Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

فهل يمكن الوقوف في وجه مشروع الهيمنة الحضارية الأمريكية؟ وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي للتدخُّل في شؤون العالم كله في القضايا السياسية، وبهذه الأمور مجتمعة تكون قد أمسكت بكافة الخيوط التي تضمن لها السيطرة على العالم سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا. ومنذ غدت الدولة الأولى في العالم وهي تتطلع لأن تكون الدولة التي تتفرد برسم السياسة العالمية دون منازع على غرار الدولة الإسلامية سابقًا، حتى تحقق لها هذا الأمر عام 1990م، لأن الدول والحضارات لها أعمار، فإن الغرب وفي مقدمته أمريكا ظل يبني سياساته على أساس أن الحروب الصليبية ضد الإسلام وأهله لا تزال مستمرة، وأن هذا يجعل أمريكا تقف بالضرورة إلى جانب العالم الغربي وكيان يهود. هذا ما يظهر من خلال متابعة خط سير أمريكا في تعاملها مع بلاد المسلمين، وهذا هو عين ما صرَّح به أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، حيث قال: ‏‏«يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة (المسيحية)‏. يحدد روستو أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام كيان يهود هو جزء من هذا المخطط، مع محاولة فرض رؤيتها لحل الدولتين على الجميع. ففي أوائل عام 1990م، ذكر الصحفي دافيد هاول في مقاله الذي نشرته صحيفة واشنطن تايمز وصحيفة جابان تايمز بعنوان «تحول في مسار التاريخ» أن العدو الآن بعد اندحار الشيوعية هو الإسلام وحضارته. (مجلة العربي عدد 514، ولذلك تميَّزت مرحلة التفرد الأمريكي منذ تسعينات القرن الماضي بتقسيم العالم وتحشيده ضد البلاد الإسلامية تحت غطاء محاربة الإرهاب، فعدلت أمريكا بوصلتها على إعلان الحرب على الإسلام والمسلمين، ثم تحدَّدت عقيدة المواجهة الحضارية مع الإسلام بعد عولمة الإرهاب واستنفار الجميع لمحاربته في مقولة بوش الابن "من ليس معنا، بزعامة صانعة الإرهاب أمريكا، فهو الحيلولة دون قيام الخلافة الإسلامية التي تعيد انبلاج فجر الحضارة الإسلامية القادرة على هزيمة الغرب الصليبي وإعادته أمام العالم إلى حجمه الحقيقي، وهذا ما أشار إليه داهية السياسة الأمريكية هنري كيسنجر حيث أشار في خطاب له ألقاه في الهند بتاريخ السادس من تشرين الثاني عام 2004م في مؤتمر هندوستان تايمز الثاني للقادة "إن التهديدات ليست آتية من الإرهاب، ولكنّ التهديد آتٍ من الإسلام الأصولي المتطرف الذي عمل على تقويض الإسلام المعتدل المناقض لما يراه الأصوليون في مسألة الخلافة الإسلامية، هذا الانتباه السياسي العميق إلى صحوة الأمة وحركيتها ووعيها على ذاتها وعلى مشروعها من قبل الدولة الأولى في العالم، والذي أدى إلى التجييش الإعلامي والعسكري ضد جزء كبير من البلاد الإسلامية بزعم الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تنشرها أمريكا بتركيز المزيد من القواعد العسكرية، سينعكس في المستقبل عليها بلا شك، ولكنه يعكس في الآن ذاته حجم الهزيمة النفسية ومدى الإفلاس الحضاري للغرب الذي خسر معركة الأفكار فانسحب في وقت مبكر من ميدان الصراع الفكري، ولم يجد من سبيل للمواجهة غير وضع المسلمين جميعًا في قفص الاتهام مع تشويه الإسلام ووسمه بالإرهاب وإعلان الحرب عليه في عقر داره، قبل أن تصل أفكاره المطابقة لواقع الإنسان إلى بلاد الغرب، بعيدًا عن الخداع والتضليل والتزييف وعن كل المغالطات التي ينسج خيوطها هذا المجتمع الدولي الرأسمالي الذي تقوده أمريكا. فلا يزيدهم ذلك إلا إشهارًا لسيوف العداء لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، عبَّر عنها صامويل هنتنغتون في قراءته الموضوعية الشهيرة التي رد فيها على النظرة القاصرة لتلميذه فوكوياما حين اعتبر أن "الديمقراطية الليبرالية بإمكانها أن تشكل فعلًا منتهى التطوُّر الأيديولوجي للإنسانية والشكل النهائي لأي حكم إنساني"، وقد فعل ذلك مرتين". ثم يخبره بكل ثقة وكل بساطة عن مرحلة ما بعد النزاع الرأسمالي الشيوعي قائلًا: "صحيح أن جوانب من الحضارة الغربية وجدت طريقها في حضارات أخرى؛ الذي ألفه ليتوسع في مقالة له نشرتها مجلة "فورين آفيرز" حول حتمية صدام الحضارات). يمكن تلخيص مرحلة الصراع الحضاري الغربي ضد الإسلام بقيادة أمريكا في النقاط التالية: واستعْدت شعوب العالم ضد الإسلام والمسلمين، في إعلانها الحرب ضد الإرهاب، 4- هذه السياسات عمَّقت من حجم الإفلاس الفكري والحضاري في مواجهة الإسلام، في المقابل، خفت بريق الديمقراطية عالميًّا وتراجع الاهتمام العالمي بمنظومة القيم الغربية بشكل عام وضعفت الثقة بقدرة النظام الرأسمالي على حل مشاكل البشرية. تصدع جدران البناية الحضارية الغربية كل هذا المكر الغربي بقيادة أمريكا، كان قبل مرحلة "الربيع العربي" التي عزَّزت الشعور لدى الإدارة الأمريكية بقرب خروج المارد الإسلامي من القمقم، فراح قادتها يسابقون الزمن من أجل منع خروجه الحتمي المرتقب ويخمدون بكل الوسائل والأساليب تلك التحركات الشعبية الراغبة في التحرر الفعلي من ربقة الاستعمار ومن تسلط النظام الدولي بقيادة أمريكا، حيث جابت الثورات عواصم البلدان العربية رافعة شعارات الإسلام بكل وضوح ومنادية بالخلافة في بلاد الشام من منطق إسلامي عقائدي ضديد للمشاريع الاستعمارية في المنطقة، الأمر الذي جعل أمريكا تسارع إلى إيصال الإسلاميين المعتدلين إلى الحكم في أكثر من بلد من أجل إفراغ الإسلام من مضامينه؛ وذلك بالتوازي مع استغلال النسخة المشوَّهة للخلافة المعروفة اختصارًا بـ(داعش)، ثم إلى إنشاء التحالف الدولي ضد (داعش) الذي مهَّد لسطوة أمريكا على المنطقة وإشراك روسيا في أعمالها العسكرية بغطاء صليبي معلن يجهر بالعداء للخلافة فضلًا عن إشراك تركيا الملتحفة بعباءة الإسلام المعتدل وذلك بغاية وأد الثورة السورية. أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ” والذي حذَّر فيه من تراجع الاهتمام بالديمقراطية وخسارة دعاتها في البلاد العربية. ومع ذلك، إمعانًا منها في كسر إرادة الأمة وقتل الأمل في التغيير الجذري على أساس الإسلام، في وقت يفترض فيه أن تنشغل أكثر بمشاكلها الداخلية. وبرَّرت بقاء قواتها في المنطقة بالقول إن “العراق وسوريا يشكلان خطرًا أكبر على أمريكا من أفغانستان” كما جاء على لسان بايدن. وشهدت السياسة الأمريكية انقسامًا واضحًا أحدث شرخًا حقيقيًّا داخل المجتمع الأمريكي، وهذا كله أدى إلى تصدُّع جدران البناية الحضارية الغربية التي تحرسها أمريكا، وإلى تراجع الثقة عالميًّا في المبدأ الرأسمالي وفي قدرته على توفير مناخ استثماري مستقر في الوقت الذي يتغذى فيه من صناعة الحروب والأزمات. في المقابل، تعددت الثقوب التي اخترقت هذا البناء الغربي المتآكل من الداخل؛ والشك في المسلمات الفكرية لدى الغرب، هذا هو الوضع الذي كان سائدًا قبيل أحداث “طوفان الأقصى”،

Original text

يهود. فهل يمكن الوقوف في وجه مشروع الهيمنة الحضارية الأمريكية؟
وجدت أمريكا هذا المجتمع "الوستفالي" الدولي وهذا الإشراف الأممي جاهزًا، وحاولت جاهدة الحفاظ عليه بل وتطوير نسخة منه؛ من أجل حمل لواء الصراع الحضاري في العالم، مستغلة تفوقها العسكري وخروجها بأخفِّ الأضرار الاقتصادية عقب الحرب العالمية الثانية.


أقامت أمريكا صرح الهيكلية الدولية بتشكيلة هيئة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي للتدخُّل في شؤون العالم كله في القضايا السياسية، مع افتعال الحروب والأزمات، في حين كان لصندوق النقد الدولي دور كبير في القضايا الاقتصادية والنقدية. وبهذه الأمور مجتمعة تكون قد أمسكت بكافة الخيوط التي تضمن لها السيطرة على العالم سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا. ومنذ غدت الدولة الأولى في العالم وهي تتطلع لأن تكون الدولة التي تتفرد برسم السياسة العالمية دون منازع على غرار الدولة الإسلامية سابقًا، حتى تحقق لها هذا الأمر عام 1990م، من خلال انهزام المبدأ الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي وسقوطه المدوِّي في معركة صراع الحضارات، رغم امتلاكه لأحد أكبر الجيوش في العالم عدةً وعتادًا فضلًا عن ترسانته النووية الضخمة، ومع ذلك لم تنجح فلسفته وحضارته ممثلة في مجموعة المفاهيم عن الحياة في قيادة الشعوب، وهذا هو سبب التداعي والسقوط؛ لأن الدول والحضارات لها أعمار، وهي تُبنى وتقوم على أساس الأفكار التي تقنع الإنسان فتقوده فكريًّا، لا على القوة العسكرية التي ترغم الشعوب على اعتناق أفكار فاسدة لا تصلح لرعاية شؤونهم.


والملاحظ في سياق الحرب الحضارية، أنه حتى في ظل وجود الاتحاد السوفياتي واستمرار غياب كيان للمسلمين، فإن الغرب وفي مقدمته أمريكا ظل يبني سياساته على أساس أن الحروب الصليبية ضد الإسلام وأهله لا تزال مستمرة، وأن هذا يجعل أمريكا تقف بالضرورة إلى جانب العالم الغربي وكيان يهود.


هذا ما يظهر من خلال متابعة خط سير أمريكا في تعاملها مع بلاد المسلمين، وهذا هو عين ما صرَّح به أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967م، حيث قال: ‏‏«يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة (المسيحية)‏. ‏لقد كان الصراع محتدمًا ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة. ومنذ قرن ونصف، خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي. إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي، فلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالعالم الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها».


بهذا القدر من الوضوح، يحدد روستو أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام كيان يهود هو جزء من هذا المخطط، وأن ذلك ليس إلا استمرارًا للحروب الصليبية؛ ولهذا استمرت أمريكا منذ ذلك الوقت في الإمساك بملف ما أسموه قضية الشرق الأوسط وقضية فلسطين، وجعلهما أولوية في سياساتها مع البلاد الإسلامية، مع محاولة فرض رؤيتها لحل الدولتين على الجميع.


وفيما اعتبر مسؤول في وزارة الخارجية الفرنسية منذ سنة 1952م أن الشيوعية لا تعد خطرًا على أوروبا مقارنة بالإسلام الذي يعد تهديدًا مباشرًا للحضارة الغربية لقدرته الفعلية على إزالة قواعد الحضارة الغربية وإلحاق رسالتها بمتاحف التاريخ، فإن الساسة والمفكرين الأمريكيين قد اتخذوا من الإسلام عدوهم الحضاري الأول والأساسي بمجرد سقوط الاتحاد السوفياتي.


ففي أوائل عام 1990م، ذكر الصحفي دافيد هاول في مقاله الذي نشرته صحيفة واشنطن تايمز وصحيفة جابان تايمز بعنوان «تحول في مسار التاريخ» أن العدو الآن بعد اندحار الشيوعية هو الإسلام وحضارته. كما ينسب إلى شمعون بيريز رئيس وزراء كيان يهود الأسبق قوله: "لقد أصبحت الأصولية الخطر الأعظم في عصر ما بعد انهيار الشيوعية". (مجلة العربي عدد 514، سنة 2001).


ولذلك تميَّزت مرحلة التفرد الأمريكي منذ تسعينات القرن الماضي بتقسيم العالم وتحشيده ضد البلاد الإسلامية تحت غطاء محاربة الإرهاب، فعدلت أمريكا بوصلتها على إعلان الحرب على الإسلام والمسلمين، ثم تحدَّدت عقيدة المواجهة الحضارية مع الإسلام بعد عولمة الإرهاب واستنفار الجميع لمحاربته في مقولة بوش الابن "من ليس معنا، فهو ضدنا"؛ وهو ما مهد لحروب صليبية جديدة قادتها أمريكا ضد بلاد إسلامية بعد افتعال أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001م.


أما الغاية من هذه الحرب الاستباقية المعلنة، بزعامة صانعة الإرهاب أمريكا، فهو الحيلولة دون قيام الخلافة الإسلامية التي تعيد انبلاج فجر الحضارة الإسلامية القادرة على هزيمة الغرب الصليبي وإعادته أمام العالم إلى حجمه الحقيقي، وهذا ما أشار إليه داهية السياسة الأمريكية هنري كيسنجر حيث أشار في خطاب له ألقاه في الهند بتاريخ السادس من تشرين الثاني عام 2004م في مؤتمر هندوستان تايمز الثاني للقادة "إن التهديدات ليست آتية من الإرهاب، كذلك الذي شهدناه في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ولكنّ التهديد آتٍ من الإسلام الأصولي المتطرف الذي عمل على تقويض الإسلام المعتدل المناقض لما يراه الأصوليون في مسألة الخلافة الإسلامية، فالعدو الرئيسي هو الشريحة الأصولية الناشطة في الإسلام التي تريد في آن واحد قلب المجتمعات الإسلامية المعتدلة وكل المجتمعات الأخرى التي تعتبرها عائقًا أمام إقامة الخلافة". (مجلة النيوزويك في عددها الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2004).


هذا الانتباه السياسي العميق إلى صحوة الأمة وحركيتها ووعيها على ذاتها وعلى مشروعها من قبل الدولة الأولى في العالم، والذي أدى إلى التجييش الإعلامي والعسكري ضد جزء كبير من البلاد الإسلامية بزعم الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تنشرها أمريكا بتركيز المزيد من القواعد العسكرية، سينعكس في المستقبل عليها بلا شك، ولكنه يعكس في الآن ذاته حجم الهزيمة النفسية ومدى الإفلاس الحضاري للغرب الذي خسر معركة الأفكار فانسحب في وقت مبكر من ميدان الصراع الفكري، ولم يجد من سبيل للمواجهة غير وضع المسلمين جميعًا في قفص الاتهام مع تشويه الإسلام ووسمه بالإرهاب وإعلان الحرب عليه في عقر داره، قبل أن تصل أفكاره المطابقة لواقع الإنسان إلى بلاد الغرب، فتعيد بناء الإنسان الغربي وصياغة وعيه من جديد، بعيدًا عن الخداع والتضليل والتزييف وعن كل المغالطات التي ينسج خيوطها هذا المجتمع الدولي الرأسمالي الذي تقوده أمريكا.


هذه الهزيمة التي يتجرَّع قادة الغرب مرارتها يوميًّا، فلا يزيدهم ذلك إلا إشهارًا لسيوف العداء لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، عبَّر عنها صامويل هنتنغتون في قراءته الموضوعية الشهيرة التي رد فيها على النظرة القاصرة لتلميذه فوكوياما حين اعتبر أن "الديمقراطية الليبرالية بإمكانها أن تشكل فعلًا منتهى التطوُّر الأيديولوجي للإنسانية والشكل النهائي لأي حكم إنساني"، ليطلعه عن تاريخ الإسلام ويلخصه بجملة واحدة يقول فيها: "الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك، وقد فعل ذلك مرتين". ثم يخبره بكل ثقة وكل بساطة عن مرحلة ما بعد النزاع الرأسمالي الشيوعي قائلًا: "صحيح أن جوانب من الحضارة الغربية وجدت طريقها في حضارات أخرى؛ ولكن قيم الديمقراطية وسيادة القانون والسوق الحر قد لا تبدو منطقية في عقلية المسلمين؛ ولذلك فإن الصراع القادم سيكون بين "العالم المسيحي"بقيمه العلمانية من جهة، و"العالم الإسلامي" من جهة أخرى". (من كتاب صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي، الذي ألفه ليتوسع في مقالة له نشرتها مجلة "فورين آفيرز" حول حتمية صدام الحضارات).


وبناء على كل ما تقدم، يمكن تلخيص مرحلة الصراع الحضاري الغربي ضد الإسلام بقيادة أمريكا في النقاط التالية:


1- الغرب يبني سياساته مع البلاد الإسلامية على أساس أن الحرب الصليبية مستمرة وأمريكا تتزعم قيادة هذا الصراع نيابة عن الغرب.


2- الإسلام هو الخطر الحقيقي بعد سقوط الشيوعية.


3- أمريكا استشعرت خطر أفول حضارتها وتراجعها أمام المد الإسلامي، وأدركت حقيقة حتمية صراع الحضارات؛ ولذلك اختارت أن يكون الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، واستعْدت شعوب العالم ضد الإسلام والمسلمين، في إعلانها الحرب ضد الإرهاب، وسخرت كل جهودها السياسية والعسكرية والدبلوماسية في هذا الاتجاه.


4- هذه السياسات عمَّقت من حجم الإفلاس الفكري والحضاري في مواجهة الإسلام، بعد أن صارت بلاد المسلمين أولوية السياسات الخارجية للدولة الأولى في العالم، رغم أنه لا يوجد للمسلمين كيان يجمعهم، في المقابل، خفت بريق الديمقراطية عالميًّا وتراجع الاهتمام العالمي بمنظومة القيم الغربية بشكل عام وضعفت الثقة بقدرة النظام الرأسمالي على حل مشاكل البشرية.


تصدع جدران البناية الحضارية الغربية


كل هذا المكر الغربي بقيادة أمريكا، كان قبل مرحلة "الربيع العربي" التي عزَّزت الشعور لدى الإدارة الأمريكية بقرب خروج المارد الإسلامي من القمقم، فراح قادتها يسابقون الزمن من أجل منع خروجه الحتمي المرتقب ويخمدون بكل الوسائل والأساليب تلك التحركات الشعبية الراغبة في التحرر الفعلي من ربقة الاستعمار ومن تسلط النظام الدولي بقيادة أمريكا، حيث جابت الثورات عواصم البلدان العربية رافعة شعارات الإسلام بكل وضوح ومنادية بالخلافة في بلاد الشام من منطق إسلامي عقائدي ضديد للمشاريع الاستعمارية في المنطقة، الأمر الذي جعل أمريكا تسارع إلى إيصال الإسلاميين المعتدلين إلى الحكم في أكثر من بلد من أجل إفراغ الإسلام من مضامينه؛ وذلك بالتوازي مع استغلال النسخة المشوَّهة للخلافة المعروفة اختصارًا بـ(داعش)، ثم إلى إنشاء التحالف الدولي ضد (داعش) الذي مهَّد لسطوة أمريكا على المنطقة وإشراك روسيا في أعمالها العسكرية بغطاء صليبي معلن يجهر بالعداء للخلافة فضلًا عن إشراك تركيا الملتحفة بعباءة الإسلام المعتدل وذلك بغاية وأد الثورة السورية.


هذه الثورة التي شيبت رأس أوباما، وأسماها داهية السياسة الخارجية الأمريكية كيسنجر بطوفان سوريا في كتابه “النظام العالمي، أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ” والذي حذَّر فيه من تراجع الاهتمام بالديمقراطية وخسارة دعاتها في البلاد العربية. ومع ذلك، لم تجد أمريكا من خيار سوى دعم أنظمة الطغيان في سوريا ومصر وإلى تفكيك ليبيا والسودان، وتطويق المنطقة بالاتفاقيات العسكرية، إمعانًا منها في كسر إرادة الأمة وقتل الأمل في التغيير الجذري على أساس الإسلام، في وقت يفترض فيه أن تنشغل أكثر بمشاكلها الداخلية.


بهذا القدر من الغرور والطغيان، فقد الغرب بزعامة أمريكا من رصيده الحضاري الكثير في مرحلة ما بعد الثورات، وتورَّطت أمريكا في إراقة المزيد من الدماء، وبرَّرت بقاء قواتها في المنطقة بالقول إن “العراق وسوريا يشكلان خطرًا أكبر على أمريكا من أفغانستان” كما جاء على لسان بايدن. في المقابل، شهد الاقتصاد الأمريكي إثر جائحة كورونا أسوأ تراجع له منذ أزمة الرهن العقاري في 2008م، وشهدت السياسة الأمريكية انقسامًا واضحًا أحدث شرخًا حقيقيًّا داخل المجتمع الأمريكي، وهذا كله أدى إلى تصدُّع جدران البناية الحضارية الغربية التي تحرسها أمريكا، وإلى تراجع الثقة عالميًّا في المبدأ الرأسمالي وفي قدرته على توفير مناخ استثماري مستقر في الوقت الذي يتغذى فيه من صناعة الحروب والأزمات. وما الحرب الروسية الأوكرانية وتبعاتها العالمية عنا ببعيد، ومن يدري ما الذي سيحدث بين الصين وتايوان أمام استمرار التآمر الأمريكي. في المقابل، تعددت الثقوب التي اخترقت هذا البناء الغربي المتآكل من الداخل؛ ما دفع الشعوب الغربية إلى إعادة النظر في علاقتها بحكوماتها من جهة، وفي علاقتها بالإسلام والمسلمين من جهة أخرى.


وما التحركات الشعبية التي شهدتها عواصم الغرب خلال العشرية السابقة إلا مظهر من مظاهر الانحدار الحضاري، والشك في المسلمات الفكرية لدى الغرب، ومقدمة من مقدمات التمرد على النظام الدولي بنسخته الحالية؛ على أمل ظهور نظام عالمي جديد يرفض منطق الوصاية الأمريكية وينقذ البشرية من وحشية الحضارة الرأسمالية وجبروتها، وهذا يحمِّل الأمة مسؤولية أعظم ويتطلَّب منها استعدادًا أضخم. هذا هو الوضع الذي كان سائدًا قبيل أحداث “طوفان الأقصى”، قبل أن تعمق حرب غزة هذا الشرخ وتبرز صورة المنظومة الحضارية الغربية كما لم يرها أحد من قبل. فهل تسير البشرية بعد هذا الحدث العالمي الخطير نحو إعادة تشكيل النظام العالمي من جديد؟.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

PROJECT COORDIN...

PROJECT COORDINATOR | FINANCIAL & FIELD PROGRAMME EXPERIENCE PROFESSIONAL SUMMARY Project a...

دخلت أزمة المعل...

دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...

بحث عضو مجلس ال...

بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...

ما الذي يجعل ال...

ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...

في 15 فبراير 19...

في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...

رغم الطابع الهز...

رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...

تزداد أنصاف أقط...

تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...

ضعف الروابط الأ...

ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...

تصدر يوسف بزشكي...

تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...

جاء في الصبح ال...

جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...

نعم، جاءت الألف...

نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...

تتسع رقعة الموا...

تتسع رقعة المواجهات بين القوات المسلحة اليمنية ومليشيات الحوثي التابعة لإيران في جبهات غرب تعز وشمال...

Tech news