Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (50%)

(Using the AI)

المبحث الثاني: انعكاسات وحدود جرائم التعمير والبناء على البيئة

تحتل جرائم التعمير والبناء أهمية تشريعية دولياً ووطنياً، نظراً لتزايد مخاطرها السلبية التي تسبب اضطراباً بيئياً يهدد راحة الإنسان. لمواجهة ذلك، سعت التشريعات، كالتشريع المغربي (القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة)، لوضع ضوابط وأليات قانونية لحماية البيئة. يهدف هذا القانون إلى تعزيز حماية الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي والموروث الثقافي، والوقاية من التلوث، وإدماج التنمية المستدامة في السياسات العمومية، وإرساء نظام للمسؤولية والمراقبة البيئية، وتعزيز إجراءات التخفيف والتكيف مع التغيرات المناخية. يتناول هذا المبحث مظاهر المساس بالحق في بيئة سليمة، وفعالية الجزاء الجنائي ومسؤولية الدولة في حمايتها.

المطلب الأول: مظاهر المساس بالحق في بيئة سليمة تنبع أهمية الأوساط الطبيعية في الفكر التشريعي الوطني من كونها تستدعي تقييد مجال التعمير بما يتلاءم مع البيئة، وفرض جزاءات رادعة على المخالفين. يتجلى المساس بالحق في بيئة سليمة في عدة مظاهر:

الفقرة الأولى: البناء في المناطق غير القابلة للتعمير يهدف التعمير إلى تنظيم تدخل السلطة العامة في استعمال الأراضي لتحقيق نمو متناسق ومنسجم، وضمان حاجات السكان. وقد نظم قانون التعمير رقم 12.90، خاصة في مادته 19، "تصميم التهيئة" الذي يحدد تخصيص المناطق (سكنية، صناعية، زراعية، غابوية...)، والمناطق التي يُحظر فيها البناء، وحدود الطرق والمساحات الخضراء والمواقع التاريخية والآثار الواجب حمايتها. وتشمل المادة 20 وثائق رسوم بيانية ونظاماً يحدد ضوابط استعمال الأراضي وقواعد البناء. إن منع البناء في هذه المناطق يفرضه ضرورة بيئية بحتة للحفاظ على البيئة، ويتطلب تضافر الجهود لضمان بيئة سليمة.

الفقرة الثانية: الإضرار بالموارد الطبيعية تعتبر الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية والتراث الثقافي، بموجب المادة السادسة من القانون الإطار رقم 12.99، ملكاً مشتركاً للأمة، يستدعي حماية وتدبيراً مستداماً. وقد تبنت الدولة تدابير لـ: تشجيع الاستعمال المستدام للموارد المائية ومكافحة تلوثها، ضمان التوازن الإيكولوجي للغابة والتنوع البيولوجي وحماية الأصناف النادرة والمهددة، تدعيم مكافحة التصحر وتلوث الهواء، وحماية الأنظمة البيئية الجبلية والبحرية والساحلية. إن الإضرار بهذه الموارد ينتج عنه جرائم بيئية تؤثر على الإنسان والبيئة، مما يستدعي التقيد بالمبادئ القانونية لتجنب الإفراط في الاستخدام والاستهلاك غير الرشيد للموارد، الذي يؤدي إلى تجمعات سكنية غير متوازنة، وتفشي الأمراض والمشاكل الاجتماعية، وتدهور الذوق الجمالي العام.

الفقرة الثالثة: الإخلال بالتخطيط العمراني والصحة العامة يعني التخطيط العمراني تدخل الإدارة لتنظيم استعمال المجال وتخصيص وظائف لكل منطقة لتحقيق تكامل وانسجام عمراني. يلعب هذا التخطيط دوراً حاسماً في توفير السكن اللائق والحفاظ على الصحة العامة وجمالية المدن. لكن الإكراهات الواقعية، مثل انتشار السكن غير اللائق (أحياء الصفيح)، تحول دون تحقيق هذه الأهداف، وتؤدي إلى مشاكل جمة كارتفاع معدلات الجريمة، تفشي المواد المحظورة، البغاء، وتربية المواشي، وما ينتج عنها من آثار صحية سلبية، خاصة على الأطفال وكبار السن. إن عدم الالتزام بالضوابط القانونية للقانون الإطار رقم 12.99 يخلق جرائم بيئية تعيق العيش في بيئة سليمة، مما يؤكد أن القانون هو الوسيلة والغاية لضمان الصحة العامة والعيش الكريم للأجيال الحالية والمستقبلية.

المطلب الثاني: تقييم فعالية الجزاء الجنائي ومسؤولية الدولة لمواجهة الاختلالات العمرانية، اعتمدت الدولة المغربية ترسانة تشريعية وآليات زجرية، وأجهزة للمراقبة. ورغم هذه الجهود، لا تزال هناك حاجة لمقاربة وقائية.

الفقرة الأولى: مدى ردعية العقوبات بالرغم من جهود التشريع المغربي في تنظيم المجال الترابي، مثل القوانين 66-12، 12-90، و25-90، لضبط الظاهرة العمرانية، إلا أن فعالية العقوبات لا تزال محدودة. فالقوانين الزجرية قصيرة عن مواكبة التطور العمراني، وضعف تنفيذ عقوبات الهدم يؤدي إلى استمرار المخالفات وتفاقم البناء العشوائي. كما أن الغرامات المالية غير كافية مقارنة بالأرباح المحققة، وكثير من الخروقات تُكيف كمخالفات بسيطة تُعاقب بغرامات فقط. والعقوبات الحبسية غالباً ما تقتصر على حالة العود، أو تُترك لتقدير المحكمة. يضاف إلى ذلك غياب تدوين تراتبي وموضوعاتي للنصوص القانونية، مما يخلق التباساً وتناقضاً، وبطء إداري في إنتاج وثائق التعمير الأساسية (مخطط توجيه التهيئة، تصميم التنطيق والتهيئة)، مما يعرقل التخطيط الحضري.

الفقرة الثانية: دور الإدارة في المراقبة كشف واقع التدبير الإداري لمراقبة مخالفات التعمير والبناء عن محدودية وضعف فعاليتها. فالتدبير العمراني يخضع أحياناً لمنطق المصالح الانتخابية والسياسية والزبونية والرشوة، بدلاً من المصلحة العامة. وقد أظهرت الإدارة قصوراً كبيراً بسبب غياب الإرادة السياسية، والركون لضغوط المخالفين، واللامبالاة الإدارية. وقد حدد القانون 66.12 في مادته 65، ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير كجهات مخولة لمعاينة المخالفات وتحرير المحاضر. ورغم الدور المحوري لضباط الشرطة القضائية، إلا أنهم غالباً ما ينأون بأنفسهم عن ممارسة هذا الاختصاص، مما يترك الدور الأساسي لمراقبي التعمير المعينين من قبل الولاة أو العمال، والذين مُنحوا الصفة الضبطية لرصد المخالفات، وحجز المعدات، وتنفيذ قرارات الهدم.

الفقرة الثالثة: الحاجة إلى مقاربة وقائية تشكل جرائم التعمير تحدياً كبيراً يتطلب تبني مقاربة استباقية ووقائية تتجاوز العقاب التقليدي. يستلزم ذلك انخراط جميع المتدخلين والشركاء (رؤساء المجالس الجماعية، السلطات المحلية، الوكالات الحضرية) بتنسيق تام، وتنظيم اجتماعات لحصر المشاكل واقتراح الحلول. كما يتطلب تكوين لجان على صعيد الدوائر لدراسة مشاكل كل جماعة على حدة، وتبسيط إجراءات منح الرخص وتفعيل المراقبة الدورية. إضافة إلى توفير الموارد البشرية والمادية الكافية، وتحسين أداء العنصر البشري (تدريباً وتحفيزاً وحماية)، وتخليق الممارسة الرقابية والزجرية. هناك أيضاً حاجة ماسة إلى إصلاح قضائي، بإقرار قضاء تعميري متخصص وإعادة النظر في الخريطة القضائية لتقريب العدالة من المواطنين. وينبغي أيضاً الاعتماد على توصيات وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لدوره الوقائي الاستشاري في تقييم السياسات العمرانية وضمان إدماج البعد البيئي والاجتماعي.


Original text

المبحث الثاني: انعكاسات وحدود جرائم التعمير والبناء على البيئة
تحتل قضايا جرائم التعمير والبناء، مكانة مهمة في الفكر التشريعي الدولي والوطني، لاسيما في ظل تزايد المخاصر والظواهر السلبية المرتبطة بها، التي تؤدي إلى حدوث نوعا من الاضطراب واللاتوازن البيئي، مما يقلق راحة الإنسان ويهدد طمأنينته. ولسبر أغوارها عملت جل التشريعات وفي قائمتها التشريع المغربي، على وضع مجموعة من الضوابط والأليات القانونية الكفيلة بحماية البيئة، كما هو الشأن بالنسبة للقانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة ، والذي حدد في مادته الأولى الأهداف الأساسية لنشاط الدولة في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة. نذكر على سيبل المثال:



  • تعزيز حماية الموارد والأوساط الطبيعة والتنوع البيولوجي والموروث الثقافي والمحافظة عليها والوقاية من التلوثات ومكافحتها؛

  • إدراج التنمية المستدامة في السياسات العمومية القطاعية واعتماد استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة؛

  • إرساء نظام للمسؤولية البيئية ونظام للمراقبة البيئية؛

  • تعزيز الإجراءات الرامية إلى التخفيف وإلى التكيف مع المتغيرات المناخية ومحاربة التصحر؛
    وللوقوف عند أبرز تلك المخاطر المحدقة بالإنسان في المجال البيئي، سنتناول تبعا مظاهر المساس بالحق في بيئة سليمة الفقرة الأولى ثم فعالية الجزاء الجنائي ومسؤولية الدولة في حمايتها الفقرة الثانية.
    المطلب الأول: مظاهر المساس بالحق في بيئة سليمة
    تبعا للأهداف المومأ إليها أعلاه، تتضح الأهمية التي تحظى بها الأوساط الطبيعة، في فكر المشرع الوطني الذي قيّد مجال التعمير وفقا لما يتلاءم مع البيئة، إذ وضع جزاءات رادعة في حق كل من أخل بمبادئ المنظمة للمجال البيئي، وذلك من خلال حصر المناطق القابلة للبناء، علاوة عن حماية الموارد الطبيعة وإقرار تخطيط عمراني ملائم للصحة العامة.
    الفقرة الأولى: البناء في المناطق غير القابلة للتعمير
    قبل الشروع في تحليل مضامين هذه النقطة المتصلة بالبناء في المناطق غير القابلة للتعمير، تجدر الإشارة إلى أن التعمير جاء بهدف حماية حياة السكان وضمان حاجياتهم، إذ يُراد به مجموعة من القواعد التي تنظم تدخل السلطة العامة في مجالات استعمال الأراضي غايتها تحديد الأدوات والأهداف المراد بلوغها من حيث تطبيقها في مختلف مجالات الحياة العامة، بالإضافة إلى تهيئ الأراضي والمساحات والتجزئات وحصر الاستعمالات المرخص به . كما يقصد به أيضا "مجموعة من الإجراءات التقنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يجب أن تعمل على تحقيق نمو متناسق ومنسجم، عقلاني وإنساني للكثل العمرانية"، وهناك من التعمير "فن تهيئة المدن أو بالأحرى علم المدن أو علم الكثل العمرانية التي تظهر تكاملا واستمرارية، والمعدة إما للسكن أو للعمل أو للتبادل الاجتماعي "
    وعلاقة بموضوع البناء في المناطق غير القابلة للتعمير، تجدر الإشارة إلى قانون التعمير رقم 12.90، كما وقع تغييره وتتميمه، سيما المادة 19 منه والتي جاء فيها: "يهدف تصميم التهيئة إلى تحديد جميع أو بعض العناصر التالية:
    1- تخصيص مختلف المناطق بحسب الغرض الأساسي الذي يجب أن تستعمل له أو طبيعة النشاطات الغالبة التي يمكن أن تمارس فيها، وذلك بإحداث منطقة سكينة ومنطقة صناعية ومنطقة تجارية ومنطقة سياحية ومنطقة لزراعة الخضروات ومنطقة زراعية ومنطقة غابوية على سبيل المثال؛
    2- المناطق التي يخطر فيها البناء بجميع أنواعه؛
    3- حدود الطرق (المسالك والساحات ومواقف السيارات) الواجب الحفاظ عليها أو تغييرها أو إحداثها؛
    4- حدود المساحات الخضراء العامة (الأماكن المشجرة والحدائق والبساتين) وميادين الألعاب والمساحات المباحة المختلفة كالمساحات المخصصة للتظاهرات الثقافية والفلكلورية الواجب الحفاظ عليها أو تغييرها أو إحداثها؛
    5- حدود المساحات المخصصة للنشاطات الرياضية؛
    6- المواقع العامة الخاصة للتجهيزات العامة السكك الحديدية، التجهيزات الصحية والثقافية والتعلمية والمباني الإدارية والمساجد والمقابر؛
    7- الأحياء والآثار والمواقع التاريخية أو الأثرية والمواقع والمناطق الطبيعية كالمناطق الخضراء العامة أو الخاصة الواجب حمايتها أو إبراز قيمتها لأغراض جمالية أو تاريخية أو ثقافية والقواعد المطبقة عليها إن اقتضى الأمر ذلك؛
    فهذه المادة كما هو موضح أعلاه، تهدف إلى تنظيم تصميم التهيئة، التي تبقى ملزمة لكل الأطراف المعنية بالتصميم، إذ يتعين الانصياع لضوابطها عن طريق احترام البنود المنصوص عليها قانونية، لا سميا وأنه لا تتم المصادقة عليه إلا بعد عرضه كمشروع على مجلس الجماعة أو مجالس الجماعات المعنية بدراسته. وجاءت المادة 20 من القانون المذكور لتبين أن تصميم التهيئة يشمل ما يلي:

  • وثيقة أو وثائق متكونة من رسوم بيانية؛

  • نظام يحدد ضوابط استعمال الأراضي والارتفاقات والالتزامات المفروضة لتحقيق تهيئة منتظمة ومتناسقة وقواعد البناء المتعلقة بالمنطقة المعنية.

    يتراءى مما سبق، أن منع البناء في المناطق غير القابلة للتعمير لم يتأت من فراغ، بل فرضته ظروف بيئية محضة، إذ لا يستقيم الحفاظ على البيئة وحمايتها بمنأى عن وضع الإطار القانونية الذي ينظم مجالها ويبين المصالح الجديرة بالحماية القانونية. خصوصا وأن الحق في بيئة سليمة يتطلب تضافر جهود كل الفعاليات والمصالح والمؤسسات المعنية.
    الفقرة الثانية : الإضرار بالموارد الطبيعية
    نص القانون الإطار رقم 12.99 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتمية المستدامة في المادة السادسة منه على ما يلي: " تعتبر الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية والتراث التاريخي والثقافي ملكا مشتركا للأمة. وتكون موضوع حماية واستصلاح وتثمين على أساس تدبير مندمج ومستدام، من خلال تبني تدابير تشريعية ومؤسساتية واقتصادية ومالية أو غيرها، وذلك طبقا لأهداف ومبادئ هذا القانون الإطار" استقراء لمضمون هذه المادة يتبين الأهمية التي أولتها الدولة لحماية البيئية وذلك بالنظر إليها كملك مشرك للأمة أو الشعب، يتعين على الجميع الاستفادة منه، دون إلحاق به ضررا ماديا مجسدا في الموارد الطبيعية والأنظمة البيئة. وذلك بموجب تبني التدابير التي تهدف إلى:

  • تشجيع اللجوء إلى طرق الاستعمال المستدام والمقتصد للموارد المائية وإلى مكافحة تلوث هذه الموارد وكذا تحيين التشريع المتعلق بالماء بهدف ملاءمته مع متطلبات التنمية المستدامة والانعكاسات المزدوجة للتصحر والتغيرات المناخية.

  • ضمان التوازن الإيكولوجي للغابة والأنظمة البيئية الغابوية والتنوع البيولوجي وكذا المحافظة على الأصناف الحيوانية والنباتية بما فيها المستوطنة والنادرة والمهددة أو في طور الانقراض ولا سيما من خلال تحيين التشريع الجاري به العمل.

  • تدعيم الوسائل المخصصة لمحاربة التصحر والمحافظة على التنوع البيولوجي ولا سيما في مناطق الواحات والسهوب.

  • تدعيم الوسائل المخصصة لمحاربة تلوث الهواء والتكيف مع المتغيرات المناخية.

  • تشجيع حماية الأنظمة البيئية بالمناطق الجبلية من كل أشكال تدهور مواردها وجودتها البيئية واستصلاحها.

  • تشجيع حماية الأنظمة البيئية البحرية والساحلية والمناطق الرطبة من آثار كل الأنشطة التي من شأنها تلويث المياه والموارد أو استنزافها.
    إن الإضرار بالموارد الطبيعة التي أشرنا إليها للتو، سينعكس لامحالة على البيئة، مما ينتج عنه جرائم في حق الإنسان والبيئة على حد سواء، درءا لذلك يتعين التقيد بالمبادئ التي يقوم على القانون الإطار، وكذلك باقي النصوص الأخرى التي تعنى بحماية البيئة من الجرائم الماسة بها. وفي هذا السياق يتحتم علينا تجنب الإفراط في استخدام الموارد الطبيعية المتاحة، والاستهلاك غير الرشيد للعناصر البيئية مما يسبب في قيام تجمعات سكينة غير متوازنة وغير صحية، إذ غالبا ما نفترق إلى المعايير المنصوص عليها قانونا، ما يخلق نوعا من التوتر والشعور بعدم الأمان وتفشي الأمراض البدنية والاجتماعية من قبيل فقر وبطالة وهجرة وسرقة...وعدم الإحساس بالذوق الجمالي، وتدهور الذوق العام، التي تأتي كمحصلة لتنافر العمران مع البيئة المحيطة وعدم تقدير ومراعاة التنمية الحضرية للآثار البيئية.
    الفقرة الثالثة: الإخلال بالتخطيط العمراني والصحة العامة
    من الأكيد أن الحديث عن الجرائم التي تقع في مجال البناء والتعمير، تؤدى إلى الإخلال بالتخطيط العمراني والصحة العامة، بيد أنه وقبل رصد مخلفات هذا الإخلال، أن نوضح فكرة التخطيط العمراني، فالتخطيط بشكل عام يفيد التدبير الرامي لمواجهة المستقبل بخطط منظمة سلفا لتحقيق أهداف محدودة. هكذا يتضح أن التخطيط هو القدرة على التنبؤ بالمستقبل والاستعداد له. في حين يراد بالتخطيط العمراني تدخل الإدارة بأدوات منهجية ووثائق مرجعية لتنظيم استعمال المجال وتقنين أو تحديد هذا الاستعمال لكل منطقة من مناطقه وتخصيص وظيفة لكل منها قصد تحقيق تكامل بين أجزائه وانسجام أطرافه وبالتالي حسن تنظيمه وتعميره .
    ونظرا للأهمية القصوى التي يحظى بها مجال التعمير والبناء، في تحسين ظروف السكن اللائق، والعيش وفقا لتصميم معدة بشكل يتماشى والتخطيط العمراني، وذلك للحيلولة دون الوقوع في المشاكل السلبية التي تؤثر على الصحة العامة ناهيك عن جمالية وسحر المباني، تثمينا للذوق العام الرفيع. وانسجاما مع هذه المبادئ يتعين أن يخضع التصميم العمراني لمعايير قانونية تراعي كل ما تمت الإشارة إليه، غير أن الإكراهات الواقعية في أحيان كثيرة تحول دون تحقق الجدوى، خصوصا في ظل الارتفاع المهول للسكن غير اللائق أو ما يعرف بأحياء الصفيح، وما يرافق ذلك من مشاكل جمة تتمثل في ارتفاع معدلات الاجرام، تفشي المواد المحظورة بين القاطنين هناك، البغاء ... إضافة إلى تربية المواشي والآثار الناجمة عنها لاسيما الصحية خصوصا عن الأطفال وكبر السن بسبب ضعف المناعة...
    فكل ما ذكر يثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن عدم التقييد بالضوابط القانونية التي جاء بها القانون الإطار رقم 12.99 يخلف جرائم بيئية، تنأى عن العيش وفق بيئة سليمة. لذلك يبقى القانون هو الوسيلة والغاية في ذات الوقت التي بواسطتها يتم إرساء قوام الصحة العامة وشروط السلامة الصحية والبيئية بما يضمن للإنسان العيش الكريم، وتوفير سبل الراحة والطمأنينة في إطار تدبير مستدام، يأخذ بعين الاعتبار الأجيال القادمة، ويتعامل مع البيئية بنوع من الذكاء والمرونة، واستحضار مسألة كونها ملكا عامة وإرث طبيعيا مشتركا بين الناس.
    المطلب الثانية: تقييم فعالية الجزاء الجنائي ومسؤولية الدولة
    إن الدولة المغربية وفي اطار سياستها في مجال التعمير ومن أجل القضاء على الاختلالات المجالية والمعمارية، اعتمدت على ترسانة تشريعية ، حيث عملت على وضع آليات زجرية ( الفقرة أولا) وأجهزة لمراقبة ومعاينة مخالفات التعمير (الفقرة ثانيا)،وذلك للحد من هذه الأخلالات. وللوصول الى هذا الهدف يتطلب الأمر تعزيز ذلك بمقاربة وقائية (الفقرة ثالثا).
    الفقرة الأولى: مدى ردعية العقوبات
    قد حاولت الدولة بذل مجهودات عدة قصد معالجة هذه الظاهرة ،وتتجسد هذه المجهودات في اهتمام التشريع المغربي بتنظيم المجال الترابي بإصدار جملة من النصوص القانونية لزجر وضبط الجوانب المختلفة المتعلقة بالظاهرة التعميرية، كان آخرها القانون رقم 66-12 و القانون رقم 12-90 المتعلق بالتعمير و القانون رقم 25-90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات، و هذه التشريعات في مجموعها تستهدف ضبط الظاهرة العمرانية من خلال القواعد المرتبطة بتنظيم المجال الترابي ، فتكريس سياسة المتابعة جاءت بهدف منع المخالفات في ميدان التعمير و البناء سواء على المستوى الوطني أو المحلي وبالاعتماد على الآليات القانونية و أيضا على دور السلطات الإدارية و القضائية.ورغم المكتسبات التي تم تحقيقها على الصعيد القانوني، فإن هذا الجانب يعرف مجموعة من العوائق ، تتجلى في محدودية القوانين الزجرية في جرائم التعمير وقصورها في مواكبة التطور العمراني، وضعف تنفيذ عقوبات الهدم، مما يؤدي إلى استمرار المخالفات وتفاقم البناء العشوائي. هذا الضعف يقلل من الردع العام، ويجعل الغرامات المالية غير كافية مقارنة بالأرباح المحققة من البناء غير القانوني. إضافة الى ان الأفعال المخلة بقوانين التعمير والذي لازال لم يبلغ بعد المستوى المطلوب من الحزم والجدية، على اعتبار أن جانبا مهما من الخروقات قد تم تكييفها فقط كمخالفات ومن ثم لم ينص في حق مقترفيها سوى على الحكم بغرامات.
    كما أن جانبا آخر من الخروقات لا يمكن العقاب عليه بعقوبات حبسية إلا في حالة عود المخالف إلى اقتراف نفس المخالفة داخل أجل السنة الموالية للتاريخ الذي صار فيه الحكم الصادر في المخالفة الأولى حائزا لقوة الشيء المقضي به .
    أضف إلى ذلك أن جانبا ثالثا من الخروقات قد خير المشرع بشأنه المحكمة بين الحكم على المخالفين بعقوبة حبسية وبغرامة مالية أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. كما أثبتت التجربة والممارسة الميدانية محدودية التشريعات المعمول بها بميدان التعمير، في ضبط النمو المجالي والاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، فهي لا تواكب مبدأ اللامركزية واللاتركيز الإداري، ولا تستجيب لمتطلبات الاستثمار ولا للاحتياجات الخاصة لبعض فئات المجتمع .ومن جهة أخرى فغياب تدوين تراتبي وموضوعاتي لمجموع النصوص القانونية المتعلقة بالتعمير والإسكان والبناء، يجعل معظم المتدخلين يواجهون حالات من التناقض والألتباس، مما يجعل تدبير هذا القطاع صعبا على مستوى الممارسة، حيث نجد كثيرا من التدابير القانونية المرتبطة بالتعمير، متداخلة مع نصوص متناثرة، تخص ميادين عديدة يُصعِّب علاقتها بالتدبير الحضري ومن التداعيات السلبية لعامل المنظومة القانونية على سياسات التعمير، نجد البطء الإداري، ويتجلى ذلك أساسا على مستوى بطء إنتاج وثائق التعمير. فهذه الأخيرة تعتبر من أهم الآليات القانونية التي اعتمدها القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير من أجل تنفيذ السياسات التعميرية عبر ما يعرف بالتعمير التنظيمي، وقد نصت عليها المواد من 2 إلى المادة 39 من الباب الثاني من القانون المذكور المتعلق بالتعمير، والمتمثلة في مخطط توجيه التهيئة العمرانية و تصميم التنطيق وتصميم التهيئة، والذي دعت إليه الحاجة بعد إدراك ضرورة تهيئة العالم القروي وتخطيط تنميته العمرانية ليتكامل مع المخططات التي توضع للعالم القروي، والتي ينبغي أن يكون إنجازها متتابعا حتى نضمن تخطيط حضري جيد. أما تصميم التنمية فبقي يخضع لأحكام ظهير 1960 المتعلق بتنمية الكتل العمرانية القروية. بالإضافة إلى مقرر تخطيط حدود الطرق والساحات العامة الذي يمتاز باللامركزية على خلاف الوثائق التعميرية السابقة
    الفقرة الثانية: دور الإدارة في المراقبة
    ان واقع التدبير الإداري لمراقبة مخالفات التعمير والبناء كشف الستار عن محدودية المراقبة وضعف فعاليتها في التصدي للمخالفات والانتهاكات التي يتعرض لها قانون التعمير،
    بحكم أن التدبير العمراني يخضع أحيانا لمنطق المصالح الانتخابية والسياسية والاعتبارات الزبونية والمحسوبية، أكثر مما يخضع لمنطق المصلحة العامة. التي تقتضيها التنمية المحلية.وأظهرت الإدارة باعتبارها المتدخل الأول في ميدان التعمير قصورا كبيرا، لأسباب متعددة، منها الضعف المتعلق بغياب الإرادة السياسية لدى المسؤولين من أجل تطبيق القانون، ورضوخهم في الغالب للضغوطات المختلفة الصادرة عن المخالفين، واللامبالاة التي تبديها بعض المصالح الإدارية، والتغاضي بسبب تفشي الرشوة، زيادة على تعدد المتدخلين في المراقبة والزجر في هذا المجال ,مما حتما على المشرع على تضييق نطاق الأشخاص المسموح لهم التدخل في مجال ضبط المخالفات، بخلاف الوضعية السابقة في القوانين المنسوخة التي كانت تتسم باتساع دائرة الأشخاص المكلفين بالمراقبة، مما كان يشكل عرقلة حقيقية لعملية ضبط المخالفات
    وحددهم حسب المادة 65 من القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وجزر المخالفات في مجال التعمير والبناء، اذ تنص "يقوم بمعاينة المخالفات المشار اليها في المادة 64 وتحرير المحاضر بشأنها، ضباط الشرطة القضائية، مراقبوا التعمير..."
    فالجهات التي تقوم بمعاينة المخالفات:
    ـ ضباط الشرطة القضائية وهؤلاء الضباط ينتمون للإحدى الأجهزة التالية ّ؛ (الأمن الوطني، الدرك الملكي، رجال السلطة، إدارة ومراقبة التراب الوطني). وهؤلاء يحق لهم جميعا بل هم ملزمون بضبط وزجر مخالفات قانون التعمير والبناء.
    ويضطلعون بدور محوري في مراقبة وزجر مخالفات التعمير والبناء، عبر معاينة المخالفات، تحرير المحاضر بدقة، إشعار النيابة العامة فوراً، وتنفيذ أوامر الهدم، مما يساهم في الحد من البناء غير القانوني
    غير أن ما تجدر الإشارة اليه في هذا الاطار ما جرى به العمل من ترك مجال التعمير لرجال السلطة، وبصفة أساسية القواد والباشوات الذين يتدخلون في مراقبة التعمير وضبط المخالفات.
    فالواقع العلمي يشهد على أن ضباط الشرطة القضائية، المنتمون لسلكي الأمن والدرك ينأون بأنفسهم على ممارسة اختصاصاتهم الضبطية في مجال التعمير.
    ـ مراقبو التعمير: أمام الالتزامات والاشكالات العويصة التي كانت تثار بشأن المحاضر التي كان يحررها الموظفون التابعون لرؤساء الجماعات في ضبط الجرائم المرتبطة بالتعمير، وتعثر أداء المحاكم جراء ذلك، بسبب عدم تضمين محاضر معاينة المخالفات للشروط المتطلبة لتحريك المتابعة.
    قد أوجد المشرع المغربي الية جديدة لضبط مخالفات التعمير وذلك من خلال تخويل الصفة الضبطية لمراقبين، هؤلاء المراقبين يعينون من طرف الولاة او العمال او الادارة. بحيث أصبح القانون يخول لهم الصفة الضبطية في تحرير مخالفات التعمير، وتتمثل مهامها في رصد وتحرير المحاضر وارسالها لوكيل الملك، وحجز مواد ومعدات البناء واغلاق الورش، بالإضافة الى تنفيذ قرارات الهدم بإشراف السلطة المحلية.
    الفقرة الثالثة: الحاجة إلى مقاربة وقائية
    تشكل جرائم التعمير والبناء تحديا كبيرا نظرا لاثارها على التنمية المستدامة مما استوجب تبني مقاربه استباقيه (وقائية) تتجاوز العقاب التقليدي الى منع المخالفة قبل وقوعها .وكما هو معلوم ان الجهات التي تتدخل في عمليات البناء تتنوع بين رؤساء المجالس الجماعية والسلطات المحلية و الوكالات الحضارية بالإضافة الى مجموعه من الادارات الاخرى لما لها من اهميه في تنفيذ مقتضيات قوانين التعمير وضوابطه ،لذلك ينبغي انخراط جميع المتدخلين والشركاء بتنسيق تام مع مصالح الوكالة الحضرية ومكتب الدراسات٬ من خلال تنظيم اجتماعات موضوعاتية تمكن من حصر المشاكل المطروحة و الإكراهات ،وكذا اقتراح الحلول الكفيلة بمعالجتها في إطار التشارك والتشاور التام والجدي من أجل إعطاء دفعة قوية للمشاريع التنموية التي تعرفها المدن والمجالات المحيطة بها .
    بالاضافه الى تكوين لجان على صعيد الدوائر لدراسة مشاكل كل جماعة على حدة بحضور كل الأطراف التي تعنيها عملية البناء، ودراسة مشكل منح الرخص، وتبسيطها وتفعيل المراقبة الدورية فيما يخص مدى احترام المخططات التوجيهية والتهيئة و التنطيق والتنمية على صعيد كل دائرة.
    بالإضافة إلى توفير الموارد البشريه والمادية الكافية ،اذ لاشك أن المراقبة و الزجر الفعال يتطلب توفر موارد بشرية كافية خصوصا مع التوسع العمراني الكبير الذي تشهده المدن المغربية ، فالسكن المخالف للقانون أضحى السمة البارزة في ضواحي جل الحواضر المغربية ، الشيء الذي يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي نراها ضرورية من قبيل ،تحسين أداء العنصر البشري سواء كان موظفا أو منتخبا و ذلك عن طريق تكوينه و تحفيز ه و كذلك حمايته من أخطار المهمة التي يضطلع بها ، وتخليق الممارسة الرقابية و الزجرية.
    كذلك الحاجة إلى إصلاح قضائي ،اذ لا يمكن لأي منظومة زجرية أن تفعل ما لم تعتمد على قضاء فاعل و مستقل ، لهذا كان لزاما اقتراح مجموعة من الإصلاحات التي تبدو ذات أهمية من خلال إقرار قضاء تعميري متخصص، لما له من إيجابيات على أداء الإدارة القضائية و على حقوق المتقاضين .واعادة النظر في توزيع الخريطة القضائية ، و العمل على تقريب القضاء من المواطنين ، لأن في ذلك تقريب للعدالة .كذلك نجد الضرورة إلى الاعتماد على توصيات وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يضطلع بدور وقائي استشاري حيوي في قضايا التعمير والبناء من خلال إعداد آراء وتقارير استباقية (بإحالة ذاتية أو بطلب) تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة والبيئية ، حيت يركز المجلس على تقييم السياسات العمرانية، وتدبير المجال الترابي، وضمان إدماج البعد البيئي والاجتماعي في التخطيط العمراني، وتجاوز الاختلالات الناتجة عن رخص الاستثناء.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

لذا، لم تكن الت...

لذا، لم تكن التوجهات السياسية للهوية الإسلامية متطابقة مع توجهات الهوية الإسلامية. فقد اعتمدت الأولى...

الفرع الاول : ا...

الفرع الاول : الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية في جرائم النصب: إن دراسة أي جريمة تتطلب التعرض لع...

في الحضارات الق...

في الحضارات القديمة كان العلم يخضع لهيمنة دينية وفكرية قوية -خاصة في أوروبا- من قبل الكنيسة الكاثولي...

نظرية التعلم ال...

نظرية التعلم السلوكي تبرر استخدام الدعم الإلكتروني الثابت في التعليم. هذه النظرية تركز على تعزيز الس...

ما يصحب به السل...

ما يصحب به السلطان قال ابن المقفع: ينبغي من خدم السلطان أن لا يغتر به إذا رضي ولا يغير له إذا سخط، ...

قبل التطرق لتعر...

قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...

تتواصل حالة الج...

تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...

نفّذ مكتب الصحة...

نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...

المتمعن في المو...

المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...

يشرف الناظر على...

يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...

نصيحة السلطان و...

نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...

ويقول: ما ظنك ب...

ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...