Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (75%)

البيئة والملوثات يعيش الإنسان فوق سطح الأرض في نطاق ثلاث منظومات، والمياه وما يعيش فيها من كائنات حية، والمحيط التقني الذي يتألف مما شيده الإنسان من مدن وقرى ومصانع ومزارع، والمحيط الاجتماعي الذي يتألف مما يعتقده الإنسان من أديان وما يسنه من قوانين وتشريعات، وما يؤمن به من تقاليد وأعراف . ويؤدى أي إخلال بهذا التوازن بين تلك المنظومات إلى خفض نوعية البيئة وتدهورها وظهور المشكلات بها . ويقصد بالبيئة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان ويمارس أنشطته الإنتاجية والاجتماعية، والموارد الطبيعية غير المتجددة مثل مناجم المعادن وآبار النفط . وتتحدد علاقة الإنسان بالبيئة في دائرتين، وهي مصدر للثروات الطبيعية يجب عليه أن يرشد مع عدم إغفال حقوق الأجيال المتعاقبة من البشر فيه . من عدة مشكلات أصبح البعض منها ملحا ويتطلب الحل العاجل . فقد أدت زيادة السكان في مختلف الدول ( شكل (۱) إلى كثافة الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية، بما يفوق قدرتها على العطاء في أكثر الأحيان، مصادر التلوث يقصد بالتلوث بث طاقة أو مادة في البيئة، ويؤدي التلوث، في أغلب الأحيان إلى تغير غير مرغوب في الصفات الفيزيائية أو الكيميائية أو الأحيائية للبيئة وعلى الرغم من أن هناك تلوثا طبيعيا ينشأ من ثورة البراكين وحرائق الغابات وغيرها، التلوث بالطاقة ينشأ التلوث بالطاقة عن مصادر فيزيائية مختلفة . ويعتبر التلوث بالمواد المشعة الذي قد يسبب تغيرات كبيرة في أجسام الكائنات الحية، أهم مصادر التلوث بالطاقة . وعلى الرغم من أن خلايا الكائنات الحية تحتوي بصورة طبيعية، على كميات ضئيلة من المواد المشعة، فإن تعرضها للتلوث الإشعاعي يزيد من تركيز العناصر المشعة في الخلايا والأنسجة الحية، زاد تعرض الناس للإشعاع من مصادر مختلفة . وكان أول تلك المصادر استخدام الأشعة السينية في تشخيص الأمراض وعلاجها . ومنذ عام ١٩٤٥م وحتى الآن، التي تستخدم لتوليد الطاقة، من اهتمام الرأي العام بتوفير مستوى كاف من الأمان أثناء تشغيل وصيانة تلك المفاعلات . ويطالب علماء البيئة حاليا بحسن تداول وتصريف النفايات الخطرة، ولا سيما تلك التي تحمل بين طياتها مواد مشعة مثل نفايات محطات توليد القوى النووية وبعض نفايات المستشفيات ومعاهد البحث العلمي والجامعات، حتى يمكن الحد من تأثيراتها الضارة على البيئة . وقد حددت المنظمات الدولية المعنية التركيز الذي يسمح بوجوده في البيئة لكل من تلك المواد القاتلة . وعلى الرغم من الجدل القائم حول أضرار التلوث بمصادر الطاقة المختلفة، وحول نسب إسهام كل منها في التلوث البيئي، فإن هذا لا يعنى أن نتجاهلها . فقد تسبب الإنسان في رفع درجة حرارة الهواء الجوى المحيط به من جراء الملوثات التي يبثها في البيئة خلال بعض الأنشطة الصناعية ومن مرافق توليد الطاقة . فإن تجاهل هذا الأمر قد يؤدي بمرور الوقت إلى مشكلات كبيرة يستعصي على الإنسان التصدي لها . ونشعر جميعا بالتلوث بالضوضاء، وهي أكثر أنواع الملوثات الفيزيائية التي تسبب الضيق والضجر. كما في المناطق المجاورة للمطارات ومناطق ازدحام المرور . التلوث بالمواد يعتبر التلوث بالمواد من أهم مصادر التلوث التي تضر بالكائنات الحية. ومن المعروف أن الكائنات الحية تتغذى على مجموعة من العناصر الغذائية التي توجد في البيئة بكميات تلبي احتياجاتها. ويؤدي نقص تلك العناصر أو وجودها بتركيز مرتفع - وهي إحدى حالات تلوث البيئة - إلى الإضرار بالكائنات الحية، كما يؤدي تفاعل بعض هذه العناصر، مع بعضها الآخر أو مع غيرها من العناصر الموجودة في البيئة إلى تكوين مركبات جديدة قد تكون ضارة بالكائنات الحية. ويجب أن نفرق بين الملوثات الطبيعية والملوثات غير الطبيعية. ويمثل المجموعة الأولى عناصر ومركبات الرصاص والزئبق وأكاسيد الكبريت والنتروجين، وهي مواد طبيعية وجدت في البيئة منذ أمد بعيد. ويمثل المجموعة الثانية مبيدات الآفات والمركبات الصيدلانية والمواد الحافظة للغذاء ومواد التجميل والمواد البلاستيكية. والكثير منها يسبب الأمراض الفتاكة. سلوك الملوثات في البيئة أو مدخنة مصنع . الخ . ويتوقف مستوى التلوث على عدد ونوعية المصادر التي تبث الملوثات في مساحة معينة من البيئة وتسري الملوثات داخل البيئة في مسارات مختلفة، ويتحدد تأثيرها طبقا لخصائص البيئة التي تتلقاها. وتتباين المكونات الرئيسة للبيئة - الماء والهواء والتربة والكائنات الحية - في قدراتها على استقبال وتخفيف ونشر الملوثات . وينعدم التأثير الضار للملوثات إذا فشلت في بلوغ أهدافها، ولذا تسعى إجراءات الأمان والوقاية إلى منع وصول الملوث إلى هدفه بمتابعة مساره في البيئة وإعاقته وتخفيفه وتقليل حركته وفي العادة، تتخذ تلك الإجراءات في الظروف العادية وحال وقوع الكوارث البيئية . وفي الهواء تتأثر حركة الملوثات بمجموعة متباينة من العوامل. فمن المعروف أن الغلاف الجوي يتركب من عدة طبقات، أهمها الطبقة السفلية المحيطة بنا التي تتعرض بشدة إلى التلوث . وتمتزج الملوثات في الهواء الجوي بواسطة تيارات الحمل التي قد ترفعها إلى طبقات الجو العليا . ويتأثر سلوك الملوثات في الجو بالأحوال المناخية عند نقطة الانبعاث وفي المنطقة المحيطة . وقد تغير حركة الرياح بدرجة كبيرة مسار نقل الملوثات في الجو وفـي العــادة تزداد سرعة الرياح كلما زاد الارتفاع عن سطح الأرض، تتضمن تغيرات فيزيائية وكيميائية وأحيائية . وتشمل التغيرات الفيزيائية والكيميائية تجميع الحبيبات (ترابط بعضها ببعض وأكسدة المواد ( تفاعل المادة مع الأكسجين مثل أكسدة الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون ) والاتحاد الكيميائي ( مثل تفاعل ثالث أكسيد الكبريت مع الماء مكونا حامض الكبريتيك ) ، كما قد تحدث بعض التغيرات الكيموضوئية بفعل الطاقة الشمسية. وتشمل التغيرات الأحيائية دخول الملوثات في تفاعلات داخل الخلايا الحية، مسببة تعثر المسارات الأحيائية في الكائن الحي، ومفضية إلى تكون مواد جديدة . ويختلف مسار الملوثات داخل المياه ، وقد تستقر فيها لفترات متباينة، حيث يترسب بعضها في القاع، ويذوب بعضها الآخر وينتشر بفعل تيارات المياه، د . ت . ) داخل طبقات الزيت كما أن بعض الملوثات الثقيلة غير الذائبة يستقر بها المقام ببطء شديد على هيئة رواسب في القاع. ومع الكيماويات الزراعية، ومع دفن النفايات في التربة . وفي العادة تتحرك الملوثات على سطح التربة ببطء نسبيا مع مياه الصرف أو داخل الخلايا الحية· وفي التربة تقتصر مسارات الملوثات حيث يكون التلوث في مواقع معينة، وأغلب العناصر السامة مثل الرصاص والفلور والزئبق توجد في التربة على هيئة تعجز جذور النباتات عن امتصاصها . ويقصد بظاهرة التعاظم الأحيائي تجمع الملوثات في خلايا الكائنات الحية وزيادة هذا التجمع أثناء تحرك الملوثات في السلسلة الغذائية . وعلى سبيل المثال، فإنه إذا صرفت مياه تحتوي على عنصر ملوث مثل الزئبق بكمية قليلة داخل إحدى البحيرات أو البرك، فإن بعض الكائنات الحية الدقيقة ( الهائمات ) التي تعيش في المياه تجمع الزئبق داخل خلاياها مما يزيد من تركيزه، فإذا ما تغذت الأسماك وغيرها من الكائنات الحية على خلايا تلك الهائمات يزداد تركيز الزئبق في خلاياها بدرجة كبيرة قد تكفي لقتل الطيور والحيوانات والناس حين يتناولون تلك الأسماك في غذائهم . وبعض الملوثات تتحلل في البيئة وتتبدل أحيائيا أو كيميائيا إلى مركبات جديدة، قد تكون أكثر ضررا من الملوث الأصلي، وقد تكون نافعة وغير ضارة ويتطلب الأمر لاستقراء هذه التفاعلات وكشف اللثام عنها إجراء المزيد من البحوث والدراسات التي تتناول بالتفصيل سلوك ومسار الملوثات في البيئات المختلفة الفصل السادس التلوث بالكيماويات الزراعية مما أدى إلى العديد من مشكلات تلوث التربة والمياه والغذاء ( شكل (۸) ويتوفر في الأسواق العالمية الآن نوعيات كثيرة من الكيماويات الزراعية التي تضاف بلا ضابط ولا رابط لكافة المحاصيل الحقلية والبستانية، ونتج عن ذلك ظهور نظم جديدة للزراعة، تعرف بالزراعة النظيفة، لا تستخدم فيها الكيماويات الزراعية وينتج منها غذاء صحي خال من متبقيات الكيماويات الزراعية ومتوازن في محتواه من العناصر الغذائية . مبيدات الآفات يقدر العلماء أن هناك ما بين ۸۰-۱۰۰ ألف مرض يصيب النباتات تنشأ عن الميكروبات المختلفة، وأن هناك قرابة ۱۸۰۰ صنف من الحشائش التي تسبب أضرارا اقتصادية للإنتاج الزراعي، وعندما تترك تلك الآفات في الحقول بلا مكافحة، فإنها تستهلك نحو ثلث الإنتاج الزراعي العالمي، ومن هذا المنطلق بدأ الناس يبحثون عن مبيدات تقاوم تلك الآفات وتقلل من تأثيرها الضار على الإنتاج الزراعي . وتستخدم مبيدات الآفات في عدة مجالات أهمها على الإطلاق القطاع الزراعي الذي يستهلك نحو ٦٨٪ من مجمل الإنتاج العالمي . وكمواد حافظة للأخشاب، وفي مكافحة قواقع البلهارسيا والحشرات المنزلية والحشرات الناقلة للأمراض، مثل بعوضة الملاريا وبرغوث الطاعون وقمل التيفوس وذباب مرض النوم . وتشير الإحصائيات أن ٧٥٠ مليون نسمة يعانون كل عام من أمراض البلهارسيا والملاريا والعمى وغيرها، وأن استخدام مبيدات الحشرات أنقذ ملايين البشر من تلك الأمراض . وفي الوقت الحالي تشكل مبيدات الآفات نحو ثلث الإنتاج العالمي للكيماويات الزراعية، رغم تاريخها المشين في إتلاف البيئة وإيذاء البشر. وتتفاوت الكميات المستهلكة منها في الدول المختلفة، حيث تتجه معدلات الاستهلاك إلى الانخفاض في الدول الصناعية الكبيرة، في حين تتنامى في الدول النامية التي تستهلك نحو ٦٢% من مجمل الإنتاج العالمي . وبالطبع يستحيل مكافحة الآفات في الحقول الزراعية بإضافة المبيدات عليها مباشرة، بل يتحتم رش غطاء واقي فوق المزروعات يضمن تعرض الآفة لفعل المبيد . بل تنتشر في البيئة الزراعية ملوثة المياه السطحية والجوفية والتربة والغذاء، وتضر بالحياة الفطرية ومصايد الأسماك. وتتعاظم تلك التأثيرات عندما ترش مبيدات الآفات باستخدام الطائرات . وهناك من مبيدات الآفات ما يستطيع البقاء في البيئة مقاوماً للتحلل، لفترات ممتدة، ويتسرب داخل الكائنات الحية غير المستهدفة مسببا لها العديد من المشكلات الصحية . وقد تتحلل بعض مبيدات الآفات في البيئة الزراعية إلى مركبات أخرى أشد فتكا من المركب الأم. وفى الوقت الراهن يسعى كثير من العلماء إلى تشييد مبيدات جديدة للآفات تتحلل في البيئة الزراعية إلى مواد غير ضارة بعد أن تؤدي دورها في مكافحة الآفة المستهدفة . وتصل معظم مبيدات الآفات إلى جسم الإنسان عن طريق الطعام والشراب حيث يمكن أن يزداد تركيز المبيد خلال مروره بالسلسلة الغذائية . فإذا ما تناولت الأسماك طعامها من مياه ملوثة بمبيدات الآفات، يزداد تركيز بعض المبيدات في أجسامها عن تركيزها في الطعام الذي تناولته . وعندما يتغذى الإنسان على تلك الأسماك الملوثة قد يزداد تركيز المبيدات في جسمه عن تركيزها في خلايا الأسماك التي تناولها . وقد يصل تركيز مبيدات الآفات إلى مستويات السمية في كثير من الأحيان. وقد أكدت العديد من البحوث ذلك الأمر ، أن لبن ١٤٣٦ من الأمهات في إحدى المدن الساحلية يحتوى بنسب مختلفة على مبيدات الآفات، بسبب كثرة تناولهن للأسماك والروبيان التي تعيش في مياه ملوثة . وقد تتطور تلك التأثيرات إلى تأثيرات مزمنة تؤدي في النهاية إلى الإصابة بمرض السرطان والأمراض العصبية والوراثية والإجهاض، وضعف الذاكرة، وضعف القدرة على التركيز واهتزاز الرؤية . وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليون نسمة يصابون، ومع تطبيق أساليب التكثيف الزراعي تكونت نظم بيئية جديدة مناسبة لانتشار نوعيات جديدة من الآفات الزراعية لم تكن معروفة من قبل، غير أن الآفات، بصفة عامة، والحشرات منها بصفة خاصة، أظهرت في الفترة الأخيرة تمردا ضد المبيدات وأصبحت هذه الحشرات لا تستسلم لها بنفس السهولة التي كانت تبـديه أجدادها، بل أعادت تركيبها الوراثي على هيئة طفرات جديدة مقاومة لفعل المبيدات . وأسقط في يد العلماء، واحتدم الصراع بينهم وبين الآفات ودخل مرحلة جديدة تتسم بالشراسة حين سارعوا إلى تعديل وتطوير تركيب مبيدات الآفات بما يجعلها أشد فتكا بالعشائر الوليدة من الآفات وأطول مكوثا وثباتا في البيئة . ومع تواصل البحوث العلمية لتشييد مبيدات جديدة للآفات تتسم بقدرات فائقة في إهلاك الآفة، تعالى صراخ علماء البيئة، وتحولت القضية إلى مناظرة وحوار ساخن بين فريقين، فريق ينادى بمنع استخدام المبيدات حماية للبيئة وصونا للحياة، وفريق ينادى باستخدامها إنقاذا للإنسان من الأمراض الفتاكة وضمانا لإنتاج كفايته من الغذاء والكساء . وللأسف لم ينته الحوار إلى رأى قاطع وأصبحت الأمور مشوشة في انتظار مخرج يرضي الطرفين. وبات مؤكدا للجميع أن تراكم مبيدات الآفات في البيئة له مخاطر متعددة، وأن اجتثاث تلك المخاطر كلية يعتبر ضربا من الخيال، وكل ما في وسعنا هو أن نقلل بدرجة ما من تلك التأثيرات الضارة . تحسم الأمر وتمهد السبيل أمام قرار حكيم ييسر وضع سياسة رشيدة تكفل حماية البيئة من تلك السموم . وهناك أكثر من محور يمكن الاستناد إليه في وضع سياسة رشيدة لاستخدام مبيدات الآفات . ففي المقام الأول علينا جمع المعلومات الدقيقة عن حجم المشكلة، وتدريب وتوعية المتعاملين على الأسلوب السليم لتداول تلك المركبات، وسن التشريعات البيئية التي تكفل تحقيق ذلك، والبحث عن سبل آمنة جديدة لمكافحة الآفات الزراعية . الأسمدة الكيميائية تحتل الأسمدة الكيميائية بكافة أنواعها المرتبة الثانية بين الكيماويات الزراعية التي يؤدي سوء استخدامها إلى تلوث البيئة الزراعية . وقد تزايدت معدلات استخدام الأسمدة الكيماوية في الآونة الأخيرة مع التوسع في تطبيق برامج التكثيف الزراعي ونشر السلالات المهندسة وراثيا. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الدول المتقدمة، وخاصة اليابان ودول غرب أوروبا، وهناك ثلاثة أنواع رئيسة من الأسمدة الكيماوية، هي الأسمدة النتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية، وفي أغلب الدول العربية يضيف المزارعون، تقليديا، ما بين ضعف إلى ثلاثة أضعاف كمية المخصبات التي تحتاجها النباتات، وفي أغلب الأحيان تكون الإضافات بطريقة غير سليمة وفي توقيت غير مناسب . ويعتبر عنصر النتروجين، أهم عنصر في تغذية النبات، أكبر ملوث للبيئة. لأن المعدلات العالية التي تزيد عن استهلاك النبات تسري داخل النظام البيئي وتلوثه . وتحتوي معظم الأسمدة المعدنية على عناصر ملوثة للبيئة . فعلى سبيل المثال يحتوي سماد نترات الأمونيوم على كميات محسوسة من عنصر البورون، ويحتوي سماد اليوريا على البيوريت، كما يحتوي سماد السوبر فوسفات على تركيز مرتفع من عنصر الكادميوم . مثل الرصاص والنحاس والكادميوم والزنك والكروم والمنجنيز والنيكل والحديد والزئبق، مكان الصدارة بين الملوثات الموجودة في الأسمدة الكيميائية، وتعتبر أهم ما يصل إلى التربة من ملوثات، وهي عادة ما تتراكم ومن ناحية أخرى، يحتاج النبات في نموه إلى مجموعة من العناصر تعرف بالعناصر الصغرى التي يحتاجها بكميات بسيطة ومنها الحديد والزنك والنحاس والمنجنيز . لذا، يجب إمداد النبات بتلك العناصر حتى يستطيع إتمام دورة حياته، بشرط أن يكون ذلك بكميات محسوبة بدقة، بحيث لا تلوث البيئة الزراعية . وبصفة عامة لا تتوفر حتى الآن تقنيات مجدية اقتصاديا في التصدي لمشكلة تلوث التربة بالكيماويات الزراعية . نظم الزراعة النظيفة في غضون العقود القليلة الماضية ظهرت بارقة أمل في نظم جديدة للزراعة تعرف بالزراعة النظيفة، يقل فيها بدرجة كبيرة استخدام الكيماويات الزراعية، وتستند بصفة رئيسة على التناغم مع البيئة وتسخير الميكروبات لتوفير بيئة مناسبة للإنتاج الزراعي. وتتضمن تلك النظم ثلاثة محاور رئيسة هي تكمير النفايات العضوية إلى أسمدة صناعية وتدويرها في البيئة الزراعية، وتخصيب التربة بالميكروبات المفيدة وتطبيق نظم المكافحة الأحيائية للآفات ( شكل ٩ ) . والتربة هي العنصر الأساسي في الإنتاج الزراعي طالما توفرت مياه الري، وهي المهد الذي يستقبل البذرة الصالحة ويوفر لها متطلباتها حتى تغل محصولا وفيرا . وتتكون التربة من أربعة مكونات رئيسة : هي المواد المعدنية والمواد العضوية والماء والهواء. وفي الظروف المثالية تحتوي التربة على %۲۵ مياه و ٢٥ هواء و ٤٥ مواد معدنية و 5% مواد عضوية . في حين تتدرج المواد العضوية بين المواد العضوية غير المتحللة والدبال كامل التحلل . ويتكون من الطين والدبال والميكروبات . وتهتم نظم الزراعة النظيفة بدعم المكون الغروي في التربة، النفايات العضوية من مخلفات الإنتاج الزراعي النباتي والحيواني وتحويلها إلى أسمدة عضوية تضاف للتربة بدلاً من الأسمدة الكيميائية، وتمد النباتات النامية بمتطلباتها من الطاقة والعناصر الغذائية، وفي نفس الوقت تحسن من صفات التربة مما ينعكس كما ونوعا على إنتاجها من الحاصلات الزراعية . يسبح في محلول مائي تتخلله بعض الغازات . بيد أن تلك الصورة لا تعبر عن الواقع . فالتربة بيئة تعيش فيها ملايين متنوعة من الكائنات الحية، ويجري بها العديد من التفاعلات الأحيائية المسؤولة عن إتمام دورات العناصر في الكون. حيث يحتوي الجرام الواحد منها على ما بين عدة ملايين إلى عدة بلايين من الميكروبات . وتقوم عشيرة الميكروبات بأدوار هامة في خصوبة التربة وتغذية النبات . وقد بدأ العلماء مؤخرا في عزل الميكروبات المفيدة لتخصيب التربة واستخدامها على هيئة مخصبات أحيائية في إطار النظم الزراعية النظيفة، المعدلات العالية التي تستخدم حاليا من الأسمدة المعدنية . ويتضمن المحور الثالث في نظم الزراعة النظيفة الاستفادة من علاقات التضاد بين الكائنات الحية في المكافحة الأحيائية للآفات الزراعية . فعلى سبيل المثال، تستخدم حشرة أبو العيد في مكافحة آفة المن وتستخدم أنواع مختلفة من الميكروبات لمكافحة الحشرات . وقد نجحت تلك الأساليب المتنوعة مع غيرها في الحد من استخدام مبيدات الآفات على المستوى العالمي بدرجة واضحة . بيد أن الطريق مازال طويلا، وما زلنا ننتظر المزيد من الإنجازات التقنية للعلماء في هذا المجال على الرغم من أن مقدار التلوث الناشيء في المنازل وأماكن العمل قد يكون ضئيلا عند مقارنته بالبيئات الأخرى، فإن تأثيره ملموس على صحة الناس. وفي حين يتحتم على المؤسسات الصناعية والتجارية تطبيق التشريعات البيئية فيما يخص استخدام وطرح بعض المواد الكيميائية، مثل مبيدات الآفات والأصباغ والمنظفات، نجد الناس في المنازل لا يلتزمون بمراعاة التشريعات ويتعاملون مع نفس تلك الكيماويات الضارة بأسلوب يعود عليهم وعلى البيئة المحيطة بالضرر . وهناك إحساس عام بأن الكيماويات المنزلية آمنة وغير ضارة وبالتالي يتكرر استخدامها وتداولها وطرحها بطرق غير سليمة . لأن الكثير من المواد التي يشيع استخدامها تبث غازات وأبخرة وجسيمات دقيقة على درجة كبيرة من الخطورة. ويتلوث الهواء داخل المباني من جراء أنشطة الناس، حيث يتنفس الإنسان لا إراديا نحو ٢٥ كيلوغراما من الهواء يوميا، ويمضي أغلب حياته داخل مـبـانـي مغلقة، وتتضمن الملوثات النمطية للهواء داخل المباني الرادون والأسبستوس ودخان السجائر والفورمالدهيد والمنظفات المنزلية . والرادون غاز طبيعي نشط إشعاعيا ينشأ من التحلل الإشعاعي للراديوم ٢٢٦ الذي ينشأ بدوره من تحلل اليورانيوم ۲۳۸ ۰ ويرى العلماء أنه ينبغي ألا يزيد تركيز الرادون في الهواء داخل المباني على حوالي ١٠٠ بكرل /متر مكعب . وتتفاوت محتويات مواد البناء من نظائر سلسلتي اليورانيوم - راديوم والثوريوم المشعة، حيث توجد هذه النظائر في جميع أنواع الصخور والتربة وبالتالي في مواد البناء، بتركيزات شديدة التفاوت ونظرا لأن الرادون غاز فهو سريع الحركة، ويتسرب بسهولة من التربة إلى داخل المباني من خلال الشقوق والفتحات في أساسات المبنى، وقد ينبثق من الطوب ومواد البناء الأخرى المستخدمة في البناء . وقد يوجد الرادون في المياه الجوفية، وعموما، يتراوح تركيز الرادون في الهواء الطلق بين عدد محدود من البكرل وعدد صغير من عشرات البكرل في كل متر مكعب . ويعتبر استنشاق الرادون بمثابة المسبب الثاني لمرض سرطان الرئة بعد التدخين وتنشأ التأثيرات الضارة للرادون من جسيمات ألفا وبيتا وإشعاعات غاما التي تصدر خلال سلسلة الاضمحلال الإشعاعي للرادون قبل أن يصل للرصاص المستقر، حيث تؤين هذه الجسيمات والإشعاعات خلايا الجسم البشري مسببة تلف الأنسجة، كما أن للرادون أضرارا بالغة على المادة الوراثية في الخلية . ويمكن أن يصل مستوى تركيز الرادون في الهواء داخل المنزل في بعض الأماكن لعدة آلاف بكرل في المتر المكعب، وعندئذ يمثل هذا التركيز مخاطر سرطانية جسيمة على الإنسان . ويمكن التحكم في مستوى الرادون داخل المباني بعدة طرق، تتوقف على مستوى تركيزه وتتضمن تلك الإجراءات التحكم في خفض معدل انبثاق الرادون من الأرض إلى المبنى بسد وتشميع النقاط التي يمكنه اختراقها، وتقليل مقداره داخل المبنى بزيادة مستوى التهوية. ويخلط الأسبستوس، وهو معدن موجود في بعض تكوينات الصخور، بعد تعدينه وتصنيعه إلى ألياف دقيقة، مع الأسمنت والأسفلت في مواد البناء والتشييد . وقد استخدم الأسبستوس على نطاق واسع منذ الأربعينات في البناء كمادة عازلة مقاومة للحريق، وكمادة لتغطية جوانب المباني وأنابيب المياه الأسمنتية وفي الملابس الواقية من الحريق ومازال الأسبستوس يستخدم في العديد من الصناعات، بيد أن استخداماته المنزلية أصبحت محدودة للغاية . ويعتبر الأسبستوس أحد المواد التي تأكدت قدرتها على إحداث مرض السرطان عند استنشاقه بكميات كافية . وتزيد فرص حدوث هذا المرض عند المدخنين الذين يتعرضون إلى استنشاق الأسبستوس خمسون ضعفا عن غير المدخنين . غير أن أغلب حالات الإصابة سجلت من جراء التعرض للأسبستوس في مواقع العمل . وتحمل كل منتجات الأسبستوس خطرا داهما بين طياتها، عندما تكون مثارة . فعلى سبيل المثال لا يمثل الأسبستوس المدمج مع الأسمنت والمواد المبطنة تهديدا طالما لم يثار . وقد بذلت مجهودات كبيرة للتحكم في الأسبستوس منذ أواخر الثمانينات، وأزيل المثار منه من المباني بطرق آمنة . ويتصدر دخان السجاير غيره من الملوثات داخل المباني والأماكن المغلقة، ويشمل تيار الدخان القادم من طرف السيجارة إلى جانب الدخان الذي ينفثه المدخن ويعرف تعرض غير المدخنين إلى دخان السجائر بالتدخين السلبي أو التطوعي أو غير المباشر . ويتركب دخان السجاير من جزيئات سابحة في الهواء تحتوي على أكثر من ٤٧٠٠ مركب كيميائي، منها مواد مسببة للالتهابات مثل الفورمالديد وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين، فهي سبب رئيس للوفاة بأمراض الرئة المختلفة، كما قد يسبب التدخين بعض أمراض القلب والشرايين . وتنساب داخل المباني الأبخرة الناشئة عن حرق الوقود في السخانات والمواقد والأفران وغيرها، ولا سيما عند تشغيلها بطريقة غير مناسبة، كما في حالة وجود شروخ في معدات الحرق وعدم توفر التهوية الكافية وانسداد المداخن وعدم ضبط عمليات حرق الوقود. وتشمل ملوثات الحرق بصفة رئيسة أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النتروجين والهيدروكربونات . ويؤدي استنشاق تلك الغازات إلى التهاب العيون والحنجرة والكحة والغثيان والدوار والإجهاد والصداع. ويمكن التقليل من تلك التأثيرات بمتابعة الصيانة الدورية لمعدات الحرق والتسخين بالمنزل وزيادة التهوية وضبط نوعية الوقود . ومن الملوثات المنزلية الشهيرة غاز الفورمالدهيد، وكي وتنظيف الملابس، وعلى الرغم من تأكيد إصابة فيران التجارب بمرض السرطان عند تعرضهم إلى غاز الفورمالدهيد، فإن قدرته على توليد السرطان في الإنسان مازالت موضع جدل بين العلماء غير أن استنشاق الفورمالدهيد يسبب لمعظم الناس حساسية وضيق في التنفس والتهاب في العين والأنف والحنجرة واحمرار الجلد . وحتى أواخر القرن العشرين كان الناس يستخدمون مع مواد التنظيف فرشاة قوية حتى يمكن الحصول على نتيجة جيدة من المنظف، بيد أن المنظفات الحديثة أصبحت فائقة الفاعلية بأقل مجهود لما تحويه من مكونات تعتبر خطرة على المستخدم والبيئة داخل المباني . وهناك مجموعة أخرى من الملوثات في المنازل، ومزيل اللمعان ومزيل المواد اللاصقة، ومبيدات الحشرات المنزلية، وبعض الأدوات المحتوية على عناصر كالرصاص وغيره ويؤدي تعرض الإنسان إلى تركيز عال من مبيدات الحشرات إلى تأثيرات صحية حادة مثل التقيؤ والدوار وتلف الأعصاب والإجهاض والعقم وتلف الصبغات الوراثية ومن أخطر الملوثات المنزلية عنصر الرصاص، الذي ينساب مع المياه من مواسير الرصاص، ويمكن أن يدخل الرصاص إلى الجسم من خلال استنشاق الغبار الملوث بالرصاص الناتج عن تهدم أو صنفرة أو حرق البويات المحتوية على الرصاص، ويؤدي إلى ضعف القدرة على التركيز وعدم ضبط السلوك وتلف السمع. ولا توجد مستويات آمنة للتعرض للرصاص، ويمكن لسكان المنازل أن يقللوا من تأثير التلوث داخل المباني باستخدام مواد أقل خطورة، وتقليل الكميات المستخدمة من المواد التي تحمل الملوثات بين طياتها، واتباع إرشادات الاستخدام، وعدم تعريض الأطفال لهذه المواد. وتتضمن برامج التوعية في هذا المجال تنبيه الناس إلى أهمية مراعاة الملاحظات المكتوبة على العبوات، مثل سام، أو تجنب ملامسته للعين، أو إبعاده عن الأطفال . كما تتضمن توعية الناس بعدم الإسراف في استخدام الكيماويات المنزلية الضارة واستبدالها بمواد أكثر أمناً، وتدريبهم على الأسلوب السليم لطرح نفايات المواد الخطرة وعدم إلقائها في سلة القمامة المنزلية أو على قارعة الطريق . الفصل العاشر أساليب التحكم في التلوث نشأت مشكلات التلوث البيئي من جراء الطلب المتزايد على الموارد الطبيعية التي تتسم بالندرة وتعجز عن الوفاء بتلبية متطلبات الحاضر دون المساس بالمستقبل . وهناك إجماع على أن التلوث هو آفة القرن العشرين . فقد أصبحت تأثيراته ظاهرة للعيان في كل مكان . وبات من المحتم على الإنسان أن يسعى دؤوبا لمجابهة هذا الخطر الداهم . ويمكن التصدي لمشكلات التلوث البيئي في عالمنا المعاصر من خلال ثلاثة محاور رئيسة، التقنية النظيفة تعتبر التقنية النظيفة واحدة من أكبر التحديات والقضايا البيئية التي تشغل الناس في عالمنا المعاصر. ويقصد بالتقنية النظيفة مراجعة مراحل الإنتاج بدءا من المواد الخام وحتى تمام استهلاك المنتج النهائي لتحديد إطار متكامل للأداء يقلل من تبديد المواد الخام والطاقة من خلال رفع الكفاءة الفنية للتشغيل والحد من استخدام المدخلات الضارة، وإعادة استخدام النفايات وتدويرها ويتطلب تطبيق التقنية النظيفة في قطاعي الإنتاج والخدمات وضع استراتيجية متكاملة لكافة العمليات · وقد تم تطبيق التقنية النظيفة بنجاح في عدة مجالات منها الزراعة والصناعات الغذائية والتعدينية . بل يجب التعامل معها من خلال تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، وقد يبدو للبعض أن التقنية النظيفة سهلة المنال، فهي ليست كذلك، وعلى من يسعى إليها مواجهة التحديات والمعوقات التي يجب مجابهتها بصبر وأناة في مواقع التطبيق . ولا ريب أن نجاح تطبيقات التقنية النظيفة يرتبط حتما بتخفيف مشكلات التلوث البيئي · التوعية البيئية كما أنه من المؤكد أن التطبيقات التقنية في حد ذاتها لا تؤثر في البيئة إلا من خلال الإنسان الذي يوجه التقنية إلى خير أو إلى ضرر البيئة . ويتعاظم الدور البشري بزيادة كثافة السكان، ولا سيما حول الموارد الطبيعية المحدودة ولا سبيل إلى إنجاح برامج مكافحة التلوث البيئي وصون الطبيعة في غياب توعية ومشاركة المواطنين . بيد أن المواطن لن يكون إيجابيا في أداء ما هو منوط به ما لم يكن واعيا بطبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة، وبين مكونات النظم البيئية وارتباط بعضها بالآخر ( شكل ١٠ )، وما لم يكن عارفا بالأساليب الفعالة التي تعظم دوره في صون البيئة · وبالطبع ليس مطلوبا أن تكون معرفة المواطن على مستوى معرفة العلماء والخبراء، وتهدف برامج التوعية البيئية إلى جعل المواطن أكثر تفهما ودراية بالعواقب التي تنجم عن تدخله غير الرشيد في البيئة لتحقيق غاياته . ينبغي أن يناط بأجهزة الإعلام تشكيل وعي ويتم ذلك في ثلاث مراحل هي: التوعية بالمشكلات البيئية والتأثير في مشاعر واتجاه الجمهور المستهدف والتأثير في السلوك العام ولا ريب أن المرحلة الثالثة هي أصعب مراحل منظومة الإعلام البيئي، بيد أن تغيير المواقف والسلوكيات مسألة قد يصعب منالها، طالما أن المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك، وتوجه أجهزة الإعلام برامج التوعية البيئية إلى ثلاثة مستويات تشمل أولا كبار المسؤولين المنوط بهم إصدار التشريعات واتخاذ القرارات ومباشرة تنفيذها، وتشمل ثانيا العشيرة الاستراتيجية التي تضم العلماء ورجال الدين وقيادات الهيئات والمنشآت التعليمية والإنتاجية ورؤساء الجمعيات المهنية، وتشمل ثالثا عامة المواطنين الذين يتدنى الوعي البيئي لديهم إلى مستوى تنعكس تأثيراته على تلوث وتدهور البيئة. وتتعامل أجهزة الإعلام في كل مجتمع مع أربع مجموعات من البشر، مجموعة غير الملمين بقضايا البيئة، ومجموعة غير المبالين ومجموعة السلبيين، ومجوعة الملتزمين . ولكل من تلك المجموعات ما يناسبها من برامج التوعية، المنشود . وهناك العديد من الأدوات والوسائل التي يمكن تسخيرها في برامج التوعية البيئية تناسب كافة المستويات، منها الحديث المباشر، وعقد الندوات والمناظرات والدورات التدريبية والمعسكرات، إلى جانب الاتصال بالفئات المعنية من خلال الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية . وبصفة عامة،


Original text

الفصل الأول
البيئة والملوثات


يعيش الإنسان فوق سطح الأرض في نطاق ثلاث منظومات، هي المحيط الأحيائي الذي يتألف من الجو واليابسة، والمياه وما يعيش فيها من كائنات حية، والمحيط التقني الذي يتألف مما شيده الإنسان من مدن وقرى ومصانع ومزارع، والمحيط الاجتماعي الذي يتألف مما يعتقده الإنسان من أديان وما يسنه من قوانين وتشريعات، وما يؤمن به من تقاليد وأعراف . ويؤدى أي إخلال بهذا التوازن بين تلك المنظومات إلى خفض نوعية البيئة وتدهورها وظهور المشكلات بها .
ويقصد بالبيئة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان ويمارس أنشطته الإنتاجية والاجتماعية، وهى خزان الموارد الطبيعية المتجددة مثل حقول الزراعة ومصايد الأسماك، والموارد الطبيعية غير المتجددة مثل مناجم المعادن وآبار النفط . وتتحدد علاقة الإنسان بالبيئة في دائرتين، فهي إطار للحياة يجب عليه أن يحافظ عليه ويصونه من التلوث والتدهور، وهي مصدر للثروات الطبيعية يجب عليه أن يرشد
استغلاله ويعظم عطاءه، مع عدم إغفال حقوق الأجيال المتعاقبة من البشر فيه .


وفي الوقت الحالي تعاني البيئة في مختلف أنحاء العالم، ولاسيما في الدول النامية، من عدة مشكلات أصبح البعض منها ملحا ويتطلب الحل العاجل . فقد أدت زيادة السكان في مختلف الدول ( شكل (۱) إلى كثافة الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية، بما يفوق قدرتها على العطاء في أكثر الأحيان، مما نشأ عنه العديد من مشكلات تلوث وتدهور البيئة .
مصادر التلوث
يقصد بالتلوث بث طاقة أو مادة في البيئة، بكميات كبيرة في غير المكان والوقت المناسبين، مما يضر بصحة الإنسان ويحد من الاستخدامات المشروعة للبيئة . ويؤدي التلوث، في أغلب الأحيان إلى تغير غير مرغوب في الصفات الفيزيائية أو الكيميائية أو الأحيائية للبيئة وعلى الرغم من أن هناك تلوثا طبيعيا ينشأ من ثورة البراكين وحرائق الغابات وغيرها، فإن أكثر ما تعاني منه البيئة في الوقت الحالي هو التلوث الناشئ عن فعل الإنسان مثل تلوث المياه السطحية والجوفية والتربة والهواء والغذاء .
التلوث بالطاقة
ينشأ التلوث بالطاقة عن مصادر فيزيائية مختلفة . ويعتبر التلوث بالمواد المشعة الذي قد يسبب تغيرات كبيرة في أجسام الكائنات الحية، أهم مصادر التلوث بالطاقة . وعلى الرغم من أن خلايا الكائنات الحية تحتوي بصورة طبيعية، على كميات ضئيلة من المواد المشعة، فإن تعرضها للتلوث الإشعاعي يزيد من تركيز العناصر المشعة في الخلايا والأنسجة الحية، مما يؤدي إلى حدوث خلل في العمليات الأحيائية التي تسري بها الحياة وفي القرن العشرين، زاد تعرض الناس للإشعاع من مصادر مختلفة . وكان أول تلك المصادر استخدام الأشعة السينية في تشخيص الأمراض وعلاجها . وقد جرى ذلك قبل توفير سبل الوقاية والآمان لمن يستخدم أو يتعرض لهذه الأشعة . ومنذ عام ١٩٤٥م وحتى الآن، أدى تفجير الأسلحة النووية إلى تسرب كميات كبيرة من المواد المشعة إلى البيئة. ومؤخرا زادت حوادث بعض المفاعلات الذرية، التي


تستخدم لتوليد الطاقة، من اهتمام الرأي العام بتوفير مستوى كاف من الأمان أثناء تشغيل وصيانة تلك المفاعلات .
ويطالب علماء البيئة حاليا بحسن تداول وتصريف النفايات الخطرة، ولا سيما تلك التي تحمل بين طياتها مواد مشعة مثل نفايات محطات توليد القوى النووية وبعض نفايات المستشفيات ومعاهد البحث العلمي والجامعات، حتى يمكن الحد من تأثيراتها الضارة على البيئة . وقد حددت المنظمات الدولية المعنية التركيز الذي يسمح بوجوده في البيئة لكل من تلك المواد القاتلة .
وعلى الرغم من الجدل القائم حول أضرار التلوث بمصادر الطاقة المختلفة، وحول نسب إسهام كل منها في التلوث البيئي، فإن هذا لا يعنى أن نتجاهلها . فقد تسبب الإنسان في رفع درجة حرارة الهواء الجوى المحيط به من جراء الملوثات التي يبثها في البيئة خلال بعض الأنشطة الصناعية ومن مرافق توليد الطاقة . وعلى الرغم من أن هذه التأثيرات مازالت في مناطق محددة، فإن تجاهل هذا الأمر قد يؤدي بمرور الوقت إلى مشكلات كبيرة يستعصي على الإنسان التصدي لها .
ونشعر جميعا بالتلوث بالضوضاء، وهي أكثر أنواع الملوثات الفيزيائية التي تسبب الضيق والضجر. وفي أغلب المناطق لا تكون الضوضاء بالمستوى الذي يؤدي إلى الإضرار بصحة الناس، فيما عدا داخل بعض أماكن العمل مثل مصانع الغزل والنسيج . وفى بعض المناطق يكون تأثير الضوضاء أكثر وضوحا، كما في المناطق المجاورة للمطارات ومناطق ازدحام المرور .
التلوث بالمواد
يعتبر التلوث بالمواد من أهم مصادر التلوث التي تضر بالكائنات الحية. ومن المعروف أن الكائنات الحية تتغذى على مجموعة من العناصر الغذائية التي توجد في البيئة بكميات تلبي احتياجاتها. ويؤدي نقص تلك العناصر أو وجودها بتركيز مرتفع - وهي إحدى حالات تلوث البيئة - إلى الإضرار بالكائنات الحية، كما يؤدي تفاعل بعض هذه العناصر، مع بعضها الآخر أو مع غيرها من العناصر الموجودة في البيئة إلى تكوين مركبات جديدة قد تكون ضارة بالكائنات الحية. ويتفاوت هذا الضرر تبعا لنوعية الكائن الحي وفترة التعرض ومستوى تركيز المواد الملوثة.


ويجب أن نفرق بين الملوثات الطبيعية والملوثات غير الطبيعية. ويمثل المجموعة الأولى عناصر ومركبات الرصاص والزئبق وأكاسيد الكبريت والنتروجين، وهي مواد طبيعية وجدت في البيئة منذ أمد بعيد. ويمثل المجموعة الثانية مبيدات الآفات والمركبات الصيدلانية والمواد الحافظة للغذاء ومواد التجميل والمواد البلاستيكية. ولبعض المواد المذكورة تأثير ضار ضئيل على الكائنات الحية، في حين أن للبعض الآخر تأثيرات ضارة تفوق منافعها، والكثير منها يسبب الأمراض الفتاكة.
سلوك الملوثات في البيئة
تنطلق الملوثات إلى البيئة من مصادر مختلفة، قد تكون طرف سيجارة مشتعل أو جوف كائن حي، أو مدخنة مصنع .. الخ . ويتوقف مستوى التلوث على عدد ونوعية المصادر التي تبث الملوثات في مساحة معينة من البيئة وتسري الملوثات داخل البيئة في مسارات مختلفة، ويتحدد تأثيرها طبقا لخصائص البيئة التي تتلقاها. وتتباين المكونات الرئيسة للبيئة - الماء والهواء والتربة والكائنات الحية - في قدراتها على استقبال وتخفيف ونشر الملوثات . وينعدم التأثير الضار للملوثات إذا فشلت في بلوغ أهدافها، ولذا تسعى إجراءات الأمان والوقاية إلى منع وصول الملوث إلى هدفه بمتابعة مساره في البيئة وإعاقته وتخفيفه وتقليل حركته وفي العادة، تتخذ تلك الإجراءات في الظروف العادية وحال وقوع الكوارث البيئية .
وفي الهواء تتأثر حركة الملوثات بمجموعة متباينة من العوامل. فمن المعروف أن الغلاف الجوي يتركب من عدة طبقات، أهمها الطبقة السفلية المحيطة بنا التي تتعرض بشدة إلى التلوث . وتمتزج الملوثات في الهواء الجوي بواسطة تيارات الحمل التي قد ترفعها إلى طبقات الجو العليا . ويتأثر سلوك الملوثات في الجو بالأحوال المناخية عند نقطة الانبعاث وفي المنطقة المحيطة . وقد تغير حركة الرياح بدرجة كبيرة مسار نقل الملوثات في الجو وفـي العــادة تزداد سرعة الرياح كلما زاد الارتفاع عن سطح الأرض، ومن ثم يزداد انتشار الملوثات المنبعثة من المداخن العالية .


ودائما ما تتعرض الملوثات في الجو إلى تغيرات كبيرة، تتضمن تغيرات فيزيائية
وكيميائية وأحيائية . وتشمل التغيرات الفيزيائية والكيميائية تجميع الحبيبات (ترابط بعضها ببعض وأكسدة المواد ( تفاعل المادة مع الأكسجين مثل أكسدة الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون ) والاتحاد الكيميائي ( مثل تفاعل ثالث أكسيد الكبريت مع الماء مكونا حامض الكبريتيك ) ، كما قد تحدث بعض التغيرات الكيموضوئية بفعل الطاقة الشمسية. وتشمل التغيرات الأحيائية دخول الملوثات في تفاعلات داخل الخلايا الحية، مسببة تعثر المسارات الأحيائية في الكائن الحي، ومفضية إلى تكون مواد جديدة .
ويختلف مسار الملوثات داخل المياه ، فالبحيرات والبحار والأنهار تعتبر بمثابة كيانات ضخمة يتجمع فيها الكثير من الملوثات، وقد تستقر فيها لفترات متباينة، حيث يترسب بعضها في القاع، ويذوب بعضها الآخر وينتشر بفعل تيارات المياه، وقد تطفو بعض الملوثات الخفيفة غير الذائبة مثل النفط على السطح ، في حين قد تخزن بعض الملوثات التي تذوب في الدهون مثل المبيد الحشري المعروف باسم (د . د . ت . ) داخل طبقات الزيت كما أن بعض الملوثات الثقيلة غير الذائبة يستقر بها المقام ببطء شديد على هيئة رواسب في القاع. وفي المياه تتعرض الملوثات للعديد من التغيرات الكيميائية أو الفيزيائية أو الأحيائية التي يتولد عنها نوعيات جديدة من المواد قد تكون أكثر ضررا من الملوث الأصلي .
وتصل الملوثات إلى التربة من عدة مصادر من أهمها التساقط من الهواء الجوي ومع مياه المطر والفيضانات، ومع الكيماويات الزراعية، ومع دفن النفايات في التربة . وفي العادة تتحرك الملوثات على سطح التربة ببطء نسبيا مع مياه الصرف أو داخل الخلايا الحية· وفي التربة تقتصر مسارات الملوثات حيث يكون التلوث في مواقع معينة، ولا ينتشر بسرعة كما هو الحال في المياه والهواء . وأغلب العناصر السامة مثل الرصاص والفلور والزئبق توجد في التربة على هيئة تعجز جذور النباتات عن
امتصاصها . بيد أن هناك بعض الكائنات الحية الدقيقة تستطيع تحويل جزء من تلك العناصر الثقيلة الملوثة إلى صورة يمكن للنباتات امتصاصها حيث يتعاظم تركيزها بعد ذلك من خلال ظاهرة التعاظم الأحيائي .
ويقصد بظاهرة التعاظم الأحيائي تجمع الملوثات في خلايا الكائنات الحية وزيادة هذا التجمع أثناء تحرك الملوثات في السلسلة الغذائية . وعلى سبيل المثال، فإنه إذا صرفت مياه تحتوي على عنصر ملوث مثل الزئبق بكمية قليلة داخل إحدى البحيرات أو البرك، فإن بعض الكائنات الحية الدقيقة ( الهائمات ) التي تعيش في المياه تجمع
الزئبق داخل خلاياها مما يزيد من تركيزه، فإذا ما تغذت الأسماك وغيرها من الكائنات الحية على خلايا تلك الهائمات يزداد تركيز الزئبق في خلاياها بدرجة كبيرة قد تكفي لقتل الطيور والحيوانات والناس حين يتناولون تلك الأسماك في غذائهم .
وبعض الملوثات تتحلل في البيئة وتتبدل أحيائيا أو كيميائيا إلى مركبات جديدة، قد تكون أكثر ضررا من الملوث الأصلي، وقد تكون نافعة وغير ضارة ويتطلب الأمر لاستقراء هذه التفاعلات وكشف اللثام عنها إجراء المزيد من البحوث والدراسات التي
تتناول بالتفصيل سلوك ومسار الملوثات في البيئات المختلفة


الفصل السادس
التلوث بالكيماويات الزراعية


تسبب سعي الناس الدؤوب لتحقيق كفايتهم من الطعام في الاستخدام غير الرشيد للكيماويات الزراعية، مما أدى إلى العديد من مشكلات تلوث التربة والمياه والغذاء ( شكل (۸) ويتوفر في الأسواق العالمية الآن نوعيات كثيرة من الكيماويات الزراعية التي تضاف بلا ضابط ولا رابط لكافة المحاصيل الحقلية والبستانية، بيد أن أهمها على الإطلاق هي مبيدات الآفات والأسمدة المعدنية . ونتج عن ذلك ظهور نظم جديدة للزراعة، تعرف بالزراعة النظيفة، لا تستخدم فيها الكيماويات الزراعية وينتج منها غذاء صحي خال من متبقيات الكيماويات الزراعية ومتوازن في محتواه من العناصر الغذائية .


مبيدات الآفات
يقدر العلماء أن هناك ما بين ۸۰-۱۰۰ ألف مرض يصيب النباتات تنشأ عن الميكروبات المختلفة، وأن هناك قرابة ۱۸۰۰ صنف من الحشائش التي تسبب أضرارا


اقتصادية للإنتاج الزراعي، وأن هناك نحو ١٠٠ ألف حشرة تهاجم النباتات وتمرضها . وعندما تترك تلك الآفات في الحقول بلا مكافحة، فإنها تستهلك نحو ثلث الإنتاج الزراعي العالمي، وهذا أمر لا يمكن قبوله في عالم يكتظ بالجياع . ومن هذا المنطلق بدأ الناس يبحثون عن مبيدات تقاوم تلك الآفات وتقلل من تأثيرها الضار على
الإنتاج الزراعي . وتستخدم مبيدات الآفات في عدة مجالات أهمها على الإطلاق القطاع الزراعي الذي يستهلك نحو ٦٨٪ من مجمل الإنتاج العالمي . كما تستخدم مبيدات الآفات أيضا في رعاية الحيوانات وتنظيف المستشفيات، وكمواد حافظة للأخشاب، وفي مكافحة قواقع البلهارسيا والحشرات المنزلية والحشرات الناقلة للأمراض، مثل بعوضة الملاريا وبرغوث الطاعون وقمل التيفوس وذباب مرض النوم . وتشير الإحصائيات أن ٧٥٠ مليون نسمة يعانون كل عام من أمراض البلهارسيا والملاريا والعمى وغيرها، وأن استخدام مبيدات الحشرات أنقذ ملايين البشر من تلك الأمراض .
وفي الوقت الحالي تشكل مبيدات الآفات نحو ثلث الإنتاج العالمي للكيماويات الزراعية، رغم تاريخها المشين في إتلاف البيئة وإيذاء البشر. وتتفاوت الكميات المستهلكة منها في الدول المختلفة، حيث تتجه معدلات الاستهلاك إلى الانخفاض في الدول الصناعية الكبيرة، في حين تتنامى في الدول النامية التي تستهلك نحو ٦٢% من مجمل الإنتاج العالمي .
وبالطبع يستحيل مكافحة الآفات في الحقول الزراعية بإضافة المبيدات عليها مباشرة، بل يتحتم رش غطاء واقي فوق المزروعات يضمن تعرض الآفة لفعل المبيد . ومن المعروف أن ٩٠٪ من مبيدات الآفات المضافة للحقل لا تصل إلى هدفها المنشود، بل تنتشر في البيئة الزراعية ملوثة المياه السطحية والجوفية والتربة والغذاء، وتضر بالحياة الفطرية ومصايد الأسماك. وتتعاظم تلك التأثيرات عندما ترش مبيدات الآفات باستخدام الطائرات . وهناك من مبيدات الآفات ما يستطيع البقاء في البيئة مقاوماً للتحلل، لفترات ممتدة، ويتسرب داخل الكائنات الحية غير المستهدفة مسببا لها العديد من المشكلات الصحية . وقد تتحلل بعض مبيدات الآفات في البيئة الزراعية إلى


مركبات أخرى أشد فتكا من المركب الأم. وفى الوقت الراهن يسعى كثير من العلماء إلى تشييد مبيدات جديدة للآفات تتحلل في البيئة الزراعية إلى مواد غير ضارة بعد أن تؤدي دورها في مكافحة الآفة المستهدفة .
وتصل معظم مبيدات الآفات إلى جسم الإنسان عن طريق الطعام والشراب
حيث يمكن أن يزداد تركيز المبيد خلال مروره بالسلسلة الغذائية . فإذا ما تناولت الأسماك طعامها من مياه ملوثة بمبيدات الآفات، يزداد تركيز بعض المبيدات في أجسامها عن تركيزها في الطعام الذي تناولته . وعندما يتغذى الإنسان على تلك الأسماك الملوثة قد يزداد تركيز المبيدات في جسمه عن تركيزها في خلايا الأسماك التي تناولها . وقد يصل تركيز مبيدات الآفات إلى مستويات السمية في كثير من الأحيان. وقد أكدت العديد من البحوث ذلك الأمر ، عندما تبين على سبيل المثال، أن لبن ١٤٣٦ من الأمهات في إحدى المدن الساحلية يحتوى بنسب مختلفة على مبيدات الآفات، بسبب كثرة تناولهن للأسماك والروبيان التي تعيش في مياه ملوثة .
ومعظم التأثيرات الصحية لمبيدات الآفات حادة، حتى ولو كان التعرض لها لمرة واحدة أو لمرات قليلة متباعدة بطريقة مقصودة أو غير مقصودة. وقد تتطور تلك التأثيرات إلى تأثيرات مزمنة تؤدي في النهاية إلى الإصابة بمرض السرطان والأمراض العصبية والوراثية والإجهاض، وضعف الذاكرة، وضعف القدرة على التركيز واهتزاز الرؤية . وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليون نسمة يصابون، كل عام، بالتسمم من مبيدات الآفات، ويتوفى منهم ما بين ٣- ٢٠ ألف نسمة · وتلك هي البيانات الرسمية التي لا تعبر عن الواقع، لأنه من الراسخ أن معظم حالات التسمم لا تسجل بسبب قصور الموارد وصعوبة تمييز أعراض التسمم بالمبيدات .
ومع تطبيق أساليب التكثيف الزراعي تكونت نظم بيئية جديدة مناسبة لانتشار نوعيات جديدة من الآفات الزراعية لم تكن معروفة من قبل، وأصبح على الإنسان أن يواجه تلك الأعداد الهائلة والمتنوعة من الآفات درءا لشرها. غير أن الآفات، بصفة عامة، والحشرات منها بصفة خاصة، أظهرت في الفترة الأخيرة تمردا ضد المبيدات


وأصبحت هذه الحشرات لا تستسلم لها بنفس السهولة التي كانت تبـديه أجدادها، بل أعادت تركيبها الوراثي على هيئة طفرات جديدة مقاومة لفعل المبيدات . وأسقط في يد العلماء، واحتدم الصراع بينهم وبين الآفات ودخل مرحلة جديدة تتسم بالشراسة حين سارعوا إلى تعديل وتطوير تركيب مبيدات الآفات بما يجعلها أشد فتكا بالعشائر الوليدة من الآفات وأطول مكوثا وثباتا في البيئة .
ومع تواصل البحوث العلمية لتشييد مبيدات جديدة للآفات تتسم بقدرات فائقة في إهلاك الآفة، تعالى صراخ علماء البيئة، حول أن الإنسان يفسد البيئة . وتتابع عقد المؤتمرات واللقاءات التي تناقش قضية الإنسان والبيئة والمبيدات . وتحولت القضية إلى مناظرة وحوار ساخن بين فريقين، فريق ينادى بمنع استخدام المبيدات حماية للبيئة وصونا للحياة، وفريق ينادى باستخدامها إنقاذا للإنسان من الأمراض الفتاكة وضمانا لإنتاج كفايته من الغذاء والكساء . وللأسف لم ينته الحوار إلى رأى قاطع وأصبحت الأمور مشوشة في انتظار مخرج يرضي الطرفين. وبات مؤكدا للجميع أن تراكم مبيدات الآفات في البيئة له مخاطر متعددة، وأن اجتثاث تلك المخاطر كلية يعتبر ضربا من الخيال، وكل ما في وسعنا هو أن نقلل بدرجة ما من تلك التأثيرات الضارة . ويتحتم الموازنة بين منافع ومضار المبيدات في إطار جدوى اقتصادية وفنية، تحسم الأمر وتمهد السبيل أمام قرار حكيم ييسر وضع سياسة رشيدة تكفل حماية البيئة من تلك السموم .
وهناك أكثر من محور يمكن الاستناد إليه في وضع سياسة رشيدة لاستخدام مبيدات الآفات . ففي المقام الأول علينا جمع المعلومات الدقيقة عن حجم المشكلة، وتدريب وتوعية المتعاملين على الأسلوب السليم لتداول تلك المركبات، وسن التشريعات البيئية التي تكفل تحقيق ذلك، والبحث عن سبل آمنة جديدة لمكافحة الآفات الزراعية .
الأسمدة الكيميائية
تحتل الأسمدة الكيميائية بكافة أنواعها المرتبة الثانية بين الكيماويات الزراعية التي يؤدي سوء استخدامها إلى تلوث البيئة الزراعية . وقد تزايدت معدلات استخدام


الأسمدة الكيماوية في الآونة الأخيرة مع التوسع في تطبيق برامج التكثيف الزراعي ونشر السلالات المهندسة وراثيا. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الدول المتقدمة، وخاصة اليابان ودول غرب أوروبا، تستهلك ما يزيد على ستة أضعاف الأسمدة الكيماوية التي تستهلكها الدول النامية .
وهناك ثلاثة أنواع رئيسة من الأسمدة الكيماوية، هي الأسمدة النتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية، إلى جانب مجموعة رابعة شاع استخدامها مؤخرا وهي أسمدة العناصر الصغرى. ولا تكاد تخلو تلك المخصبات الكيميائية من الشوائب الملوثة التي تتراكم في البيئة، ولا سيما عند استخدامها بمعدلات فائقة · وفي أغلب الأحيان تكون تلك الملوثات على هيئة عناصر ثقيلة تجد طريقها إلى السلسلة الغذائية من خلال النباتات .
وتتسبب الإضافات المتكررة للأسمدة الكيميائية إلى تراكم الملوثات في التربة ومنها تنتقل إلى موارد المياه الجوفية والسطحية مع مياه الري والمطر. وفي أغلب الدول العربية يضيف المزارعون، تقليديا، ما بين ضعف إلى ثلاثة أضعاف كمية المخصبات التي تحتاجها النباتات، وفي أغلب الأحيان تكون الإضافات بطريقة غير سليمة وفي توقيت غير مناسب .
ويعتبر عنصر النتروجين، أهم عنصر في تغذية النبات، أكبر ملوث للبيئة. ومن هنا، يجب توخي غاية الحذر عند تسميد المحاصيل بالأسمدة النتروجينية، لأن المعدلات العالية التي تزيد عن استهلاك النبات تسري داخل النظام البيئي وتلوثه . وتحتوي معظم الأسمدة المعدنية على عناصر ملوثة للبيئة . فعلى سبيل المثال يحتوي سماد نترات الأمونيوم على كميات محسوسة من عنصر البورون، ويحتوي سماد اليوريا على البيوريت، ويحتوي سماد كبريتات النشادر على عناصر النحاس والزنك والرصاص والكادميوم، كما يحتوي سماد السوبر فوسفات على تركيز مرتفع من عنصر الكادميوم .
وبصفة عامة تحتل العناصر الثقيلة، مثل الرصاص والنحاس والكادميوم والزنك والكروم والمنجنيز والنيكل والحديد والزئبق، مكان الصدارة بين الملوثات الموجودة في الأسمدة الكيميائية، وتعتبر أهم ما يصل إلى التربة من ملوثات، وهي عادة ما تتراكم


في التربة لقلة ذوبانها . وقد يمتص النبات منها كميات تكفي للإضرار بالناس والحيوانات . ومن ناحية أخرى، يحتاج النبات في نموه إلى مجموعة من العناصر تعرف بالعناصر الصغرى التي يحتاجها بكميات بسيطة ومنها الحديد والزنك والنحاس والمنجنيز . لذا، يجب إمداد النبات بتلك العناصر حتى يستطيع إتمام دورة حياته، بشرط أن يكون ذلك بكميات محسوبة بدقة، بحيث لا تلوث البيئة الزراعية . وبصفة عامة لا تتوفر حتى الآن تقنيات مجدية اقتصاديا في التصدي لمشكلة تلوث التربة بالكيماويات الزراعية .
نظم الزراعة النظيفة
في غضون العقود القليلة الماضية ظهرت بارقة أمل في نظم جديدة للزراعة تعرف بالزراعة النظيفة، يقل فيها بدرجة كبيرة استخدام الكيماويات الزراعية، وتستند بصفة رئيسة على التناغم مع البيئة وتسخير الميكروبات لتوفير بيئة مناسبة للإنتاج الزراعي. وتتضمن تلك النظم ثلاثة محاور رئيسة هي تكمير النفايات العضوية إلى أسمدة صناعية وتدويرها في البيئة الزراعية، وتخصيب التربة بالميكروبات المفيدة وتطبيق نظم المكافحة الأحيائية للآفات ( شكل ٩ ) .
والتربة هي العنصر الأساسي في الإنتاج الزراعي طالما توفرت مياه الري، وهي المهد الذي يستقبل البذرة الصالحة ويوفر لها متطلباتها حتى تغل محصولا وفيرا . وتتكون التربة من أربعة مكونات رئيسة : هي المواد المعدنية والمواد العضوية والماء والهواء. وفي الظروف المثالية تحتوي التربة على %۲۵ مياه و ٢٥ هواء و ٤٥ مواد معدنية و 5% مواد عضوية . وتتدرج المواد المعدنية حسب أحجامها بين الحصى والرمل الخشن والناعم والسلت حتى الطين، في حين تتدرج المواد العضوية بين المواد العضوية غير المتحللة والدبال كامل التحلل . ويعتبر المكون الغروي ( الحبيبات التي يقل قطرها عن ۲ ميكرون وهو يساوي واحد على ألف من الملليمتر ) هو المؤثر الرئيس في نشاط التربة، ويتكون من الطين والدبال والميكروبات .
وتهتم نظم الزراعة النظيفة بدعم المكون الغروي في التربة، من خلال تكمير


النفايات العضوية من مخلفات الإنتاج الزراعي النباتي والحيواني وتحويلها إلى أسمدة عضوية تضاف للتربة بدلاً من الأسمدة الكيميائية، وتمد النباتات النامية بمتطلباتها من الطاقة والعناصر الغذائية، وفي نفس الوقت تحسن من صفات التربة مما ينعكس كما ونوعا على إنتاجها من الحاصلات الزراعية .


وقد يبدو لأول وهلة أن التربة مجرد خليط من المواد المعدنية والعضوية، يسبح
في محلول مائي تتخلله بعض الغازات . بيد أن تلك الصورة لا تعبر عن الواقع . فالتربة بيئة تعيش فيها ملايين متنوعة من الكائنات الحية، ويجري بها العديد من التفاعلات الأحيائية المسؤولة عن إتمام دورات العناصر في الكون. وتعتبر الميكروبات من أهم الكائنات الحية التي تقطن التربة، حيث يحتوي الجرام الواحد منها على ما بين عدة ملايين إلى عدة بلايين من الميكروبات . وتقوم عشيرة الميكروبات بأدوار هامة في خصوبة التربة وتغذية النبات . وقد بدأ العلماء مؤخرا في عزل الميكروبات المفيدة لتخصيب التربة واستخدامها على هيئة مخصبات أحيائية في إطار


النظم الزراعية النظيفة، مما يقلل بدرجة محسوسة، المعدلات العالية التي تستخدم حاليا من الأسمدة المعدنية .
ويتضمن المحور الثالث في نظم الزراعة النظيفة الاستفادة من علاقات التضاد بين الكائنات الحية في المكافحة الأحيائية للآفات الزراعية . فعلى سبيل المثال، تستخدم حشرة أبو العيد في مكافحة آفة المن وتستخدم أنواع مختلفة من الميكروبات لمكافحة الحشرات . وقد نجحت تلك الأساليب المتنوعة مع غيرها في الحد من استخدام مبيدات الآفات على المستوى العالمي بدرجة واضحة . بيد أن الطريق مازال طويلا، وما زلنا ننتظر المزيد من الإنجازات التقنية للعلماء في هذا المجال


الفصل التاسع
تلوث المباني


على الرغم من أن مقدار التلوث الناشيء في المنازل وأماكن العمل قد يكون ضئيلا عند مقارنته بالبيئات الأخرى، فإن تأثيره ملموس على صحة الناس. وفي حين يتحتم على المؤسسات الصناعية والتجارية تطبيق التشريعات البيئية فيما يخص استخدام وطرح بعض المواد الكيميائية، مثل مبيدات الآفات والأصباغ والمنظفات، نجد الناس في المنازل لا يلتزمون بمراعاة التشريعات ويتعاملون مع نفس تلك الكيماويات الضارة بأسلوب يعود عليهم وعلى البيئة المحيطة بالضرر . وهناك إحساس عام بأن الكيماويات المنزلية آمنة وغير ضارة وبالتالي يتكرر استخدامها وتداولها وطرحها بطرق غير سليمة .
ومن الأهمية بمكان لصحة الناس نوعية الهواء في المنازل وأماكن العمل، لأن الكثير من المواد التي يشيع استخدامها تبث غازات وأبخرة وجسيمات دقيقة على درجة كبيرة من الخطورة. ويتلوث الهواء داخل المباني من جراء أنشطة الناس، وقد تنساب الملوثات من الأثاث أو مواد البناء · وفي العادة يتأثر الناس بتلوث الهواء الجوي داخل المباني أكثر منه خارجها، حيث يتنفس الإنسان لا إراديا نحو ٢٥ كيلوغراما من الهواء يوميا، ويمضي أغلب حياته داخل مـبـانـي مغلقة، ولا سـيـمـا المسنون والمرضى. وتتضمن الملوثات النمطية للهواء داخل المباني الرادون والأسبستوس ودخان السجائر والفورمالدهيد والمنظفات المنزلية .
والرادون غاز طبيعي نشط إشعاعيا ينشأ من التحلل الإشعاعي للراديوم ٢٢٦ الذي ينشأ بدوره من تحلل اليورانيوم ۲۳۸ ۰ ويرى العلماء أنه ينبغي ألا يزيد تركيز الرادون في الهواء داخل المباني على حوالي ١٠٠ بكرل /متر مكعب . وتتفاوت محتويات مواد البناء من نظائر سلسلتي اليورانيوم - راديوم والثوريوم المشعة، ومن نظير البوتاسيوم ٤٠ ، حيث توجد هذه النظائر في جميع أنواع الصخور والتربة وبالتالي في مواد البناء، بتركيزات شديدة التفاوت ونظرا لأن الرادون غاز فهو
سريع الحركة، ويتسرب بسهولة من التربة إلى داخل المباني من خلال الشقوق والفتحات في أساسات المبنى، وقد ينبثق من الطوب ومواد البناء الأخرى المستخدمة في البناء . وقد يوجد الرادون في المياه الجوفية، ومنها يتسرب إلى الهواء أثناء الاستحمام باستخدام الدش كما يمكن أن يوجد في الغاز الطبيعي المستخدم في المنازل كمصدر للطاقة، ويتسرب إلى جو المنازل خلال فترات إشعال الغاز في المطابخ أو السخانات . وعموما، يتراوح تركيز الرادون في الهواء الطلق بين عدد محدود من البكرل وعدد صغير من عشرات البكرل في كل متر مكعب .
ويعتبر استنشاق الرادون بمثابة المسبب الثاني لمرض سرطان الرئة بعد التدخين وتنشأ التأثيرات الضارة للرادون من جسيمات ألفا وبيتا وإشعاعات غاما التي تصدر خلال سلسلة الاضمحلال الإشعاعي للرادون قبل أن يصل للرصاص المستقر، حيث تؤين هذه الجسيمات والإشعاعات خلايا الجسم البشري مسببة تلف الأنسجة، وخاصة أنسجة الرئتين، كما أن للرادون أضرارا بالغة على المادة الوراثية في الخلية . ويمكن أن يصل مستوى تركيز الرادون في الهواء داخل المنزل في بعض الأماكن لعدة آلاف بكرل في المتر المكعب، وعندئذ يمثل هذا التركيز مخاطر سرطانية جسيمة على الإنسان .
ويمكن التحكم في مستوى الرادون داخل المباني بعدة طرق، تتوقف على مستوى تركيزه وتتضمن تلك الإجراءات التحكم في خفض معدل انبثاق الرادون من الأرض إلى المبنى بسد وتشميع النقاط التي يمكنه اختراقها، وتقليل مقداره داخل المبنى بزيادة مستوى التهوية.
ويخلط الأسبستوس، وهو معدن موجود في بعض تكوينات الصخور، بعد تعدينه وتصنيعه إلى ألياف دقيقة، مع الأسمنت والأسفلت في مواد البناء والتشييد . وقد استخدم الأسبستوس على نطاق واسع منذ الأربعينات في البناء كمادة عازلة مقاومة للحريق، وكمادة لتغطية جوانب المباني وأنابيب المياه الأسمنتية وفي الملابس الواقية من الحريق ومازال الأسبستوس يستخدم في العديد من الصناعات، بيد أن استخداماته المنزلية أصبحت محدودة للغاية .
ويعتبر الأسبستوس أحد المواد التي تأكدت قدرتها على إحداث مرض السرطان عند استنشاقه بكميات كافية . وتزيد فرص حدوث هذا المرض عند المدخنين الذين يتعرضون إلى استنشاق الأسبستوس خمسون ضعفا عن غير المدخنين . غير أن أغلب حالات الإصابة سجلت من جراء التعرض للأسبستوس في مواقع العمل . وتحمل كل منتجات الأسبستوس خطرا داهما بين طياتها، عندما تكون مثارة . فعلى سبيل المثال لا يمثل الأسبستوس المدمج مع الأسمنت والمواد المبطنة تهديدا طالما لم يثار . وقد بذلت مجهودات كبيرة للتحكم في الأسبستوس منذ أواخر الثمانينات، وأزيل المثار منه من المباني بطرق آمنة . ويمكن الحد من أخطار الأسبستوس بالتغليف بحاجز يحول دون انتشاره في الهواء .
ويتصدر دخان السجاير غيره من الملوثات داخل المباني والأماكن المغلقة، ويشمل تيار الدخان القادم من طرف السيجارة إلى جانب الدخان الذي ينفثه المدخن ويعرف تعرض غير المدخنين إلى دخان السجائر بالتدخين السلبي أو التطوعي أو غير المباشر . ويتركب دخان السجاير من جزيئات سابحة في الهواء تحتوي على أكثر من ٤٧٠٠ مركب كيميائي، منها مواد مسببة للالتهابات مثل الفورمالديد وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين، ومواد سامة ومواد مغيرة للصبغات الوراثية ( الجينات ) ومواد مسببة لمرض السرطان. وتأثيرات دخان السجاير على المدخنين باتت معروفة للعامة حتى لمن يسرف في التدخين، فهي سبب رئيس للوفاة بأمراض الرئة المختلفة، كما قد يسبب التدخين بعض أمراض القلب والشرايين .
وتنساب داخل المباني الأبخرة الناشئة عن حرق الوقود في السخانات والمواقد والأفران وغيرها، ولا سيما عند تشغيلها بطريقة غير مناسبة، كما في حالة وجود شروخ في معدات الحرق وعدم توفر التهوية الكافية وانسداد المداخن وعدم ضبط عمليات حرق الوقود. وتشمل ملوثات الحرق بصفة رئيسة أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النتروجين والهيدروكربونات . ويؤدي استنشاق تلك الغازات إلى التهاب العيون والحنجرة والكحة والغثيان والدوار والإجهاد والصداع. ويمكن التقليل من تلك التأثيرات بمتابعة الصيانة الدورية لمعدات الحرق والتسخين بالمنزل وزيادة التهوية وضبط نوعية الوقود .
ومن الملوثات المنزلية الشهيرة غاز الفورمالدهيد، الذي يدخل في تركيب الغراء ومواد العزل والحفظ، وكي وتنظيف الملابس، وصناعة الأثاث والجوخ والسجاد . وعلى الرغم من تأكيد إصابة فيران التجارب بمرض السرطان عند تعرضهم إلى غاز الفورمالدهيد، فإن قدرته على توليد السرطان في الإنسان مازالت موضع جدل بين العلماء غير أن استنشاق الفورمالدهيد يسبب لمعظم الناس حساسية وضيق في
التنفس والتهاب في العين والأنف والحنجرة واحمرار الجلد .
وحتى أواخر القرن العشرين كان الناس يستخدمون مع مواد التنظيف فرشاة قوية حتى يمكن الحصول على نتيجة جيدة من المنظف، بيد أن المنظفات الحديثة أصبحت فائقة الفاعلية بأقل مجهود لما تحويه من مكونات تعتبر خطرة على المستخدم
والبيئة داخل المباني .
وهناك مجموعة أخرى من الملوثات في المنازل، لا تقل خطورة عما سبق، من أهمها المنظفات الصناعية ومزيلات البقع وصابون تنظيف السجاد ومواد سد الشقوق ومواد الطلاء وملمع الأحذية، ومزيل اللمعان ومزيل المواد اللاصقة، ومبيدات الحشرات المنزلية، وبعض الأدوات المحتوية على عناصر كالرصاص وغيره ويؤدي تعرض الإنسان إلى تركيز عال من مبيدات الحشرات إلى تأثيرات صحية حادة مثل التقيؤ والدوار وتلف الأعصاب والإجهاض والعقم وتلف الصبغات الوراثية


ومن أخطر الملوثات المنزلية عنصر الرصاص، الذي ينساب مع المياه من مواسير الرصاص، والذي يدخل في تركيب المواد المستخدمة في تلميع السيراميك والبويات . والتأثيرات الضارة للتعرض لعنصر الرصاص معروفة منذ عهد أبو قراط عام ٣٧٠ قبل الميلاد. ويمكن أن يدخل الرصاص إلى الجسم من خلال استنشاق الغبار الملوث بالرصاص الناتج عن تهدم أو صنفرة أو حرق البويات المحتوية على الرصاص، وعن بلع التربة الملوثة بالرصاص . ويضر التعرض لمستويات كثيفة من الرصاص بالمخ والجهاز العصبي، ويؤدي إلى ضعف القدرة على التركيز وعدم ضبط السلوك وتلف السمع. وقد تتفاقم الأضرار إلى تدني قدرة الجسم على تكوين كرات الدم الحمراء وزيادة مخاطر الولادة وأمراض الأجنة . ولا توجد مستويات آمنة للتعرض
للرصاص، ولا سيما بالنسبة للأجنة والناشئة والأطفال . وعلى الرغم من أن البالغين يفرزون عنصر الرصاص خارج أجسامهم، فمازالت الشكوك تحيط بمن يتعرضون إلى مستويات عالية من الرصاص مثل من يعملون في صناعة البطاريات . ويمكن لسكان المنازل أن يقللوا من تأثير التلوث داخل المباني باستخدام مواد أقل خطورة، وتقليل الكميات المستخدمة من المواد التي تحمل الملوثات بين طياتها، واتباع إرشادات الاستخدام، وعدم تعريض الأطفال لهذه المواد. وتتضمن برامج التوعية في هذا المجال تنبيه الناس إلى أهمية مراعاة الملاحظات المكتوبة على العبوات، مثل سام، أو تجنب ملامسته للعين، أو عدم البلع أو الاستنشاق أو الاستخدام في مكان جيد التهوية، أو إبعاده عن الأطفال . كما تتضمن توعية الناس بعدم الإسراف في استخدام الكيماويات المنزلية الضارة واستبدالها بمواد أكثر أمناً، وتدريبهم على الأسلوب السليم لطرح نفايات المواد الخطرة وعدم إلقائها في سلة القمامة المنزلية أو على قارعة
الطريق .


الفصل العاشر
أساليب التحكم في التلوث
نشأت مشكلات التلوث البيئي من جراء الطلب المتزايد على الموارد الطبيعية التي تتسم بالندرة وتعجز عن الوفاء بتلبية متطلبات الحاضر دون المساس بالمستقبل . ومشكلات التلوث البيئي متشابكة ولها انعكاسات سلبية على برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية . وهناك إجماع على أن التلوث هو آفة القرن العشرين . فقد أصبحت تأثيراته ظاهرة للعيان في كل مكان . وبات من المحتم على الإنسان أن يسعى دؤوبا لمجابهة هذا الخطر الداهم . ويمكن التصدي لمشكلات التلوث البيئي في عالمنا المعاصر من خلال ثلاثة محاور رئيسة، تتكامل لمحاصرة التلوث في كل مكان وهي التقنية النظيفة والتوعية البيئية والتشريعات البيئية .
التقنية النظيفة
تعتبر التقنية النظيفة واحدة من أكبر التحديات والقضايا البيئية التي تشغل الناس في عالمنا المعاصر. ويقصد بالتقنية النظيفة مراجعة مراحل الإنتاج بدءا من المواد الخام وحتى تمام استهلاك المنتج النهائي لتحديد إطار متكامل للأداء يقلل من تبديد المواد الخام والطاقة من خلال رفع الكفاءة الفنية للتشغيل والحد من استخدام المدخلات الضارة، وإعادة استخدام النفايات وتدويرها ويتطلب تطبيق التقنية النظيفة في قطاعي الإنتاج والخدمات وضع استراتيجية متكاملة لكافة العمليات · وقد تم تطبيق التقنية النظيفة بنجاح في عدة مجالات منها الزراعة والصناعات الغذائية والتعدينية . بيد أنه لا يجب النظر إلى التقنية النظيفة في نطاق محدود، بل يجب التعامل معها من خلال تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، مع توفير نقلها وتطويعها وفق متطلبات البيئات المحلية في كل بلد . وقد يبدو للبعض أن التقنية النظيفة سهلة المنال، فهي ليست كذلك، وعلى من يسعى إليها مواجهة التحديات والمعوقات التي يجب مجابهتها بصبر وأناة في مواقع التطبيق . ولا ريب أن نجاح تطبيقات التقنية النظيفة يرتبط حتما بتخفيف مشكلات التلوث البيئي ·


التوعية البيئية
بات من المؤكد أن كل جهد يبذل وكل مال ينفق في مواجهة مشكلات التلوث البيئي يضيع هباءً منثورا ما لم يهتم المواطنون بالحفاظ على البيئة وصونها . كما أنه من المؤكد أن التطبيقات التقنية في حد ذاتها لا تؤثر في البيئة إلا من خلال الإنسان الذي يوجه التقنية إلى خير أو إلى ضرر البيئة . ويتعاظم الدور البشري بزيادة كثافة السكان، ولا سيما حول الموارد الطبيعية المحدودة ولا سبيل إلى إنجاح برامج مكافحة التلوث البيئي وصون الطبيعة في غياب توعية ومشاركة المواطنين . بيد أن المواطن لن يكون إيجابيا في أداء ما هو منوط به ما لم يكن واعيا بطبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة، وبين مكونات النظم البيئية وارتباط بعضها بالآخر ( شكل ١٠ )، وما لم يكن عارفا بالأساليب الفعالة التي تعظم دوره في صون البيئة · وبالطبع ليس مطلوبا أن تكون معرفة المواطن على مستوى معرفة العلماء والخبراء، بل يكفيه إلمامه بأبعاد القضية. وتهدف برامج التوعية البيئية إلى جعل المواطن أكثر تفهما ودراية بالعواقب التي تنجم عن تدخله غير الرشيد في البيئة لتحقيق غاياته .


وحتى يتسنى تحقيق هذا الهدف، ينبغي أن يناط بأجهزة الإعلام تشكيل وعي
بيئي بصورة إيجابية تدفع المواطن إلى تغيير سلوكه الضار بالبيئة، وتحثه على المشاركة في حل مشكلاتها . ويتم ذلك في ثلاث مراحل هي: التوعية بالمشكلات البيئية والتأثير في مشاعر واتجاه الجمهور المستهدف والتأثير في السلوك العام ولا ريب أن المرحلة الثالثة هي أصعب مراحل منظومة الإعلام البيئي، فقد يسهل على أجهزة الاتصال تزويد الناس بالمعلومات، بيد أن تغيير المواقف والسلوكيات مسألة قد يصعب منالها، طالما أن المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك، وهو ما يعرف بالإعلام الجيد الذي لا يحقق النتائج المرجوة . وتوجه أجهزة الإعلام برامج التوعية البيئية إلى ثلاثة مستويات تشمل أولا كبار المسؤولين المنوط بهم إصدار التشريعات واتخاذ القرارات ومباشرة تنفيذها، وتشمل ثانيا العشيرة الاستراتيجية التي تضم العلماء ورجال الدين وقيادات الهيئات والمنشآت التعليمية والإنتاجية ورؤساء الجمعيات المهنية، وتشمل ثالثا عامة المواطنين الذين يتدنى الوعي البيئي لديهم إلى مستوى تنعكس تأثيراته على تلوث وتدهور البيئة. وتتعامل أجهزة الإعلام في كل مجتمع مع أربع مجموعات من البشر، مجموعة غير الملمين بقضايا البيئة، ومجموعة غير المبالين ومجموعة السلبيين، ومجوعة الملتزمين . ولكل من تلك المجموعات ما يناسبها من برامج التوعية، التي تحقق الهدف
المنشود .
وهناك العديد من الأدوات والوسائل التي يمكن تسخيرها في برامج التوعية البيئية تناسب كافة المستويات، منها الحديث المباشر، وعقد الندوات والمناظرات والدورات التدريبية والمعسكرات، إلى جانب الاتصال بالفئات المعنية من خلال الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية .
وبصفة عامة، تتناول أجهزة الإعلام قضايا البيئة من خلال نمطين مختلفين، يهتم النمط الأول بالأزمات والكوارث البيئية في عجالة سريعة، تكتفي بالتغطية الإعلامية وتتحاشى الخوض في التفاصيل . ومعظم وسائل الإعلام لديها المهارة في إثارة النتائج الخطيرة المرتبطة بحادثة ما، وليس لديها الرغبة في وضع تلك المخاطر في منظور واقعي ويتسم هذا النمط الإعلامي بالسطحية وتهويل الحدث وتجاهل الدور
الرئيس لأجهزة الإعلام في مواجهة قضايا تلوث البيئة . ويعتمد النمط الثاني على تكامل المعالجة الإعلامية للقضايا المطروحة، ويسترسل في توعية وتعريف الناس بتفاصيل المشكلة وبأساليب مواجهتها .
التشريعات البيئية
لا يفوتنا في هذا المقام أن نشيد بما استقر في ضمير بعض المجتمعات المتقدمة عند تناولها للقضايا البيئية، من أن التشريعات تحيل نتائج البحوث إلى أسلوب ومنهاج حياة يلتزم به الكافة طواعية أو كراهية، بما يحقق السلوك السوي للناس داخل البيئة . ويؤدي التكامل بين تطبيق التشريعات البيئية بصرامة وتكثيف برامج التوعية البيئية إلى بناء مجتمع يعيش في تناغم مع بيئته .
وهناك بعض التشريعات التي تتعلق بقضايا تلوث البيئة في الوطن العربي، حيث صدر في العديد من الدول قوانين لحماية البيئة تتضمن العديد من الأحكام التي تصون البيئة وتضمن حمايتها من التلوث والتدهور .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

المبحث الأول: م...

المبحث الأول: ماهي حوادث العمل وتصنيفاتها المطلب الأول: مفهوم حوادث العمل يُعد تحديد مفهوم حوادث ا...

لقد حظي موضوع ا...

لقد حظي موضوع الشخصية بالقسط الأوفر من الدراسة في المجالين الأدبي والنقدي. إذ ورد حضورها على المستوى...

وفي ختام ندوتنا...

وفي ختام ندوتنا والتي بعنوان "بيئة مستدامة: أمان للأجبال القادمة"، يمكننا تلخيص ما قد تم تناوله في ا...

First of all it...

First of all it gives businesses to get customer satisfaction feedback on the products and services ...

أفادت مصادر محل...

أفادت مصادر محلية في وادي حضرموت بوقوع انفجارات عنيفة فجر اليوم داخل محيط معسكر المنطقة العسكرية الأ...

فقال سعد: اللهم...

فقال سعد: اللهم اكفني يده ولسانه، فقطعت يده وبكم لسانه. ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري عن البصرة وشا...

في النيجر، تظل ...

في النيجر، تظل الزراعة ركيزة الاقتصاد وهي في توسع مستمر مع وجود غالبية السكان في الريف، ويوفر القطاع...

بعد هذه الفضيحه...

بعد هذه الفضيحه التاريخيه والعالميه في بمناسبه افتتاح كاس العالم في الولايات المتحده الامريكيه وما ج...

يعد توصيل الأدو...

يعد توصيل الأدوية المهمة في الوقت الانسب بكفاءة بمثابة لغز معقد في مجال توصيل الأدوية. يتطلب التغلب ...

הדילמה כוללת הת...

הדילמה כוללת התנגשות בין מספר ערכים מקצועיים: שמירה על סודיות מקצועית ואמון. אחריות מקצועית לשלומה ...

حسن السياسة وإق...

حسن السياسة وإقامة المملكة كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. فك...

ConspiracyTheor...

ConspiracyTheory.net​ بيت / العلوم والتكنولوجيا / التستر على معاهدة أنتاركتيكا غير محلول 🔬 العلوم و...