Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (50%)
ليُسمَعَ صوتُهُ رغمَ ضوضاءِ شارعٍ الجيشِ الصّاخبةِ، وجعلَ يميلُ بنصفِهِ الأعلى داخلَ الدُّكانِ؛ واستدارَ فوقَ الطُّوارِ منَّجهًا نحوَ الطَّريقِ. كُرويُّ الجبهَةِ والعينينِ، وأمّا صَلْعَتُهُ فلمْ يبقَ فوقَ مرآتِها إِلّا جذورُ شعرٍ أبيضَ مثلُ منابتِ شعرٍ ذقنِهِ، وقدْ أفصَحَ مظهرُهُ عن إهمالِ صريح نتيجةً للسِّنِّ أو الطَّبعِ أو نسيانِ الذّاتِ، على ذلك كانَ يتمتَّعُ بحيويَّةٍ مرِحَةٍ، وتلتمعُ عيناهُ بنشاطٍ وابتهاج. وبدا أنَّهُ ينظرُ إلى الدّاخلِ لا إلى الطَّريقِ'، مَرَقَ منَ المنفَذِ؛ ليعْبُرَ الشّارعَ إلى ضِفَّتِهِ الأُخرى، وما كادَ يجاوِزُ مُقدِّمةَ اللّوري الأخيرِ حتّى شعرَ باندفاعِ سيّارة (فورد) نحوَهُ بسرعةٍ فائقةٍ?. وقالَ أحدُ الشُّهودِ فيما بعدُ إنَّهُ كانَ عليْهِ أنْ يتراجَعَ بسرعةٍ، وإنَّهُ لوْ فعلَ ذلك لنَجارغمَ سرعةِ السَّيّارةِ، وهوَ يهتفُ، (يا ساترُ يا ربُّ) وجرتِ الحوادثُ متلاحقةً. ندّتْ عنِ الرَّجلِ صرحةٌ كالعُواءِ، وفي ذاتِ الوقتِ انطلقتْ صرَخاتُ الفزع منَ المارَّةِ الواقفينَ على الطُّوارِ، صوتٌ محشْرَجٌ متشنِّجُ ممزَّقٌ، وهيَ تزحَفُ على الأرضِ بعجلاتٍ متوقِّفةٍ جامدةٍ، وهُرِعَ نحوَ الضَّحيَّةِ في ثوانٍ عشراتٌ وعشراتٌ كأسرابِ الحَمامِ، وانتشرَ في المِنطقةِ الهَرَجُ. وكانَ منكفِئًا على وجهِهِ، ولا يجرؤُ أحدٌ على لمسهِ، والأُخرى منثنيَةٌ مُنْحَسِرَةُ البنطلونِ) عنْ ساقٍ نحيلَةٍ غزيرةِ الشَّعرِ، وقدْ فقدتْ حذاءَها، وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهِ ألبتَّةَ، الرَّجلُ وهوَ يرتفِعُ في الفضاءِ متارًا، ثمَّ يهوي فوقَ الأرضِ كشيءِ ، وألصَقَ سائقُ الفوردِ ظهرَهُ بالسِّيَّارةِ منْ بابِ الحيطَةِ، وبسرعةٍ، عادَ ليقولَ بلهجةٍ خطابيَّةٍ:
- لم يكنْ بالإمكانِ أنْ أتجنَّبَ الصَّدْمةَ. وندَّ عنِ المُصابِ صوتٌ كالزَّفيرِ المَكتومِ، ثمَّ غرقَ في اللّامبالاةِ. - لم يمتْ! حيٌّ. - عندَ فمِهِ، - كلَّ ساعةٍ حادثُ من هذا النَّوع. وجاءَ شرطيٌ مسرعًا، فأجابَهُ الشُّرطيُّ بلهجةٍ رادِعَةٍ:
- أقلُّ لمسةٍ قدْ تقتُلُهُ، و(بوليسُ) النَّجدةِ والإسعافُ في الطَّريقِ إليهِ. واعترضَ الحادثُ جانبَ الطَّريقِ؛ فاضطرَّتِ السَّيّارةُ إلى الالتفافِ حَوْلَ السّورِ البشريِّ مُشارِكَةً التَّرامَ في ممْشاهُ، فضاقَ بها حتّى تحرَّكتْ في بُطءٍ شديدٍ، وتجمَّعتْ في صفوفٍ ممتدَّةٍ ومُتداخِلَةٍ، وهيَ تصرُخُ وتعوي بلا فائدةٍ، ومن رُكّابِها تطلَّعتْ أعينٌ إلى الضَّحيَّةِ في اهتمامٍ، وأعينٌ تجنَّبتِ النَّظرَ في جَزَعٍ، وجاءَ (بوليسُ) النَّجدةِ وراءَ صفّارتِهِ الحَلَزونيَّةِ فاتَّسعتِ الحلْقةُ، وغادرتِ القوَّةُ السَّيَّارةَ إلى الرَّجُلِ المُلقى، وكانَ الضّابطُ حاسمًا وحازمًا، وسألَ الشُّرَطيِّ:
- ألمْ تحضُرِ الإسعافُ؟ فإنَّهُ لم يُلْقِ بالّا إلى الجوابِ، - هلْ منْ شُهودٍ؟ فارغةٍ، في التّلفونِ، وأحاطَ رجالُها بالرَّجُلِ، وتفحَّصَهُ رئيسُهُم بعنايةٍ وحَذَرٍ، ثمّ نهضَ متوجِّهًا إلى الضّابطِ ، فبادرَهُ هذا قائلًا؟:
- أظنُّ يجبُ نقلُهُ إلى الإسعافِ. سيارتِهِ:
وأدركَ الضّابطُ ما يعنيهِ ذلك، وعندما أُرقِدَ الرَّجُلُ بحجرةِ الفحص بمستشفى الدِّمرداشِ كانت طلائعُ اللَّيلِ
ثمَّ التفتَ إلى مُساعدِهِ قائلاً :
تُهدِّدُ القلِبَ مُباشرةً . - عمليَّةٌ؟
فهزَّ رأسَهُ قائلًا:
- إنَّهُ يُحتضَرُ . فقدْ تحرَّك الرَّجُلُ حركةً شامِلةٌ كالرَّعْشَةِ، واضْطَرَبَ صدرُهُ، ثمَّ شَهَقَ شَهْفَةٌ خفيفةً، واستَكَنَّ، وكانَ الطَّبيبانِ يراقبانِهِ، - انتهى. وجاءَ ضابطُ النُّقطةِ، وكانَ الرَّجُلُ ما يزالُ راقدًا بكاملٍ ملابسِهِ عدا فردةِ الحذاءِ المفقودةِ. وقالَ الطَّبيبُ هذهِ الحوادثُ لا تنتهي. فقالَ الضّابطُ وهوَ يومِئُ إلى الفقيدِ:
- وشهادةُ الشُّهودِ ليستْ في صالحِهِ! ثُمَّ، وهوَ يقتربُ منَ السَّريرِ:
- أرجو أنْ نستدِلَّ على شَخصيَّتِهِ. وشرعَ في عملهِ على حينَ بسطَ (الشّاويشُ) المُرافقُ لهُ ورقةً فوقَ مِنْضَدَةٍ، ودسَّ الضّابطُ يدَهُ برفْقٍ في جيبِ الجاكِنَّةِ الدّاخليِّ؛ ويُسْتَحْسَنُ تجنُّبُ المنبِّهاتِ كالشّايِ والقهوةِ والشّيكولاتَهِ، إذ إنَّ تعليماتٍ مماثلةً صدرتْ إليهِ من طبيبِهِ في نفسِ الشَّهرِ! ثمَّ واصلَ إملاءَهُ، وأصابعُهُ تستخرجُ منَ الحافظةِ محفوظاتِها:
- مجلَّدٌ صغيرٌ منَ السُّورِ القُرآنيَّةِ. - لا توجَدُ بطاقةُ تحقيقٍ شخصيَةٌ! وانتقلَ إلى الجيبِ الدّاخليِّ، - ثلاثةُ قروشٍ ونصفُ، وتتابعَ الإملاءُ: ساعةُ يدِ. فبَسَطها، فعادَ إلى رأس الصَّفحةِ، أخي العزيزَ أدامَهُ اللهُ اضْطُرَّ إلى التَّوقُفِ رافعًا عينَيْهِ إلى تاريخ الرّسالةِ، 20 فبراير، المُغْلَقِ كَسِرِّ، وتساءلَ الطَّبيبُ:
- عثرتَ على شيءٍ؟ فانتَبَهَ إلى نفسِهِ، ليدلَّ على اعتيادِهِ أيَّ شيءٍ، وقالَ:
- اليومَ تحقّقَ لي أكبرُ أملٍ في الحياةِ، بذلِك بدأتِ الرّسالةُ! وعادَ إلى القراءةِ متجنَّبًا النَّظرَ إلى عيني الطّبيبِ: فقدِ انزاحتْ عنْ صدري الأعباءُ المَريرَةُ، وكلَّما ذكرتُ الماضي بمتاعِبِهِ وَكَدْحِهِ وقلقِهِ وشقائِهِ أحْمَدُ اللّهَ المَنّانَ، وهذا هوَ النَّصْرُ المبينُ.
Original text
يتكلَّمُ في تلفونِ الدّكانِ بصوتٍ مرتفعٍ؛ ليُسمَعَ صوتُهُ رغمَ ضوضاءِ شارعٍ الجيشِ الصّاخبةِ، وجعلَ يميلُ بنصفِهِ الأعلى داخلَ الدُّكانِ؛ ليبتعِدَ ما أمكنَ عنِ الضَّوضاءِ، ثمَّ ختَمَ حديثَهُ بقولهِ: (انتظرْني، سأحضرُ فورًا)، وأعادَ السَّماعةَ إلى مكانِها، ونقدَ البائعَ ثمَنَ المُكالمَةِ، واستدارَ فوقَ الطُّوارِ منَّجهًا نحوَ الطَّريقِ.
كانَ في السَّتينَ أو نحوِها... طويلُ القامَةِ نحيلُها، كُرويُّ الجبهَةِ والعينينِ، مُكَوَّرُ الذَّقْنِ، وأمّا صَلْعَتُهُ فلمْ يبقَ فوقَ مرآتِها إِلّا جذورُ شعرٍ أبيضَ مثلُ منابتِ شعرٍ ذقنِهِ، وقدْ أفصَحَ مظهرُهُ عن إهمالِ صريح نتيجةً للسِّنِّ أو الطَّبعِ أو نسيانِ
الذّاتِ، على ذلك كانَ يتمتَّعُ بحيويَّةٍ مرِحَةٍ، وتلتمعُ عيناهُ بنشاطٍ وابتهاج.. وبدا أنَّهُ ينظرُ إلى الدّاخلِ لا إلى الطَّريقِ'، ثمَّ مالَ يُمنةً بمحاذاةِ صفٍّ منَ اللُّوريّاتِ الواقفَةِ لصْقَ الطُّوارِ حتّى وجدَ منفذًا إلى الشّارعِ.. مَرَقَ منَ المنفَذِ؛ ليعْبُرَ الشّارعَ إلى ضِفَّتِهِ الأُخرى، وما كادَ يجاوِزُ مُقدِّمةَ اللّوري الأخيرِ حتّى شعرَ باندفاعِ سيّارة (فورد) نحوَهُ بسرعةٍ فائقةٍ?.
وقالَ أحدُ الشُّهودِ فيما بعدُ إنَّهُ كانَ عليْهِ أنْ يتراجَعَ بسرعةٍ، وإنَّهُ لوْ فعلَ ذلك لنَجارغمَ سرعةِ السَّيّارةِ، ولكنَّهُ لسببِ ما - لعلَّهُ المفاجأةُ أو سوءُ التَّقديرِ
- وثبَ إلى الأمامِ، وهوَ يهتفُ، (يا ساترُ يا ربُّ) وجرتِ الحوادثُ متلاحقةً.
ندّتْ عنِ الرَّجلِ صرحةٌ كالعُواءِ، وفي ذاتِ الوقتِ انطلقتْ صرَخاتُ الفزع منَ المارَّةِ الواقفينَ على الطُّوارِ، وفوقَ إفريزِ محطَّةِ التَّرامِ. صدرَ عنْ (فرملَةِ الفورد)
صوتٌ محشْرَجٌ متشنِّجُ ممزَّقٌ، وهيَ تزحَفُ على الأرضِ بعجلاتٍ متوقِّفةٍ جامدةٍ، وهُرِعَ نحوَ الضَّحيَّةِ في ثوانٍ عشراتٌ وعشراتٌ كأسرابِ الحَمامِ، حتّى تكوّنَ منهُمْ سورٌ غليظٌ منيعٌ، وانتشرَ في المِنطقةِ الهَرَجُ.
ولمْ ينبضْ جسمُ الرَّجُلِ بحركةٍ واحدةٍ، وكانَ منكفِئًا على وجهِهِ، ولا يجرؤُ أحدٌ على لمسهِ، وإحدى رجليْهِ ممدودَةٌ إلى آخرِها، والأُخرى منثنيَةٌ مُنْحَسِرَةُ
(البنطلونِ) عنْ ساقٍ نحيلَةٍ غزيرةِ الشَّعرِ، وقدْ فقدتْ حذاءَها، وتغشّاهُ صمْتٌ بخلافِ كلِّ شيءٍ حولَهُ، وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهِ ألبتَّةَ، الرَّجلُ وهوَ يرتفِعُ في الفضاءِ متارًا، ثمَّ يهوي فوقَ الأرضِ كشيءِ ، وألصَقَ سائقُ الفوردِ ظهرَهُ بالسِّيَّارةِ منْ بابِ الحيطَةِ، وراحَ يخاطِبُ مجموعةً منَ الحُفاةِ أحْدَقتْ بهِ على سبيلِ المُراقَبةِ:
- لا ذنبَ لي، اندفعَ هوَ منْ أمام اللّوري فجأةً، وبسرعةٍ، ودونَ أنْ ينظرَ إلى يسارِهِ كما يَجِبُ، وإذا لمْ يجدْ وجْهًا مُسْتجيبًا، عادَ ليقولَ بلهجةٍ خطابيَّةٍ:
- لم يكنْ بالإمكانِ أنْ أتجنَّبَ الصَّدْمةَ.
وندَّ عنِ المُصابِ صوتٌ كالزَّفيرِ المَكتومِ، وتحرَّكَ حركةً شامِلَةً مُباغِتةً، ثانيَةً واحدةً، ثمَّ غرقَ في اللّامبالاةِ.
- لم يمتْ! حيٌّ.
- لعلّها إصابةٌ بسيطةٌ.
- لكنَّهُ طارَ في الهواءِ والعياذُ باللّهِ!
- ولو، عفْوُ ربِّنا كبيرٌ ...
- لا يوجدُ دَمٌ؟
- عندَ فمِهِ، انظُرْ...
- كلَّ ساعةٍ حادثُ من هذا النَّوع.
وجاءَ شرطيٌ مسرعًا، وفتحَ له وقعُ قدميهِ ثغرةً في السّورِ الآدميِّ، نفذَ منْها وهوَ يصيحُ بالنّاس أنْ يبتعدوا خطواتٍ، خطواتٍ فقط، وعينُهُم لا تتحوَّلُ عنِ الرَّجلِ، ولا تُخفي حِدَّةَ تطلُّعِها وإشفاقِها، وقالَ إنسان":. - سَيبقى هكذا حتّى يموتَ، ونحنُ لا نفعلُ شيئًا؟!
فأجابَهُ الشُّرطيُّ بلهجةٍ رادِعَةٍ: - أقلُّ لمسةٍ قدْ تقتُلُهُ، و(بوليسُ) النَّجدةِ والإسعافُ في الطَّريقِ إليهِ..
واعترضَ الحادثُ جانبَ الطَّريقِ؛ فاضطرَّتِ السَّيّارةُ إلى الالتفافِ حَوْلَ السّورِ البشريِّ مُشارِكَةً التَّرامَ في ممْشاهُ، فضاقَ بها حتّى تحرَّكتْ في بُطءٍ شديدٍ، وتجمَّعتْ في صفوفٍ ممتدَّةٍ ومُتداخِلَةٍ، وهيَ تصرُخُ وتعوي بلا فائدةٍ، ومن رُكّابِها تطلَّعتْ أعينٌ إلى الضَّحيَّةِ في اهتمامٍ، وأعينٌ تجنَّبتِ النَّظرَ في جَزَعٍ، وجاءَ (بوليسُ) النَّجدةِ وراءَ صفّارتِهِ الحَلَزونيَّةِ فاتَّسعتِ الحلْقةُ، وغادرتِ القوَّةُ السَّيَّارةَ إلى الرَّجُلِ المُلقى، وكانَ الضّابطُ حاسمًا وحازمًا، فأصدرَ أمرًا بتفريقِ المتجمِّعينَ، وتفحَّصَ الرَّجُلَ بنظرةٍ شاملةٍ، وسألَ الشُّرَطيِّ: - ألمْ تحضُرِ الإسعافُ؟
وإذْ لمْ تكنْ ثمَّةَ ضرورةٌ إلى السُّؤالِ، فإنَّهُ لم يُلْقِ بالّا إلى الجوابِ، وتساءَلَ مرَّةً أخرى: - هلْ منْ شُهودٍ؟
فتقدَّمَ ماسحُ أحذيةٍ، وسائقُ (لوري) وصبيُّ (كبابجيِّ) كانَ عائدًا بصينيَّةٍ
فارغةٍ، وأعادوا على مَسْمَعِ الضَّابطِ ما حدثَ منذُ كانَ الرَّجُلُ المَجهولُ يتكلَّمُ
في التّلفونِ، وجاءتْ سيّارةُ الإسعافِ، وأحاطَ رجالُها بالرَّجُلِ، وتفحَّصَهُ رئيسُهُم
بعنايةٍ وحَذَرٍ، وهوَ يجلسُ القُرْفُصاءَ، ثمّ نهضَ متوجِّهًا إلى الضّابطِ ، فبادرَهُ هذا
قائلًا؟:
- أظنُّ يجبُ نقلُهُ إلى الإسعافِ.
فقالَ الآخرُ بلهجةٍ ذاتِ أثرٍ لا يختلفُ عنِ الأثرِ الَّذي يحدثُ عادةً عنْ جرسِ
سيارتِهِ: - بلْ يجبُ نقلُهُ إلى مُستشفى الدِّمرداشِ..
وأدركَ الضّابطُ ما يعنيهِ ذلك، على حينَ استطردَ رجُلُ الإسعافِ قائلًا: - أعتقدُ أنَّ الحالةَ خطيرةٌ جدًا.
وعندما أُرقِدَ الرَّجُلُ بحجرةِ الفحص بمستشفى الدِّمرداشِ كانت طلائعُ اللَّيلِ
تزحَفُ كالجبالِ، وفحَصَهُ مديرُ القسمِ بنفسِهِ، ثمَّ التفتَ إلى مُساعدِهِ قائلاً : - إصابةٌ خطيرةٌ في الرَّئَةِ اليُسرى، تُهدِّدُ القلِبَ مُباشرةً ..
- عمليَّةٌ؟
فهزَّ رأسَهُ قائلًا: - إنَّهُ يُحتضَرُ ..
وصدقَتْ فِراسَةُ الطَّبيبِ، فقدْ تحرَّك الرَّجُلُ حركةً شامِلةٌ كالرَّعْشَةِ،
واضْطَرَبَ صدرُهُ، اضطرابًا مُتلاحِقًا مُحَشْرِجًا، ثمَّ شَهَقَ شَهْفَةٌ خفيفةً، واستَكَنَّ،
وكانَ الطَّبيبانِ يراقبانِهِ، فالتفتَ المديرُ نحوَ مُساعدِهِ وهوَ يقولُ: - انتهى..
وجاءَ ضابطُ النُّقطةِ، وكانَ الرَّجُلُ ما يزالُ راقدًا بكاملٍ ملابسِهِ عدا فردةِ
الحذاءِ المفقودةِ.
وقالَ الطَّبيبُ
- عمليَّةٌ؟
هذهِ الحوادثُ لا تنتهي..
فقالَ الضّابطُ وهوَ يومِئُ إلى الفقيدِ:
- وشهادةُ الشُّهودِ ليستْ في صالحِهِ!
ثُمَّ، وهوَ يقتربُ منَ السَّريرِ: - أرجو أنْ نستدِلَّ على شَخصيَّتِهِ.
وشرعَ في عملهِ على حينَ بسطَ (الشّاويشُ) المُرافقُ لهُ ورقةً فوقَ مِنْضَدَةٍ، وتأهَّبَ بدوره لتسجيلِ المحضرِ.. ودسَّ الضّابطُ يدَهُ برفْقٍ في جيبِ الجاكِنَّةِ الدّاخليِّ؛ فاستخرَجَ حافظةَ نقودٍ قديمةً متوسِّطةَ الحجمِ، ومضى يفتِّشُها جَيبّا جَيبًا، ويُملي على الشّاويشِ: - خمسةٌ وأربعونَ قرشًا منَ العُملةِ الورقيَّةِ.
- (روشتةٌ) للدُّكتورِ فوزي سليمانَ..
وألقى نظرةً عابرةً على أسماءِ الأدويةِ، ولكنَّهُ لاحظَ وجودَ كتابةٍ على ظهرِها أيضًا، فجرَّه بصرُهُ عليها بلا إرادةٍ، فإذا بها: البيضُ والدُّهنيّاتُ ممنوعةٌ، ويُسْتَحْسَنُ تجنُّبُ المنبِّهاتِ كالشّايِ والقهوةِ والشّيكولاتَهِ، وابتسمَ الضّابطُ ابتسامةً باطنيَّةً؛ إذ إنَّ تعليماتٍ مماثلةً صدرتْ إليهِ من طبيبِهِ في نفسِ الشَّهرِ! ثمَّ واصلَ إملاءَهُ، وأصابعُهُ تستخرجُ منَ الحافظةِ محفوظاتِها: - مجلَّدٌ صغيرٌ منَ السُّورِ القُرآنيَّةِ..
ولمّا لمْ يجدْ شيئًا آخرَ في الحافظةِ قالَ بضيقٍ: - لا توجَدُ بطاقةُ تحقيقٍ شخصيَةٌ!
وانتقلَ إلى الجيبِ الدّاخليِّ، وما لبِثَ أنْ قالَ بفتورٍ: - ثلاثةُ قروشٍ ونصفُ، عُملةٌ معدنيَّةٌ.
وتوالى التَّفتيشُ، وتتابعَ الإملاءُ: - منديلٌ، سلسلةُ مفاتيحَ، ساعةُ يدِ.. °
وكانَ آخرَ ما عثرَ عليهِ صفحةٌ مطويَّةٌ من كرّاسةٍ، فبَسَطها، فوجدَها رسالةً لمْ تُغُلَّفْ بمظروفٍ بعدُ، فأمِلَ أنْ يُصادِفَ فيها ما يمكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بهِ على شخصيَّةٍ الرَّجُلِ، نظرَ أوَّلَ ما نظرَ إلى الإمضاءِ، ولكنَّهُ لم يزدْ عنْ (أخوك عبدُاللّهِ)، فعادَ إلى رأس الصَّفحةِ، ولكنَّ الرّسالةَ كانتْ موجَّهةً إلى (أخي العزيزَ أدامَهُ اللّهُ)
فاستاءَ من هذهِ المعانَدَةِ، ولمْ يجدْ بُدًّا من قراءَتِها.
أخي العزيزَ أدامَهُ اللهُ
اليومَ تحقَّقَ لي أكبرُ أملٍ في الحياةِ.
اضْطُرَّ إلى التَّوقُفِ رافعًا عينَيْهِ إلى تاريخ الرّسالةِ، وكانَ تاريخ اليوم نفسِهِ
20 فبراير، وامتدَّ بصرُهُ فوقَ الأسطُرِ إلى الوجْهِ الباهِتِ المَشوبِ بزُرْقَةٍ مُخيفةٍ، المُغْلَقِ كَسِرِّ، الجامِدِ كَتِمثالٍ، ذلك الَّذي تحقِّقَ لَهُ أكبرُ أملٍ في الحياةِ")، وتساءلَ الطَّبيبُ: - عثرتَ على شيءٍ؟
فانتَبَهَ إلى نفسِهِ، وابتسَمَ ابتسامةَ استهانَةٍ؛ ليدلَّ على اعتيادِهِ أيَّ شيءٍ، وقالَ: - اليومَ تحقّقَ لي أكبرُ أملٍ في الحياةِ، بذلِك بدأتِ الرّسالةُ!
وعادَ إلى القراءةِ متجنَّبًا النَّظرَ إلى عيني الطّبيبِ: فقدِ انزاحتْ عنْ صدري الأعباءُ المَريرَةُ، انزاحتْ جميعًا والحمدُ للّهِ، أمينةُ وبهيَّةُ وزينبُ في بيوتِهنَّ، وها هوَ عليٌّ يتوظَفُ، وكلَّما ذكرتُ الماضي بمتاعِبِهِ وَكَدْحِهِ وقلقِهِ وشقائِهِ أحْمَدُ اللّهَ المَنّانَ، وهذا هوَ النَّصْرُ المبينُ.
واسترقَ النَّظرَ مرَّةً أخرى إلى الإنسانِ الرّاحِلِ، الَّذي لا يدري أحدٌ مَقرَّهُ، الَّذي يثيرُ الدَّهشَةَ بصمْتِهِ، وانعزالِهِ وارتدادِهِ العميقِ إلى المجهولِ، المتاعِبُ والقلقُ والشَّقاءُ والأملُ الكبيرُ والنَّصْرُ المبينُ! وبعدَ تفكيرٍ طويلٍ قرَّ رأيي على ترْكِ الخدمَةِ فِعْلًا. فهيهاتَ أنْ تتَحسَّنَ صحَتي طالَما بقيتُ في المدينةِ، وحسَبْتُ الحِسْبَةَ، فوجدتني أخدِمُ في الحكومَةِ بثلاثِ جُنيهاتٍ، هيَ الفرقُ بينَ المُرَتَّبِ والمعاشِ، ولذلِك قرَّرتُ أنْ أطْلُبَ إحالَتي على المَعاشِ، وقريبًا أعودُ إلى البلدِ إنْ شاءَ اللَّهُ، وسوفَ أنضَمُ إلى مجلس الظّريفِ عندَ عبدِ النَّوابِ شيخِ الخَفَرِ، أما فكلُّ شيءٍ بخيرٍ، وليسَ في الإمكانِ خيرٌ ممّا كانَ".
وطوى الضّابطُ الرّسالةَ وهوَ يقولُ: - إنَّهُ موظَّفٌ كَما يُفْهَمُ منْ خطابِهِ، ولكنْ ليسَ بِهِ ما يُمْكِنُ الاستدلالُ على هُويَّتِهِ.
فقالَ الطَّبيبُ: - ستُتَّخَذُ الإجراءاتُ المألوفَةُ، وغالبًا ما يجيءُ أهلُهُ في الوقتِ المُناسِبِ،
فيتسلَّمونَ الجُنَّةَ منَ المشْرَحَةِ.12
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
تشهد مديرية الوضيع في محافظة أبين احتقاناً شعبياً متصاعداً وأزمة خانقة تعصف بالحياة اليومية للمواطني...
1.3.New data ma...1.3.New data management and electronic systems oThey manage and handle their data to the fullest ext...
عثر مواطنون على...عثر مواطنون على جثماني امرأة وابنتها داخل منزلهما في منطقة الحبلة بمديرية ذي السفال جنوب محافظة إب، ...
كشفت وحدة الأمن...كشفت وحدة الأمن البحري التابعة لـ«PTOC Yemen» عن مؤشرات على نشاط بحري غير اعتيادي حول الخزان العائم ...
الخاتمة: في هذا...الخاتمة: في هذا العرض، تعرفنا على أنواع الاستراتيجيات والاستمالات المختلفة، واستخرجنا الأنواع والاست...
الزمان زمن ينتش...الزمان زمن ينتشر [موسيقى] فيه الفساد والاجار بالبشر لكن لكل بدايه ظلم نهايه ظالم [موسيقى] المكان مما...
ترأس نائب رئيس ...ترأس نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قائد المقاومة الوطنية، الفريق أول ركن طارق صالح، اليوم الأربعاء...
تعرضت الأراضي ا...تعرضت الأراضي الفلسطينية لأطماع الدول الغربية في القرون الأخيرة خصوصاً أواخر الحكم العثماني حيث بدأ ...
The Second Part...The Second Party shall represent the interests of the First Party in dealings with governmental auth...
طالبت شبكة «محا...طالبت شبكة «محامون ضد الفساد» الجهات المختصة في محافظة تعز بالتحرك العاجل للكشف عن مصير المواطن محمد...
قُتل الشاب عبدا...قُتل الشاب عبدالله عبدالرحمن منصور عبدالله القباطي، من أبناء منطقة الرماء بمديرية القبيطة، إثر اعتدا...
في قلب محافظة ت...في قلب محافظة تعز، وحيث تركت الحرب ندوباً غائرة في كل زاوية، تقف المؤسسة العامة للمسالخ وأسواق اللحو...