القديمة والتي انهارت في فوض ى عارمة وانجرفت قيم املكانة وامللكية في تيار طاغ
واالغتصاب،وقد عزا املصريون بعضويالتهم إلىتمزق وانهيار خلقهم. )فرانكفورت. ص119 )
في ظل هذا االنهيار ظهر ما يسمى باألدب التشاؤمي واالتجاه العدمي املتشكك، ولعل أروع ما نجده
منهذا األدبهو وثيقةكارهالبشر،تلكالوثيقةالتيفقد منها اسم مؤلفها،لذلكأطلقعليها برستيد حوار
ً عدو البشر مع نفسه. )برستيد. ص183 لعصره فيرفض قيم هذه الدنيا اإليجابية
( كان كاره البشر سابقا
من أجل القيم لسالبة املرجوة من نعيم اآلخرة. )فرانكفورت. ص 143 )
إن القيمة األخالقية لهذا النص ليست كامنة في مجرد تجسيده للتيار التشاؤمي أو العدمي الرافض
لقيم عصره، فالنص ال يكتفي بمجرد أخرى يؤمن بهاويتمنى لها أن
ً
الرفض للقيم السائدة ألن هناك قيما
تسود،ولكن مثل هذهالقيم غائبةوال أمل فيإرجاعهاومن ثم فإن كارهالبشر ينطلق في عدميتهمن أساس
2023 03 16
37
ال يمكن أن نصفهبأنه سلبي رافض أن وراء السلب أفكار أخرى إيجابيةوتصور ضمني ملا ينبغي أن يكون،
ً لكن استحالةتامةولذافقدتالحياةقيمتهاوأصبح املوتهو
هذا الواقع جعل هذا التصوريبدومستحيال
الخالص، فمن يدري؟ لعل القيم الغائبة عن هذه الدنيا تكون موجودة هناك في الحياة اآلخرة فيتحقق
العدل املنشودوتسودالقيم املبتغاة.فالحياةاإلنسانية عند كارهالبشر ال يمكن أن يبرراستمرارها إال على
أساس أخالقي )العدل(فإذا فقد هذا األساس تصبح الحياة مستحيلة وال تطاق(87.P. Frankfort. (
تتكون وثيقةكارهالبشر من أربعقصائد؛ األوليتصفلنامقتالعالم بغيرالحق السم هذا التعيس
إذيقول فيها "ملن أتحدث اليوم؟إن اسميممقوت أكثر من رائحةاللحم النتن في أيام الصيف، غن اسمي
ممقوت أكثر من رائحةالسمك في يوم صيد تكون فيهالسماء حارة" ما يفيد بنبذ املجتمعلهذا الشخص.
وفيالقصيدةالثانيةينتقلكارهالبشر منوصفنفسهإلىوصفاملجتمعالذييسودهالغشوالظلموعدم
الوفاء حتى بين األقرباءفيقول "ملن أتحدث اليوم؟اإلخوة سوءوأصدقاء اليوم ليسوا جديرين بالحب. ملن
أتحدثاليوم؟الرجل املهذبيهلكوصفيق الوجهيذهبفيكل مكان"وفيذلك إشارة لرفع شأن الحقيرفي
حين أن الشخص الجدير باالحترام يهلك ليس له مكان) .برستيد ص 185 ،186)86.P. Frankfort/
أما القصيدة الثالثة فهي أنشودة في مدح املوت، نجد فيها تأمالت في مميزات املوت والتي سنجدها
حاضرة بعد 1500 سنةفيماذكرهأفالطون عن أستاذهسقراط.ولكنهاشكوىلرجل حاقبهالظلم،فيقول
"ملن أتحدث اليوم؟ املوت أمامي اليوم،كمثل رجل يشتاق لرؤيةمنزلةبعد أن قض ي سنين في اآلسر"، وفي
ذلك دليل واضح لقيمة املوت فهو ليس فقط مجرد انتهاء فترة حياة بل هو بداية للحياة األبدية والتي ينعم
فيها املتوفي بالخلود حيث األخالق والقيم والفضيلة (87.P. Frankfort. (
وفي القصيدة الرابعة واألخيرة يختتم ذلك البائس كالمه بااللتجاء إلى العدالة في اآلخرة وبذلك جعل
إلى قاعة املحاكمة وكان عليه أن يذهب إليها بأسرع ما يمكن فيقول "إن الذي هنالك
ً
من املوت مدخال
سيقبض على املجرم كإله حي ووقع عقاب السوء على من اقترفه" وفي ذلك إشارة إلى أن انعدام العدل
واملساواة في الدنيا ال يعنى انعدامها في اآلخر ة، بل إن تحقيقيه أمر حتمي في العالم اآلخر. )برسيد ص198 /
فرانكفورت ص 122 ،123 /جريمال ص 189 ،190 )
لقد كان كارهالبشر فاقد األمل فيتحقيق العدالةفيالدنياومعذلكفقد كان هناكمن حاول تحقيق
العدالةاملطلوبةوعودة قيمتهاومكانتها في الحياة الدنيا من خالل رجل حكيم يستطيعنشرها على األرض.
وهنا نصل إلى إيبور) (ذلك الحكيم الذي كان من موظفي الخزانةالذين يعملون في الدلتا،ويبدوأنهقدم
إلى العاصمة بنفسه ليقدم تقرير للبالط امللكي عن حاله البالد املالية، قدم إيبور أقواله في ست قصائد
شعرية فيها جوهر املوضوع نفسه، فهو يصف حالة البالد وما حل بها من فساد، كما أنه لم يتوان في توجيه
2023 03 16
38
اللوم والنذرللملكفيقول "لديكالحكمةوالبصيرةوالعدالةولكنكتتركالفسادينتشر فيالبالد،واملعارك
الواحد يضرب اآلخر، لقد كذبوا عليك فالبالد تشتعل كالقش امللتهب والناس على شفا الهالك، وهذه
الس
ً
نوات كلها سنوات حرب أهلية". ما يفيد بانتشار الفساد االجتماعي والسياس ي والذي سيؤدي حتما
أن االنهيار األخالقي يؤول بالضرورة إلى انهيار األمم وزوالها. لم يقف إيبور
ً
بانهيار البالد، ويفيد ذلك أيضا
عند مواجهة امللك بحالة الفساد األخالقي، ولم يقتر على التنبؤ بمجيء حاكم أعدل منه يحق الحق ويعلى من
شأن القيم، بل حمل امللك كامل املسئولية عن التدهور األخالقي الذي فت في عضد البالد. وينهي إيبور
حديثه مع امللك بقوله "إن األمر امللكي واملعرفة والعدالة في قبضة يدك ولكن من تصنعه في البالد هو النزاع
وصوت القالقل لقد نطقتزو ". لقد كانتهذه هياملرة األولىالتي يتجرأفيها املفكرون األخالقيون
ً
وبهتانا
ً
را
على الفرعون نفسه بدافع من غيرتهم على القيم العليا واملثل اإلنسانية مما جعل هذه اليوتوبيا مشهورة
لدى الباحثين فياملصرياتباسم تحذيراتإيبور،ذلكالشخصالجريءالذي لم يخشسلطةا
ً
مللكواقفا
بما اقترفهفي حق البالدوالعباد. )محرم،كمال.ص
ً
أمامهمنددا 51 :57 / برستيد. ص214 )
ملا سبق يتضح أن إيبور يربط العدالةالخلقيةبشخص واحد هو الحاكم، وتحملهاملسئولية
ً
وفقا
الكاملة عن حماية الفضيلة واألخالق. ولم تكن هذه هي الرؤية اليوتوبية الوحيدة لدى املفكرين في ذلك
العصر، بل إننا نجد مفكرين آخرين يقيمون تصورتهم اإلصالحية علىأساس من اإلصالح الشامل الذي ال
يقف عند مجرد تعليق املسئوليةالخلقيةالكبرى على شخص واحد مهما كانت طبيعة هذا الشخص، بل
تطلعإلىما هو أبعد من ذلكإلىإصالح خلقي علىمستوى واسع، يقيم ما اعوج من أخالق أعضاء املجتمع،
ال سيما املوظفون واإلداريون القائمون على أمور الناس )طلب، حسن. 2003 .ص 172 ،173 ،)وهذا ما
نجده في نص شهير لفالح مصري يسمي الفالح الفصيح ويرجع تاريخه إلى عهد الدولة الوسطى، وموضوع
هذا النص يتلخص في شخص فصيح يلقي تسع خطب في ثوب شكاوى تعد من أروع ما قيل بسبب حادث
ظلم وقع عليه،ومحور هذه الخطبمدح العدل وذم دناءةاملوظفين )بسيوني، م. ع.ص92 )
يروي نص الفالح الفصيح قصة فالح بسيط يسمى خونانبو يزرع قطعة أرض صغيرة في وادي
النطرونوفيأحد األيام عزم علىحملإنتاجهمناملحاصيلالزراعيةإلىواديالنيل للتجارةوشراءما يلزمه
إلعاشةأهله،وفي طريقةإلى العاصمةمر بمنزل تحوتي نختأحد موظفي رنزي املدير العظيم لبيتامللك،
طمع نخت في حمير الفالح فدبر له مكيدة كي يستولي عليها، وبالفعل استطاع نخت االستيالء على حمير
الفالح ومن هنا بدأت مأس اة الفالح والذي وجد هالك أسرته جراء ما حدث. لم يسكت الفالح على ما حدث
لهومكث بباب تحوتي نخت أربعةأيام يرجو فيها حميرهولكن دون جدوى،وعندما علم بشهرة عدالةرنزي
املدير العظيم لبيت امللك، ولي وجهه شطر املدينة ليشكوا إليه ما حاق به، ولحسن حظ الفالح صادف
2023 03 16
39
املدير العظيموهو يتأهبلركوبقاربهفأخذ يقصعليهما أصابهبلغةفصيحةمما استرعىسمعه،فأرسل
إحدى خدمهليسمعقصتهوملا عادوأخبررنزي بسرقةتحوتي للحمير، عرضرنزي املوضوع علىزمالئهمن
املوظفين، وكان جوابهم يتفق مع ما يحدث في مثل هذه األحوال، وهو تحامل املوظ ف على الفقير في الدوائر
الحكوميةمهما كان الحق في جانبه،وعند سماع الفالح بموقف املوظفين تقدم إلى رنزي وأخذ يقص عليه
شكايته بفصاحة ولباقة. )جيميز. 1997 .ص61 :64 )
يحقق الفالح مطلبه في سلسلة من تسعة أحاديث طويلة كل واحدة منها أبلغ وأجرأ من السابقة عليها،
وفيها يذكر كبار املوظفين حتى امللك بواجباتهم، ولكي يعبر الفالح عن وجهة نظره يؤكد حقيقية أن العدالة
"إن
ً
ال تقوم علىامليل أوالهوى اإلنساني، بل لكونها أزليةتبقي برغم وجوداإلهمال والفسادوهو يعلن قائال
العدالةماعتهيكل ما هو أزليتهبطمعمن ينتهجسبيلها إلى القبر" )توملين. ص 66)كما يذكر رنزيباليوم
اآلخر يقول له"خذ حذركألن األبديةتقترب، أوقعالعقابعلىذلكالذي يستحق العقاب، لن يوجد ش يء
يشبه نهجك الصائب هل تخطئ املوازين؟ أن لسانك هو مؤشر املوازين وقلبك هو املثقال وشفتاك هما
ذراعها". تظهر كلمة املوازين م في خطب الفالح لتوضيح أن إجراء العدل يوجد بين الطبقة
ً
وتكرارا
ً
رارا
الحاكمة. )برستيد. ص 201 ،202 )بعد انتهاء الفالح من تقديم شكواه يأمر رنزي بالحكم في القضية،
فاقتادوا تحوتي إلىاملحكمةومعأن السطوراألخيرةمن النصغيرواضحةوالجزء بمنطوق الحكم مفقود
إال أنه يفهم من سياق النص أن نخت تم تجريده من كافة ممتلكاته ليأخذها خونانبو كتعويض عما لحقه
منضرر. )جيميز.ص 64/ املرزوقي، جمال. 2000 .ص 153 :159)
تلقي قصة الفالح الفصيح الضوء على األفكار الشائعة في ذلك العصر وان ما يثير االهتمام في هذه
القصة هو على الرغم من أن موضوعها الرئيس ي هو العدالة لم يرد بها على اإلطالق أبسط اقتراحا بقلب
نظام الحكم وان املوظفين الجائرين يجباستبدالهم بموظفين عادلين، بمعنىأن الفالح لم يأمل بأن يكون
أكثر من فالح، أي الرضا بالوضع االجتماعي. )توملين. ص 66 )املتأمل في النزعات الخلقية اإلصال حية السابقة
للقيم،وعندما نقول إن
ً
لألخالق ومعيارا
ً
يجد قسم مشتركبهاوهو أن جميعها تنشد العدل باعتبارهاساسا
العدل معيار لألخالق املصرية فإن هذا يعنى الجانبان الفردي واالجتماعي لهذه الفضيلة، وهذا يصدق على
سائر األفكار األخرى التي انتشرت في ذلك العصر املتردي وأهمها األفكار املنتشرة في الحكم والنصائح
والوصايا فهي تنطلق جميعها من الرغبة امللحة في إقرار فضيلة العدالة على املستويين الفردي واالجتماعي.
)طلب. ص 174 )
2023 03 16
40
مع انحطاط
ً
بناء على ما تقدم يمكننا القول إن انحالل الدولة واالنحطاط األخالقي ال يسير دائما
العقل،فكما هو واضحأن الفترة التي انهارت فيها األخالق وأصبح يستهان بالعدالةلم تكف فيها املحاوالت
الباحثة عنها وتثبيت دعائمها املفقودة.
تعد محاوالت هؤالء املصلحين االجتماعيين خطوة أولى في توطيد العدالة االجتماعية التي وجدت
، فيا
ً
للظهوراوال
ً
عمليا
ً
منفذا مللكية املثلى ثم بعد ذلك في أخالق الفرد املكلف بإقامتها انعكست صورتها على
أخالق إله الشمس ونشاطه وهو امللك األمثل. إن وجوب املحافظة على العدالة االجتماعية التي أخذ الناس
،واعتقد في الحال أن مقت أنفسهم للظلم هو
ً
إلهيا
ً
يشعرون بها فيقرارة أنفسهم قد صار أمرا نفس مقت
اإللهللظلم وبذلكصارت مثلهم العليا في األخالق هيكذلك مثل اإلله،فاكتسبت بهذا املظهر الجديد قوة
مسيطرة جديدة. يرجعتأثيراملثل العليا للعدالةاالجتماعيةوالتيوجدت سبيلها إلى الحكومةبدرجةكبيرة
إلى الشكل الذي انتشرت به بين كل طبقات الشعب. )برستيد. ص 230 ،231 )
إن تلك املساواة االجتماعية ظهرت بوضوح في عهد الدولة الوسطى والتي أدركت في بحثها عن الحياة
الصالحةقمة عاليةمن األخالق.وبالعودة إلى النص السابق ذكرهوالذي يتضمن القول بأن الناس خلقوا
متساويين بالفرص وان املاء والهواء متاحان بالتساوي
ً
جميعا للبشر كافة، ليس املاء والهواء فقط بل إن
حق للجميع. )فرانكفورت. ص
ً
العالم اآلخر واألبديةأيضا 125 ،127)
وهنا يظهر بوضوح تضافر وتداخل النص الديني واألخالق والحكم االجتماعية الدالة على العدل
واملساواةبين الجميع.وعلىأية حال؛لم ينظر للعدالةفيمصر باعتباره يتمتعبهاألغنياءواألقوياء،
ً
ا امتيازا
للجميعبين يدي العدالةإلى حد
ً
مكفوال
ً
بل فتحت العدالة صدرها حتى ألدنى الناس فكانت املساواة حقا
ما. وباختصار كان توافر العدالة من التطلعات املوروثة في كل املجتمعات إال أن تحقيقية هو الذي كان
فيبعضها. )جيميز.
ً
مفقودا ص 61 )
مصر الفرعونيةوتحقيق العدالةالسياسية
ً
رابعا
أن تحقيق العدالة االجتماعية ال يمكن فصله عن املجتمع السياس ي، فكما سبق وذكر أن بعض
الحكماءربطوا تحقيق العدالةاالجتماعيةبوجود حاكم عادل ينشر العدل بين الناسكما أن رجال الدولة
من امللك ورجال البال
ً
ابتداء ط هم القدوة لغيرهم من عامة الشعب، ففي الوثائق القديمة نجد الحكماء
يوصون الوزراء بإقامة العدل وأن يقوموا بأعباء وظائفهم، وها هو بتاح حتب يوص ي ولده الذي سيقوم
ً
له"إذاكنت في صحبة جماعةمن الناس وكنت عليهم رئيسا
ً
بمهام وظيفيةبأن يحافظ على العدالةقائال
ولش فعاملهم معاملةحسنةحتىال تالم وليكنمسلككمعهمال يشوبهنقص،أنالعدل عظيم
ً
ئونهم متوليا
طريقة سوية مستقيمة هو ثابت غير متغير، انه لم يتغير منذ عصر اإلله خالقه، من يخالف القوانين
2023 03 16
41
بمو
ً
أخذ معه الحالل وذهب ما كان الشر يوما
ً
يعاقب ومن استحل حقوق الناس حراما صل مقترفه إلى
يقول
ً
شاطئ األمان،قد يحصل املرء علىش يءمن الثروة عن طريق الشر ولكن قوةالحق تبقي ثابته". أيضا
ً
علىقوم فتصرففي شئونهم بما تقضين بهقواعد القوانين واألنظمة، إذاكنت حاكما
ً
له" إذاكنت زعيما
عندما تصغيإلى شكوى مظلوم وال
ً
مستأنيا
ً
فكن عطوفا تجعله يتردد في أن يفض ي إليك ما بدخيلة نفسه،
ولظلمةمزيل، اجعلهيسترسل فيكالمه حتىتقض ىله حاجتهالتيأتي من
ً
بل كن بهرفيق ولحاجتهقاضيا
أجلها فإنهإذا تردد في ان يفض ي إليك بما يجيش في صدره، قيل ان القاض ي يظلم من ال يستطيع لظلمه
". )كمال،محرم.
ً
)30،35 ص. 1998 دفعا
من النص السابق مدى عمق هذه التعاليم واألهداف النبيلة التي ترمي إليها، فبتاح
ً
يبدو واضحا
يحذر ابنه من أكل الحرام ألنه يأخذ الحالل معه، كما ينبهه إلى مهام الحاكم وصفاته، فالبد وأن يكون
يستمعلشكوىاملظلوم أيكان طبقتهوأن يزي
ً
وعادال
ً
رحيما
ً
عطوفا ل عنه ظلمه حتى ال يالم بعد ذلك. ولعل
أهم ما يمكن أن يوص ي به الوزير أثناء تنصيبه هو أن يحكم بالعدل ألن التحيز يعد طغيان على اإلله وأن
يعامل من يعرفه كمن ال يعرفه واملقرب من امللك كالبعيد عنه. )برستيد. ص 224)
لم تكن تعاليم بتاح حتب هي الفريدة من نوعها، فهناك فحوى هذهالتعاليم فيالنصائح املوجهةإلى
ابنه"ارفعمنشأن مستشاريكوأغدقعليهم بالثروةما يكفيهم ألنالرجل
ً
مريكارعحيثيقول امللكناصحا
ً
الغني في بيته ال يتحيزولكن الرجل الفقير ال يتكلم حسب العدل، ألن الذي يقول ليت لي لن يكون محايدا
بل ينحاز إلى الشخص الذي يحمل في يده العطية" )برستيد. ص 168 )وفي تلك الوصية إشارة إلى فكرة
الحياة الكريمة فاإلنسان الذي لديه ما يكفيه من متطلبات الحياة سوف يحكم بالعدل أما الفقير الذي
يفتقد وجودضرورياتالحياةفإنهيكون بانتظارالرشوةوبالتالي ال يحكم بالعدل .
يكمل امللك حديثهلولده ليعرفهواجبات الحاكم فيقول "أقم طوال حياتك علىوجهاألرض وواس ي
بالقضاة فيما يتصل بمناصبهم
ً
مما كان يمتلكهأبوه وال تلحق ضررا
ً
الحزين وال تظلم أرملةوال تطرد رجال
أوتعاقبادون وجه حق" "ال ترفعمن شأن ابن الرجل ا
ً
حتى ال تظلم أحدا
ً
مدققا
ً
وكن حذرا لعظيم على ابن
الرجل الوضيع، بل اتخذ لنفسك الرجل حسب أعماله وكفاءته" )كمال، محرم. ص 72 )ومن النصوص
السابقة يتضح الحرص على املساواة بين الجميع في املعاملة وان اختيار الرجل من أجل منصب ما يكون
على أساس الكفاءة وليس على أساس طبقي.
هناك نص اخر مسجل في الدولة الوسطى يعتبر أكثر شمول ووضوح موجه إلى الوزير رخ مي رع
لتثقيفه وتعريفة بمهامه وباألساليب التي عليه أن يتبعها في أداء وظيفته الرفيعة. والتعاليم حسب
إيضاحات امللك تحوتمس لوزيرة تحتوي على مبادئ عامة في فلسفة القانون مستندة إلى مبادئ وأصول
2023 03 16
42
يجب تقريرها: تقدير الواجب – توفيرالعدل بين الناسواملساواةفينظر الحقوق – القضاء املفتوح العلني
– االلتزام بالقانون – في تطبيق
ً
بها توجيه باال يتعدى الوزير حدود اختصاصاته وأن يكون محايدا
ً
أيضا
القانون. )جيمز.ص 47 ،50)
كالمهللوزير "ال تنس ى أن تحكم بالعدل أل
ً
يقول تحوتمس موجها ن التحيز عدوان على اآللهة، عامل
من تعرفه كمن ال تعرفه، واملقرب من امللك كالبعيد عنه، اعلم أنك سوف تصل إلى تحقيق الغاية من
منصبك، إذا جعلت العدل رائدك في عملك، أن الناس ينتظرون العدل في كل تصرفات الوزير، وهي سنة
العدل املعروفةمنذ أيام حكم اإللهفياألرض". )املرزوقي، جمال. 2000 .ص 145 )
البد من اإلشارة إلى أن تشريعات مصر القديمةكانت جزءا منها مصدرها املعبودات مما زاد احترام
الشعبلهاوالعملعلىتطبيقها،وتشريعاتمصدرها امللكفكانلهحقالتشريعوان أوامرهلهاقوةالقانون
بها، فكان
ً
ولكنه هو لول الناس التزاما بالحياد التام تجاه أحكام القضاة الذين
ً
يظهر في النقوش ملتزما
ملاذكره بلوتارخ كان امللك يطلب من القضاة باال يطيعونه
ً
يضعون أحكاماقضائيةلهاقوة التشريعوطبقا
إذا كانت أوامره ظاملةأي تتضمن ما يؤدى إلى خرق التشريعات. )عبده،رمضان. ص 233 )ولهذا كان امللك
هو منبع العدالة ألنه هو مصدر لكل السلطات (43. p. Frankfort. (ومما يؤكد هذا الرأي ويدعمه أن اليمين
الذي يحلفه القاض ي بمناسبة تعينه يتضمن عدم إطاعة امللك إذا أمره بفعل أي معصية وكان يصر امللك
على أداء القاض ي لهذا اليمين عند توليه مهام وظيفته. لقد أدرك املصريين القدماء بفطنتهم وذكائهم أن
العدالة أساس حماية واستقرار املجتمع وأن عدم سالمة منظومة القضاء يهدد أمن املجتمع وسالمته.
إن واجب العدل الذي كان يقع على عاتق امللك، لم يكن مجرد واجب أخالقي، وإنما واجب ديني
وسياس يفيالوقتذاته، علىالرغم من كون الفرعون إله، إال أن صعوده إلى السماء عند موته لم يكن يتم
بصورة آلية، وإنما مشروط بأن يكون قد قض ي حياة فاضلة قام من خاللها بواجباته نحو اآللهة الكبرى
ونحو البشر. فكان امللك شأنه شأن البشر يسأل عن أفعاله يوم الحساب، وعليه أن يدافع عن تصرفاته
أمام قضاةالعالم اآلخر. )املرزوقي. ص 146 )
وبالرغم من ان الوثائق القانونيةنادرة حيث ال يوجد دليل نقلي عن وجود قانون في مصر القديمة
وكان أول قانون مدون في عهد األسرةالعشرين 44. p. Frankfort ((إال أن ليس معنى ذلك أن مصر لم تعرف
األنظمة القضائية إال في عهد متأخر وإنما كان الفرعون هو املصدر الحي للقانون، فكان يحكم بمراسيم
توضع موضع التنفيذ كأنها قرارات موحى بها وقد يكون هذا السبب في ندرة الوثائق القانونية واإلدارية.
)فرانكفورت. ص 105)
2023 03 16
43
إن املدقق النظر في عبارات امللك املوجهةللوزير سيجدها ترتكز على العنصر األخالقي.كما أن دور
الوزير يرتكز في مباشرة كل شئون الدولةاإلداريةفي أدق صورها )النظام املدني، النظام الضريبي، النظام
املعلوماتي، الشئون اإلدارية، الزراعة، الحكم املحلي، األحوال املعيشية، القضاء املدني وهو أهم
املوضوعات التي اهتمت به النصوص، هذه االختصاصات شاملة للغاية وتغطي معظم مشاكل املجتمعات
القديمة والحديثة. )جيمز. ص 56)
ألن ماعت التي تعني الحق والعدل
ً
للسلطةالقائمةوعادال
ً
محترما
ً
مثاليا
ً
يعد املوظف املصري رجال
أنه
ً
من ذلك النظام الدنيوي الذي يتزعمه امللك، فكان الرجل الصامت الحكيم يدرك جيدا
ً
والبر جزء
منسجم تمام االنسجام مع العالم الذي يعيش فيه، فكان الجميع في مصر القديمة تحت تصرف الحاكم
اإللهي وموظفيه، وكان باستطاعة أي شخص أن يستأنف إليه ويطالب بما هو حق ماعت )العدالة،
الصواب، الحق(. لم يكن في املجتمعاملصري القديم أي طبقات منبوذة بل كان باستطاعةأناس من أصل
وضيع أن يرتقوا إلى رفعة املراكز، وتعد سيرة أوني الذي كان في خدمة ثالثة ملوك متتاليين من األسرة
السادسةتوضح أنهباستطاعةأصغر املوظفين أن يرتقوا إلى أعلى املناصب عندما تظهر قدرتهونزاهته،
لم يوجد في مصر القديمةنبذ املوهوبين من أجل فارق طبيعي أو لوني،كما كان يمكن للنوبي الذي يدعو
نفسه بالبانيهيس ى أي النوبي أو الزنجي أن يحتل أعلى املراكز. )فرانكفورت، ص 109 :113)
أعتقد املصريين القدماء أن هناك صلة وثيقة بين القوانين الدنيوية والقوانين الدينية، وتلخص
،أنما
ً
مفهوم )ماعت( العدالةفيأمرين: األول،أنالدولةموجودةلتتحققاملاعت. ثانيا عت يجب أن تتحقق
للسكنى، وفي ذلك إشارة ضمنية أن الكون دون املاعت ال يصلح للحياة، فهي أساس
ً
ليصبح العالم قابال
الكون وهيالقانون الكليالشامل لهذا الكون. للكون
عرف املصري القديم األنظمة القضائية والتي كانت من أدق األنظمة بوجه عام وذلك للوصول إلى
العدالة الحقيقيةفالكل سواء أمام القانون،قامتالقوانين املصرية علىمبدأ احترام اإلنسان وكرامتهفي
حياته،فلم يفرق بين الحر والعبد بصددالعقاب علىارتكاب الجرائم،كماكان هناك احترام لإلنسان بعد
. باإلضافةإلى ذلك شاع مبدأ احترام املعتقدات الدينيةوحريةال
ً
وفاتهأيضا عقيدة لإلنسان فله أن يتعبد
ألي معبود في إقليمهدون اإلساءة إلى حرمةاملعبودات وعقيدة الغير. وباملبادئ الثالثة هذه قامت فلسفة
العدالةوالتشريعبوجه عام. )عبده،رمضان. ص 235 ،236 )علىمدارتاريخ مصر القديمةلم يكن هناك
تمييز اجتماعي بين الرجال والنساء، وال ع بسبب ماعت حجر األساس في
ً
بودية بشرية وكان هذا ممكنا
. ((Obenga. 2004. P. 46املصرية الفلسفة
2023 03 16
44
لقد مر على مصر ثالثة عصور لم يقم خاللها أي محاولة لقلب النظام القائم، أن ذلك يدل على
وألن مصر
ً
أخالقيا
ً
توفيرالعدالةللجميع،وألن انهياراألمم يسبقهانهيارا عاشت فترات طويلة من االستقرار
االجتماعي فإن ذلك أصدق دليل على تمسك مصر القديمة بمبادئ األخالق السامية ولعل في مقدمتها
فضيلةالعدالة)ماعت(.فهذا املفهوم من الناحيةالتاريخيةذوأهميةبالغة، يمثل التدبيرالصحيح للكون
وشئون البشر، إنهمحاولةلتلخيصفلسفةاملصريين عن الحياةفي شكل متناسق اسطوري.
لقد كان مفهوم ماعت بلورة ألفكار ال حصر لها في املجال الديني والدنيوي، واعتمد استمراره على
شكلي عن املعتقدات املصرية ساهم
ً
بقاء هذه األفكار،ومعذلك فإن استمرارماعتبذاتهباعتباره تقريرا
في دوام األفكار واملواقف التي بني عليها هذا املفهوم. )مجموعة من املؤلفين. 2000 .ص 21 )ماعت هي الحق
والعدالةوالبروالصواب، هيأسمىمفهوم للقانون الطبيعيواألخالقي عرفهقدماءاملصريين،فكانتاإللهة
للقانون والنظام والحكم والحقيقيةوالحق والعدل واالستقامةوالضميروالكمال. تم
ً
ماعت تجسيدا بناء
الحضارة املصرية على هذا املفهوم الشامل مع خصوبة معانيها الكبيرة، ماعت هي أسلوب حياة. ومن ثم
يمكن فهم ماعت على أنها فلسفة أخالقية متعالية أنها بالفعل إلهية، وامللك قائد إلهي معني باملبادئ اإللهية
التي تحكم العالم واملتجسدة في ماعت أي النظام الكوني الحقيقة والعدالة والقوة الروحية .Obenga. ((
2004. P. 47
خاتمة
هكذا نرى أن العدالةمن أبرزالقيم املكونةلنسيج الحضارة املصرية، إنها حضارة أخالقيةفياملقام
األول حيث ناقش املصريون القدماء القيم واملبادئ األخالقية على أساس عقالني )القلب( نابعمن التمييز
بين الخير والشر ثم توجيه سلوك الفرد للخير واالبتعاد عن الشر، هذا األساس العقالني نما وتوسع على
األساس الديني فكونا أعظم قيم أخالقية عرفها التاريخ. فقد ناقش املصريون القدماء القضايا األخالقية
وتم التمييز بين الصواب والخطأ واإلعالء من شأن الخير وذم كل ما هو شرير سابقين في ذلك عظماء
فالسفةاليونان سقراطوأفالطون،وعن مصادراإللزام الخلقي فيمصر القديمةفقد تعددت وتنوعتما
بين العقل والدين واملجتمعوالقانون فجميعهامصادر ساعدت علىإثراء الحياة الخلقيةفيمصر القديمة
مما ساعد على استقرار وتقدم املصريين القدماء في مختلف املجاالت.
في كل فترات التاريخ املصري، فكانت على قمة القيم األخالقية للمصريين، فهي
ً
كانت ماعت مطلبا
بالبقاء ملن ينتهج
ً
تعطى وعدا
ً
النظام الذي يسيربهالعالم وهيباقيةوخالدةمنذ األزل.فكانتماعتدائما
سبيلها،فالدينوالدولةوذكرىالفردالطيبةفي حياتهوبعد وفاتهلم يكن لهم بقاءدون املاعت،لذلككانت
فيكل الفتراتالتيمرت بها
ً
املثل األعلىالذيسعياملصريين من أجل تحقيقية.ومثلماكانتالعدالةمطلبا
2023 03 16
45
من قبل اإللهونهي عنهمقابل حبهللعدالةواألمر
ً
،فكان الشر مكروها
ً
ومكروها
ً
مصر، كان الظلم مرذوال
بها، هذه الصبغةالدينيةملفهوم العدالة جعلتاملصريين يشعرون بقداستهوضرورةااللتزام به.
ملفهوم املاعت بالغاألثر على سلوك الفرداألخالقي، حيث عرف املصريون القدماء جيدا أن حصول
في العالم اآلخر لم ولن يتم دون سلوك قويم، لذلك حرص املصريون على أ
ً
املرء على الخلود واألبدية ن
في حياتهم وقد تم تسجيل نهجهم على جدران املقابر بأنهم لم يتسببوا في ضرر أو ظلم
ً
طيبا
ً
يسلكوا سلوكا
أحد. وكأنهم سجلوا ما كان يفعلونه كي يسير على نهجهم من يأتي بعدهم.
انتقلت العدالة من سلوك الفرد إلى املجتمع فأصبحت هي املطلب الذي يسعى املصريين
ً
أيضا
لتحقيقه بجادة املاعت بل كان هناك فترات
ً
على املستوى االجتماعي، إال أن تاريخ مصر كلهلم يكن ملتزما
انهيار أخالقي وسياس ي ولكن ظلت ماعت في تلك الفترات هي ضالة الحكماء ما يشير إلى أن االنهيار الخلقي
في العقل والتفكير، فكانت هناك محاوالت لتوط
ً
انهيارا
ً
ال يصاحبهدائما يد فكرة العدالة االجتماعية وهو
ماعت هي مصدر التزام
ً
ما تم تحقيقه في عهد الدولة الوسطى التي بلغت فيها األخالق قمة ذروتها. أيضا
السلطةلذلكأوص يامللوكأبناءهم ووزراءهم االلتزام بالحيادوالعدالةواملساواةبين الجميعوعلىالقضاة
دفع الظلم عن املظلومين وبذلك استقر املجتمعاملصري القديم لفترات طويلةمن الزمان.
إن ما جاء في السطور السابقة يضرب على وتر السلوك واألخالق عند املصريين القدماء من خالل
النصوصوالتعاليم والنصائح،ولنا أننتساءل اليوم كيفاستطاع مصريونالسبعةاألفسنهأن يرسموا
ً
نابعا
ً
طيبا
ً
سلوكيا
ً
نهجا عنأصالةأخالقيةضاربةفي عروقهذا الشعب؟وأيننحنمصريونالقرنالحادي
والعشرين امليالدي من هؤالء األجداد؟
لقد تركوا لنا آثارهم كي نسير على نهجهم ولكن ولألسف يحق لنا القول كما قال أدولف إرمان "أيا
مصر،يامصر،لن يبقي من عقائدكغيرقصصورواياتلن تصدقها األجيال املقبلة ولن تبقي غير كلمات
ك
علىالحجر تحكى أعمال تقوا "
References
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
1. غالبًا ما تكون العوامل المحددة المعتمدة على الكثافة من العوامل الحيوية في البيئة.✔️ 2. تكون الشبك...
السلام عليكم مختصر الحياة ما قاله جبريل للنبي: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به ...
إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الأول من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوال...
توصلت الدراسة إلى أن رقمنة القطاع الصحي والصحة الإلكترونية لم تعودا خياراً ترفيهياً أو شكلياً، بل أص...
رفعت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمقدار 190 ألف برميل يوميًا، ليصل ...
مفهوم التغذية الراجعة يكون ربح المكبر في الحلقة المفتوحة كبير جاد ولذلك يتم إدخال شبكة تغذية عكسية...
في الأصل هذا المنهج مرتبط بد ا رسة الظواهر غير العادية )المرضية(كما تدل عليه كلمة كلينيك ) clinique ...
تُبرز المستجدات الأخيرة في مجال التعليم تحولاً عالمياً واضحاً نحو أساليب التدريس المبتكرة والمعززة ب...
رفعت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمقدار 190 ألف برميل يوميًا، ليصل ...
الأصل في العقود أنها ظاهرة إرادية، تعبر عن حرية الاختيار سواء من حيث المبدأ في الإقدام أو الإحجام عل...
1. استلام الشكوى أو البلاغ توثيق تاريخ ووقت استلام البلاغ. تحديد مقدم الشكوى أو مصدر المعلومة. وصف م...
الدعم الإلكتروني في المنصات الرقمية التعليمية هو مجموعة الوسائل والاستراتيجيات التي تقدم للمتعلمين ع...