Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

النملة تدخِّر القوت لفصل الشتاء، وهي إذ تخزن القوت الذي جمعتْه، فحبة القمح تظلُّ حبة قمح، وقطعة السكر تبقى قطعة سكر، فكل ما على النملة أن تؤديه في هذا السبيل، هو أن تجمع ما تُصادفه صالحًا لطعامها، وترصُّه في بيتها رصًّا على مستوى الأرض، ولقد شهدتُ في صبايَ شيئًا عجيبًا، وكان ذلك في أعقاب مطرٍ غزير؛ إذ شهدتُ جماعةً من النمل تُخرج مخزونها من جُحرها، وتنشُره مُتفرقًا تحت أشعة الشمس، ولا بدَّ أن تكون قد وجدته مُبللًا بما تسرَّب إليه من ماء المطر، وليس مخزون النمل دائمًا جزئيات صغيرة من مختلف المواد التي تراها صالحة، بل قد يحدُث أن تقع على صيدٍ جسيم، وتحفر له مخزنًا خاصًّا يسعه بكل حجمه. وراقبتُ ذلك بنفسي ذات يوم، وقد كنتُ عندئذٍ أجلس أمام غرفةٍ بمستشفًى ريفي، حيث كان أخي الأصغر مريضًا، وكنتُ لا أُفارقه لأرعاه — عليه رحمة الله ورضوانه — وهناك رأيتُ في الحديقة أمامي نملةً كبيرة تُناوِر «صرصارًا» وتداوِرُه، ثم تلذعه في أمِّ رأسه لذعةً رأيته يجمُد بعدها، حيث أخذت تحفُر جُحرًا، فعادت إلى فريستها وجرَّته إلى حيث الجحر، واعجباه كيف أخذت تقيس «الصرصار» طولًا وارتفاعًا بخطواتٍ سريعةٍ أخذت تخطوها بجانبه، ثم تدخل الجحر بعد ذلك وحدَها، ولعلها وجدت الجُحر أصغر من أن يسع الفريسة، فراحت توسِّعه بحفرٍ جديد، حتى أدخلته في محبسه وردمتْ من تراب الحفر، وذهبت إلى حال سبيلها. ذلك هو النمل وما يصنعه في تخزين قُوتِه، فهو ماهر كل المهارة في جمعه، لأنه ما إن يمتص من الزهور رحيقها، فتُخرجه في الخلية عسلًا. وعلى طريقة النمل وطريقة النحل يكون الإنسان في جمع معارفه وعلومه: فتارةً يصنع بها صنيع النمل، وطورًا يُجري عليها طريقة النحل، وبين الطريقتَين تختلف الشعوب، وكذلك تختلف العصور: فشعبٌ ما، قد تسوده عملية الجمع والتخزين، حتى إذا ما أراد أحدٌ أن ينتفع بشيءٍ من المعرفة المخزونة في حياته العملية أخرج من المخازن ما يريد؛ ليستخدمه كما كان قد تلقَّاه وحفظه. لكننا في الوقت نفسه قد نجد شعبًا آخر وعصرًا آخر، لا يستريح إلا إذا تحوَّلت المواد المجموعة على يديه خلقًا جديدًا، ولعلك تلحظ عملية الجمع مُشتركة في الحالتَين، لكن بينما يُوقَف عندها في الحالة الأولى، يتخطاها المُبدع إلى مرحلة تُبنى عليها في الحالة الثانية، فالنمل والنحل كلاهما يجمع مواده، فأما النمل فيُخزن ما تجمَّع كما هو، وأما النحل فيُصيِّر ممَّا جمعه شيئًا جديدًا. وإني لأُسارع عند هذه النقطة من سياق الحديث، فأوجِز بجملةٍ واحدة ما سوف أعرضه بعد ذلك مشروحًا مُفصلًا. ولماذا أُسارِع بذِكر النتيجة قبل بيان مُقدماتها؟ جوابي هو: لأقطع طريق الفرار أمام القارئ المَلول الذي يكتفي من كل مقالةٍ بفقرةٍ أو فقرتَين، وإذن فليحمِل الفكرة معه قبل فراره، فأقول: إن مصر قد مضى على بدء نهضتها الحديثة حتى الآن مائة وثمانون عامًا؛ إنها بدأت نهضتها قبل أن تبدأ الروسيا نهضتها بما يقرُب من ثلث القرن، وقبل أن تبدأ اليابان نهضتها بما يقرُب من ثمانين عامًا، ولكن مصر خلال الأعوام المائة والثمانين لم تبلُغ من النهوض ما يكفي أن تبتكِر هي الجديد وتُضيفه، كما فعل من بدأ الشوط بعدَها، فما عِلة ذلك؟ إن ذلك قد تكون له عِلل كثيرة، هي أن مصر قد اختارت — على الأغلب — طريقة النمل، وقلَّما صنعت صنيع النحل، فأصبح لديها ما شئتَ لها من خزائن العلوم والفنون، لكنها مليئة بما أبدَعَه غيرها من الشعوب الناهضة. على أن الإنصاف هنا يقتضينا أن نقول إن الأمر ليس هو: إما منهج النمل وحدَه، إذ قد يجمع الفرد الواحد شيئًا من طريقة النمل، ومثل هذا الجمع بين الطريقتَين نراه قد تحقَّق لعددٍ من أعلام النهضة الحديثة في مصر، ولكننا إذا ما أردْنا حُكمًا بما هو أغلب على مجرى حياتنا طوال الأعوام المائة والثمانين، قُلنا إنه منهج النمل في الجمع والتخزين. تعالوا نستعرض معًا مُسرِعين، أمثلةً من أقوى النهضات الثقافية التي شهدها التاريخ؛ لنرى على أي منهجٍ سارت فأبدعت، وسنرى أنها جميعًا قد تشابهت في مراحل السير: فخطوة «نملية» تجمع بها ما قد وصلتْ إليه الدنيا من أمَّهات الحقائق، تتلوها خطوة «نحلية» يمتصُّ فيها أصحاب المواهب رحيق المعارف المجموعة، لا ليُخزِّنوها في ذاكراتهم لتبقى على صورتها، فإن الدارسين يحفظون عن ظهر قلبٍ ما يتلقَّونه من مأثورات الأوَّلين؛ ليُخرجوها في المناسبات المُختلفة «تسميعًا» فتخرج وكأنها مومياوات مُحنطة خرجت من توابيتها لتوضَع في المتاحف. ولنجعل مثلنا الأول ذلك المدَّ الثقافي الزاخر في تاريخ المُسلمين، فلم يكدْ يمضي على ظهور الإسلام ما يزيد قليلًا على قرنٍ واحد، شُغل فيه العلماء — أساسًا — باللغة وما يتَّصِل بها من قواعد وشواهد، حتى بدأت حركة الجمع من مصادر الآخرين، وأعني حركة الترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية. ولقد سارت تلك الحركة على مرحلتَين: كان المُترجمون في المرحلة الأولى منهما يعملون فُرادى، ودون أن يكون للدولة شأن بهم، فقد كان للدولة شأنٌ عظيم، إذ أنشأ المأمون ما يُسمَّى ببيت الحكمة، حيث يجتمع القائمون على الترجمة تحت رعاية الخليفة، وكانت حصيلة ذلك كله أن أصبح بين أيدي الدارسين ترجمات لمُعظم مؤلفات أرسطو وما كتبه الشارحون للأفلاطونية المُحدثة، ومعظم مؤلَّفات جالينوس، وأجزاء مما كتبه غير جالينوس في الطب، فضلًا عن المؤلَّفات في ميادين العلوم، ومنها كتاب إقليدس وكتاب أرشميدس. واختصارًا فما بلغ القرن التاسع (الثالث الهجري) نهايته، إلا وقد شهدت العربية محصولًا طيبًا مما أنتجه السابقون في ثقافاتٍ أخرى. ولك أن تتخيل نفسك وقد دخلتَ بيت الحكمة في بغداد، لترى جماعة المترجمين مُنكبَّة على صحائفها، تنقل من لغةٍ أخرى إلى اللغة العربية، وبين هؤلاء ثلاثة من أسرةٍ واحدة هم: أبو زيد حنين بن إسحق، وابن أخته جينس، فهل يَسَعُك وأنت ترى هؤلاء يترجمون ما يترجمونه، إلا أن تُدرك من فورك أنك إنما تشهد شيئًا يشبه جهود النمل في الجمع والتخزين، وأن تلك المادة المنقولة إلى العربية لن تكون هي الثقافة العربية، يتلقَّون تلك المُترجمات ليرشفوا رحيقها، ثم ليُخرجوا ما قد رشفوه خلقًا جديدًا، إذا ما تحدَّثنا عن التراث العربي وهو في عزه وذروة مجده. وانتقِلْ مع التاريخ العربي إلى القرن العاشر (الرابع الهجري)، وخُذ ما اتفق لِيَدَيْك أن تصِلا إليه في خزانة الكتب التي عاش أصحابها في ذلك العهد، ثم انظُر إلى محتواها، لترى كيف تحولت الأزهار إلى عسل، فاقرأ — مثلًا — لأبي حيان التوحيدي تجدك أمام فكرٍ عربي جديد، فلا هو شبيه بما قد كان عند أسلافه العرب من فكر، ولا هو يُشبه كل الشبه ما نُقل إلى العربية من مؤلفات اليونان. وليس ذلك المذاق الجديد مقصورًا على رجلٍ أو رجلين، بل هو طابع شامل لعصر كامل امتدَّ حقبة طويلة من الزمان، في المشرق العربي وفي المغرب العربي على السواء. وفي تلك الحقبة الطويلة لمعت أسماء كالنجوم الساطعة، من فلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد، وشعراء حكماء كأبي العلاء، ونقَّاد مثل عبد القاهر الجرجاني، وعلماء في الرياضة والفلك والكيمياء والطب، وغير ذلك من شتَّى جوانب الفكر والأدب

Original text

النملة تدخِّر القوت لفصل الشتاء، وهي إذ تخزن القوت الذي جمعتْه، تتركُه كما وجدته، فحبة القمح تظلُّ حبة قمح، وقطعة السكر تبقى قطعة سكر، فكل ما على النملة أن تؤديه في هذا السبيل، هو أن تجمع ما تُصادفه صالحًا لطعامها، وترصُّه في بيتها رصًّا على مستوى الأرض، أو تُكوِّمه بعضه فوق بعض، أو لستُ أدري كيف.


ولقد شهدتُ في صبايَ شيئًا عجيبًا، وكان ذلك في أعقاب مطرٍ غزير؛ إذ شهدتُ جماعةً من النمل تُخرج مخزونها من جُحرها، وتنشُره مُتفرقًا تحت أشعة الشمس، ولا بدَّ أن تكون قد وجدته مُبللًا بما تسرَّب إليه من ماء المطر، وليس مخزون النمل دائمًا جزئيات صغيرة من مختلف المواد التي تراها صالحة، بل قد يحدُث أن تقع على صيدٍ جسيم، فتُبقيه على جسامته، وتحفر له مخزنًا خاصًّا يسعه بكل حجمه. وراقبتُ ذلك بنفسي ذات يوم، وقد كنتُ عندئذٍ أجلس أمام غرفةٍ بمستشفًى ريفي، حيث كان أخي الأصغر مريضًا، وكنتُ لا أُفارقه لأرعاه — عليه رحمة الله ورضوانه — وهناك رأيتُ في الحديقة أمامي نملةً كبيرة تُناوِر «صرصارًا» وتداوِرُه، ثم تلذعه في أمِّ رأسه لذعةً رأيته يجمُد بعدها، فبعدت النملة عنه مسافة قصيرة، حيث أخذت تحفُر جُحرًا، وبسرعة البرق تمَّ لها ما أرادت، فعادت إلى فريستها وجرَّته إلى حيث الجحر، واعجباه كيف أخذت تقيس «الصرصار» طولًا وارتفاعًا بخطواتٍ سريعةٍ أخذت تخطوها بجانبه، ومُتسلقة على جسده، ثم تدخل الجحر بعد ذلك وحدَها، ولعلها وجدت الجُحر أصغر من أن يسع الفريسة، فراحت توسِّعه بحفرٍ جديد، وأعادت عملية القياس، فلما اطمأنَّت، شدَّت صيدَها، حتى أدخلته في محبسه وردمتْ من تراب الحفر، حتى أغلقت فتحة الدخول، وذهبت إلى حال سبيلها.


ذلك هو النمل وما يصنعه في تخزين قُوتِه، فهو ماهر كل المهارة في جمعه، لكنه لا يُغيِّر منه شيئًا. وأما النحل فأمره آخر؛ لأنه ما إن يمتص من الزهور رحيقها، حتى يُدير لها معامله الداخلية، فتُخرجه في الخلية عسلًا.


•••
وعلى طريقة النمل وطريقة النحل يكون الإنسان في جمع معارفه وعلومه: فتارةً يصنع بها صنيع النمل، وطورًا يُجري عليها طريقة النحل، وبين الطريقتَين تختلف الشعوب، وكذلك تختلف العصور: فشعبٌ ما، أو عصر ما، قد تسوده عملية الجمع والتخزين، حتى إذا ما أراد أحدٌ أن ينتفع بشيءٍ من المعرفة المخزونة في حياته العملية أخرج من المخازن ما يريد؛ ليستخدمه كما كان قد تلقَّاه وحفظه. لكننا في الوقت نفسه قد نجد شعبًا آخر وعصرًا آخر، لا يستريح إلا إذا تحوَّلت المواد المجموعة على يديه خلقًا جديدًا، وبِمثل هذا الإبداع يتقدَّم الإنسان. ولعلك تلحظ عملية الجمع مُشتركة في الحالتَين، لكن بينما يُوقَف عندها في الحالة الأولى، يتخطاها المُبدع إلى مرحلة تُبنى عليها في الحالة الثانية، فالنمل والنحل كلاهما يجمع مواده، فأما النمل فيُخزن ما تجمَّع كما هو، وأما النحل فيُصيِّر ممَّا جمعه شيئًا جديدًا.


وإني لأُسارع عند هذه النقطة من سياق الحديث، فأوجِز بجملةٍ واحدة ما سوف أعرضه بعد ذلك مشروحًا مُفصلًا. ولماذا أُسارِع بذِكر النتيجة قبل بيان مُقدماتها؟ جوابي هو: لأقطع طريق الفرار أمام القارئ المَلول الذي يكتفي من كل مقالةٍ بفقرةٍ أو فقرتَين، وإذن فليحمِل الفكرة معه قبل فراره، عسى أن تُثير فيه القلق وإمعان النظر، فأقول: إن مصر قد مضى على بدء نهضتها الحديثة حتى الآن مائة وثمانون عامًا؛ إنها بدأت نهضتها قبل أن تبدأ الروسيا نهضتها بما يقرُب من ثلث القرن، وقبل أن تبدأ اليابان نهضتها بما يقرُب من ثمانين عامًا، ولكن مصر خلال الأعوام المائة والثمانين لم تبلُغ من النهوض ما يكفي أن تبتكِر هي الجديد وتُضيفه، كما فعل من بدأ الشوط بعدَها، فما عِلة ذلك؟ إن ذلك قد تكون له عِلل كثيرة، ولكن إحداها التي تجيء من سواها في الطليعة، هي أن مصر قد اختارت — على الأغلب — طريقة النمل، وقلَّما صنعت صنيع النحل، فأصبح لديها ما شئتَ لها من خزائن العلوم والفنون، لكنها مليئة بما أبدَعَه غيرها من الشعوب الناهضة. على أن الإنصاف هنا يقتضينا أن نقول إن الأمر ليس هو: إما منهج النمل وحدَه، وإما منهج النحل وحده؛ إذ قد يجمع الفرد الواحد شيئًا من طريقة النمل، وشيئًا من طريقة النحل، ومثل هذا الجمع بين الطريقتَين نراه قد تحقَّق لعددٍ من أعلام النهضة الحديثة في مصر، ولكننا إذا ما أردْنا حُكمًا بما هو أغلب على مجرى حياتنا طوال الأعوام المائة والثمانين، قُلنا إنه منهج النمل في الجمع والتخزين.


تعالوا نستعرض معًا مُسرِعين، أمثلةً من أقوى النهضات الثقافية التي شهدها التاريخ؛ لنرى على أي منهجٍ سارت فأبدعت، وسنرى أنها جميعًا قد تشابهت في مراحل السير: فخطوة «نملية» تجمع بها ما قد وصلتْ إليه الدنيا من أمَّهات الحقائق، تتلوها خطوة «نحلية» يمتصُّ فيها أصحاب المواهب رحيق المعارف المجموعة، لا ليُخزِّنوها في ذاكراتهم لتبقى على صورتها، بل ليُحوِّلوها في معامل المواهب إبداعًا جديدًا. أما في مراحل الانطفاء والركود، فإن الدارسين يحفظون عن ظهر قلبٍ ما يتلقَّونه من مأثورات الأوَّلين؛ ليُخرجوها في المناسبات المُختلفة «تسميعًا» فتخرج وكأنها مومياوات مُحنطة خرجت من توابيتها لتوضَع في المتاحف.


ولنجعل مثلنا الأول ذلك المدَّ الثقافي الزاخر في تاريخ المُسلمين، فلم يكدْ يمضي على ظهور الإسلام ما يزيد قليلًا على قرنٍ واحد، شُغل فيه العلماء — أساسًا — باللغة وما يتَّصِل بها من قواعد وشواهد، حتى بدأت حركة الجمع من مصادر الآخرين، وأعني حركة الترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية. ولقد سارت تلك الحركة على مرحلتَين: كان المُترجمون في المرحلة الأولى منهما يعملون فُرادى، كلٌّ بحسب مزاجه، ودون أن يكون للدولة شأن بهم، وأما في المرحلة الثانية، فقد كان للدولة شأنٌ عظيم، إذ أنشأ المأمون ما يُسمَّى ببيت الحكمة، حيث يجتمع القائمون على الترجمة تحت رعاية الخليفة، وكانت حصيلة ذلك كله أن أصبح بين أيدي الدارسين ترجمات لمُعظم مؤلفات أرسطو وما كتبه الشارحون للأفلاطونية المُحدثة، وبعض محاورات أفلاطون، ومعظم مؤلَّفات جالينوس، وأجزاء مما كتبه غير جالينوس في الطب، فضلًا عن المؤلَّفات في ميادين العلوم، ومنها كتاب إقليدس وكتاب أرشميدس. واختصارًا فما بلغ القرن التاسع (الثالث الهجري) نهايته، إلا وقد شهدت العربية محصولًا طيبًا مما أنتجه السابقون في ثقافاتٍ أخرى. ولك أن تتخيل نفسك وقد دخلتَ بيت الحكمة في بغداد، لترى جماعة المترجمين مُنكبَّة على صحائفها، تنقل من لغةٍ أخرى إلى اللغة العربية، وبين هؤلاء ثلاثة من أسرةٍ واحدة هم: أبو زيد حنين بن إسحق، وابنه إسحق، وابن أخته جينس، فهل يَسَعُك وأنت ترى هؤلاء يترجمون ما يترجمونه، إلا أن تُدرك من فورك أنك إنما تشهد شيئًا يشبه جهود النمل في الجمع والتخزين، وأن تلك المادة المنقولة إلى العربية لن تكون هي الثقافة العربية، ولكن الذي سيجعلها كذلك رجالٌ آخرون، يتلقَّون تلك المُترجمات ليرشفوا رحيقها، ثم ليُخرجوا ما قد رشفوه خلقًا جديدًا، هو الذي نُشير إليه اليوم، إذا ما تحدَّثنا عن التراث العربي وهو في عزه وذروة مجده.


وانتقِلْ مع التاريخ العربي إلى القرن العاشر (الرابع الهجري)، وخُذ ما اتفق لِيَدَيْك أن تصِلا إليه في خزانة الكتب التي عاش أصحابها في ذلك العهد، ثم انظُر إلى محتواها، لترى كيف تحولت الأزهار إلى عسل، فاقرأ — مثلًا — لأبي حيان التوحيدي تجدك أمام فكرٍ عربي جديد، فلا هو شبيه بما قد كان عند أسلافه العرب من فكر، ولا هو يُشبه كل الشبه ما نُقل إلى العربية من مؤلفات اليونان. وليس ذلك المذاق الجديد مقصورًا على رجلٍ أو رجلين، بل هو طابع شامل لعصر كامل امتدَّ حقبة طويلة من الزمان، في المشرق العربي وفي المغرب العربي على السواء. وفي تلك الحقبة الطويلة لمعت أسماء كالنجوم الساطعة، من فلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد، وشعراء حكماء كأبي العلاء، ونقَّاد مثل عبد القاهر الجرجاني، وعلماء في الرياضة والفلك والكيمياء والطب، وغير ذلك من شتَّى جوانب الفكر والأدب
هذا ما نريده ونتماه لامتنا العربية الا نقف النمل في الجمع والتخزين وكفى اذا يبقى بعد ذلك دور النحل في التمثيل والابداع والتحويل كي تطور نفسها وتستعيد مجدها التليد.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

- دور هذه المبا...

- دور هذه المبادئ في الحد من المحاباة واستغلال النفوذ تتجلى القيمة الوقائية للمادة 9 بصورة واضحة في ...

أكدت قيادة الأل...

أكدت قيادة الألوية التهامية تمسكها بمطلب الاستقلال المالي والإداري والعملياتي لقواتها ضمن مؤسسات الج...

مقدمة تُعدّ الل...

مقدمة تُعدّ اللغة ظاهرة إنسانية مركبة تجمع بين السلوك والعقل والثقافة؛ فهي سلوك يُكتسب بالتعلم، وقدر...

The superficial...

The superficial epidermis has several layers of cells. Cells move toward the surface from the deepes...

يُعد التوسع الد...

يُعد التوسع الديموغرافي وتغير أنماط الحياة الحديثة, وسرعة إيقاعها, وتقدّم وازدهار الصناعات والسلوك ا...

مقدمة يُعدّ ال...

مقدمة يُعدّ الفساد من أخطر الظواهر التي تهدد استقرار الدول، إذ لا تقتصر آثاره على تبديد الأموال الع...

أولًا: أزمة الم...

أولًا: أزمة المرفق العام وأسباب قصور المبادئ التقليدية: 1. مفهوم أزمة المرفق العام والتحول في معياره...

نتائج هذه الدرا...

نتائج هذه الدراسة مع خاتمة لها : ( دراسة مقارنة في المنهج ، في كيفية تفسير كل من الإمامين الجليلين ل...

فال تستق ر الحق...

فال تستق ر الحقائق من الحدس وااللهام ، قوم فكرة الفلسفة الواقعية عىل ان مصدر كل الحقائق هو هذا العا...

أفادت مصادر عسك...

أفادت مصادر عسكرية وميدانية بإستشهاد أربعة قياديين بارزين في القوات المسلحة اليمنية، إلى جانب عدد من...

واسمه العلمي In...

واسمه العلمي Inia geoffrensis، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنواع الدلافين النهرية...

الدلفين الوردي،...

الدلفين الوردي، واسمه العلمي _Inia geoffrensis_، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنوا...

Tech news