Online English Summarizer tool, free and accurate!
المطلب الثامن: جمالية التلقي أوالتقبل تعتبر جمالية التقبل من أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بالقارئ والقراءة، وتنسب لجامعة كونستانس، ومن ممثليها: ياوس وآيزر. ولا ننسى كذلك الناقد الأمريكي ستانلي فيش الذي اهتم كثيرا بنظرية الاستقبال. وقد بلورت هذه المدرسة مجموعة من المفاهيم الأساسية، ويعني هذا أن آيزر يرى أن المتلقي الحقيقي هو الذي يرتكن إلى القراءة النقدية الإدراكية التي تستشكف الرموز بشكل جيد وواع، وتحترم تماسكه واتساقه وانسجامه ومنطقة الداخلي العضوي، والتأويلات البعيدة التي تُقول النص مالم يقله إطلاقا. لكن الناقد يبرزه عن طريق آليات التناص والاستنطاق. مادام النفي يملأ البياض والفجوات المضمرة والمخفية. بمعنى أن تأريخ الأدب وتحقيبه سيخضع لمجمل القراءات التي يدلي بها القراء في زمان ومكان معينين؛ يقول دافيد كارتر:" يستخدم يوس مصطلح" أفق التوقعات" للإشارة إلى المعايير التي يستخدمها القراء في أي مرحلة معينة، وقد يكون من الممكن إقامة أفق التوقعات لتقييم كيف يمكن لعمل أن يفسر عندما ظهر للمرة الأولى، ويجب أيضا ألا يغيب عن البال أن الكاتب يمكن أن يكتب وفقا لتوقعات أيامه، ولكنهم يثيرون إعجاب الكثيرين في عصور لاحقة. إن الهدف من تأسيس أفق التوقعات للعمل هو في نهاية المطاف من أجل السماح بانصهار الآفاق، وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصل الأدبي ألا وهو القارئ الذي اهتمت به نظرية التلقي والتقبل الألمانية أيما اهتمام. وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية. فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة. أي: يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويجعل التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا، لايدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. ولايتحقق العمل الإبداعي المثمر والهادف إلا بالمشاركة التواصلية الفعالة بين المؤلف والنص والجمهور القارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى، في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح- غضب- متعة- تهييج- نقد- رضا. ). وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي(النص) والتأثير الشعوري ( القارئ) على حد سواء، من خلال التفاعل الحميم والاتصال الوجداني بين الذات والموضوع. بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة. فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من النص إلى القارئ، ولايحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا بفعل التحقق القرائي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف على مستوى استخلاص المعاني، ولن تكون القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد بناء النص بنقده وتأويله، فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لايرتبط مثله بشكل من أشكال الواقع المحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه، فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له. كما تعيد هذه النظرية قراءة الموروث الأدبي والإبداعي بالتركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم، و رصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية في أثناء التفاعل بين ماهو شعوري ( القراءة) و ماهو لفظي ( النص). يقول أيضا:" كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف جمهور معين؟ إن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات النظر وبعض الضوابط السائرة بين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، بسبب مراعاتها مجموعة من المعايير والآليات التجنيسية والتحليلية المعروفة. تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية؛ بسبب الانزياح الفني بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية، يقصد - يوس- بالمسافة الجمالية " ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال القراء على الأثر. أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور بالخيبة، وتلبي رغبات قرائها المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، باستعمال النماذج الحاصلة في البناء والتعبير، إن آثارا من هذا النوع هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. فإنها آثار تطور الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، ثم يغير هذا القارئ آليات قراءته وأدواته مرات ومرات حتى ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. نص يراعي أفق انتظار القارئ؛ نص يخيب أفق انتظار القارئ؛ نص يؤسس أفق انتظار القارئ. وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية، العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي؛ سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر. ويقول إيزر محددا مؤثرات أخرى لنظريته: " من الشائع الآن أن النظريات تمارس تأثيرا معينا على الساحة الثقافية الألمانية: الماركسية، هي تسجيل استجابات الناس واستخلاص استدلالات فيما يتعلق بالقانون الاجتماعي الذي يتحكم في اتجاهاتهم. إذ أثبتت هذه النزعة أنها رد فعل للانتفاع بالنص الأدبي في أغراض شتى، ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي عبد الفتاح كليطو في كتابيه: (الحكاية والتأويل) و( الأدب و الغرابة)، فيتحدث عن القارىء الخبير أو المؤهل أو المكون الذي يستوجب فيه الناقد أن يمتلك خبرة لغوية ومعجمية ودلالية وأدبية لفهم النص وتلقيه بشكل جيد. تقول نوال بنبراهيم:"القارىء الخبير حسب فيش هو مفهوم بيداغوجي يطمح إلى بلورة معلومات المؤلف (بفتح اللام)، المطلب التاسع: شعريـــة القـــراءة كما أن القراءة الشعرية أو البويطيقية هي التي تبحث عن الدلالات المتعددة للنص عبر قراءة شكلية تفكيكا وتركيبا، وقد اهتمت هذه القراءة بالمتلقي كقارىء خارجي وقارىء مفترض داخل العملية السردية. كنا ننظر في بعض الأحيان- وهذا نادر- إلى مشكل القراءة من خلال وجهتي نظر مختلفتين جدا، لكن يبقى هناك مجال غير مكتشف هو مجال منطق القراءة الذي لايتجسد داخل النص، وسأركز هنا – يقول تودوروف-على نوع واحد منها ليس نادرا، وعلى الأخص النصوص التي يقال عنها تمثيلية. وقد توصل تودوروف في دراساته الشعرية والبنيوية إلى أن القراءة الشعرية هدم وبناء وتفكيك. المطلب العاشر: القراءة السوسيونقدية (sociocritique) سنقول:- يتحدث ريمون ماهيو(Raymond Mahieu)- إن المكتوب الأدبي الذي هو نتيجة متفردة لفاعلية إنتاجية تقع في زمان ومكان معينين، لايمكن أن يتأسس إذا كان سيقرأ خارج أي معرفة بما يبرز علاقاته مع واقع متعدد، ومثل هذا الاستبعاد الذي لايعطي للمتخيل الذي ينبثق منه النص إلا فضاء إجرائيا منقحا بشكل اعتباطي وكمونا من عدد معين من المواد العضوية بالنسبة إليه، أي: تمزج بين الأدب كبنية جمالية مستقلة والمعطى السوسيولوجي كما هو حال البنيوية التكوينية للوسيان كولدمان الذي يماثل بين البنية الأدبية المستقلة والبنية الاجتماعية المستقلة بدورها عن طريق الانعكاس غير المباشر. المطلب الحادي عشر: القـــراءة التواصلية تستوجب القراءة التواصلية أو التخاطبية وجود ثلاثة أطراف: المرسل (الباث-المتكلم- المتلفظ -المرسل - المتحدث-المبدع)، ليقوم بدوره بتفكيكها في ضوء سنن مشترك أو لغة يعرفها كل من المرسل والمرسل إليه. يقول الباحث التونسي حسين الواد:" لقد اعتنت نظرية التخاطب، ورأت أن الباث يسجل بلاغه في الكلام حسب قواعد في التسجيل تواضع عليها الناس، وأن المتقبل يعمد إلى فك رموز الكلام ليحصل على البلاغ منها. فمهما بذل الباث من جهد في تفادي عناصر التضليل والتحريف وسوء الفهم، ولقد كان لهذه النظرية أثر بارز في درس الآثار الأدبية، إذ عمدت طائفة من الباحثين إلى جعل المؤلف باثا والقارىء متقبلا والأثر يحمل بلاغا. فمنتهى أمل الباث في التخاطب العادي أن يصل بلاغه سالما من العثرات إلى المتقبل. والذي يساعده على ذلك ارتباط البلاغ عادة بالمرجع أو السياق يحضر القارىء أثناء القراءة، وكان التفاف الكلام فيه على نفسه أشد مايكون. وبما أن النظرية التواصلية أو الإبلاغية تعتبر الأدب ظاهرة غامضة مليئة بالعلامات الشائكة والرموز العائمة، وتأويلها في ضوء تجاربه الشخصية وهويته الذاتية. وينتظر منه أن يثري البلاغ الأدبي بإضافات شخصية من عنده يسلطها عليه. المطلب الثاني عشر: القـــــراءة الإسلاميـــة تهدف القراءة الإسلامية المعاصرة إلى قراءة الأعمال والإنتاجات الأدبية في ضوء التصور الإسلامي للفن والأدب، وتفادي الغموض والإبهام إلا إذا كان ذلك الغموض فنيا قد وظف في سياقات جمالية مقبولة. في ضوء معايير ربانية ومقاييس شرعية، والعمل على توفير التوازن الوسطي بين ماهو مادي وماهو روحاني. كما تستكشف القراءة الإسلامية مواطن الضلالة والشرك والغي والإلحاد في النصوص والخطابات، فتقوم بتصحيحها وتنويرها بمشكاة الحق والنور الرباني المشع. فالقراءة الإسلامية قراءة حضارية بديلة تجمع بين المضمون والشكل، وتغيير الإنسان تغييرا إيجابيا. فهي ترتكز على التجليات الإسلامية في النص الأدبي شكلا ومضمونا ووظيفة، وتستخلصها كملامح وخصائص للاقتداء والاستهداء. وهناك كثير من الكتاب والنقاد الذين تمثلوا القراءة الإسلامية تنظيرا وتطبيقا ودعوة وتوجيها، ومن بينهم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، بيد أن مايلاحظ على النظرية الإسلامية في الأدب والنقد أنها تصب اهتمامها على المضامين والرؤى والرسائل الفكرية، لاتنفتح بشكل من الأشكال عن المناهج النقذية الغربية التي لاتتعارض مع التصورات الإسلامية. المبحث الثالث: التمثل العربي لنظريات القراءة وسمير حجازي في مقاله( التفسير السوسيولوجي لشيوع القصة القصيرة )(1982م) . ونوال بنبراهيم في كتابها( جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي. المبحث الرابع: تقويــــم نظرية القراءة يتبين لنا أن نظريات القراءة تهتم بالقارىء والمتلقي على حساب النص والكاتب المبدع. وهذه نظرية جزئية قاصرة لاتصلح للإحاطة بالنص الأدبي من جميع جوانبه الرئيسة. فالمنهج التكاملي أو التوفيقي هو أفضل المناهج ؛ فالنقد الحقيقي هو الذي يعطي أهمية كبرى للمؤلف، لكننا لانريد دراسات سطحية باهتة، بل دراسات معمقة في تحليلها لكل عنصر من تلك العناصر. وخلاصة القول: عندما نريد الحديث عن القراءة، فليست هناك - في الحقيقة- قراءة واحدة أو نظرية قرائية واحدة، وهذه القراءات يمارسها ناقد ما أو فيلسوف أو مفكر ما. باعتباره طرفا أساسيا في العملية الأدبية والإبداعية، هي سيميائية رولان بارت وأمبرطو إيكو؛
المطلب الثامن: جمالية التلقي أوالتقبل
تعتبر جمالية التقبل من أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بالقارئ والقراءة، ونشأت هذه النظرية في ألمانيا الغربية، وتنسب لجامعة كونستانس، ومن ممثليها: ياوس وآيزر. ولا ننسى كذلك الناقد الأمريكي ستانلي فيش الذي اهتم كثيرا بنظرية الاستقبال. وقد بلورت هذه المدرسة مجموعة من المفاهيم الأساسية، كأفق الانتظار، والمسافة الجمالية، والقارئ الضمني، وفعل القراءة، والقطب الفني، والقطب الجمالي، ومرحلة استجماع المعنى، ومرحلة الدلالة.
وعليه، تهتم نظرية التلقي بكيفية تلقي النصوص والخطابات، وتبيان الوسائل والطرائق التي تتم بها عملية استقبال الكتابات الإبداعية. ومن بين هذه السبل: الافتراض التوقعي المسبق، حيث يلتجىء المتلقي إلى طرح فرضيات وأسئلة متعلقة بالعمل بشكل مسبق، قبل الدخول إلى القراءة والتحليل والتأويل، وتوظيف آلية الربط والاستنتاج التي تنبني على خلق الروابط الذهنية واللغوية لخق اتساق النص وانسجامه من أجل إزالة غموض النص وإبهامه. ومن ثم، تقوم لسانيات النص في هذا المجال بدور هام في تعميق المتلقي بمجموعة من الأدوات في مجال الاتساق والانسجام. وهناك أيضا ملء الثغرات في النص. ويعني هذا أن الكاتب يترك بياضات فارغة تحتاج إلى ملئها عن طريق التأويل والتفسير والاستنتاج الدلالي والمقصدي. فالقارىء يسعى جاهدا لملء الفراغات والبياضات، والإجابة عن نقط الحذف والصمت والرفض. وهناك مجموعة من الإشارات والأدلة وآثار النص التي يتركها المبدع لتكون نبراسا للمتلقين، فيقوم بتفكيك هذه الإشارات اللغوية والعلامات السيميائية إن تشريحا وإن تأويلا، وذلك كله لبناء المعنى المفترض الذي يتغير في الزمان والمكان، ومن قارىء إلى آخر حسب تغير الظروف التاريخية، وتحول السياقات الخارجية. وهناك مفهوم التوقع، فهناك أعمال تراعي أفق انتظارنا، وأعمال تخيب أفق انتظارنا، وأعمال تؤسس أفق انتظارنا. فالأعمال الحداثية هي التي تنتهك أفق انتظارنا لتؤسس أفقا جديدا. وقد تكون القراءة عمودية أو أفقية أو مائلة، وقد تبدأ القراءة من البداية أو الوسط أو النهاية.
وهكذا، يبحث وولفغانغ آيزر، في كتابه ( عملية القراءة) (1978م)، في أبرز" الإستراتيجيات المستخدمة في بناء النص ومخزن التيمات أو المواضيع والتلميحات المستخدمة. ولقراءة وفهم العمل يجب علينا أن نكون بالفعل على دراية بالرموز التي تستخدمها هذه القراءة، ولكن في الأدب المحفز والجيد، فإن المسألة ليست فقط مجرد إعادة تفسير الرموز المألوفة. إن العمل الأدبي المؤثر يجبر القارىء أن يصبح مدركا بشكل نقدي للرموز المألوفة، ويجعلنا هذا العمل المؤثر نتساءل حول مدى صحة هذه الرموز.ولذلك، فإنه مثال آخر على مادعاه الشكلانيون بالإفراد أو التغريب. وبالنسبة لآيزر، إن القراءة النقدية والإدراكية تجعلنا أكثر فهما لوعينا الذاتي. ويسلم آيزر بإمكانيات أن يقدم القراء المختلفون تفسير العمل بطرق مختلفة. بالنسبة له، لا يوجد تفسير واحد صحيح بالنسبة له، ولكن التفسير الصحيح يجب أن يكون داخليا متماسكا. وإن أفضل تفسير هو الذي يمكن أن يوضح أكبر عدد من التفسيرات المتوافقة. كما يجب على التفسير الصحيح أن يكون محدودا ومعرفا من قبل النص نفسه، حيث يجب أن يكون بوضوح تفسيرا لهذا النص وحده، وليس لنصوص أخرى."
ويعني هذا أن آيزر يرى أن المتلقي الحقيقي هو الذي يرتكن إلى القراءة النقدية الإدراكية التي تستشكف الرموز بشكل جيد وواع، وبطريقة عميقة. ومن ثم، فالقراءات متعددة ومتنوعة، لكن القراءة الصحيحة هي التي تتوافق مع معنى النص، وتحترم تماسكه واتساقه وانسجامه ومنطقة الداخلي العضوي، بعيدا عن الإسقاطات الخارجية، والتأويلات البعيدة التي تُقول النص مالم يقله إطلاقا.
وعليه، فقد اهتم آيزر بفعل القراءة نفسها، إذ حدد لها ثلاثة مبادىء أساسية، وهي:القارىء الضمني، والسجل والإستراتيجية، وفكرة النفي باعتبارها ترتبط بالطابع النافي في النص الأدبي. فالقارىء الضمني هو صورة الكاتب المختلفة عن الكاتب الحقيقي والسارد داخل النص، فهو الذي يقوم القارىء ببنائه انطلاقا من النص. وهو النظام والإطار المرجعي للنص. أما الإستراتيجية، فهي مجمل الشروط والخطوات التي يمكن اتباعها لفهم النص وتأويله، كتلك التي حددها أوستن ضمن ما يسمى بشروط النجاح التداولي بين المرسل والمتقبل، وقد جمعها كرايس ضمن مبدإ التعاون التداولي، ومن بين تلك التوجهات العملية في القراءة: التركيز على منظور معين في القراءة، وإدراك النص ككلية عضوية جشطالتية، وتلخيص النص باستكشاف تيمته وموضوعه، وتتبع خطية النص، وملء البياضات والفراغات والفجوات لإزالة الغموض والالتباس، وخلق الاتساق والانسجام. في حين، يقصد بالسجل تلك العلامات التناصية والمؤشرات السياقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والنفسية التي تساعد المتلقي على تأويل النص، أو هو ما يسمى بالمعرفة الخلفية أو موسوعة القارىء. كما يستهدف النفي إبعاد الإسقاطات التأويلية الخارجية. ومن ثم، تلغي إمكانيات النفي في النص العناصر المألوفة والآتية من خارج النص." فالنص الأدبي ينفي جزئيا القواعد التي يدمجها أو يمتصها، وفي الوقت نفسه يصادر بهذه الحركة النافية على إعادة التقييم الكامل في إطار فعل القراءة الملموس." .
ويعني هذا أن النص يخفي نصا آخر، وينفيه بالبياض أو الكلام، لكن الناقد يبرزه عن طريق آليات التناص والاستنطاق. وهنا، تتعدد الدلالات، وتختلف التأويلات، مادام النفي يملأ البياض والفجوات المضمرة والمخفية.
أما هانز روبير يوس، فيحاول كتابة تاريخ الأدب على غرار تصورات غادامير، حيث لن يعتمد في تأريخه على سير الكتاب، ولا على رصد الحركات والمدارس الأدبية، بل اعتمادا على جمالية التلقي. بمعنى أن تأريخ الأدب وتحقيبه سيخضع لمجمل القراءات التي يدلي بها القراء في زمان ومكان معينين؛ لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان. ومن ثم، يوظف يوس مفهوم أفق الانتظار والمسافة الجمالية لمقاربة النصوص الأدبية عبر سياقها التاريخي. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:" يستخدم يوس مصطلح" أفق التوقعات" للإشارة إلى المعايير التي يستخدمها القراء في أي مرحلة معينة، عندما يريدون دراسة أي عمل من أعمال الأدب. وقد يكون من الممكن إقامة أفق التوقعات لتقييم كيف يمكن لعمل أن يفسر عندما ظهر للمرة الأولى، ولكن هذا لايشوش معنى دائما أو نهائيا. ويجب أيضا ألا يغيب عن البال أن الكاتب يمكن أن يكتب وفقا لتوقعات أيامه، ولكنه أيضا يمكن أن يتحدى هذه التوقعات.وهذا مايحدث غالبا مع الكتاب الذين لايكونون مشهورين في أيامهم، ولكنهم يثيرون إعجاب الكثيرين في عصور لاحقة. إن الهدف من تأسيس أفق التوقعات للعمل هو في نهاية المطاف من أجل السماح بانصهار الآفاق، وجعل كل التصورات الصحيحة عنه في وحدة متماسكة."
وهكذا، يتبين لنا أن مقياس أفق الانتظار هو المعيار الفني الذي يستخدمه يوس لبناء تاريخ الأدب، بتصنيف القراءات إلى قراءات مراعية لأفق انتظار القارىء، وقراءات مخيبة لهذا الأفق، وقراءات مؤسسة له، وهذا ما يسميه أمبرطو إيكو بالقراءة المنغلقة والقراءة المنفتحة.
هذا، ويستند أفق الانتظار عند يوس إلى ثلاثة مرتكزات أساسية، وهي: التجربة السابقة التي يتوفر عليها الجمهور بالنسبة للجنس الأدبي الذي ينتظم داخله النص الأدبي. وثانيا، معرفة الأشكال والتيمات والموضوعات والتناص الذي ينبني عليه النص الأدبي. وثالثا، معرفة التعارض القائم بين اللغة الأدبية واللغة اليومية، أو التقابل الموجود بين الواقع الحقيقي والعالم المتخيل. ومن ثم، فالمسافة الجمالية هي ما تحدثه الأعمال الأدبية الجيدة والحداثية من مسافة بين عالم النص وعالم القراءة، أو ما يحدثه من تفاوت بين ماتعود عليه من نصوص سابقة، ومايطرحه النص الجديد من تغييرات في الأفق الأدبي والذوق القرائي. إلا أن يوس ركز كثيرا على المتلقي، ولم يبال بأثر التلقي كماعند ميشيل شارل في كتابه(بلاغة القراءة) (1977م).
وتأسيسا على ماسبق، فلقد ظهرت نظرية التأثير والتقبل في ألمانيا في أواسط الستينيات(1966م) من القرن العشرين، في إطار مدرسة كونسطانس وبرلين الشرقية، على يدي كل من فولفغانغ إيزر( Wolfgang Iser ) وهانز روبير ياوس(Hans Robert Jaus ) .
ومنظور هذه النظرية أنها تثور على المناهج الخارجية التي ركزت كثيرا على المرجع الواقعي، كالنظرية الماركسية و الواقعية الجدلية ؛ والمناهج البيوغرافية التي اهتمت كثيرا بالمبدع وحياته وظروفه التاريخية؛ والمناهج النقدية التقليدية التي انصب اهتمامها على المعنى، بتصيده في النص على أساس أنه جزء من المعرفة والحقيقة المطلقة؛ والمناهج البنيوية التي انطوت على النص المغلق، وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصل الأدبي ألا وهو القارئ الذي اهتمت به نظرية التلقي والتقبل الألمانية أيما اهتمام.
وعليه، ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي: إن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من موضعة القارئ في مكانه الحقيقي، وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه. و هو كذلك القارئ الحقيقي له تلذذا ونقدا وتفاعلا وحوارا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة، وإعادة الإنتاج من جديد ؛لأن المؤلف ماهو إلا قارئ للأعمال السابقة، وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين.
ويرى إيزر أن العمل الأدبي له قطبان: قطب فني، وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي، وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية.أي: إن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة. أي: يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله.
ويقوم التأويل بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل، بسبر أغوار النص، واستكناه دلالاته المتوارية، والبحث عن المعاني الخفية والواضحة، عبر ملء البيضات والفراغات للحصول على مقصود النص، وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية. ويجعل التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا، لايدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم. لذلك، يرى أمبرطو إيكو(U.ECO ) أن هناك أنماطا من القراءة والقراء في دراساته عن النص المفتوح والنص الغائب:
نص مفتوح، وقراءة مفتوحة.
نص مفتوح، وقراءة مغلقة.
نص مغلق، وقراءة مغلقة.
نص مغلق، وقراءة مفتوحة.
ولايتحقق العمل الإبداعي المثمر والهادف إلا بالمشاركة التواصلية الفعالة بين المؤلف والنص والجمهور القارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى، ويحيل على تجربة الكاتب الواقعية والخيالية؛ والقارئ الذي يتقبل آثار النص، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح- غضب- متعة- تهييج- نقد- رضا...). وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي(النص) والتأثير الشعوري ( القارئ) على حد سواء، في شكل ردود مختلفة تجاه حمولات النص. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن العمل الأدبي يتموقع في الوسط بين النص والقراءة، من خلال التفاعل الحميم والاتصال الوجداني بين الذات والموضوع. أي: بين النص والقارئ. ومن ثم، فالعمل الأدبي أكبر من النص، وأكبر من القراءة، بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة.
وإذا كانت المناهج الأخرى تركز على اتجاه واحد في القراءة، تتجه من النص إلى القارئ، فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص على غرار القراءة الظاهراتية (الفينومينولوجية). ولايحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا بفعل التحقق القرائي، وتجسيده عبر عمليات ملء الفراغات والبياضات، وتحديد ماهو غير محدد، وإثبات ماهو منفي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف على مستوى استخلاص المعاني، بممارسة عملية الفهم والتأويل والتطبيق. ولن تكون القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد بناء النص بنقده وتأويله، انطلاقا من تجربة جمالية وفنية، بعيدا عن تصور القارئ المعاصر الواقعي. وليس للقارىء الضمني" وجود في الواقع، وإنما هو قارئ ضمني، يخلق ساعة قراءة العمل الفني الخيالي. ومن ثم، فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لايرتبط مثله بشكل من أشكال الواقع المحدد،بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه،ومركز القوى فيه، وتوازنه، وواضعا يده على الفراغات الجدلية فيه، فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له. "
علاوة على ذلك، تفيد منهجية القراءة في معرفة الآثار التي تتركها فينا الأعمال الأدبية، ولاسيما الخالدة والمتميزة منها. ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله النص، ولامن قاله، ولا ما يقوله من مضامين ومعان التي تبقى نسبية، بل ما يهمها هو ما يتركه العمل من آثار شعورية ولاشعورية، وما يتركه كذلك من وقع فني وجمالي في النفوس، والبحث عن أسرار خلود أعمال مبدعين كبار، وتبيان أسباب ديمومتها، واستكشاف حيثيات روعتها، واستجلاء عبقريتها الفنية.
كما تعيد هذه النظرية قراءة الموروث الأدبي والإبداعي بالتركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم، وكيفية تعاملهم معها أثناء التقبل، وتبيان طبيعة التأثير الذي تتركه نفسيا وجماليا في القراء، باختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية.
وهكذا، يدعو كل من إيزر ويوس إلى إعادة كتابة تاريخ الأدب الغربي في ضوء جمالية القراءة، بغية معرفة الذوق السائد، وتحديد طبيعة التفكير، ورصد نوع التفاعل بين الذوات والنصوص الإبداعية، واستخلاص المقاييس الجمالية التي استخدمت في التأويل أثناء التطور التاريخي والتحقيب الأدبي والنقدي. وفي هذا الصدد، يقول يوس " إذا أردنا كتابة تاريخ أدبي جديد، من خلال رسم يعيد تكوينه، انطلاقا من بقايا الأعمال والتفرعات التاريخية، والتأويلات، ودعاوي التواصل الأدبي المتخفاة تحته، علينا أن نسارع إلى تاريخ التجربة الجمالية ونظريتها. وتظهر لي ضرورة كل هذا لأنه يمنحنا " الجسر الهرمنوتيكي" لبلوغ حقب بعيدة في الزمان وفي الثقافات الأجنبية ذات التقليد الأوربي".
ويشير إيزر أيضا إلى مدى أهمية إعادة تاريخ الأدب الأوربي اعتمادا على شهادات القراء، و رصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية في أثناء التفاعل بين ماهو شعوري ( القراءة) و ماهو لفظي ( النص). وفي هذا السياق، يقول أيضا:" كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف جمهور معين؟ إن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات النظر وبعض الضوابط السائرة بين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، يمارس تأمله داخل الأدب. وهذا أيضا، صحيح حين يعمد تاريخ التلقي إلى شهادات، القراء الذين يطلقون، عبر فترات مختلفة من الزمن، أحكاما على أثر معين. وفي هذه الحالة، يكشف تاريخ التلقي الضوابط التي توجه هذه الأحكام مما يشكل نقطة انطلاق لتاريخ الذوق، الشروط الاجتماعية لجمهور القراء."
وعليه، فقد يراعي العمل الأدبي أفق انتظار القارئ، عندما يستجيب لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية، باللجوء إلى عمليات المشابهة النصية، والارتكان إلى المعرفة الخلفية، وتمثل قواعد الأجناس والأنواع الأدبية التي تعرفها في نظرية الأدب. ولكن قد يخيب توقعه ويفاجأ، إذا واجه نصا حداثيا جديدا لم ينسجم مع القواعد التي يتسلح بها في مقاربة النص الأدبي.
فعندما نقرأ الروايات الكلاسيكية، فإنها تراعي أفق انتظار القارئ الذي تعود على قراءتها؛ بسبب مراعاتها مجموعة من المعايير والآليات التجنيسية والتحليلية المعروفة. بيد أنه إذا أعطيت لهذا القارئ الكلاسيكي رواية حداثية، فإنها ستصدمه بطرائق فنية جديدة، تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية؛ بسبب الانزياح الفني بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. ويعني هذا أن هناك مسافة جمالية تربك القارئ، وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية، ويجعلها خالدة، مثل: رواية دون كيشوط لـ(سيرفانتيس). ومن ثم، يقصد - يوس- بالمسافة الجمالية " ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال القراء على الأثر. أي: من تلك الأحكام النقدية التي يطلقونها عليه. وهنا، أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور بالخيبة، إذ الآثار الأخرى التي ترضي آفاق انتظارها، وتلبي رغبات قرائها المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، عادة، باستعمال النماذج الحاصلة في البناء والتعبير، وهي نماذج تعود عليها القراء. إن آثارا من هذا النوع هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. أما الآثار التي تخيب آفاق انتظارها وتغيظ جمهورها المعاصر لها، فإنها آثار تطور الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، أو هي آثار ترفض إلى حين حتى تخلق جمهورها خلقا. "
ومن جهة أخرى، هناك نصوص تؤسس لأفق انتظار القارئ الذي يجمع بين الذكاء والفطنة، فيتعلم بسرعة كل ما هو جديد، ويتكيف مع كل نص طليعي أو حداثي، ثم يغير هذا القارئ آليات قراءته وأدواته مرات ومرات حتى ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. ويمكن لنا أن نوضح ما قلناه في العناصر التالية:
نص يراعي أفق انتظار القارئ؛
نص يخيب أفق انتظار القارئ؛
نص يؤسس أفق انتظار القارئ.
وليس تحليل النصوص عند يوس" تحليلا هيكلانيا مضمنا بها،وليس هو أيضا استعراض المعارف المتعلقة بالكاتب وبالأثر،وإنما هو التخاطب الأدبي من خلال ما تتسم به الأوضاع التاريخية والاجتماعية والثقافية من خصائص.إن موضوع الدراسة الأدبية هو أن نعرف كيف أجاب الأثر الأدبي على ما لم تجب عليه الآثار السابقة من قضايا، وكيف اتصل بقرائه أو خلقهم خلقا".
وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية، فيمكن حصرها في المفاهيم التالية:
ثنائية القارئ والنص؛
التأثير والتواصل؛
العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي؛
التحقق والتأويل؛
القارئ الافتراضي المثالي؛
أفق الانتظار؛
ملء البيضات والفراغات، والبحث عن النص الغائب؛
النص المفتوح؛
المسافة الجمالية.
أما عن مرجعيات هذه النظرية الأدبية، فإن روب هولمب يوجزها في خمسة مؤثرات هي:
الشكلانية الروسية؛
بنيوية براغ؛
ظواهرية" رومان إنجاردان"؛
هيرمينوطيقا" جادامر"؛
سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر.
هذا، وقد كانت هناك مؤثرات وراء تشكل نظرية التقبل، منها: النظرية الفنومولوجية أو الفلسفة الظاهراتية التي ظهرت في ألمانيا مع هوسرل ورومان إنجاردان. وترتكز هذه الفلسفة على ترابط الفكر والوجود الظاهري للأشياء. وبتعبير آخر، تؤمن هذه الفلسفة بتفاعل الذات والموضوع بطريقة تواصلية، من الصعب الفصل بين القطب الذاتي والموضوعي. أما المعنى المقصود، فيستخلص بالتفاعل والتواصل بين هذين الفاعلين. وهذا ينطبق على تفاعل القارئ مع النص تفاعلا تأويليا تحققيا قصد الوصول إلى الدلالة، وإعادة بنائها من جديد. علاوة على ذلك، فلقد ساهمت التأويلية لدى جادامر في دراسة الكيفية التي نتعامل بها مع النصوص، باستنتاج المعنى المقصود، سواء أكان ظاهرا أم مخفيا، عبر عملية الفهم والانتقال من المعنى إلى الدلالة، ثم تأويل النصوص بتفسيرها جماليا وفنيا. يختلف هذا التأويل التفسيري من سياق تاريخي إلى سياق تاريخي آخر. كما تقوم سوسيولوجية الأدب بدور مهم في استقراء إحصائي للقراءة الجماهيرية، وتبيان طبيعة القراء والقراءة وكيفية الاتصال. وقد كان للبنيوية، سواء أكانت شكلانية أم لسانية وظيفية، تأثير في دراسة النص تفكيكا وتركيبا، والإشارة إلى عملية القراءة بمراعاة أنظمة التواصل الجاكبسوني (التشديد على عناصر التواصل الستة: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، واللغة)، والتركيز على البنيات الشكلية للنص، كالإشارة إلى عوامل السرد من كاتب ضمني وقارئ ضمني...
ويقول إيزر محددا مؤثرات أخرى لنظريته: " من الشائع الآن أن النظريات تمارس تأثيرا معينا على الساحة الثقافية الألمانية: الماركسية، ونظرية التحليل اللغوي، ونظرية الإعلام، والتأويل، والتحليل النفسي. أما بالنسبة للدراسات الأدبية بوجه خاص، فيبدو أن أبرز هذه الاتجاهات هو التحليل النفسي، وفن التأويل. وفضلا عن ذلك، ينبغي أن نذكر نظرية تجريبية في الأدب، اكتسبت شهرة عظيمة في الأعوام الأخيرة؛ هي تسجيل استجابات الناس واستخلاص استدلالات فيما يتعلق بالقانون الاجتماعي الذي يتحكم في اتجاهاتهم.
وقبل التأثير الذي تركته النظريات السالفة الذكر، انتشرت النقدية الجديدة في الدراسات الأدبية الألمانية؛ إذ أثبتت هذه النزعة أنها رد فعل للانتفاع بالنص الأدبي في أغراض شتى، وبخاصة في الأغراض السياسية، في ماضي ألمانيا القريب."
ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي عبد الفتاح كليطو في كتابيه: (الحكاية والتأويل) و( الأدب و الغرابة)، وحميد لحمداني في كتابه (القراءة وتوليد الدلالة) ، ومحمد مفتاح في كتابه( التلقي والتأويل) ، وكلهم باحثون ودارسون مغاربة.
وإذا انتقلنا إلى الناقد الأمريكي ستانلي فيش، فيتحدث عن القارىء الخبير أو المؤهل أو المكون الذي يستوجب فيه الناقد أن يمتلك خبرة لغوية ومعجمية ودلالية وأدبية لفهم النص وتلقيه بشكل جيد.ومن هنا، فالمتلقي يجمع بين ماهو واقعي وماهو مجرد. وفي هذا السياق، تقول نوال بنبراهيم:"القارىء الخبير حسب فيش هو مفهوم بيداغوجي يطمح إلى بلورة معلومات المؤلف (بفتح اللام)، وبلورة قدرة القارىء وردود أفعاله التي تكون مثارة من قبل الأول. وبناء على ذلك، يجب أن يمتلك قدرة فهم تراكيبه اللغوية والدلالية، وأن يتوفر على معرفة أدبية ليتكلم لغته.هذا لايعني أنه قارىء تجريدي أو واقعي، ولكنه كائن هجين يقوم بكل شيء من أجل أن يكون خبيرا."
هذا، وقد طور الناقد الأمريكي ستانلي فيش" شكلا من أشكال نظرية الاستقبال، والذي سماه ( الأسلوبية العاطفية).فقد فحص توقعات القارىء على مستوى الجملة، وناقش بأننا نستخدم إستراتيجيات القراءة نفسها في فهم كل من النصوص الأدبية وغير الأدبية. فمن الممكن تحليل الطريقة التي يستمر فيها القارىء في القراءة، كلمة كلمة، خلال النص. وبالطبع، هذا يغض الطرف عن حقيقة أن القراء غالبا مايقفزون إلى الأمام في توقعاتهم، ويطمحون إلى شكل معين من أشكال الحكم. وثمة الكثير من التخمين أو التوقع المسبق. وإن تجربة القراءة الفعلية ليس تحليل الإجراء المفروض والمصطنع كلمة بعد كلمة. وتميز وجهات النظر هذه أفكار فيش المبكرة كثيرا، ولكن في عمله اللاحق، وهو بعنوان( هل هناك نص في هذا الصف؟) (1980م)، يحاول فيش التغلب على القيود المفروضة على نظريته السابقة عن طريق مناقشة أن ثمة مجتمع من القراء يتقاسمون الافتراضات نفسها أثناء عملية القراءة. وهذا أيضا ما يجعل الأمر أسهل بكثير. بالطبع، للتأكيد على أن الكاتب نفسه هو جزء من هذا المجتمع. وبالتالي، يمكن فهمه بسهولة من قبل ذلك المجتمع."
وتبقى جمالية التلقي أوالتقبل النظرية الوحيدة التي اهتمت بالقارىء اهتماما كبيرا وعميقا، وجعلته محور دراساتها وأبحاثها النظرية والتطبيقية، حتى ارتبطت هذه النظرية بالقارىء إلى حد كبير.
المطلب التاسع: شعريـــة القـــراءة
تعتمد شعرية القراءة أو القراءة الشعرية على استكشاف أدبية النص، واعتماد البنيوية اللسانية منهجا في التحليل والمقاربة. كما أن القراءة الشعرية أو البويطيقية هي التي تبحث عن الدلالات المتعددة للنص عبر قراءة شكلية تفكيكا وتركيبا، بالتركيز على التضمين والتعيين، والتركيب والاستبدال، وتجنيس الأنواع الأدبية وغير الأدبية. وقد اهتمت هذه القراءة بالمتلقي كقارىء خارجي وقارىء مفترض داخل العملية السردية. وفي هذا الصدد، يقول تزتيفان تودوروف(T.Todorov):" في الدراسات المتعلقة بالأدب،كنا ننظر في بعض الأحيان- وهذا نادر- إلى مشكل القراءة من خلال وجهتي نظر مختلفتين جدا، الأولى تأخذ بعين الاعتبار القراء في تنوعهم التاريخي أو الاجتماعي، الجماعي أو الفردي، والأخرى تأخذ بعين الاعتبار صورة القارىء كما هي مجسدة في بعض النصوص. أي: القارىء كشخصية، أو كمسرود له، لكن يبقى هناك مجال غير مكتشف هو مجال منطق القراءة الذي لايتجسد داخل النص، والذي هو سابق على الاختلاف الفردي.
وهناك أنواع كثيرة من القراءات. وسأركز هنا – يقول تودوروف-على نوع واحد منها ليس نادرا، وهو قراءة نصوص التخييل الكلاسيكية، وعلى الأخص النصوص التي يقال عنها تمثيلية. فهذه القراءة وحدها هي التي تتم كبناء."
وقد توصل تودوروف في دراساته الشعرية والبنيوية إلى أن القراءة الشعرية هدم وبناء وتفكيك. كما أنها قراءة تهتم بقراءة الخطاب صيغة، وزمانا، ومنظورا، ووصفا. ومن ثم، تتكىء هذه القراءة على التدليل، والترميز، والتأويل.
المطلب العاشر: القراءة السوسيونقدية (sociocritique)
يمثل هذه القراءة السيوسيونقدية كل من كلود دوشيه، وريمون ماهيو، وبيير زيما، وفرانسواز كايار...،وتهدف هذه القراءة الاجتماعية النقدية إلى" ممارسة قراءة ذات طابع خصوصي إزاء النص الأدبي، تحترم استقلاليته باعتباره شكلا جماليا، وفي الوقت نفسه، تنصت إلى الطرق التي بواسطتها يتضمن هذا الشكل مايربطه بشكل آخر أو بالآخر الاجتماعي. فالأمر – إذاً- يتعلق بالقيام بهذه الممارسة، شريطة ألا يتدخل أي نظام خارجي ليفرض أي انزياح عن فهم النص، أو ليقلب الرهانات. وعلى العكس من ذلك، سنقول:- يتحدث ريمون ماهيو(Raymond Mahieu)- إن المكتوب الأدبي الذي هو نتيجة متفردة لفاعلية إنتاجية تقع في زمان ومكان معينين، لايمكن أن يتأسس إذا كان سيقرأ خارج أي معرفة بما يبرز علاقاته مع واقع متعدد، يتجنبه هذا المكتوب، ويشتغل به، مثلما يتأسس عليه. ومثل هذا الاستبعاد الذي لايعطي للمتخيل الذي ينبثق منه النص إلا فضاء إجرائيا منقحا بشكل اعتباطي وكمونا من عدد معين من المواد العضوية بالنسبة إليه، يؤدي إلى قراءة يمكن لنا أن نصفها عن حق بالقراءة المشوهة، بل والمؤسطرة."
ويعني هذا أن القراءة السوسيونقدية هي التي تربط الأدب بالمجتمع، لكن ليس في ضوء الانعكاس المباشر، بل تقرؤه بطريقة جمالية مستقلة في علاقة بالواقع المعطى. ومن ثم، يرى كلود دوشيه(Claude Duchet) أن القراءة السوسيونقدية هي التي تجمع بين النصية أو الجمالية الأدبية والواقع الاجتماعي.أي: تمزج بين الأدب كبنية جمالية مستقلة والمعطى السوسيولوجي كما هو حال البنيوية التكوينية للوسيان كولدمان الذي يماثل بين البنية الأدبية المستقلة والبنية الاجتماعية المستقلة بدورها عن طريق الانعكاس غير المباشر. ومن هنا، ترى كايار(F.Gaillard) أن" تدوين النص الاجتماعي في النص الروائي...لايقرأ من خلال الأقوال الإيديولوجية بشكل ظاهر... بل من خلال تضمين هذه الأقوال في السرد، وذلك وفق نمط إدماجي يقوم بعملية التحويل."
وهكذا، يتبين لنا أن القراءة السوسيونقدية تتعامل مع اللاوعي الاجتماعي داخل المتخيل الأدبي من خلال الجمع بين النصية والاجتماعية.وهنا، يتم التشديد على الخلفيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ضمن لاوعي اجتماعي، يتشكل داخل النص الأدبي فنيا وجماليا.
المطلب الحادي عشر: القـــراءة التواصلية
تستوجب القراءة التواصلية أو التخاطبية وجود ثلاثة أطراف: المرسل (الباث-المتكلم- المتلفظ -المرسل - المتحدث-المبدع)، والرسالة(النص-الأدب-الخطاب- التلفظ...)، والمتلقي(القارىء-المرسل إليه-المستقبل-المتلفظ إليه). ومن ثم، فالباث أو المرسل هو الذي يسنن رسالة ما،سواء أكانت ذهنية أم وجدانية، ليرسلها إلى المتلقي، ليقوم بدوره بتفكيكها في ضوء سنن مشترك أو لغة يعرفها كل من المرسل والمرسل إليه. بيد أن رومان جاكبسون، في مقاربته التواصلية الوظيفية، يتحدث عن ستة عناصر في عملية التواصل: المرسل ووظيفته انفعالية، والمرسل إليه ووظيفته تأثيرية، والرسالة ووظيفتها جمالية، والمرجع ووظيفته مرجعية، والقناة ووظيفتها حفاظية، واللغة ووظيفتها وصفية تأويلية وتفسيرية. وفي هذا النطاق، يقول الباحث التونسي حسين الواد:" لقد اعتنت نظرية التخاطب، على وجه الخصوص، بمرور البلاغ من الباث إلى المتقبل عبر قنوات الاتصال، ورأت أن الباث يسجل بلاغه في الكلام حسب قواعد في التسجيل تواضع عليها الناس، وأن المتقبل يعمد إلى فك رموز الكلام ليحصل على البلاغ منها.إلا أن إيصال البلاغ، في الغالب، مغامرة لاتتم دائما بسلام. فمهما بذل الباث من جهد في تفادي عناصر التضليل والتحريف وسوء الفهم، فإن بلاغه لابد من أن يتأثر بها. ولقد كان لهذه النظرية أثر بارز في درس الآثار الأدبية، إذ عمدت طائفة من الباحثين إلى جعل المؤلف باثا والقارىء متقبلا والأثر يحمل بلاغا. إلا أنهم رأوا التخاطب في الأدب يختلف كثيرا عن التخاطب العادي، فمنتهى أمل الباث في التخاطب العادي أن يصل بلاغه سالما من العثرات إلى المتقبل. والذي يساعده على ذلك ارتباط البلاغ عادة بالمرجع أو السياق يحضر القارىء أثناء القراءة، فيتجنب به الوقوع في الخطإ. إن الخطاب العادي يقوم في أساسه على الوظيفة المرجعية.أما التخاطب الجمالي في الآثار الأدبية فلا وظيفة مرجعية له. وبالتالي، فإن العثرات فيه كثيرة والعقبات كأداء. ومن هنا، حلت فيه الوظيفة الأدبية محل الوظيفة المرجعية في التخاطب العادي. لذلك، كان الغموض في الأثر الأدبي، وكان التفاف الكلام فيه على نفسه أشد مايكون."
وبما أن النظرية التواصلية أو الإبلاغية تعتبر الأدب ظاهرة غامضة مليئة بالعلامات الشائكة والرموز العائمة، فلابد أن يقوم المتقبل بتفكيك هذه العلامات تشريحا وتفسيرا، وتأويلها في ضوء تجاربه الشخصية وهويته الذاتية. ومن ثم، تطالب نظرية التخاطب من القارئ " أن يقوم بالتأويل أثناء القراءة، وينتظر منه أن يثري البلاغ الأدبي بإضافات شخصية من عنده يسلطها عليه. ولأن التخاطب الأدبي غامض في أساسه، يعمد القارئ، كلما واجه نصا أدبيا، إلى امتحانه، فاختبر قدراته على تحمل المعاني الإضافية، بموجب ماركب فيه من مواطن غامضة تتحمل التأويل. ومن هنا، كان الأثر الأدبي في نظرية التخاطب، أثرا مفتوحا، يستدعي التأويلات العديدة ويتقبلها، فيزداد بها ثراء على ثرائه".
وهكذا، فنظرية التخاطب هي تلك النظرية التي ترتكز كثيرا على دور المتقبل ضمن عملية تواصلية ثلاثية تتكون من الباث والإبلاغ والمتلقي.
المطلب الثاني عشر: القـــــراءة الإسلاميـــة
تهدف القراءة الإسلامية المعاصرة إلى قراءة الأعمال والإنتاجات الأدبية في ضوء التصور الإسلامي للفن والأدب، بتمثل المضامين القرآنية، و الاقتداء بالسنة النبوية، والاحتكام إلى الالتزام الإسلامي نظرية وتطبيقا، والابتعاد عن التصورات الإباحية، والابتعاد أيضا عن كل الفلسفات العبثية والوجودية، وتجنب الإسفاف اللغوي، وتفادي الغموض والإبهام إلا إذا كان ذلك الغموض فنيا قد وظف في سياقات جمالية مقبولة. أضف إلى ذلك، تدافع القراءة الإسلامية عن الجمال الفني والأدبي، في ضوء معايير ربانية ومقاييس شرعية، كالاحتكام إلى الحق، والاهتمام بالخير والعدل، والدعوة إلى الصدق، والعمل على تحقيق التناسب الفني والجمالي، والعمل على توفير التوازن الوسطي بين ماهو مادي وماهو روحاني. كما تستكشف القراءة الإسلامية مواطن الضلالة والشرك والغي والإلحاد في النصوص والخطابات، فتقوم بتصحيحها وتنويرها بمشكاة الحق والنور الرباني المشع. ومن ثم، فالقراءة الإسلامية قراءة حضارية بديلة تجمع بين المضمون والشكل، بين المادة والنفس، وتهدف إلى تحقيق التوازن، وتغيير الإنسان تغييرا إيجابيا. ومن ثم، فهي ترتكز على التجليات الإسلامية في النص الأدبي شكلا ومضمونا ووظيفة، وتستخلصها كملامح وخصائص للاقتداء والاستهداء.
وهناك كثير من الكتاب والنقاد الذين تمثلوا القراءة الإسلامية تنظيرا وتطبيقا ودعوة وتوجيها، ومن بينهم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، ومحمد قطب، والسيد قطب، والإمام الشهيد حسن البنا، والسفير صلاح الدين السلجوقي، والدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، والدكتور أحمد بسام ساعي، ونجيب الكيلاني، وحسن الأمراني، وعماد الدين خليل، وأنور الجندي، وعبد القدوس أبو صالح، ووليد قصاب، وحلمي محمد القاعود، والحسين زروق، وجميل حمداوي، و حكمت صالح،ومحمد فكري الجزار، وعبد الرحمن حوطش، ومحمد إقبال عروي، ومحمد أحمد حمدان، ومصطفى عليان،ومحمد الحسناوي، وعلي الغزيوي، وإدريس الناقوري، وصالح آدم، وبدر عبد الباسط، وسعد أبو الرضى، وأسامة يوسف شهاب، وحسن الوراكلي، وسعيد لغزاوي، وعبد الرحيم الرحموني، والحسن بوتبيا، ووليد إبراهيم قصاب،و محمد حسن بريغش، وعدنان رضا النحوي، و محمد مصطفى هدارة، وعبد الرحمن العشماوي…واللائحة تطول.
بيد أن مايلاحظ على النظرية الإسلامية في الأدب والنقد أنها تصب اهتمامها على المضامين والرؤى والرسائل الفكرية، وتغض الطرف عن الجوانب الفنية والجمالية. ومن هنا، لاتنفتح بشكل من الأشكال عن المناهج النقذية الغربية التي لاتتعارض مع التصورات الإسلامية.
المبحث الثالث: التمثل العربي لنظريات القراءة
تمثل بعض النقاد العرب المحدثين والمعاصرين، في دراساتهم وأبحاثهم، القراءات المرجعية، سواء أكنت نفسية أم واقعية أم سوسيولوجية تجريبية، كما عند السيد يس في كتابه( التحليل الاجتماعي للأدب) ، وسمير حجازي في مقاله( التفسير السوسيولوجي لشيوع القصة القصيرة )(1982م) .كما تمثلوا القراءة الإسلامية بشكل لافت للانتباه، إلا أنهم لم يهتموا بشكل من الأشكال بجمالية التلقي أوالتقبل، إلا أن بعض النقاد من المغرب العربي قد أولوها عناية قصوى، ومن بينهم:عبد الفتاح كليطو في كتابيه( الحكاية والتأويل) ، و( الأدب والغرابة) وحميد لحمداني في كتابه ( القراءة وتوليد الدلالة) ،ومحمد مفتاح في كتابه( التلقي والتأويل) ، وحسين الواد في كتابه( مناهج الدراسات الأدبية) ،، ونوال بنبراهيم في كتابها( جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي.) ...
المبحث الرابع: تقويــــم نظرية القراءة
يتبين لنا أن نظريات القراءة تهتم بالقارىء والمتلقي على حساب النص والكاتب المبدع. ويعني هذا أن هذه النظريات تهمل العناصر الأخرى من العملية الإبداعية، فهناك - إذاً- قفز على التاريخ، والمؤلف، والنص، والمجتمع، والنفس، والذوق....وهذه نظرية جزئية قاصرة لاتصلح للإحاطة بالنص الأدبي من جميع جوانبه الرئيسة. لذا، فالمنهج التكاملي أو التوفيقي هو أفضل المناهج ؛ لأنه يتناول جميع الجوانب من الأدب، فيدرسها بشكل متكامل. ومن ثم، فالنقد الحقيقي هو الذي يعطي أهمية كبرى للمؤلف، والنفس، والمجتمع، والذوق، والنص، والمتلقي. لكننا لانريد دراسات سطحية باهتة، بل دراسات معمقة في تحليلها لكل عنصر من تلك العناصر.
هذا، ويتساءل حسين الواد حائرا" إن التأمل في ماوصلت إليه الدراسات الأدبية اليوم من نتائج على مستوى التنظير والتطبيق يفضي بصاحبه إلى التساؤل عن أية أرض يقف. " فهل سيركز على الكاتب المبدع، أم سيهتم بالنص، أم يعنى بالقارىء المتلقي؟؟؟: " أم نجنح مع دارسين آخرين إلى مسعى توفيقي يهادن المتناقضات ولا يحسمها، فنقول: إن الدراسة الأصلح بالأدب هي تلك التي تتناوله من حيث مايؤثر في نشأته من عوامل، ومن حيث ما لنصوصه من جمال في البناء والتركيب والصياغة، ومن حيث مايتلقاه به متقبلوه من انتظارات توفق أو تخيب؟ ولكننا إذا جنحنا إلى هذا الحل التوفيقي وجدنا كل اتجاه من هذه الاتجاهات الثلاثة محقا في ما نقد به الاتجاه الآخر، لافي ما قرره من حقائق. فالأبحاث التي ربطت الآثار الأدبية بظروف نشأتها محقة جدا في مؤاخذة الاتجاهين الشكلاني والهيكلاني على الهروب من التاريخ، والأبحاث الشكلانية والهيكلانية بأنواعها محقة جدا أيضا في اتهام أبحاث النشأة بالمغالطة في السعي إلى نقل الفكرة(وهي فكرة نتوهمها في الغالب) من لغة الفن إلى لغة الفلسفة والاجتماع. وأبحاث جمالية التقبل محقة جدا، هي أيضا، في اتهام الأبحاث الأخرى بإهمال القراءة والجمهور."
وعليه، فالقراءة الناجعة هي التي تهتم بالنص الموازي والنص الداخلي. وتعتني كذلك بدراسة السياق الخارجي من إحالة، وتاريخ، ونفس، ومجتمع، وقارىء، وذات، وثقافة، واقتصاد، وجنوسة، وبيئة، وجنس، وعقيدة... وهلم جرا.
الخاتمــــة
وخلاصة القول: عندما نريد الحديث عن القراءة، فليست هناك - في الحقيقة- قراءة واحدة أو نظرية قرائية واحدة، بل هناك نظريات وقراءات متعددة ومتنوعة ومختلفة، وهذه القراءات يمارسها ناقد ما أو فيلسوف أو مفكر ما. ومن ثم، فهي تدخل في خانة القراءة. بيد أن النظرية الحقيقية التي اهتمت بالمتلقي، باعتباره طرفا أساسيا في العملية الأدبية والإبداعية، هي سيميائية رولان بارت وأمبرطو إيكو؛ وجمالية التلقي والاستقبال كما عند آيزر، ويوس، وستانلي فيش...
ومن ثم، فقد أغنت نظريات القراءة النقد الأدبي بمجموعة من التصورات النظرية الهامة، وبمجموعة من المفاهيم التطبيقية والمصطلحات الإجرائية التي يوظفها النقاد في دراساتهم من حين إلى آخر، ومن فترة إلى أخرى. بيد أن نظريات التلقي تعطي اهتماما كبيرا للقارىء من جهة، وتغفل المبدع، والنفس، والمجتمع، والنص الأدبي، والذوق، والأسلوب، والجمال من جهة أخرى. وبذلك، تكون تلك النظريات قاصرة عن الإحاطة بجميع عناصر العمل الأدبي، وتبقى الدراسة التكاملية أفضل منهجية نقدية وأدبية، مادامت تجمع بين كل العناصر المفيدة في فهم العمل الأدبي وتفسيره وتأويله.
وعليه، إذا كان النقد الغربي قد قدم دراسات نقدية عديدة في مجال القراءة تنظيرا وتطبيقا، فمازال النقد العربي غائبا عن تلك التراكمات إن نظرية وإن تطبيقا، مع استثناءات قليلة جدا في المغرب العربي تعد على الأصابع ليس إلا.
وعليه، ستبقى نظرية القراءة أهم آلية إستراتيجية لتحليل النصوص والخطابات الأدبية والفكرية من أجل بناء المعنى من جديد فهما وتفسيرا وتأويلا.
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
مقدمة: إن القيادة مهمة في أي تنظيم فهي تلعب دورا اساسي داخل المؤسسة وإن نجاح أي مؤسسة مرهون بوجود ...
Statistics will be essential for my future career in medicine because they help doctors make decisio...
تساهم المنصات الرقمية المدعمة بالذكاء الاصطناعي في رفع مستوى طموح الطالبات من خلال التفاعل المستمر، ...
أثار تأخر صرف مرتبات منتسبي اللواء الثاني مشاة بحري بمنطقة بالحاف موجة استياء وغضب واسعة في أوساط ال...
أكد رئيس حلف قبائل دهم في محافظة الجوف "الشيخ عبد الرحمن مرعي"، (الخميس)، أن قضية "الشيخ حمد بن فدغم...
إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الثاني من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوا...
في مجال يقوم على الحزم والرحمة معاً، وتتشابك فيه القوانين مع قصص الناس وأوجاعهم، اخترت أن أكون حاضرة...
برزت مزايا الفصول الافتراضية مع توافر العديد من الأدوات المرونة هي الميزة الأبرز في باقة مزايا الفصو...
اعادة كتابة هدا التقرير بصيغة اخرىالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة سوس ماسة المديرية الإقليمي...
ترأس وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبد الرحمن شيخ، اليوم الأربعاء، اجتماعًا موسعًا للمكتب التنفيذي...
مع تصدّر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قائمة الأدوات التي بدأت تُغيّر ممارسات التواصل وإنتاج المح...
Summarize to the lawyer, اود ان الفت نظرك لنقطة خطيرة جدا و هي سبب لمخاوفي و قلقي و هي ان من السه...