Online English Summarizer tool, free and accurate!
ولكن التفكير البريطاني في ذلك الحين كان له شان اخر. وتبلور ذلك التفكير حول مدي صلاحيتها وقيمتها في خدمة التطور الاقتصادي المتوقع في السودان من جانب، ونود قبل ان نناقش ذلك التفكير ونوضحه ان نشير الي ان المقدمات الطبيعية لها كانت قد ظهرت قبل استرداد السودان بوقت قليل. كان واطسون قد أشار صراحة في سنة (1894) الي عدم ملائمة سواكن تماما لاستقبال السفن الكبيرة، واقترح البحث عن موضع اخر علي الساحل السوداني يمكن ان تدخل اليه السفن ليلا، ونحن نعتبر بناء فنار سنقنيب في العام (1897) استجابة لحالة الملاحة دليلا علي اتجاه مصر الي وضع كل التسهيلات التي تخدم التجارة وتتفق مع سياستها في البحر الأحمر. واسست فيه بورتسودان فعلا ولكن لم يخل الامر من التجاه والتفكير في مواقع اخري علي خط الساحل السوداني. وقد رسم هيثلي الخطة النهائية لمد الخط الحديدي منها الي الداخل الي كل من قوز رجب والخرطوم، وهما مشروع سواكن - بربر مشروع مصوع – كسلا. وتحولت فيها الي قلعة كبيرة للمراقبة والهجوم كانت هي ذاتها الفترة التي أثيرت حول صلاحيتها الشكوك، ويبدو ان ازدحام العمل ووضع الخطط لاسترداد السودان موضع التنفيذ في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر اسدلت ستارا من النسيان علي الشكوك واعادت الي سواكن نشاطها وحيويتها. وعاد التفكير جادا في ربط سواكن بخط حديدي مع الداخل، يمتد منها الي بربر ويمر بطريق اروما الي نهر عطبرة، وتخرج منه مواصلة تمر جنوبا مع الضفة اليمني للنهر، ولم تتخذ الأبحاث الخاصة بالكشف عن قيمة سواكن وصلاحيتها لخدمة التجارة السودانية صورتها الإيجابية سريعا، لان تصميم الخطة العامة لمد الخط الحديدي بين الساحل والنيل اتخذت منها نهاية تنتهي اليها المواصلة السريعة علي خط الساحل، وتمسك مستر مكولي مدير السكة الحديدية بالمحافظة علي سواكن، حتي لا تتعرض مشروعاته للفشل او الانهيار. ومع ذلك فقد اتفق كل من واطسون وكتشنر وونجت علي ان سواكن لا يمكن ان تكون الميناء المناسب لتصريف تجارة السودان في ظل التطور الاقتصادي المرتقب. وظهر الانقسام في الراي واضحا، يفضل البعض الإبقاء علي سواكن وتطويرها واعدادها اعداد يلائم التطور في احجام السفن والزيادة المرتقبة في مرور التجارة، فلم يصل البحث الي وضع معين ثابت. وبين الشد والجذب والدفاع عن سواكن والتقليل من قيمتها كانت مصلحة سكك حديد السودان تعمل في مثابرة علي ربطها بالنيل. اما الحذر فكان لتجنب الفشل كما فشل مشروع سواكن – بربر سنة 1885، وبدا العمل بطيئا من سواكن ومن عطبرة في وقت واحد، وتحققت لسواكن عندئذٍ افضل وسيلة يمكن ان تكون لخدمة النقل اليها من قلب السودان، فبدا التفكير في تجهيز سواكن واعدادها للوفاء باحتياجات التجارة وخدمة السفن. وكلف مستر كنيدي 1904 باختيار موقع سواكن وتقديم تقرير عن المبالغ اللازمة لتطهير الميناء وإزالة الحواجز المرجانية والشعاب التي كانت قد نمت وبدأت تسد الطريق المكشوف اليها في الذراع العمودية علي خط الساحل. وعلي الرغم من قيام كنيدي بالمهمة التي كلف بها ووضع التقرير عنها الا انه اثار ضجة ضخمة كبري، فيما حول جزيرة سواكن لا يمكن ان تتحمل الا عددا محدودا من السفن، وبذلت محاولات جدية في اعداد نقطة جراهام علي الجانب الايسر للقناة الطبيعية الطويلة التي تمر بها السفن من عرض البحر الي جزيرة سواكن. ولكن كنيدي كان مصرا علي التقليل من قيمة أي مجهود يبذل، وأشار الي شرم مرسي الشيخ برغوت كبديل لسواكن، وتحمس لقيام ميناء جديد في ذلك الموقع وتجهيزه تجهيزا حديثا واعداده اعدادا فنيا لاستيعاب حركة الملاحة ومرور التجارة الخارجية للسودان. كما أشار الي إمكانية الملاحة منه واليه ليلا علي ضوء وارشاد فنار سنقنيب، وبالإشارة الي صلاحيته لتخطيط المدينة المزمع انشاؤها، ووفرة الماء العذب في الابار في الظهير فيما بين الساحل وسفوح التلال المنخفضة من ناحية اخري. هكذا كانت الضجة التي اثارها كنيدي وهفها الحكم علي سواكن بالتقاعد، واعفاؤها من القيام بالدور الذي قامت به خلال عشرة قرون علي الأقل. واقترح ونجت علي لورد كرومر ان يكون للسودان الميناء الجديد الخاص به، لخدمة تجارته المتزايدة طبقا للترتيبات الموضوعة والتخطيط المرسوم لتطويره، حتي يصبح سوقا رئيسيا للمنتجات البريطانية ومنتجا للمواد الخام التي تفي بحاجة الصناعة البريطانية. وكان من راي كنيدي دراسة المشروع من وجهة النظر الفنية، وتكوين لجنة من المختصين لإعطاء الكلمة النهائية، والمفاضلة بين موقع الشيخ برغوت وسواكن. ومن ثم سافر ونجت الي القاهرة لوضع الخطوط الأساسية لسياسة المستقبل في السودان. ووصلت اللجنة الي الساحل السوداني في أغسطس 1904، اعماقه ومدخله والنشاط والنمو المرجاني والأراضي السكنية في ظهيره، ومع ذلك فان جدلا وخلافا اثيرا في داخل اللجنة، الذي صمم في خطابه للحاكم العام في أكتوبر سنة 1904 علي ضرورة النهوض باعداد مشروع شرم الشيخ برغوت وتحويله الي ميناء كبير للسودان. قبل ان نوغل في الحديث عن الصراع بين بورتسودان وسواكن وما كان من امر المنافسة بينهما واضمحلال سواكن، نود ان نقارن بين الموقعين وعلاقة كل منهما بالنمو المرجاني. وظاهرة النمو المرجاني ونشاطه وامتداد الشعاب المرجانية - كما قلنا – صفة أساسية من صفات البحر الأحمر العامة. كما تظهر في شكل حواجز خارجية بعيدة عنه بمسافات متفاوتة، وتلائم الأعماق الملاحة ومرور السفن، وخليج سواكن وشرم الشيخ برغوت كلاهما نشا من تصدع مهد للسفن طريقا من عرض البحر الي فم الخليج او الشرم بحيث يكون الدخول اليه في أعماق مناسبة تماما. والي هنا لا يمكن للباحث ان يميز بين شرم وشرم او خليج وخليج، اما الاختلاف الذي يمكن ان يبرز التباين بين قيمة شرم وشرم اخر، فيفهم علي ضوء علمنا بان التصدع كان نتيجة لحدوث شقين متقاطعين علي شكل صليب من طرازين مختلفين تماما، اما النوع الثاني فيتميز بطول الذراع الممتدة فيما بين البحر المكشوف وخط الساحل كما يظهر في حالة خليج سواكن كما يتميز بالعمق والضيق. ويعني ذلك ان الشروم من النوع الثاني يكون الاتصال بينها وبين البحر بطريق عميق ضيق طويل تكتنفه الأعماق الضحلة والشعاب المرجانية. اما الذراع الأخرى الموازية لخط الساحل والذي ترسو الي جوار جوانبه السفن فتكون صغيرة قصيرة واعماقها اقل بكثير من ان تلائم السفن الكبيرة الضخمة. وهكذا يمكن القول ان شرم الشيخ برغوت وهو من الطراز الأول يتفوق في صفاته البحرية علي خليج سواكن، وان الثغرة في الحاجز الخارجي بين شعاب ونجت وتورتيت والثغرة التي تقابلها في فتحة الشرم مناسبة تماما لمرور السفن الي أعماق ملائمة في ذراع مائية هادئة محمية. ويعتبر اتصال ذراع الشروم بخور موج الذي يفعم بالماء في موسم المطر، اما قصة الصراع بين سواكن وميناء السودان الجديد بورتسودان فلم تستغرق وقتا طويلا، وقد بدا التجار والمشتغلون بخدمة الملاحة في توجيه جزء من أعمالهم ونشاطهم الي ميناء بورتسودان، حتي استحوذت علي نسبة كبيرة من تجارة السودان الخارجية بطريق البحر الأحمر. ويمكن القول ان تلك المشاركة والتي تحولت الي صراع ومنافسة باتت واضحة وملموسة علي ضوء مقارنة حالة الملاحة وعدد السفن في كل من الميناءين في الفترة المحدودة من يناير الي نوفمبر سنة 1906، ومن ضمنها بعض سفن الملاحة الساحلية التي كانت تصل اليها من سواكن لنقل الرسالات المسجلة برسم بورتسودان وافرغتها السفن، اما سواكن فلم تلق الا الإهمال، ولعل من الطبيعي ان تعمد الحكومة الي سياسة الإهمال وعدم القيام باي مجهود إيجابي، لأنها كانت تعتنق سياسة عدم الإبقاء عليها من الناحية الوظيفية علي الأقل – وقد كافح سكان سواكن وظهيرها المباشر كفاحا مريرا للإبقاء عليها وتشغيلها في خدمة التجارة واستقبال السفن حتي قيام الحرب العالمية الاولي في سنة 1914. وكانت الجالية الهندية المستقرة فيها والمشتغلة في التجارة، وظلت سفنهم والسفن التي تحمل البضائع لهم تصل مرفأ سواكن من حين الي حين الي سنة 1924. وهم انفسهم يفسرون ذلك الإصرار والتمسك بسواكن علي ضوء احساسهم بسهولة التفريغ من السفن والتخزين في المخازن التي كانت لا تبعد عن المرابط بأكثر من امتار معدودة، وتوجد في نفس مساكنهم التي يقطنون الأدوار العليا منها ويضعون بضائعهم في أدوارها السفلي. ولعل من الطريف ان يتغاضي الانجليز في حكومة السودان عن إصرار السواكنية وغيرهم من سكان سواكن خلال تلك الفترة التي كانت مشكلة الماء العذب وتوفيره لبورتسودان قد استحكمت ولم يصل البحث فيها الي نتيجة إيجابية مرضية. ويعني ذلك انهم لم يضعوا قيودا علي سواكن ومرور السفن بها وارتباط سكانها بخدمة التجارة المارة رغبة منهم في عدم تحميل الميناء الجديد عددا كبيرا من السكان في وقت لم يتوفر فيه بعد المورد الكافي الغني للماء العذب بكميات كافية. من اجل ذلك نحن نعتقد ان الاستمرار الصراع بين سواكن وبورتسودان من 1907 الي 1922 لا يبرره في الواقع تمسك السواكنية بجزيرته، ويمكن القول ان قيام الحرب العالمية الاولي واضطراب الخطة الموضوعة لحل كل المشكلات المتعلقة بالماء العذب وتوفيره والتي وضعت قبيل قيامها بوقت قليل، هو الذي منح سواكن فرصة اخري تمتد من 1914 الي 1922، والواقع ان بدء العمل في توفير المياه العذبة من خور اربعات بعد الحرب العالمية الاولي مباشرة، هو الذي مكن الحكومة بعد ذلك من تضييق الخناق علي سواكن ووصول السفن اليها، ذلك ان خليج سواكن فيما حول الجزيرة وهو هادئ جميل لم يزود بتحسينات او انشاءات لاستقبال السفن، كما ان الأعماق لم تكن مطمئنة بالنسبة للسفن الكبيرة. وأخيرا أصدرت الحكومة امرا الي كل السفن فيه عليها الدخول الي سواكن فيما عدا تلك التي لا يزيد طولها علي 230 قدما ولا يتجاوز الغاطس منها 20 قدما، عندئذٍ فقط خيم البئس علي سواكن وكان طبيعيا ان تنزل عن مكانتها التجارية التي تمتعت بها خلال قرون كثيرة. وسواكن اليوم خالية من كل اثر للحياة والنشاط فيما عدا أولئك البجة من الهدندوة الذين يسكنون القيف في ظهير خط الساحل المباشر في مواجهة الجزيرة والخليج. ويمكن ان نستدل من حجم المنازل وازدحام الجزيرة بها وضيق الفواصل والشوارع التي تفصل بينها من ناحية، وامتداد المباني في القيف المقابل لها من ناحية اخري، وجدير بالذكر ان السواكنية الذين اعتزوا بمينائهم وتمسكوا بها وما زال في قلبهم الحنين والشوق وما زالت منازلهم سليمة، ولا يمكن لزائر غريب يهبط الي سواكن من التلال او يقترب منها من ناحية بورتسودان ان يصدق انها مهجورة خالية تماما من كل اثر للسكان. كما يري مياه الخليج ساكنة هادئة لا يشق سطحها حتي ولو قارب صغير. ويقتصر ذلك التفاعل علي موسم الحج عندما يتجه الحجاج السودانيون وغيرهم ممن يمرون بطريق السودان. وعندئذٍ يعودون الي قواربهم ويشقون الماء الي السفن الصغيرة الحجم التي ترسو في مياه الخليج، ويقومون بنفس الدور الذي مارسه اجدادهم قرونا طويلة في خدمة الملاحة والتجارة. وهكذا كان التدهور والانهيار الذي أصاب سواكن كمركز للعمران وجاء كنتيجة لخري لسياسة الحكومة التي حاولت بشتي الطرق تجميد قيمتها وتحويلها الي موقع اثري. فأوقفت سير القطارات اليها فترة قصيرة، ثم اتخذت قرار اخر يقضي بنزع الخط الحديدي ذاته فيما بين سواكن وسلوم. او ان تسهم في خدمة التجارة السودانية وتوجيهها، ويجب ان نقف هنا عند ذلك المثل الحي الملموس المعاصر الذي يبين كيف اندثرت من قبلها الموانئ، وموانئ الساحل السوداني في جملتها – كما قلت تتميز بالحساسية، وبانها تكاد تكون المرآة التي تنعكس فيها صورة القوة السياسية التي تهتم بها او باستخدامها من اجل الحصول علي السلع والمنتجات السودانية. ونشير الي ان السواكنية اثاروا بعد تشكيل الوزارة الوطنية السودانية الاولي عاصفة من الاحتجاج وفندوا السياسة التي رسمت لإسدال الستار علي مدينتهم. وبذلت المساعي من اجل انقاذ الموقف وتكونت لجنة أهلية للبحث عن حل لمشكلة سواكن. محل مشكلة الماء وتوفيره، وكانت الخطوة الإيجابية الوحيدة هي الاستمرار في توجيه الحجاج للمرور بها الي الأراضي المقدسة، وابقت علي تجهيزات الحجر الصحي اللازمة لمراقبة أفواج الحجاج في رحلتي الذهاب والعودة. واجتمعا معا في وقت واحد، لأنه يعني نشاطا إضافيا يتمثل في زيادة عدد سفن الملاحة الساحلية التي تنقل قطن دلتا طوكر من مرفأ ترنكتات الي محلج القطن في القيف المواجه لجزيرة سواكن من ناحية الجنوب، ويجتمع حينئذٍ في سواكن عدد كبير من البجاة ومعهم اسرهم لتلبية احتياجات الخدمة الموسمية في المحلج. ونحن نعتقد ان أي محاولة لإحياء سواكن لن تكون مجدية اذا ما كان الغرض من لك عودتها الي وظيفتها كميناء في خدمة الملاحة والتجارة. وينبثق ذلك الاعتقاد من علمنا بان تجهيزات بورتسودان واستعدادها وتلبيتها لاحتياجات مرور التجارة الخارجية للسودان لن تمنح سواكن الفرصة بسهولة لكي تقف علي قدميها مرة اخري، ولذلك يجب ان يكون البحث في احياء سواكن وفق خطة مرسومة، نلخصها في خطوتين أساسيتين ومع ذلك فلا يمكن ان نتكهن بوقت معين للانتهاء من أي من تلك الخطوتين، لان الامر تقديري بحت وتتحكم فيه ظروف لا يسهل الحكم عليها او تقديرها. ويعني ذلك البحث في امر تجميع السكان فيها وإعادة النشاط اليها، وزيادة عدد السكان الوافدين اليها من البجاة او من غيرهم من السودانيين من وادي النيل، بل تحتم عليهم البقاء فيها والعودة الي تعميرها وسكناها بصفة مستمرة، وليكن لنا في نشاط الحياة فيها في موسمي الحج والحلج دليل يضع أيدينا في بداية الخطة التي يجب ان ترسم وان تخطط. ونعني بذلك خلق الاعمال المناسبة التي يمكن ان يتجمع من اجلها السكان لتلبية احتياجات تلك الاعمال. والواقع ان ذلك الاتجاه علي الطريقة الحديثة كفيل بتشغيل عدد كبير من الافراد، وطبيعي الا يتعارض مثل ذلك النشاط مع النشاط في بورتسودان ووظيفتها في أي صورة من الصور، لان ليس ثمة مجال للمنافسة بينهما في الوظيفة الرئيسية. ويجب ان يتبع ذلك كله بحث جدي في سبيل توفير مياه الشرب العذبة لها من مجموعة ابار (شاطا) التي تبعد عنها بحوالي الف متر، ويبدو ان المرحلة او الخطوة التالية ستفرض نفسها فرضا عندما تضيق بورتسودان وتعجز عن ان تستوعب كل تجارة السودان الخارجية، ويمكن القول ان التنمية الاقتصادية في السودان في القطاع الزراعي والرعوي في السنوات الخمس الأخيرة تقترب منا من تلك الحالة،
انشاء ميناء بورتسودان
كان المفروض ان يضع استرداد السودان في سنة 1899م سواكن في وضع جديد وظروف جديدة مرة اخري يعود معها النشاط، وتنظم اليها الطرق من الداخل وتزدهر قيمتها بعودة التجارة ومرور السفن، ولكن التفكير البريطاني في ذلك الحين كان له شان اخر. وتبلور ذلك التفكير حول مدي صلاحيتها وقيمتها في خدمة التطور الاقتصادي المتوقع في السودان من جانب، وكونها بداية للطريق الذي يوغل في قلب الأراضي الافريقية من جانب اخر. ونود قبل ان نناقش ذلك التفكير ونوضحه ان نشير الي ان المقدمات الطبيعية لها كانت قد ظهرت قبل استرداد السودان بوقت قليل. كان واطسون قد أشار صراحة في سنة (1894) الي عدم ملائمة سواكن تماما لاستقبال السفن الكبيرة، واقترح البحث عن موضع اخر علي الساحل السوداني يمكن ان تدخل اليه السفن ليلا، علي ضوء فنار يقام في موقع قريب، ونحن نعتبر بناء فنار سنقنيب في العام (1897) استجابة لحالة الملاحة دليلا علي اتجاه مصر الي وضع كل التسهيلات التي تخدم التجارة وتتفق مع سياستها في البحر الأحمر. ومع ذلك فانه يمثل استجابة للظروف التي دفعت واطسون الي تفضيل شرم الشيخ برغوت لإنشاء الميناء الجديد. بل لا يجب ان يذهب الظن الي اننا نعني بذلك الاتجاه الصريح قبيل سنة 1899 الي انتخاب موقع شرم الشيخ برغوت لميناء سوداني جديد. حقيقة ان إشارة واطسون نالت عناية، بل وجذبت الانتباه الي ذلك الموقع بعد الاسترداد مباشرة، واسست فيه بورتسودان فعلا ولكن لم يخل الامر من التجاه والتفكير في مواقع اخري علي خط الساحل السوداني. وقد فضل هيثلي مثلا في سنة (1895) موقع عقيق علي غيره من المواقع، ودعم اختياره بأدلة واسانيد قوية، واعتمد في ذلك علي دراسات هيجلن سنة 1865 وستيوارت في تقريره عن السودان سنة 1882 وهما اللذان قررا صلاحية مرفأ عقيق وملائمة موقعه لخدمة الملاحة والتجارة. وقد رسم هيثلي الخطة النهائية لمد الخط الحديدي منها الي الداخل الي كل من قوز رجب والخرطوم، وعقد مقارنة شيقة بين مشروعين اخرين للخطوط الحديدية، وهما مشروع سواكن - بربر مشروع مصوع – كسلا. وأوضح هيثلي استجابة المظاهر الطبوغرافية والجيولوجية لمد الخط الحديدي المقترح وقيمته في خدمة وتوجيه التجارة السودانية التي تتجمع في الخرطوم بطريق النيل الأزرق وطريق النيل الأبيض. ويذكر هيثلي في شان اقتراحه بانه كفيل بنقل وتجارة المناطق التي تقع فيها الاحباس العليا للنيل وروافده في قلب افريقيا الاستوائية من جانب اخر. ويعني ذلك صراحة ان الفترة التي توقف خلالها مرور التجارة من سنة 1885 الي 1898 بطريق سواكن، وتحولت فيها الي قلعة كبيرة للمراقبة والهجوم كانت هي ذاتها الفترة التي أثيرت حول صلاحيتها الشكوك، وبدا التفكير في بديل لها.
ويبدو ان ازدحام العمل ووضع الخطط لاسترداد السودان موضع التنفيذ في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر اسدلت ستارا من النسيان علي الشكوك واعادت الي سواكن نشاطها وحيويتها. وعاد التفكير جادا في ربط سواكن بخط حديدي مع الداخل، وأشار بارسونز قائد الحملة في شرق السودان الي مشروع لخط حديدي، يمتد منها الي بربر ويمر بطريق اروما الي نهر عطبرة، وتخرج منه مواصلة تمر جنوبا مع الضفة اليمني للنهر، ثم تعبره الي الضفة اليسرى وتخترق البطانة الي القضارف. ولم تتخذ الأبحاث الخاصة بالكشف عن قيمة سواكن وصلاحيتها لخدمة التجارة السودانية صورتها الإيجابية سريعا، لان تصميم الخطة العامة لمد الخط الحديدي بين الساحل والنيل اتخذت منها نهاية تنتهي اليها المواصلة السريعة علي خط الساحل، وكانت كل التنظيمات والخطط تضع هذه الحقيقة موضع الاعتبار، وتمسك مستر مكولي مدير السكة الحديدية بالمحافظة علي سواكن، حتي لا تتعرض مشروعاته للفشل او الانهيار. ومع ذلك فقد اتفق كل من واطسون وكتشنر وونجت علي ان سواكن لا يمكن ان تكون الميناء المناسب لتصريف تجارة السودان في ظل التطور الاقتصادي المرتقب. وظهر الانقسام في الراي واضحا، يفضل البعض الإبقاء علي سواكن وتطويرها واعدادها اعداد يلائم التطور في احجام السفن والزيادة المرتقبة في مرور التجارة، ويعترض البعض علي أي عناية تبذل في سبيل تطويرها. وكان أصحاب الراي الأخير لا يعترضون لمجرد المعارضة، بل انبثقت معارضتهم من علمهم بخطورة النمو المرجاني في القناة التي تربط بين المرفا والبحر المكشوف من ناحية، وتمتع مصر فيها بمركز خاص قد يعكر عليهم صفوهم ويعرقل تنفيذ سياستهم وخططهم المرسومة في المجالين الافتصادي والسياسي. ويعني ذلك ان السنوات الاولي من القرن العشرين وحتي سنة 1904 كانت سنوات قلق وعدم استقرار، فلم يصل البحث الي وضع معين ثابت. وبين الشد والجذب والدفاع عن سواكن والتقليل من قيمتها كانت مصلحة سكك حديد السودان تعمل في مثابرة علي ربطها بالنيل. وكان من الطبيعي ان يسير العمل في حذر وسرعة معا، اما الحذر فكان لتجنب الفشل كما فشل مشروع سواكن – بربر سنة 1885، وكانت السرعة لعدم التاثر بالجدل الشديد الذي دار حول قيمة سواكن من وجهة النظر الوظيفية، واستغرقت الأبحاث الأولية للتعرف علي افضل المواقع لمرور الخط ثمانية عشر شهرا من يوليو سنة 1901 الي نوفمبر سنة 1902، ثم تمت الدراسات الهندسية التكميلية فيما بين نوفمبر 1902 وابريل سنة 1903. وبدا العمل بطيئا من سواكن ومن عطبرة في وقت واحد، وفشل البجة في تحقيق السرعة المطلوبة فاسهم المصريون الصعايدة في مد الخط والتقدم براس سكة الحديد بالسرعة المعقولة، حتي تم التقائهما في السادس عشر من أكتوبر سنة 1905 علي مسافة 120 ميلا من عطبرة. وتحققت لسواكن عندئذٍ افضل وسيلة يمكن ان تكون لخدمة النقل اليها من قلب السودان، فازدحمت بالتجارة والسلع وزادت عدد السفن التي عرجت علي الميناء للشحن والتفريغ، او للحصول علي احتياجاتها من فحم وماء عذب. واستجابت الحكومة لذلك كله، فبدا التفكير في تجهيز سواكن واعدادها للوفاء باحتياجات التجارة وخدمة السفن. وكلف مستر كنيدي 1904 باختيار موقع سواكن وتقديم تقرير عن المبالغ اللازمة لتطهير الميناء وإزالة الحواجز المرجانية والشعاب التي كانت قد نمت وبدأت تسد الطريق المكشوف اليها في الذراع العمودية علي خط الساحل. وعلي الرغم من قيام كنيدي بالمهمة التي كلف بها ووضع التقرير عنها الا انه اثار ضجة ضخمة كبري، لأنه كان من جانبه لا يؤمن بصلاحيتها لخدمة اغراضها وعدم ملاءمة مدخلها لاقتراب السفن منها او خروجها ليلا. واكد كنيدي من ناحية اخري ان المرابط والمياه العميقة، فيما حول جزيرة سواكن لا يمكن ان تتحمل الا عددا محدودا من السفن، الامر الذي لا يتفق مع الحركة المنظرة او المتوقعة للتجارة ومرور السفن. وكان كنيدي قد سجل اسفه أيضا للنفقات الباهظة التي يمكن ان تدفع لإزالة وتحطيم الحواجز المرجانية، والتي لا تتكافا مع الفائدة الحقيقية لسواكن، وبذلت محاولات جدية في اعداد نقطة جراهام علي الجانب الايسر للقناة الطبيعية الطويلة التي تمر بها السفن من عرض البحر الي جزيرة سواكن. ولكن كنيدي كان مصرا علي التقليل من قيمة أي مجهود يبذل، وعلي تحويل الأنظار والأبحاث في اتجاه اخر. وأشار الي شرم مرسي الشيخ برغوت كبديل لسواكن، وتحمس لقيام ميناء جديد في ذلك الموقع وتجهيزه تجهيزا حديثا واعداده اعدادا فنيا لاستيعاب حركة الملاحة ومرور التجارة الخارجية للسودان. وقد زار كنيدي موقع الشرم من ناحية البحر، وجمع عنه كل المعلومات الأولوية، وقرر ان له مدخلا واسعا تقل فيه وفيما حوله مظاهر النشاط والنمو المرجاني، كما أشار الي إمكانية الملاحة منه واليه ليلا علي ضوء وارشاد فنار سنقنيب، وعزز اختباره بزيارة اليابس في ظهير الشرم مباشرة، وبالإشارة الي صلاحيته لتخطيط المدينة المزمع انشاؤها، دون التقيد بقيد من ناحية، ووفرة الماء العذب في الابار في الظهير فيما بين الساحل وسفوح التلال المنخفضة من ناحية اخري. هكذا كانت الضجة التي اثارها كنيدي وهفها الحكم علي سواكن بالتقاعد، واعفاؤها من القيام بالدور الذي قامت به خلال عشرة قرون علي الأقل. وكان للضجة الكبرى وقع حسن علي سمع ونجت، الذي له بالموقع – مرسي الشيخ برغوت – معرفة قديمة، ويهدف الي خلق السودان خلقا جديدا وفق السياسة والاهواء البريطانية. واقترح ونجت علي لورد كرومر ان يكون للسودان الميناء الجديد الخاص به، لخدمة تجارته المتزايدة طبقا للترتيبات الموضوعة والتخطيط المرسوم لتطويره، حتي يصبح سوقا رئيسيا للمنتجات البريطانية ومنتجا للمواد الخام التي تفي بحاجة الصناعة البريطانية. وكان من راي كنيدي دراسة المشروع من وجهة النظر الفنية، للاطمئنان لملائمة الأعماق ونظافة المدخل واتساعه، وتكوين لجنة من المختصين لإعطاء الكلمة النهائية، والمفاضلة بين موقع الشيخ برغوت وسواكن. وقد زار ونجت مرسي الشيخ برغوث تحت تأثير كنيدي ودعوته زيارة استكشافية زادته استمساكا به، وتعلقا بإنشاء ميناء السودان الجديد فيه، ومن ثم سافر ونجت الي القاهرة لوضع الخطوط الأساسية لسياسة المستقبل في السودان. وانتهز الفرصة واوصي بدراسة شرم الشيخ برغوت من وجهة النظر الفنية، والح في طلبه حتي صدرت التعليمات اللازمة بتشكيل لجنة رباعية فنية للدراسة والبحث ولوضع التقرير اللازم.
ووصلت اللجنة الي الساحل السوداني في أغسطس 1904، وباشرت الدراسة علي الفور لجمع المعلومات واختبار موقع شرم الشيخ برغوت، اعماقه ومدخله والنشاط والنمو المرجاني والأراضي السكنية في ظهيره، ومواقع بناء المرابط والارصفة علي ذراعي الشرم، وزار الخبراء سواكن واجروا عليها دراسات مماثلة من اجل التعرف علي العيوب الأساسية فيها، وقد تأكدت اللجنة من صلاحية شرم الشيخ برغوت صلاحية تامة للوفاء بالغرض من انشاء ميناء جديد. ومع ذلك فان جدلا وخلافا اثيرا في داخل اللجنة، وقد قرر كابتن جدج عدم صلاحية سواكن لخدمة الملاحة لضيقا وكثرة ما يحف بها من مرجان وشعاب مرجانية خطيرة، اما ارلخ فكان علي الرغم من اعتراضه علي طراز المباني فيها وعدم صلاحيتها كنهاية لخطوط السكك الحديدية والتخزين، كان يفضل انشاء المرابط الجديدة وتحويل حركة الملاحة الي نقطة جراهام. والجدير بالذكر انهم لم يصلوا الي راي موحد في قرارهم الأخير. وعرضهم ذلك للنقد المر من جانب كنيدي، الذي صمم في خطابه للحاكم العام في أكتوبر سنة 1904 علي ضرورة النهوض باعداد مشروع شرم الشيخ برغوت وتحويله الي ميناء كبير للسودان. واستجابت الحكومة له ولتوصياته وقامت علي جمع كل التفصيلات الفنية لبدء العمل في انشاء بورتسودان في فجر سنة 1905.
قبل ان نوغل في الحديث عن الصراع بين بورتسودان وسواكن وما كان من امر المنافسة بينهما واضمحلال سواكن، نود ان نقارن بين الموقعين وعلاقة كل منهما بالنمو المرجاني. وظاهرة النمو المرجاني ونشاطه وامتداد الشعاب المرجانية - كما قلنا – صفة أساسية من صفات البحر الأحمر العامة. وتتمثل الشعاب في شعاب خط الساحل التي تلتصق به مباشرة، كما تظهر في شكل حواجز خارجية بعيدة عنه بمسافات متفاوتة، او في شكل جزر مرجانية ترتفع من قاع البحر مباشرة بانحدارات قائمة شديدة. ومع ذلك فان ثمة ثغرات تتخلل تلك الشعاب المرجانية عند فتحات بعض الشروم يتصدع فيها المرجان تماما، ولا يبين اثره. وتلائم الأعماق الملاحة ومرور السفن، وخليج سواكن وشرم الشيخ برغوت كلاهما نشا من تصدع مهد للسفن طريقا من عرض البحر الي فم الخليج او الشرم بحيث يكون الدخول اليه في أعماق مناسبة تماما. والي هنا لا يمكن للباحث ان يميز بين شرم وشرم او خليج وخليج، لان التصدع قد وفر لهما الفتحة او الثغرة التي تخترق الحاجز الخارجي ومرجان خط الساحل، وهبط بالقاع الي منسوب يستحيل عند عودة المرجان الي بناء شعابه الصلبة الخطيرة. اما الاختلاف الذي يمكن ان يبرز التباين بين قيمة شرم وشرم اخر، فيفهم علي ضوء علمنا بان التصدع كان نتيجة لحدوث شقين متقاطعين علي شكل صليب من طرازين مختلفين تماما، من حيث الطول وعلاقة الشقين واتصالهما بالبحر. ويتميز النوع الأول بطول الذراع او الشق الموازي لخط الساحل وعمقه، اما الذراع الأخرى المتقاطع معها فتكون قصيرة وان كانت اقل عمقا، اما النوع الثاني فيتميز بطول الذراع الممتدة فيما بين البحر المكشوف وخط الساحل كما يظهر في حالة خليج سواكن كما يتميز بالعمق والضيق. ويعني ذلك ان الشروم من النوع الثاني يكون الاتصال بينها وبين البحر بطريق عميق ضيق طويل تكتنفه الأعماق الضحلة والشعاب المرجانية. اما الذراع الأخرى الموازية لخط الساحل والذي ترسو الي جوار جوانبه السفن فتكون صغيرة قصيرة واعماقها اقل بكثير من ان تلائم السفن الكبيرة الضخمة. وهكذا يمكن القول ان شرم الشيخ برغوت وهو من الطراز الأول يتفوق في صفاته البحرية علي خليج سواكن، وان الثغرة في الحاجز الخارجي بين شعاب ونجت وتورتيت والثغرة التي تقابلها في فتحة الشرم مناسبة تماما لمرور السفن الي أعماق ملائمة في ذراع مائية هادئة محمية. ويعتبر اتصال ذراع الشروم بخور موج الذي يفعم بالماء في موسم المطر، التي تنساب جارية الي البحر، مسئولا عن نظافة الشرم ومدخله نظافة لا تتمثل في خليج سواكن. وجدير بالذكر ان المياه العذبة من شانها دائما حرمان المرجان من ممارسة نشاطه مهما كانت الظروف الأخرى مناسبة، لان نموه ونشاطه في حاجة دائمة الي درجة ملوحة معينة للماء في الشرم او الخليج غير العميق.
اما قصة الصراع بين سواكن وميناء السودان الجديد بورتسودان فلم تستغرق وقتا طويلا، وبدأت من اول يوم وضع فيه انشاء الميناء الجديد في موقع شرم الشيخ برغوت موضع التنفيذ في سنة 1906، وقبيل ان تتم الانشاءات الأساسية فيها وتفتتح رسميا في عام 1909. وقد بدا التجار والمشتغلون بخدمة الملاحة في توجيه جزء من أعمالهم ونشاطهم الي ميناء بورتسودان، وكانوا يرسلون من يرعي مصالحهم المتزايدة فيها مع تطور ونمو حركة الانشاء والتعمير، ويعني ذلك ان بورتسودان بدأت خصوصا بعدما تم امتداد الخط الحديدي اليها في مايو سنة 1906 في مشاركة سواكن مشاركة فعلية في استقبال السفن وخدمة التجارة، حتي استحوذت علي نسبة كبيرة من تجارة السودان الخارجية بطريق البحر الأحمر. ويمكن القول ان تلك المشاركة والتي تحولت الي صراع ومنافسة باتت واضحة وملموسة علي ضوء مقارنة حالة الملاحة وعدد السفن في كل من الميناءين في الفترة المحدودة من يناير الي نوفمبر سنة 1906، وزارت سواكن في هذه الفترة مثلا 123 سفينة حمولتها 114,895 طنا، وانزلت حمولة قدرها 20,595 طنا من الفحم و 465,607 من الرسالات التجارية، اما بورتسودان فكان نصيبها في هذه الفترة 111 سفينة حمولتها 123,645، وانزلت 744,280 طنا من الرسالات التجارية، ومن ضمنها بعض سفن الملاحة الساحلية التي كانت تصل اليها من سواكن لنقل الرسالات المسجلة برسم بورتسودان وافرغتها السفن، وكانت حكومة السودان لا تجد بدا من رعاية بورتسودان والعناية بها، وتشجيع المرور بها، حتي انها سمحت بمرور بعض البضائع برسم الكنغو والحبشة عن طريقها من غير ضرائب مقررة او مفروضة.
واستمر الصراع فترة تمتد من سنة 1906 الي سنة 1922، كانت كل التسهيلات توضع خلالها في الميناء الجديد تحت اشراف الحكومة، اما سواكن فلم تلق الا الإهمال، ولعل من الطبيعي ان تعمد الحكومة الي سياسة الإهمال وعدم القيام باي مجهود إيجابي، لأنها كانت تعتنق سياسة عدم الإبقاء عليها من الناحية الوظيفية علي الأقل – وقد كافح سكان سواكن وظهيرها المباشر كفاحا مريرا للإبقاء عليها وتشغيلها في خدمة التجارة واستقبال السفن حتي قيام الحرب العالمية الاولي في سنة 1914. وكانت الجالية الهندية المستقرة فيها والمشتغلة في التجارة، من اكثر الجاليات تحمسا للإبقاء علي سواكن والحيلولة دون تحول التجارة عنها وسقوطها. وظلت سفنهم والسفن التي تحمل البضائع لهم تصل مرفأ سواكن من حين الي حين الي سنة 1924. وهم انفسهم يفسرون ذلك الإصرار والتمسك بسواكن علي ضوء احساسهم بسهولة التفريغ من السفن والتخزين في المخازن التي كانت لا تبعد عن المرابط بأكثر من امتار معدودة، وتوجد في نفس مساكنهم التي يقطنون الأدوار العليا منها ويضعون بضائعهم في أدوارها السفلي. ولعل من الطريف ان يتغاضي الانجليز في حكومة السودان عن إصرار السواكنية وغيرهم من سكان سواكن خلال تلك الفترة التي كانت مشكلة الماء العذب وتوفيره لبورتسودان قد استحكمت ولم يصل البحث فيها الي نتيجة إيجابية مرضية. ويعني ذلك انهم لم يضعوا قيودا علي سواكن ومرور السفن بها وارتباط سكانها بخدمة التجارة المارة رغبة منهم في عدم تحميل الميناء الجديد عددا كبيرا من السكان في وقت لم يتوفر فيه بعد المورد الكافي الغني للماء العذب بكميات كافية. من اجل ذلك نحن نعتقد ان الاستمرار الصراع بين سواكن وبورتسودان من 1907 الي 1922 لا يبرره في الواقع تمسك السواكنية بجزيرته، وانما يبرره البطء في تنفيذ كل الاعمال الانشائية في المرفأ والمدينة، ويمكن القول ان قيام الحرب العالمية الاولي واضطراب الخطة الموضوعة لحل كل المشكلات المتعلقة بالماء العذب وتوفيره والتي وضعت قبيل قيامها بوقت قليل، هو الذي منح سواكن فرصة اخري تمتد من 1914 الي 1922، لان تشارك بورتسودان في خدمة تجارة السودان الخارجية. والواقع ان بدء العمل في توفير المياه العذبة من خور اربعات بعد الحرب العالمية الاولي مباشرة، هو الذي مكن الحكومة بعد ذلك من تضييق الخناق علي سواكن ووصول السفن اليها، وخرج منها أصحابها وسكانها افواجا الي بورتسودان وهم كارهون تحت ضغط تلك الظروف. ولا شك في ان تطور احجام السفن وزيادة الغاطس منها اسهما من ناحية اخري في اضمحلال سواكن نهائيا، ذلك ان خليج سواكن فيما حول الجزيرة وهو هادئ جميل لم يزود بتحسينات او انشاءات لاستقبال السفن، كما ان الأعماق لم تكن مطمئنة بالنسبة للسفن الكبيرة. وأخيرا أصدرت الحكومة امرا الي كل السفن فيه عليها الدخول الي سواكن فيما عدا تلك التي لا يزيد طولها علي 230 قدما ولا يتجاوز الغاطس منها 20 قدما، عندئذٍ فقط خيم البئس علي سواكن وكان طبيعيا ان تنزل عن مكانتها التجارية التي تمتعت بها خلال قرون كثيرة.
وسواكن اليوم خالية من كل اثر للحياة والنشاط فيما عدا أولئك البجة من الهدندوة الذين يسكنون القيف في ظهير خط الساحل المباشر في مواجهة الجزيرة والخليج. ومنازل الجزيرة مهجورة سواء كانت صغيرة من طابق واحد او كبيرة من عدة طوابق. ومع ذلك فهي جميلة في مظهرها الخارجي تحكي عز الماضي وقصة الغني والزيادة والوفرة. ويظهر عليها الطابع العربي والإسلامي خصوصا في المنازل الكبيرة الضخمة التي تتميز بمشربيات لا تختلف عن مثيلاتها في منازل الكراز العربي الإسلامي في دمشق او القاهرة او بغداد. ويمكن ان نستدل من حجم المنازل وازدحام الجزيرة بها وضيق الفواصل والشوارع التي تفصل بينها من ناحية، وامتداد المباني في القيف المقابل لها من ناحية اخري، علي انها كانت كثيرة السكان وربما كان سكانها اكثر من سكان بورتسودان في الوقت الحاضر. وجدير بالذكر ان السواكنية الذين اعتزوا بمينائهم وتمسكوا بها وما زال في قلبهم الحنين والشوق وما زالت منازلهم سليمة، لانهم يأملون في العودة اليها يوما ما، ولا يمكن لزائر غريب يهبط الي سواكن من التلال او يقترب منها من ناحية بورتسودان ان يصدق انها مهجورة خالية تماما من كل اثر للسكان. ولكنه اذا اقترب منها آمن بذلك الخراب وهو يمر في شوارعها الضيقة التي تمتد ملتوية في غير نظام او انتظام، كما يري مياه الخليج ساكنة هادئة لا يشق سطحها حتي ولو قارب صغير. وغريب حقا ان يعيش بعض الحداربة والهدندوة في القيف، ويطالعهم البحر صباح مساء دون ان يثير في نفوسهم رغبة في التفاعل معه في صورة من الصور. ويقتصر ذلك التفاعل علي موسم الحج عندما يتجه الحجاج السودانيون وغيرهم ممن يمرون بطريق السودان. وعندئذٍ يعودون الي قواربهم ويشقون الماء الي السفن الصغيرة الحجم التي ترسو في مياه الخليج، ويقومون بنفس الدور الذي مارسه اجدادهم قرونا طويلة في خدمة الملاحة والتجارة. وهكذا كان التدهور والانهيار الذي أصاب سواكن كمركز للعمران وجاء كنتيجة لخري لسياسة الحكومة التي حاولت بشتي الطرق تجميد قيمتها وتحويلها الي موقع اثري. وكانت اخر تلك الضربات قبيل الانتخابات التي سبقت استقلال السودان في سنة 1952، فأوقفت سير القطارات اليها فترة قصيرة، ثم اتخذت قرار اخر يقضي بنزع الخط الحديدي ذاته فيما بين سواكن وسلوم. ويعني ذلك صراحة قطع اخر امل في ان تعود الي الحياة والنشاط، او ان تسهم في خدمة التجارة السودانية وتوجيهها، ويجب ان نقف هنا عند ذلك المثل الحي الملموس المعاصر الذي يبين كيف اندثرت من قبلها الموانئ، وضاعت في ظل الظروف غير الملائمة وتخلي القوة المسيطرة عليها او انهيارها. وموانئ الساحل السوداني في جملتها – كما قلت تتميز بالحساسية، وبانها تكاد تكون المرآة التي تنعكس فيها صورة القوة السياسية التي تهتم بها او باستخدامها من اجل الحصول علي السلع والمنتجات السودانية.
ونشير الي ان السواكنية اثاروا بعد تشكيل الوزارة الوطنية السودانية الاولي عاصفة من الاحتجاج وفندوا السياسة التي رسمت لإسدال الستار علي مدينتهم. وبذلت المساعي من اجل انقاذ الموقف وتكونت لجنة أهلية للبحث عن حل لمشكلة سواكن. وقد تعهدت الحكومة من جانبها برصف الطريق الموصل اليها من بورتسودان واعداده لحركة المرور بالسيارات، محل مشكلة الماء وتوفيره، وكانت الخطوة الإيجابية الوحيدة هي الاستمرار في توجيه الحجاج للمرور بها الي الأراضي المقدسة، كما كان يحدث من قبل، وابقت علي تجهيزات الحجر الصحي اللازمة لمراقبة أفواج
الحجاج في رحلتي الذهاب والعودة. وما زالت المباني الحديثة الضخمة التي تقع مقابل جزيرة سواكن من ناحية الشمال، والتي جهزت بصهاريج المياه قائمة وتدب فيها الحياة والحركة مع وصول الحجاج في موسم الحج. وعندئذٍ فقط يتوالى دخول السفن الصغيرة الي الخليج لنقلهم، ويزداد النشاط ويطول موسمه اذا صادف موسم الحج موسم حلج القطن، واجتمعا معا في وقت واحد، لأنه يعني نشاطا إضافيا يتمثل في زيادة عدد سفن الملاحة الساحلية التي تنقل قطن دلتا طوكر من مرفأ ترنكتات الي محلج القطن في القيف المواجه لجزيرة سواكن من ناحية الجنوب، ويجتمع حينئذٍ في سواكن عدد كبير من البجاة ومعهم اسرهم لتلبية احتياجات الخدمة الموسمية في المحلج. ونحن نعتقد ان أي محاولة لإحياء سواكن لن تكون مجدية اذا ما كان الغرض من لك عودتها الي وظيفتها كميناء في خدمة الملاحة والتجارة. وينبثق ذلك الاعتقاد من علمنا بان تجهيزات بورتسودان واستعدادها وتلبيتها لاحتياجات مرور التجارة الخارجية للسودان لن تمنح سواكن الفرصة بسهولة لكي تقف علي قدميها مرة اخري، ولذلك يجب ان يكون البحث في احياء سواكن وفق خطة مرسومة، نلخصها في خطوتين أساسيتين ومع ذلك فلا يمكن ان نتكهن بوقت معين للانتهاء من أي من تلك الخطوتين، لان الامر تقديري بحت وتتحكم فيه ظروف لا يسهل الحكم عليها او تقديرها.
والخطوة الاولي التي نقترحها ونراها مناسبة علي اعتبار سواكن من مراكز العمران بصرف النظر عن كونه ميناء، ويعني ذلك البحث في امر تجميع السكان فيها وإعادة النشاط اليها، وزيادة عدد السكان الوافدين اليها من البجاة او من غيرهم من السودانيين من وادي النيل، والسبيل القويم الكفيل بذلك هو خلق الظروف المناسبة او الملائمة التي تحبب للناس، بل تحتم عليهم البقاء فيها والعودة الي تعميرها وسكناها بصفة مستمرة، وليكن لنا في نشاط الحياة فيها في موسمي الحج والحلج دليل يضع أيدينا في بداية الخطة التي يجب ان ترسم وان تخطط. ونعني بذلك خلق الاعمال المناسبة التي يمكن ان يتجمع من اجلها السكان لتلبية احتياجات تلك الاعمال. ونحن نقترح الاتجاه الي استغلال مياه الخليج كمصدر لثروة سمكية تصنع محليا لسد احتياجات السوق السودانية المحلية او للتصدير، او كمصدر للحصول علي الملح والاصداف. والواقع ان ذلك الاتجاه علي الطريقة الحديثة كفيل بتشغيل عدد كبير من الافراد، وباستقرارهم فيها وتجمع عدد اخر من البجاة وغيرهم لخدمتهم وتلبية احتياجاتهم الضرورية. وطبيعي الا يتعارض مثل ذلك النشاط مع النشاط في بورتسودان ووظيفتها في أي صورة من الصور، لان ليس ثمة مجال للمنافسة بينهما في الوظيفة الرئيسية. ويجب ان يتبع ذلك كله بحث جدي في سبيل توفير مياه الشرب العذبة لها من مجموعة ابار (شاطا) التي تبعد عنها بحوالي الف متر، او من أي موضع صالح اخر من ناحية وتطهير الخليج من اثر النشاط المرجاني والقناة التي تربط بينها وبين البحر حتي تلائم السفن الحديثة للصيد من ناحية اخري. والمهم ان هذه المرحلة أولية وضرورية حتي ترد الحياة اليها الحياة. ولكننا مع ذلك لا يمكن ان نجزم براي قاطع في طولها والوقت الذي تستغرقه قبل الوصول الي المرحلة التالية. ويبدو ان المرحلة او الخطوة التالية ستفرض نفسها فرضا عندما تضيق بورتسودان وتعجز عن ان تستوعب كل تجارة السودان الخارجية، ويمكن القول ان التنمية الاقتصادية في السودان في القطاع الزراعي والرعوي في السنوات الخمس الأخيرة تقترب منا من تلك الحالة، حتي ان حكومة السودان لجات الان الي زيادة اطوال الأرصفة في بورتسودان لزيادة عدد السفن التي ترد اليها زيادة كبيرة. ونحن نعتقد ان التوسع في مشروع امتداد المناقل ثم تنفيذ مشروع كنانة علي مياه خزان الرصيرص المقترح سوف يؤدي الي تحميل بورتسودان فوق طاقتها. من اجل ذلك ومن اجل انتظام الشحن والتفريغ وتفادي خطر التأخير الذي لا يتفق مع أسس اقتصاديات النقل ويجب ان تنظر الحكومة عندئذٍ نظرة جدية إيجابية لوضع الخطوط الرئيسية لعودة سواكن الي تأدية وظيفة الميناء لتعمل جنبا الي جنب مع بورتسودان.
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
المبحث الأول: ماهي حوادث العمل وتصنيفاتها المطلب الأول: مفهوم حوادث العمل يُعد تحديد مفهوم حوادث ا...
لقد حظي موضوع الشخصية بالقسط الأوفر من الدراسة في المجالين الأدبي والنقدي. إذ ورد حضورها على المستوى...
وفي ختام ندوتنا والتي بعنوان "بيئة مستدامة: أمان للأجبال القادمة"، يمكننا تلخيص ما قد تم تناوله في ا...
First of all it gives businesses to get customer satisfaction feedback on the products and services ...
أفادت مصادر محلية في وادي حضرموت بوقوع انفجارات عنيفة فجر اليوم داخل محيط معسكر المنطقة العسكرية الأ...
فقال سعد: اللهم اكفني يده ولسانه، فقطعت يده وبكم لسانه. ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري عن البصرة وشا...
في النيجر، تظل الزراعة ركيزة الاقتصاد وهي في توسع مستمر مع وجود غالبية السكان في الريف، ويوفر القطاع...
بعد هذه الفضيحه التاريخيه والعالميه في بمناسبه افتتاح كاس العالم في الولايات المتحده الامريكيه وما ج...
يعد توصيل الأدوية المهمة في الوقت الانسب بكفاءة بمثابة لغز معقد في مجال توصيل الأدوية. يتطلب التغلب ...
הדילמה כוללת התנגשות בין מספר ערכים מקצועיים: שמירה על סודיות מקצועית ואמון. אחריות מקצועית לשלומה ...
حسن السياسة وإقامة المملكة كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. فك...
ConspiracyTheory.net بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...