Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (100%)
إننا أثبتنا في الماضي قدرتنا على إنشاء مثل الحضارة المرتقبة ، ومهما قيل عن حضارتنا من قبل الخصوم والجاحدين فإن أحدًا لا ينكر أنها كانت أكثر من الحضارة الغربية الحديثة رحمة بالناس ، واقترابا من المثل الأعلى للإنسان في مختلف عصوره وأطواره . وما دمنا قد استطعنا أن نقيم تلك الحضارة الإنسانية الرائعة في عصور التخلف العلمي والفكري ، فإننا أقدر على أن نقيم مثل تلك الحضارة في عصور التقدم العلمي وانكشاف المجهول من الكون شيئا بعد شيء . إننا حين نمسك بزمام الحضارة المرتقبة لن نتخذ من الوصول إلى الفضاء دليلا على إنكار وجود الله ، ولا من السينما آلة للإغراء ، ولا من المرأة متعة للجسم ، ولا من التقدم الحضاري أداة لاستغلال الشعوب المتخلفة واستثمار خيراتها وإذلال كرامتها . تلك هي الأسباب أو بعض الأسباب التي تجعلنا الأمة الوحيدة التي تستحق حمل لواء الحضارة بعد الغربيين لإنشاء حضارة جديدة تخفف من شقاء الإنسان ، وتحقق له قسطا أكبر من الأمن والطمأنينة والحياة الإنسانية المستقرة وإذا رجعنا إلى أصول عقيدتنا ، وجدنا كتابنا المنزل يشير بصراحة إلى انفرادنا من بين أمم العالم بجدارة القيام بالدور الحضاري الذي تتطلبه الإنسانية في عصرنا الحاضر ، لا لامتيازنا عن غيرنا عرفيا أو جنسيا أو فكريا - فتلك خرافة لم يؤمن بها الإسلام يوما ما - بل لما ذكرناه في السببين الأول والثاني مما ننفرد به عن غيرنا . فالآية الكريمة التي تقول لنا : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (1) إنما تشير بذلك إلى خصائص عقيدتنا وأخلاقنا التي أهلتنا لأن نكون خير أمة أخرجت للناس . والآية الكريمة التي تقول عنا : ﴿ الَّذِينَ إِن تَكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَاتَوُا الزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ (1) إنما تشير بذلك إلى خصائص حضارتنا التي جعلتها خير حضارة أخرجت للناس . لا في عصر دون عصر ، ولا في جيل دون جيل . وإذا كنا قد استجبنا لنداء القدر فحملنا اللواء مرة واحدة ، وقدنا الإنسانية إلى مراتع الأمن والهدى والنور ، ثم تركنا اللواء وتهربنا من أداء الرسالة ، فإن هذه الآية الكريمة لتستحث اليوم خطانا لنحمل اللواء مرة أخرى ، ونرفع المشعل من جديد ننقذ به الشعوب التي تتيه اليوم في ظلمات الخوف والقلق والشهوة والظلم واليأس المميت ، ثم لا تجد مخلصا من ذلك إلا بالانتحار : انتحار الأفراد بالأسلحة أو السموم القاتلة ، وانتحار الشعوب بالقنابل الذرية والهيدروجينية ! سيستخف بهذه الفكرة - فكرة قيامنا بدور حضاري جديد - فريقان من الناس : الفريق الأول : أولئك الذين استعبدتهم الحضارة الغربية ، وسلبتهم الثقة بأمتهم من أن تقف من الغربيين موقف الند من الند ، فضلا عن موقف القيادة . وهؤلاء قد عانت أمتنا منهم كثيرا من المتاعب والنتائج الفكرية السيئة ، ونحمد الله على أن هؤلاء أخذوا يتقلصون شيئًا فشيئًا ، بتأثير حماقات هذه الحضارة وجرائمها على أصحابها وعلى الشعوب المستضعفة ، وبنمو الوعي الفكري والسياسي في أمتنا نموا يبشر بأحسن النتائج . وإذا كانت التبعية السياسية ( للغرب المستعمر ) قد انقضى أمرها وذهب معها ذلك الطراز القديم من قادتنا السياسيين الذين كانوا يرون ذلك ضربا من المستحيل ، فإن التبعية الحضارية للغرب المتحضر ) سينقضي أمرها ، وسنتخلص من ذلك الطراز القديم من أدعياء قيادة الفكر الحر الذين لم يكونوا في حقيقة الواقع إلا مظهرا ذليلا من مظاهر الجهل والعبودية والغباوة ! . الفريق الثاني : أولئك الذين يؤمنون بقرب انهيار الحضارة الغربية بعد أن كثرت شرورها ، ولكنهم لا يتفاءلون مثل تفاؤلنا بإمكان قيامنا بدور حضاري جديد ونحن على ما نحن عليه من بون شاسع بين واقعنا وواقع أمم الحضارة ، ويرون أن الحديث الآن عن تسلمنا لقيادة الحضارة ضرب من الخيال وجري وراء العاطفة . ونحن حين نتحدث عن هذا الموضوع لا نزعم أن انهيار الحضارة الغربية وانتقال مركز القيادة الحضارية إلينا سيتم في عشر سنين أو عشرين أو نصف قرن مثلا ؛ فلقيام الحضارات وانهيارها سنن طبيعية لا تتخلف ، وإذا بدأ الخلل في قاعدة قلعة حصينة فقد يبدو للعيان أمدًا طويلا أنها في ذروة قوتها ، وهي مع هذا آخذة في الانهيار وستصبح ركاما لقد مررنا منذ بدء نهضتنا بمراحل يقفو بعضها إثر بعض اقتفاء طبيعيا ، فقد استيقظنا على واقع مؤلم واستعمار جائم ، وبدأنا نتعلم وننظم حياتنا وفق الحياة التي تفرضها الحضارة الحديثة ، وهي الحضارة الغالبة على مقدراتنا الفاتحة لبلادنا ، ثم بدأنا نسير في طريق القوة واستغلال ثروات بلادنا والاستغناء بقدر ما نستطيع عن المنتجات الحضارية المصنوعة في الغرب ، والهدف الذي نسعى إليه الآن هو اللحاق بركب الأمم المتحضرة حتى نقاربها في القرة ومستوى المعيشة ، وفي هذه المرحلة ينبغي أن نصنع لأنفسنا مقياسا حضاريا نستمده من مقاييسنا الحضارية على ضوء مشكلات الحضارة الحديثة وحاجياتنا وظروفنا ، كما يجب علينا أن نحدد خطوتنا المقبلة بعد الانتهاء من هذه المرحلة ، ونجري وراء الذين سبقونا بمئات السنين يأخذنا الإعياء من كل جانب ويكون كل همنا أن نلحق بهم ونكون مثلهم ؟ أم أن نرسم لأنفسنا طريقا آخر يقفز بنا إلى المقدمة من غير أن ينالنا نصب هذه الأمم المتحضرة وإعياؤها وآلامها وانهيارها ؟ نحن بحكم الواقع لا نستطيع أن نصل - في بضع السنوات القادمة - إلى مستوى القوة المادية التي وصل إليها الغربيون ، فليس من السهل أن تكون لنا خلال هذه المدة أقمارنا الصناعية وصواريخنا عابرة القارات ، وهب أنا وصلنا إلى ذلك في بضع سنين ، فإن الغرب يكون قد سبقنا أشواطا أخرى في هذه الميادين فالطريق الصحيح هو أن نستمر في استكمال قوتنا إلى غاية ما نستطيع مع وضع مقياس حضاري جديد لنا وللإنسانية كلها ، ونحن نملك كل إمكانيات الاستقلال في تخير الطريق الصحيح للحضارة ، ومعنا الوقت الكافي لدراسة مقاتلها ومشاكلها لا لننجو منها في مرحلتنا الحاضرة ، فهذا ما لا سبيل إليه ، بل لتنجو منها ونخرج عن دائرة سيرها في مرحلتنا المقبلة ، وهذا ما نجد السبيل إليه ممهدًا لو آمنا بما عندنا وبمقاييسنا التي أثبتت التجارب صحتها ، وبمن يتألف منهم ركبنا الحضاري ، أي بشعبنا العظيم الذي لم تمت فيه جذوة الطموح ، ولم تخب عنده نار النضال ، ولم يستسلم للغزاة رغم شدة الضربات وتكرر الغزوات وتعدد الخيانات ! . إننا إذا فعلنا ذلك نكون قد أوجدنا أكبر منعطف لتاريخ الإنسانية في عصرها الحديث ، وحسبنا أننا نسيطر بذلك على قارتينا الكبيرتين آسيا وأفريقيا سيطرة روحية وأخلاقية تجعلهما أسعد من باقي القارات وأكثرها أمنا واطمئنانا ، ويومئذ لا بد من أن يلتفت إلينا العالم الغربي المنهوك القوى التائه الطريق ، ويأخذ عنا ما يخفف من شقائه وآلامه ، يومئذ تنتقل إلينا قيادة الحضارة وتوجيه التاريخ قبل أن يقرر نهاية الإنسانية بعض ( المجانين ) ! . قد أكون مع هذا لا أزال مسترسلاً وراء الخيال ، فحوادث التاريخ لا تسير سيرا رتيبا كما يقوم في أذهان الكاتبين ، ومن يدري ماذا سيكون غدًا ؟ فهذا العالم مليء بالمفاجآت ، وكان يهمني أن يصغي إليها أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، من صفوة شبابنا ورجال الفكر المؤمن بكرامتنا على الله وعلى التاريخ ، والعدل في الحكم ، هذا مع مساهمتهم في صميم الحضارة ووجودهم في صميم الحياة ، سواء كانوا ملوكا أم علماء ، أم زهادًا ، أم فلاسفة ، أم قُوَّادًا ، أم تجارًا ، أم عمالاً ، رجالا ونساء ، شيوخا وشبابًا ، أغنياء وفقراء ، إنها نماذج للكمال الإنساني الذي لم يكن يعيش في خيال الفلاسفة والحكماء ، بل كان يعيش على ظهر الأرض مع أهل الأرض . هذه الروحانية الإيجابية بأمثلتها الرائعة هي مما تفردت به حضارتنا عن سائر الحضارات قديمها وحديثها ، فلقد عرف التاريخ رجالاً روحانيين في الأمم المختلفة وخاصة في أمم الشرق الأقصى ، مترفعين عن المساهمة فيها ، يعيشون في الأديرة ورؤوس الجبال أو في المغاور والصحارى ، أما نماذجنا الروحية في تاريخ حضارتنا فقد كانوا يخوضون معركة بناء الحياة بكل ما تتطلبه المعركة من عمل وجهد وتضحية وفداء ، وهذا هو سر الروعة في هذه النماذج الروحية العجيبة في تاريخ الحضارات . والقصد اليوم من نشر هذه الأحاديث أن نلفت الأنظار إلى هذه الروائع كدليل على استطاعتنا بناء حضارة أكمل وأسمى من هذه الحضارة ، وأن نذكر الجيل الجديد من أبناء أمتنا بواجبهم في بناء حضارة إنسانية كريمة كما بني آباؤهم أمثالها ، وهذا أنسب الأوقات لمثل هذا التذكير ، فأمتنا تدخل الآن باب التاريخ من جديد دخولا كريما فيه كل تحفز وانطلاق لبناء مستقبل أفضل وأكمل ، وفي أمتنا بقايا من سجايا الآباء والأجداد فإذا سمعت حديث أمجادهم وآثارهم وحضارتهم هزها ذلك هذا عنيفا ، ودفعها إلى العمل دفعا حثيثا . فلا تسمعوه ما أقول فإنه شجاع متى يُذكر له الطعن يشتق ولسنا نقصد من عرض هذه الروائع الادعاء بأن كل ما في حضارتنا جميل ومشرق ، فليس في التاريخ حضارة ليست لها هفوات ، وإنما القصد أيضًا أن نثبت أن الجوانب الإنسانية الخالدة في حضارتنا أقوى وأجمل ، وأن نرد بذلك على افتراء الذين يزعمون الحضارتنا كل عيب ونقيصة ، ويتعمدون أن يحذفوها من قائمة الحضارات الأصلية ، وأن نحبط بذلك كيد الذين يعملون على أن يصرفوا أنظار جيلنا الحديث عن روائع آثارنا الحضارية ، ليجذبوهم إلى حضارة تكشفت مقاتلها للناس ، وإلى تاريخ أمم إن كانت لها صفحة واحدة من الفضائل ، فإن لها آلاف الصفحات من النقائص والرذائل ، وهذا هو هدف الاستعمار الذي يسعى إليه جاهدًا ، وذلك هو صنيع أذنابه ودعاته الذين وإذا كنت قد عرضت في هذا الكتاب نماذج من روائع حضارتنا فإني لأرجو أن يتم الدارسون لتاريخ حضارتنا ما بدأته من عرض هذه الروائع ، بشكل أتم وبحث أوفى وبيان أبلغ وأنصع ، لإعطاء جيلنا الحاضر صورة حقيقية كاملة الروعة عن هذه الحضارة التي كانت تشع النور وتبعث الحياة في القرون الوسطى ،
Original text
إننا أثبتنا في الماضي قدرتنا على إنشاء مثل الحضارة المرتقبة ، ومهما قيل عن حضارتنا من قبل الخصوم والجاحدين فإن أحدًا لا ينكر أنها كانت أكثر من الحضارة الغربية الحديثة رحمة بالناس ، وسموا في الخلق ، وعدالة في الحكم ، وإشراقا في الروح ، واقترابا من المثل الأعلى للإنسان في مختلف عصوره وأطواره . وما دمنا قد استطعنا أن نقيم تلك الحضارة الإنسانية الرائعة في عصور التخلف العلمي والفكري ، فإننا أقدر على أن نقيم مثل تلك الحضارة في عصور التقدم العلمي وانكشاف المجهول من الكون شيئا
بعد شيء .
إننا حين نمسك بزمام الحضارة المرتقبة لن نتخذ من الوصول إلى الفضاء دليلا على إنكار وجود الله ، ولن نتخذ من الصواريخ عابرة القارات ذريعة إلى تهديد الأمم والشعوب لتظل تحت دائرة نفوذنا ، ولن نتخذ من الإذاعة وسيلة للتضليل ، ولا من السينما آلة للإغراء ، ولا من المرأة متعة للجسم ، ولا من التقدم الحضاري أداة لاستغلال الشعوب المتخلفة واستثمار خيراتها وإذلال كرامتها .
تلك هي الأسباب أو بعض الأسباب التي تجعلنا الأمة الوحيدة التي تستحق حمل لواء الحضارة بعد الغربيين لإنشاء حضارة جديدة تخفف من شقاء الإنسان ، وتحقق له قسطا أكبر من الأمن والطمأنينة والحياة الإنسانية المستقرة وإذا رجعنا إلى أصول عقيدتنا ، وجدنا كتابنا المنزل يشير بصراحة إلى انفرادنا من بين أمم العالم بجدارة القيام بالدور الحضاري الذي تتطلبه الإنسانية في عصرنا الحاضر ، لا لامتيازنا عن غيرنا عرفيا أو جنسيا أو فكريا - فتلك خرافة لم يؤمن بها الإسلام يوما ما - بل لما ذكرناه في السببين الأول والثاني مما ننفرد به عن غيرنا .
فالآية الكريمة التي تقول لنا : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (1) إنما تشير بذلك إلى خصائص عقيدتنا
وأخلاقنا التي أهلتنا لأن نكون خير أمة أخرجت للناس . والآية الكريمة التي تقول عنا : ﴿ الَّذِينَ إِن تَكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَاتَوُا الزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ (1) إنما تشير بذلك إلى خصائص حضارتنا التي جعلتها خير حضارة أخرجت للناس .
والآية الكريمة التي تخاطبنا في كل وقت : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (۲) إنما تحملنا بذلك عبء حمل الرسالة ، رسالة قيادة الناس ودلالتهم إلى طريق الحق والخير دائما وأبدا ، لا في عصر
دون عصر ، ولا في جيل دون جيل . وإذا كنا قد استجبنا لنداء القدر فحملنا اللواء مرة واحدة ، وقدنا الإنسانية إلى مراتع الأمن والهدى والنور ، ثم تركنا اللواء وتهربنا من أداء الرسالة ، فإن هذه الآية الكريمة لتستحث اليوم خطانا لنحمل اللواء مرة أخرى ، ونرفع المشعل من جديد ننقذ به الشعوب التي تتيه اليوم في ظلمات الخوف والقلق والشهوة والظلم واليأس المميت ، ثم لا تجد مخلصا من ذلك إلا بالانتحار : انتحار الأفراد بالأسلحة أو السموم القاتلة ، وانتحار الشعوب بالقنابل الذرية والهيدروجينية !
سيستخف بهذه الفكرة - فكرة قيامنا بدور حضاري جديد - فريقان من الناس :
الفريق الأول : أولئك الذين استعبدتهم الحضارة الغربية ، وسلبتهم الثقة بأمتهم من أن تقف من الغربيين موقف الند من الند ، فضلا عن موقف القيادة . وهؤلاء قد عانت أمتنا منهم كثيرا من المتاعب والنتائج الفكرية السيئة ، ونحمد الله على أن هؤلاء أخذوا يتقلصون شيئًا فشيئًا ، بتأثير حماقات هذه الحضارة وجرائمها على أصحابها وعلى الشعوب المستضعفة ، وبنمو الوعي الفكري والسياسي في أمتنا نموا يبشر بأحسن النتائج . وإذا كانت التبعية السياسية ( للغرب المستعمر ) قد انقضى أمرها وذهب معها ذلك الطراز القديم من قادتنا السياسيين الذين كانوا يرون ذلك ضربا من المستحيل ، فإن التبعية الحضارية للغرب المتحضر ) سينقضي أمرها ، وسنتخلص من ذلك الطراز القديم من أدعياء قيادة الفكر الحر الذين لم يكونوا في حقيقة الواقع إلا مظهرا ذليلا من مظاهر الجهل والعبودية والغباوة ! .
الفريق الثاني : أولئك الذين يؤمنون بقرب انهيار الحضارة الغربية بعد أن كثرت شرورها ، ولكنهم لا يتفاءلون مثل تفاؤلنا بإمكان قيامنا بدور حضاري جديد ونحن على ما نحن عليه من بون شاسع بين واقعنا وواقع أمم الحضارة ، ويرون أن الحديث الآن
عن تسلمنا لقيادة الحضارة ضرب من الخيال وجري وراء العاطفة ..
ونحن حين نتحدث عن هذا الموضوع لا نزعم أن انهيار الحضارة الغربية وانتقال مركز القيادة الحضارية إلينا سيتم في عشر سنين أو عشرين أو نصف قرن مثلا ؛ فلقيام الحضارات وانهيارها سنن طبيعية لا تتخلف ، وإذا بدأ الخلل في قاعدة قلعة حصينة فقد يبدو للعيان أمدًا طويلا أنها في ذروة قوتها ، وهي مع هذا آخذة في الانهيار وستصبح ركاما
لقد مررنا منذ بدء نهضتنا بمراحل يقفو بعضها إثر بعض اقتفاء طبيعيا ، فقد استيقظنا
على واقع مؤلم واستعمار جائم ، فطردنا الاستعمار في بعض أقطارنا ونحن نوشك على طرده من أقطارنا الأخرى ، وبدأنا نتعلم وننظم حياتنا وفق الحياة التي تفرضها الحضارة الحديثة ، وهي الحضارة الغالبة على مقدراتنا الفاتحة لبلادنا ، ثم بدأنا نسير في طريق القوة واستغلال ثروات بلادنا والاستغناء بقدر ما نستطيع عن المنتجات الحضارية المصنوعة في الغرب ، والهدف الذي نسعى إليه الآن هو اللحاق بركب الأمم المتحضرة حتى نقاربها في القرة ومستوى المعيشة ، وفي هذه المرحلة ينبغي أن نصنع لأنفسنا مقياسا حضاريا نستمده من مقاييسنا الحضارية على ضوء مشكلات الحضارة الحديثة وحاجياتنا وظروفنا ، كما يجب علينا أن نحدد خطوتنا المقبلة بعد الانتهاء من هذه المرحلة ، أهي أن نظل في فلك الحضارة الحديثة، ونجري وراء الذين سبقونا بمئات
السنين يأخذنا الإعياء من كل جانب ويكون كل همنا أن نلحق بهم ونكون مثلهم ؟ أم أن نرسم لأنفسنا طريقا آخر يقفز بنا إلى المقدمة من غير أن ينالنا نصب هذه الأمم
المتحضرة وإعياؤها وآلامها وانهيارها ؟
نحن بحكم الواقع لا نستطيع أن نصل - في بضع السنوات القادمة - إلى مستوى القوة المادية التي وصل إليها الغربيون ، فليس من السهل أن تكون لنا خلال هذه المدة أقمارنا الصناعية وصواريخنا عابرة القارات ، وهب أنا وصلنا إلى ذلك في بضع سنين ،
فإن الغرب يكون قد سبقنا أشواطا أخرى في هذه الميادين فالطريق الصحيح هو أن نستمر في استكمال قوتنا إلى غاية ما نستطيع مع وضع مقياس حضاري جديد لنا وللإنسانية كلها ، ونحن نملك كل إمكانيات الاستقلال في تخير الطريق الصحيح للحضارة ، ومعنا الوقت الكافي لدراسة مقاتلها ومشاكلها لا لننجو منها في مرحلتنا الحاضرة ، فهذا ما لا سبيل إليه ، بل لتنجو منها ونخرج عن دائرة سيرها في مرحلتنا المقبلة ، وهذا ما نجد السبيل إليه ممهدًا لو آمنا بما عندنا وبمقاييسنا التي أثبتت التجارب صحتها ، وبمن يتألف منهم ركبنا الحضاري ، أي بشعبنا العظيم الذي لم تمت فيه جذوة الطموح ، ولم تخب عنده نار النضال ، ولم يستسلم للغزاة رغم شدة
الضربات وتكرر الغزوات وتعدد الخيانات ! .
إننا إذا فعلنا ذلك نكون قد أوجدنا أكبر منعطف لتاريخ الإنسانية في عصرها الحديث ، وحسبنا أننا نسيطر بذلك على قارتينا الكبيرتين آسيا وأفريقيا سيطرة روحية وأخلاقية
تجعلهما أسعد من باقي القارات وأكثرها أمنا واطمئنانا ، ويومئذ لا بد من أن يلتفت إلينا العالم الغربي المنهوك القوى التائه الطريق ، ويأخذ عنا ما يخفف من شقائه وآلامه ، يومئذ تنتقل إلينا قيادة الحضارة وتوجيه التاريخ قبل أن يقرر نهاية الإنسانية بعض ( المجانين ) ! .
قد أكون مع هذا لا أزال مسترسلاً وراء الخيال ، فحوادث التاريخ لا تسير سيرا رتيبا كما يقوم في أذهان الكاتبين ، ومن يدري ماذا سيكون غدًا ؟ فهذا العالم مليء بالمفاجآت ، وقد تقع حادثة في أقصى الأرض فتؤثر على من في الأرض في الطرف الآخر ، بيد أن هذا لا يمنع من أن نطالب بالتفكير في مستقبلنا تفكيرا مستقلا ، وحوادث التاريخ تصنعها يد الله بآراء المفكرين وصيحات الأنبياء والمصلحين
وبعد فموضوع هذا الكتاب هو أحاديث أذعتها من محطة إذاعة دمشق في الفترة الواقعة بين ۲۰ من المحرم ۱۳۷۵ الموافق ٨ من أيلول ( سبتمبر ) ١٩٥٥ وبين ٢٣ من ربيع الثاني ١٣٧٥ الموافق ١٥ من كانون الأول ( ديسمبر ) ١٩٥٥ عرضت فيها نماذج من الجوانب الرائعة في حضارتنا ، وهي جوانب لا تزال تأخذ بألباب كل باحث منصف ولم أتقص كل مظاهر الروعة في حضارتنا ولا قصدت تحليلها علميا ، لأنني كنت أتحدث إلى جماهير المستمعين ممن يتفاوتون في المستوى الفكري والثقافي ، وكان يهمني أن يصغي إليها أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، من صفوة شبابنا ورجال الفكر المؤمن بكرامتنا على الله وعلى التاريخ ، ولم يتسع لي الوقت لمتابعة هذه الأحاديث ، إذ كنت أستعد للسفر في رحلة علمية إلى ديار الغرب تمت عام ١٩٥٦ وقد كنت أود أن أتحدث عن روائع كثيرة ، منها تلك النماذج الإنسانية للروحانية الإيجابية في تاريخ حضارتنا ، ممن كانوا على قدر كبير من الإيمان بالله ، والاتباع للحق ، والسمو في النفس ، والإشراق في الروح ، والجمال في الخلق ، والرحمة للناس ، والعدل في الحكم ، هذا مع مساهمتهم في صميم الحضارة ووجودهم في صميم الحياة ، سواء كانوا ملوكا أم علماء ، أم زهادًا ، أم فلاسفة ، أم قُوَّادًا ، أم حكاما ، أم تجارًا ، أم عمالاً ، رجالا ونساء ، شيوخا وشبابًا ، أغنياء وفقراء ، إنها نماذج للكمال الإنساني الذي لم يكن يعيش في خيال الفلاسفة والحكماء ، بل كان يعيش على ظهر الأرض مع أهل الأرض .
هذه الروحانية الإيجابية بأمثلتها الرائعة هي مما تفردت به حضارتنا عن سائر الحضارات قديمها وحديثها ، فلقد عرف التاريخ رجالاً روحانيين في الأمم المختلفة وخاصة في أمم الشرق الأقصى ، ويعيش اليوم أناس تغلب عليهم النزعة الروحية الصافية ، ولكن هؤلاء وأولئك كانوا سلبيين مع الحضارة ، مترفعين عن المساهمة فيها ، يعيشون في الأديرة ورؤوس الجبال أو في المغاور والصحارى ، أما نماذجنا الروحية في تاريخ حضارتنا فقد كانوا يخوضون معركة بناء الحياة بكل ما تتطلبه المعركة من عمل وجهد وتضحية وفداء ،
وهذا هو سر الروعة في هذه النماذج الروحية العجيبة في تاريخ الحضارات .
والقصد اليوم من نشر هذه الأحاديث أن نلفت الأنظار إلى هذه الروائع كدليل على استطاعتنا بناء حضارة أكمل وأسمى من هذه الحضارة ، وأن نذكر الجيل الجديد من أبناء أمتنا بواجبهم في بناء حضارة إنسانية كريمة كما بني آباؤهم أمثالها ، وهذا أنسب الأوقات لمثل هذا التذكير ، فأمتنا تدخل الآن باب التاريخ من جديد دخولا كريما فيه كل تحفز وانطلاق لبناء مستقبل أفضل وأكمل ، وفي أمتنا بقايا من سجايا الآباء والأجداد فإذا سمعت حديث أمجادهم وآثارهم وحضارتهم هزها ذلك هذا عنيفا ،
ودفعها إلى العمل دفعا حثيثا .
فلا تسمعوه ما أقول فإنه
شجاع متى يُذكر له الطعن يشتق
ولسنا نقصد من عرض هذه الروائع الادعاء بأن كل ما في حضارتنا جميل ومشرق ، فليس في التاريخ حضارة ليست لها هفوات ، وإنما القصد أيضًا أن نثبت أن الجوانب الإنسانية الخالدة في حضارتنا أقوى وأجمل ، وأن نرد بذلك على افتراء الذين يزعمون الحضارتنا كل عيب ونقيصة ، ويتعمدون أن يحذفوها من قائمة الحضارات الأصلية ، وأن نحبط بذلك كيد الذين يعملون على أن يصرفوا أنظار جيلنا الحديث عن روائع آثارنا الحضارية ، ليجذبوهم إلى حضارة تكشفت مقاتلها للناس ، وإلى تاريخ أمم إن كانت لها صفحة واحدة من الفضائل ، فإن لها آلاف الصفحات من النقائص والرذائل ، وهذا هو هدف الاستعمار الذي يسعى إليه جاهدًا ، وذلك هو صنيع أذنابه ودعاته الذين
ما برحوا على تمجيد حضارته عاكفين .
وإذا كنت قد عرضت في هذا الكتاب نماذج من روائع حضارتنا فإني لأرجو أن يتم الدارسون لتاريخ حضارتنا ما بدأته من عرض هذه الروائع ، بشكل أتم وبحث أوفى وبيان أبلغ وأنصع ، لإعطاء جيلنا الحاضر صورة حقيقية كاملة الروعة عن هذه الحضارة التي كانت تشع النور وتبعث الحياة في القرون الوسطى ، فلا حاضر لأمة تجهل ماضيها ، ولا مستقبل لأمة تنكر خصائصها وفضائلها وهي مما تتصل بالحضارة بأوفى سبب وأقوى نسب ، وإذا كان الوقوف على الماضي للبكاء عليه والنحيب هو شغل الكسالى العاطلين ، فإن تجاهله وإزدراءه مع ما يفيض به من خير واسع ونور رحيب ، هو شأن الحاقدين أو الجاهلين . ومن الخير أن نستفيد من كنوزنا في بناء نهضتنا العتيدة ، لتكون النهضة مأمونة العواقب ، غنية بما يمد لها من أسباب النجاح والبقاء ، واضحة الملامح
فيما تهدف إليه من كرامة وهناء ، متصلة أمجادها بأمجاد الماضي ، لتتصل أمجاد المستقبل بأمجادها ، فيستمر الموكب ، وتنسجم الحلقة ويكتمل البناء
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
مقدمة شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات...
التخصص العلمي ل...التخصص العلمي للباحث: يعد من أهم العوامل الذاتية لإختيار البحث، إذ تعتبر القدرة العلمية عاملا متحكما...
A security thre...A security threat in PHP applications refers to a vulnerability, flaw, or vector in a PHP web applic...
الفطرية في الدو...الفطرية في الدولة وزيادة الوعي العام بالقضايا المتعلقة بالتنوع البيولوجي، فضلا عن المساهمة في تحقيق ...
بين رفوف المحلا...بين رفوف المحلات التي تتغير أسعارها، ومواطن يواجه فاتورة معيشية تتزايد يوماً بعد آخر، تتصاعد التساؤل...
. وفي حال أدى ا.... وفي حال أدى الاختراق إلى كشف بيانات شخصية وتسبب بضرر كبير للأشخاص، يتوجب على المؤسسة إبلاغ المتضرر...
أكدت الجمهورية ...أكدت الجمهورية اليمنية، أهمية اتخاذ موقف عربي حازم لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي الذي يسته...
الترومبيت' هو أ...الترومبيت' هو أداة نحاسية فى الفرق الكلاسيكية و مزيكا الجاز . تتراوح مجموعة البوق من البوق البيكولو ...
إن المصادر التي...إن المصادر التي تناولت "بنات الصدور" تظل شاهدة على رحلة الإنسان العربي في البحث عن لغة تليق بأحزانه ...
استهل السيد شري...استهل السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، لقاءاته المهنية بالعاصمة البريطانية لندن، التي يعقدها خ...
يؤثر الوصول غير...يؤثر الوصول غير المصرح به على شركة زيرو لوك سايبر من خلال تعريض أنظمتها وبياناتها للخطر، فقد يتمكن ا...
يمثل التحرير ال...يمثل التحرير القانوني والقضائي أحد المكونات الجوهرية للتكوين القانوني المتخصص، إذ لا تقتصر الممارسة ...