Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

للعرب تراث مشترك وثقافة مشتركة وقيم أخلاقية وحضارية مشتركة كانت سبباً وحدتهم السياسية خلال فترات متفاوتة من تاريخهم. غير أنه يمكن للوهلة الأولى إدراك أن الممارسات والسمات والمظاهر الفعلية لهذا التراث المشترك قد اختلفت باختلاف الزمان والمكان ؛ فقد كان لظاهرتي الهجرة وتغير الطرائق التي اعتمد عليها أبناء القبائل في كسب عيشهم، لأسباب اقتضتها الظروف الاقتصادية المتغيرة ، وتمكنت بعض القبائل بما طبعت عليه من سعة الحيلة والقدرات غير المحدودة على تدبير شؤون حياتها من التفاعل مع تحديات البيئة واغتنام الفرص المفيدة منها ؛ فقد استغلت القبائل المقيمة بالقرب من الخليج فرص العيش السانحة في البحر، فعاشت على صيد الأسماك والغوص لاستخراج اللؤلؤ. أما قبائل الحجاز فقد انشغل أفرادها في ممارسة الأنشطة المرتبطة بالحج والعمرة إلى الأراضي المقدسة، وهو ما كان يشكل أكبر مصدر للدخل في منطقة شبه الجزيرة العربية بأسرها. ويمكننا الآن بالنظر إلى الماضي القريب أن نعتبر القدرة على التكيف من أعظم خصائص أهل هذه المنطقة. يتسم المجتمع العربي القبلي بعمق إحساسه بالتاريخ ؛ فحتى يومنا هذا مايزال بعض القبائل يتوارث حكاياته القديمة ومفاخره الماضية، فالماضي متصل بالحاضر، وتتبلور شخصية العربي في إطار من إحساسه المتأصل بتراث قبيلته . ولم تعش كل شعوب شبه الجزيرة العربية، حياة بدوية محضة معتمدة على الصحراء وما تجود به من سبل العيش، فالطبيعة الحضرية لمدن عظيمة مثل مكة والمدينة لها جذورها الممتدة أيضاً في عمق التاريخ العربي، وكذلك كان البحر بالنسبة إلى العديد من العرب هو المصدر الرئيسي للرزق . ومن المؤكد أن البيئات الطبيعية كان لها تأثيرها في تكوين القبائل العربية التي عاشت على الغوص لاستخراج اللؤلؤ أو صيد الأسماك أو التجارة البحرية. وعلى وجه التحديد كانت القبيلة بمنظومة قيمها وتقاليدها الأصيلة هي الإطار العام الذي نشأت وترعرعت فيه شخصية الشيخ زايد ومهاراته . كانت قبائل الخليج العربي تنجز في بطء عملية تحول كبيرة، تسارعت خطواتها في القرن العشرين إلى أن وصلت في الربع الأخير منه إلى أقصى درجات التطور والتحول التي قد تنطوي على أخطار محتملة. وفي وسعنا أن نتتبع فترة التحول مع بداية القرن التاسع عشر، عندما بدأت القوى الخارجية - وهي مصر والإمبراطورية العثمانية والدول الأوربية وأبرزها بريطانيا - تبدي اهتماماً أكبر بمنطقة شبه الجزيرة العربية . منذ تلك اللحظة بدأت قبائل شبه الجزيرة العربية عملية التغيير الذاتي لتتحول في نهاية المطاف إلى دول قومية في القرن العشرين. وبطبيعة الحال ليس من شأن الظروف الجغرافية والبنية الاجتماعية أن تحدد مصير كل فرد غير أنه من الجدير بالملاحظة هنا أن الظروف والمتغيرات المشار إليها أعلاه هي التي وفرت للشيخ زايد البيئة الاجتماعية التي أقام فيها دولة الإمارات العربية المتحدة . وقد أدت القبيلة في حالة الشيخ زايد وظيفة مزدوجة، إذ لم يقتصر تأثيرها على تشكيل السمات الشخصية التي أهلته ليكون قائداً فاعلاً فحسب، بل وفرت قاعدة وأساساً تاريخياً للتعاون على نطاق أوسع في إطار المجتمع، مما مهد الطريق في نهاية المطاف لقيام دولة الاتحاد . وبخاصة في منطقة أبوظبي الواقعة في الطرف الجنوبي من الخليج العربي، كان نتاجاً طبيعياً لتلاقي أنماط الحياة القبلية الصحراوية العربية المختلفة الملامح والمظاهر وإن التقت خطوطها العامة، ولم تكن نتاجاً لنمط قبلي فردي (حسبما يتجسد على سبيل المثال في القبائل البدوية التي تنتمي إلى الجزء الشمالي من أواسط شبه الجزيرة العربية . ويعتبر مجتمع القبائل التي عاشت في منطقة أبوظبي محكوماً بالدرجة نفسها بمقتضيات الطبيعة الاقتصادية والبيئية للمناطق التي عاشت فيها هذه القبائل . وقد كان هناك قدر كبير من التنوع ضمن هذه المنظومة المحلية الكلية، في نمط الحياة السائد وفي مواقع التجمعات القبلية على حد سواء ؛ ففي حين يستقر بعض القبائل نوعاً ما في مكان معين، يبقى بعضها الآخر متنقلاً من مكان إلى آخر . المهم في الأمر أن هذه القبائل المتحالفة فيما بينها ابتدعت صيغة معينة للوحدة الاجتماعية والسياسية. ولم يكن من العسير على من يدرس ظروف المنطقة أن يكتشف أن : « البقعة الساحلية التي تضم جزيرة أبوظبي والجزر المجاورة والأراضي الصحراوية الداخلية التي تشمل واحتي البريمي (العين) وليوا، تشكل معاً وحدة اقتصاديةً واحدةً، حيث تعتمد في نموها الكلي على الأجزاء المكونة لها، ويبقى كل جزء منها ناقصاً إذا فصلناه عن البقية . وتدعم دراسات أخرى هذا الانطباع حيث إنها تربط بين الأنماط الاجتماعية والبيئة : يعيش سكان المنطقة، وهم تقريباً أفراد القبائل التي عاشت فيها منذ أمد بعيد، في مجتمع تطور على مدى قرون ليلبي متطلبات بيئتهم القاسية ؛ فقد عاشوا على مدى أجيال أنماط الحياة البدوية التقليدية والحياة شبه المستقرة السائدة في شبه الجزيرة العربية، معتمدين في معيشتهم على ماشيتهم وعلى تمور واحتي البريمي (العين) وليوا. وكان بعض أفراد القبيلة يفضلون البقاء بالقرب من مزارع النخيل الخاصة بهم، بينما يقيم آخرون لفترة وجيزة خلال موسم الحصاد في مزارعهم ، ثم يعودون إلى الصحراء في الشتاء؛ ولا يمكن وضع حدود فاصلة بين القبائل "البدوية" والقبائل "الحضرية " . ولم تكن تنقلات القبائل مجرد ارتحال استجابة لرغبة عارضة، بل كانت مسارات تنقلهم المحددة جيداً تحترم وتراعي حقوق الآخرين. لا يمكننا أن نعتبر أسلوب الحياة هذا في حد ذاته أفضل أو أسوأ من أساليب الحياة السائدة في أنحاء أخرى، وإنما يمثل هذا الأسلوب فقط أفضل استغلال بشري ممكن لمثل هذه الأراضي في غياب التقنيات الحديثة التي تنشئ أشكالاً عمليةً جديدةً من الأنشطة . هذه النزعة الطبيعية نحو ضم الآخرين إليك وليس إقصاءهم عنك ، وتشكيل تجمعات أوسع وأقوى، هي نزعة متأصلة في شخصية عرب الصحراء وممارساتهم اليومية، وهناك أسباب واضحة وموضوعية تبرر ذلك ؛ فالجماعة الكبيرة أقوى من الجماعة الصغيرة، ومن المنطقي في الظروف الصحراوية القاسية أن يقلل المرء قدر المستطاع من عدد أعدائه الفعليين والمحتملين، ومن ثم نجد أن الصلة القبلية المعتمدة على روابط الدم والقربى تأتي في المقام الأول، وهي تقوم على مجموعة من العشائر الأصغر حجماً والفروع المنحدرة منها. وقد ينضم إلى هذا التجمع كوكبة أخرى من الحلفاء والأصدقاء ؛ ولعل تحالف بني ياس هو أفضل مثال لهذه الرابطة الطبيعية . وفي مقابل الخصائص المشتركة بين القبائل العربية هناك عناصر الاختلاف؛ فمن ناحية هناك تماثل بين القبائل ناشئ عن أصلها الواحد وتراثها المشترك. ومن ناحية أخرى هناك الأنشطة التي تقوم بها قبائل معينة للتكيف مع ظروف البيئتين الطبيعية والسياسية على حد سواء. ويعود ذلك جزئياً إلى أن كل قبيلة من القبائل قد انقسمت (تجزأت) على مر القرون، إلى أقسام وفروع عديدة . غير أن حقيقة أن فردين من قبيلة ما ينحدران من جد واحد يعود إلى عشرين جيلاً لا تعني بالضرورة ترابطاً بينهما ، إلا إذا أراد الطرفان لها ذلك . إن الروابط والصلات المستمدة من الأصل المشترك يمكن أن تكون وسيلةً مؤكدةً لإثبات الأخوة والعلاقات الأسرية ، لذلك فإن هناك عنصرين في صلة النسب، وهما ما يُمكن أن نسميهما " الأصول " و " الأقارب " . وعلى الرغم من أن للمصطلحين ضوابط فنية دقيقة في كتب الأنساب العربية وعند علماء الأنثروبولوجيا، فإننا نستعملهما هنا بمعناهما العام؛ فالأسلاف في هذه الحالة يمثلون في مجموعهم صورة الأصول التي يحتاج الفرد إلى البحث عنها، ومن خلال رواية ما يرتبط بهم من قصص ووقائع يعبر الفرد عن هويته وكينونته، إذ لا يملك أحد أن يحتفظ في ذاكرته الشخصية بسلسلة تشمل أجداده الممتدين لأكثر من أجيال قليلة سابقة . أما ما وراء ذلك فهو مجرد أساطير مروية ، أو ذكريات وقيم تنسبها الأجيال اللاحقة إلى عظمائها، أو رموز منتقاة بعناية من خصائص مرغوبة (تكون بطولية عادة. أما بالنسبة إلى الزواج والمصاهرة فإن الخيارات المتاحة أمام المرء أقل بكثير بحكم الضوابط المباشرة، فالأقارب هم في الواقع الأشخاص الذين تربطهم صلات أسرية أو قرابة وثيقة معروفة، وليس هناك من حاجة إلى صلة معينة بأسلاف سابقين . وعليه فإن القرابة بهذا المعنى فكرة فاعلة للغاية ومرتبطة ارتباطاً عميقاً بفكرة الرابطة الأسرية، وعلى مستوى أعمق فإن قدرة الأسرة العربية على ربط الغرباء بها ترتبط ارتباطاً وثيقاً في نهاية المطاف بمناقب أهل الصحراء من الشرف وحسن الوفادة 3 والكرم والفروسية وحرمة الضيف والشجاعة . * منظومة القيم في المجتمع القبلي يتجسد مفهوم الشرف في منظومة الأعراف والتقاليد المتعلقة بحسن الضيافة والكرم والصدق والعفّة والإيثار وحرمة الضيف والفروسية والشهامة والشجاعة، وتشكل هذه الأعراف البنية الأساسية للمجتمع العربي. فبالنسبة إلى أي فرد من أفراد القبيلة يعتبر فقدان الشرف شكلاً من أشكال " الموت الاجتماعي " ، وماتزال منظومة القيم الأصيلة في المجتمع القبلي بشكل عام تحدد الطريقة التي يتصرف بها العربي نحو الغرباء من غير أفراد قبيلته . ولقد قيل منذ أكثر من مئة عام إن قبائل شبه الجزيرة العربية لا تعتبر كرم الضيافة مجرد واجب جاءت به تعاليم الدين الحنيف، بل يرونه غريزة فطرية لدى كل ذي عقل سديد» . و يصبح تحت حماية مضيفه . ويشير أحد الباحثين البارزين إلى أنه ليس هناك من أمة في العالم تحترم "ميثاق الحماية " بالتزام أقوى مما لدى العرب. من منظور تاريخي تثير هذه الآراء تساؤلات عديدة أخرى، فماذا تتيح منظومة القيم القبلية للحكام أن يفعلوا ؟ وإلى أي درجة يتطلب السلوك المشرف دعماً من حليف؟ وما كلفة ذلك الدعم؟ ومتى يمكن لحاكم ما أن ينهي نزاعاً ما بشكل مشرف من أجل أن يعم السلام الجميع من الناحية العملية ؟ وفي حين أن فكرة الشرف هي من صميم الاجتماعية عند العرب، فإن تطبيقاتها الدقيقة تختلف من مكان إلى آخر : المبادئ تعتبر فكرة الشرف مهمة في كل المجتمعات العربية تقريباً، غير أن الوصف العربي المفصل والمحدد بدقة للفكرة قليل للغاية ؛ فمفردات الشرف تتشابه إلى حد بعيد في كل أنحاء العالم العربي، ورغم أن مفردات مثل "العرض" و "الشرف" و "العار" و " العيب" شائعة على نطاق واسع، فإن المضامين المرتبطة بهذه المفردات تختلف من مكان إلى آخر . ما يهمنا في هذا المقام هو مفهوم "الشرف " الذي يعرف في أغلب الأحيان بأنه فكرة شرف الجماعة أو الشرف الجماعي . هذا وقد تشكلت علاقات الفرد الاجتماعية من واقع بيئته الطبيعية، كما أن علاقته بغيره قد تحددت في شكلين اثنين : فإما أن يتكاتفا ويتعاونا أو يختلفا ويتعارضا، ويمكن إعادة حالتي التعارض والتكاتف على السواء إلى تفسيرات متعارضة أو منسجمة لمفهوم الشرف. بيد أن هذه المفاهيم مرتبطة من الناحية العملية بالفرد والجماعة على حد سواء، وإن كان للجماعة أهمية خاصة مردها إلى حقيقة أن كل فرد وكل عشيرة وكل فخذ من القبيلة إنما يمثل جزءاً من الكل، وكل فرد إنما يشكل بالضرورة جزءاً من الجماعة. وقد يغير الناس مكانهم من فئة لأخرى، إلا أنهم لا يستطيعون أن يكونوا بلا موطن ينتمون إليه . وفي إطار كهذا لا يراعي الفرد رغباته وطموحاته الشخصية فقط، بل يراعي أيضاً مجموعة متشابكة من الصلات والواجبات المشتركة ضمن الجماعة التي ينتمي إليها . ولا تتسم هذه المجموعة المتشابكة من الصلات والواجبات بالجمود البتة، بل تستوعب نظاماً اجتماعياً دقيقاً يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف، ولا يرتكز على الصراع والمواجهة بقدر ما يرتكز على النقاش والحوار. وقد يكون النقاش بين أفراد القبيلة مباشراً وصريحاً، غير أنه لا يمس مطلقاً ثوابت مبدأ الشرف الجماعي بما يندرج تحته من حدود وضوابط متفق عليها ؛ ففي إطار الغارات والغزوات المتبادلة بين القبائل كان من الممكن على سبيل المثال أن تستولي قبيلة ما على جمال قبيلة أخرى بعد غارة أو غزوة وتأخذها غنيمة حرب، دون أن يعتبر مثل هذا العمل انتقاصاً من الشرف. غير أن أخذ ممتلكات الآخرين في الخفاء يُعد سرقة، وبالتالي فهو فعل غير شريف، بل يمكن الطعن في شرف المرء إذا تم اتهامه بتدبير المكايد من وراء ظهر خصمه بدلاً من مواجهته علانية بصورة مباشرة. ومن العار قطعاً أن يقال عن المرء إنه تخلى عن رفيقه وقت الشدة. بيد أن الشرف قد لا يكون هو العامل الأساسي الذي يدفع الأفراد إلى الدخول في نزاع في المقام الأول ، وعلى الرغم من ذلك فإن اتهام فرد ما بعدم الالتزام بكلمته أو نكث عهده على سبيل المثال، إنما يعني إلحاق الخزي والعار به والطعن في صميم شرفه . ضمن هذه الحدود وفي كنف المجلس الذي يُعد منتدى عاماً كان النقاش مفتوحاً وحراً، وكان بسط الحجة والإقناع بالمنطق هو البعد الجوهري المتأصل في السلوك الاجتماعي والسياسي للقبيلة، يقول ستيفن كاتون : . عند دراسة السيرة الإثنوجرافية ( تاريخ علم الأجناس) لتحليل طبيعة النشاط السياسي لقبائل الجزيرة العربية فإننا نجدهم يميلون على الأرجح إلى الحوار والتفاهم أكثر مما يميلون إلى الصراع، ويمثل الإقناع وليس ممارسة القوة أساس السلطة لديهم . ومن ثم فليس من الضروري أن يكون الرجل الأقوى والأوسع نفوذاً هو الذي يملك زمام القوة العسكرية المسيطرة ، بل هو الرجل الذي يحظى بأكبر قدر من الاحترام كرمز للشرف. ولا يمكن بالطبع إغفال أهمية القوة العسكرية، ولكن «تعتبر القدرة على الإقناع بالحجة والمنطق والتمسك بكلمة الشرف أكثر أهمية في تصريف شؤون المجتمع القبلي من استخدام القوة. لعل من أهم وأثمن الصفات التي تُميز الشيخ زايد فهمه التام لطبيعة المعاني المتشابكة والتصنيفات المختلفة لمفهوم الشرف وكيف أنهما يحكمان العلاقات بين القبائل ؛ ففي حين أن القبائل قد تنظم نفسها بأساليب مختلفة فإن إدراك قيمة الشرف شكّل جزءاً رئيسياً من مكونات هويتها العربية المشتركة. وقد كانت القضايا المتعلقة بالشرف سبباً في اشتعال القتال بين القبائل، والتي تبرز نتاج جهد الإنسان للسيطرة على بيئته الطبيعية ومحاولته استغلال مواردها في سبيل قضاء حاجاته الأولية والضرورية والاجتماعية ؛ ويسمى ) ، بيروت، 1986، ص 140 . إمكانية استخدام هذه المبادئ ذاتها وسيلة للتقارب وللاتحاد بين القبائل . ولعل جزءاً من إدراكه لهذه الحقيقة يعود إلى الأسلوب الناجح لجده العظيم الذي حمل اسمه، وهو الشيخ زايد الأول (الملقب بزايد الكبير)، في جمع أعداء الأمس للقاء وتبادل الرأي في مجلس واحد . وقد استند كل من الشيخ زايد بن سلطان والشيخ زايد الكبير في ممارساتهما السياسية إلى جوهر التقاليد البدوية التي أشربت بها نفساهما، والمتمثلة في مد اليد إلى أعداء الأمس والإصغاء إلى حججهم، واستخدام الكلمة بدل السيف في حل الخلاف معهم ؛ لأن ذلك هو جوهر الطبيعة البدوية لاستيعاب الاختلاف قبيلة بني ياس كان لابد لأبناء القبائل العربية من أن يمتلكوا قدراً كبيراً من الذكاء والطاقة وسعة الحيلة ليتسنى لهم العيش في الصحراء، غير أن نظاماً قبلياً متميزاً ظهر في المنطقة التي تشكل الآن إمارة أبوظبي، وأدى إلى تحويل تلك القدرات المتأصلة التي تساعد على التكيف والبقاء في البيئة الصحراوية إلى صيغة ذات أهمية أكبر من الناحية السياسية . ومن بين الأنماط المختلفة لبنية القبيلة العربية اتصف "نظام " قبيلة بني ياس بخصائص متميزة وبالغة الأهمية . " وقد تم إعداد القليل من الدراسات الجادة حول بنية وشخصية قبيلة بني ياس، والتي اكتسبت أهمية خاصة بسبب الخصائص المتفردة التي عززت نجاحات هذه القبيلة خلال فترة طويلة ولكن المصطلحات التي تحاول توصيف بنية القبيلة قد تكون معقدة وتؤدي إلى الخلط في بعض الحالات؛ فقد تسمى " تحالفاً" في بعض الأحيان، وفي حالات أخرى تُسمى "اتحاداً تعاهدياً" فيما أطلق عليها البعض حديثاً - وببساطة - "قبيلة " ؛ ومن أهم صفاتها الأساسية القدرة على التجاوب والتكيف مع المتغيرات . " وقد تمكنت القبيلة ؛ وهي نواة يلتف حولها مجموعة من الأسر تربطها مصالح مشتركة تم تطويرها والتمسك بها على امتداد أكثر من قرنين، منها جذب حلفاء وموالين لها لم يكونوا في الأصل جزءاً من هذا التجمع . ومع ذلك فقد أثبتت كوكبة الحلفاء هذه قدرتها على الاستمرار، بعد أن ظلت صامدة على امتداد أجيال عديدة . هذا ومن القضايا التي اهتم بها الباحثون قضية تحديد ما إذا كان لبني ياس جد مشترك واحد أو أنهم يشكلون تحالفاً من جماعات تربطها صلة الدم وجماعات ليس بينها صلة قرابة . والحقيقة الأساسية في هذا السياق هي أن قبيلة بني ياس ظلت تمثل أقوى تجمع قبلي في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية وكان يتزعمها على الدوام آل بوفلاح ونسلهم من آل نهيان. غير أن نجاح بني ياس يعود في جانب كبير منه إلى بنيتهم القبلية المنفتحة " . وإذا كان النظام القبلي المحكم القائم على صلة الدم أو القرابة من ناحية الأب يُنظر إليه على افتراض أنه نظام منغلق وغير قادر على التكيف، فإن منظومة بني ياس كانت مستقرة ومنفتحة على التغيير . سواء عن طريق المصالح المشتركة أو صلات الدم أو المصاهرة، إلا أن جوهر هذه الرابطة هو المصلحة المشتركة والاعتماد المتبادل علاوة على ذلك كان هناك اتفاق عام داخل تحالف بني ياس على تولي أسرة آل نهيان زعامة هذا التجمع منذ القرن الثامن عشر، وطبقاً للتقليد القبلي المتّبع فإن الشيخ فلاح زعيم قبيلة بني ياس خلفه مع نهاية القرن السابع عشر ابنه نهيان الذي حظي بتأييد إخوته الثلاثة سعدون ومحمد وسلطان عند توليه أمر القبيلة. وهكذا أصبحوا هم وأنصارهم يعرفون بآل بو فلاح ، أي سلالة فلاح. ومنذ ذلك الحين أصبح التقليد المتبع هو اختيار شيخ بني ياس من سلالة آل نهيان . " ولم يكن اختيار آل نهيان لزعامة القبيلة نتيجةً لانتمائهم إلى أي سلالة عرقية خاصة أو فئة اجتماعية أعلى، بل لأنهم اعتبروا من أهل الكفاءة ومن أصحاب الشرف بمفهومه القبلي . كتبت أول دراسة بحثية حديثة متكاملة حول دور قبائل أبوظبي وطبيعتها في عام 1955، وتم استكمال هذه الدراسة وتوسيعها بدراسة رئيسية تم الفراغ منها عام وتشير الدراستان إلى أن بني ياس وحلفاءهم الرئيسيين وهم المناصير والعوامر والظواهر كانوا القوة الرئيسية في المنطقة . وكان لدى هذه القبائل ببطونها وأفخاذها نمط قبلي مختلف قليلاً عن الأنماط الموجودة حينها في أجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية ، * ففي مناطق عديدة من الصحاري الواسعة في شمالي شبه الجزيرة العربية وجنوبيها كان ممتلكات بعض ؛ لكل قبيلة منطقتها الخاصة أو موطنها الخاص الذي تقيم فيه عادة، حيث تكون آبار المياه الواقعة ضمن منطقة القبيلة ملكاً لها دون غيرها . غير أن الوضع كان مختلفاً في أبوظبي حيث يتقاسم كل أفراد القبائل المتحالفة الموارد المتاحة ويحمي بعضهم : فمثلاً عندما كان رجال بني ياس يرحلون من واحات ليوا أو العين ويتجهون إلى السواحل لصيد الأسماك ، كانوا يتركون ماشيتهم ومزارع نخيلهم تحت رعاية حلفائهم والقبائل الموالية لهم . وقد تشكل تحالف بني ياس بفضل عوامل خاصة مرتبطة بالبيئة والظروف السياسية في المناطق التي تقطنها القبيلة نفسها. ومن الخصائص المميزة لهذا التحالف في مناطق أبوظبي أن أفراد القبائل المنضوية تحته يسكنون في السواحل ويعيشون على البحر، وأكثرهم يتنقلون في الأراضي الواسعة التي تتكون منها الصحراء الممتدة في جنوبي شبه الجزيرة العربية، وفضل بعضهم الاستقرار في واحات المنطقة وممارسة الزراعة، وكان إدوارد هندرسون Edward Henderson الذي عرف المنطقة قبل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزها ظهور النفط، قد وصف بني ياس بأنهم " . قبيلة عربية بعض أفرادها حَضَر، وبعضهم بحارة، وبعضهم بدو» . في صراع البقاء الذي كانت تخوضه قبيلة بني ياس اتجه أبناؤها الذين كانوا يعيشون في بادئ الأمر بدواً رحلاً في الصحراء المحيطة بواحة ليوا إلى البحر، مستغلين موارده وإمكانياته اعتباراً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ومنذ تلك اللحظة نشأ ذلك النمط المزدوج للحياة، حيث ضمت المنظومة كلاً من الرعاة الرحل والسكان المستقرين . لقد احترف بعض أبناء بني ياس وقبيلة المناصير مهناً "مستقرة" مثل الغوص لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك على السواحل وزراعة النخيل في واحة ليوا، وبالمثل كان هناك أفراد يعيشون حياة بدوية صرفة أو شبه بدوية، أي إنهم كانوا يمضون جزءاً من السنة في مزارع النخيل أو العيش على السواحل في مواسم اللؤلؤ وصيد الأسماك، بينما يقضون الجزء الآخر من السنة في رعي الإبل في الصحاري. وقد استقر بعض أفراد قبيلة النعيم المتحالفة مع بني ياس في واحة العين، في حين يمكن وصف الجزء الآخر من القبيلة ذاتها - وبخاصة بطن آل بوشامس – بأنه شبه مستقر . وهذا يعني أنهم لا يملكون مناطق استقرار خاصة بهم، غير أنهم لم يتنقلوا بعيداً في عمق الصحراء على غرار أهل البادية الفعليين، وفضلوا البقاء عند أطراف الصحاري . وحتى أفراد قبيلة الظواهر الذين يعيش معظمهم في العين كانوا يرعون قطعانهم في الصحراء المجاورة أحياناً. ونخلص إلى أن البنية الهيكلية لبني ياس ظلت تستوعب كلاً من حياة الاستقرار وحياة الترحال البدوية . في هذه البنية المعقدة كان الزعيم الناجح هو ذلك الذي يستطيع التفاهم ببديهة حاضرة مع الجماعات المختلفة، وقد تعين على شيوخ بني ياس أن يخلقوا توازناً دقيقاً بين الجماعات المختلفة وفروعها . ولربما كانت تلك المنظومة أعقد التركيبات القبلية في شبه الجزيرة العربية بسبب وجود جماعات مصالح مختلفة ضمن فروع بني ياس المتعددة والقبائل المتحالفة معها ، حيث كان لكل منها مطالب ذاتية من زعيم القبيلة . وإذا كانت تلك المهمة تتطلب مهارة كبيرة للحفاظ على التوازن والانسجام بين كافة القوى التي تتكون منها المنظومة القبلية، فإن المحافظة على تماسكها لفترة طويلة تتطلب قدرات ومهارات استثنائية . تحمل الحياة القبلية كثيراً من الخلط وعلامات الاستفهام لأولئك الذين يراقبونها من الخارج، أما في المجتمع القبلي فإن كل فرد من بني ياس يعرف الجماعة التي ينتمي إليها، ولم يكن بحاجة إلى أن يحمل أي وثيقة أو جواز سفر لإثبات ذلك الانتماء، وكان في وسع أفراد القبيلة ذكر أسماء آبائهم وأجدادهم حتى يصلوا إلى جدهم البعيد . لقد كان أفراد بني ياس واثقين من هويتهم الذاتية وولاءاتهم، وعارفين بحلفائهم ومدركين لضرورة تكاتفهم، ويمكن فهم هذا النظام على نحو أفضل بالنظر إليه بوصفه نظاماً متكاملاً يحتوي على نواة مركزية ذات محيط ملتف حولها ؛ أما النواة فهي العشائر التي تشكل منها بنو ياس، بينما يشمل المحيط الملتف حول النواة القبائل والتجمعات الأسرية المتحالفة معها . وقد أثبت هذا التحالف متانة الصلات التي تربط بين نواته ومحيطه، وصمودها الذي استمر لمدة طويلة، بحيث لا نجد من الناحية العملية فجوة من أي نوع بينهما ، ففي الجانبين كان هناك انصهار طوعي لشتى الجماعات في الكيان الكبير. غير أن المنخرطين فى منظومة القبيلة استوعبوا ذلك بالفطرة. لقد كان تحالفاً ذا طبيعة مرنة، استقطب مجموعة واسعة ومختلفة من الجماعات بعضها من البدو الرحل وبعضها مستقر، بعضها يعيش على البحر، وبعضها على الرعي، وبعضها على الزراعة . كان النزوع نحو الاتحاد بدلاً من الدخول في صراع واحداً من ثوابت الفكر والممارسة لدى بني ياس، ويكتسب هذا النزوع أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن العنصر الأساسي الآخر الذي يؤثر في كافة جوانب الحياة الاجتماعية في المنطقة (كما هي عند تجمعات عربية أخرى هو السلطان الراسخ للعادات والتقاليد. واتسم النموذج الاجتماعي الذي وفرته البنية الهيكلية لبني ياس في نهاية الأمر بطبيعة مرنة غير متصلبة، أتاحت للشيخ زايد توظيف ذلك النموذج وتفجير طاقاته إلى أقصى حد ممكن. وكان العرف المتبع في إطار هذا النظام هو البحث عن صلات من المصالح المشتركة، ومن ثم تحقيق الوئام بدلاً من الصراع . غير أن الجماعات التي شكلت بني ياس في أبوظبي قد تجاوزت "سعة الحيلة " . لقد أسسوا بنيتهم الاجتماعية والسياسية على تنوع الأنشطة والتعاون فيما بينهم. وكما لاحظ کلیرنس مان Clarence Mann في دراسته عن أبوظبي : أن تنوع تركيبتهم بني ياس، وارتباطاتهم السياسية، قد وفر الوسيلة التي تمكن من خلالها شيخهم الأعلى حاكم أبوظبي من أن يوسع نفوذه على امتداد المساحة الواسعة التابعة لهم «الآن». من المحتمل أن أوجه اختلاف حياة قبائل أبوظبي عن نمط الحياة التقليدي وعن الأسلوب المعتاد في الحياة الصحراوية النمطية قد منحتهم مزية التكيف مع ضغوط عالم جديد ومختلف تماماً ظهر بعد اكتشاف النفط . ورغم أن البنية القبلية في شبه الجزيرة العربية قد شجعت عموماً قيام التحالفات والصلات ، فقد كان لبني ياس دافعهم الخاص إلى الاتحاد، فهم قليلو العدد، ويعني ذلك أن بقاءهم متفرقين يحرمهم من امتلاك القوة، لقد استمدوا قوتهم من القوة المشتركة لتحالفهم، ومن دعم محاربي المناصير المعروفين بالجرأة والبأس، وكانت الصلة التي تربط قبيلة المناصير بالحلف أقل إحكاماً ولكنها معززة بالعادات والتقاليد الراسخة ، وبالمقابل كان الزعماء البارزون في تحالف بني ياس واعين بأبعاد العلاقات الاجتماعية المتشابكة في "تحالفهم " ، وقادرين على توظيف هذا الوعي وهذه العلاقات في تعزيز قوتهم . تجلت صلابة منظومة بني ياس ومتانتها في قدرتها على المضي قدماً دون أن تفقد أياً من أجزائها، وفي قدرتها على استيعاب عناصر جديدة ودمجها. وتنطوي كل النظم القبلية العربية أساساً على قابلية للانقسام ؛ بمعنى أنها تنقسم إلى تجمعات أصغر تحت ضغط شح الموارد وندرتها. وفي النموذج الأنثروبولوجي التقليدي، هناك رابطة غير قابلة للذوبان. وفي إطار منظومة بني ياس، حيث المصالح المشتركة وليس صلة القرابة هي الأساس الأقوى لتماسك هذه المنظومة، كان في وسع العناصر المختلفة أن تنفصل عن المنظومة ثم تعود إليها لاحقاً؛ وعلى سبيل المثال فقد انفصل آل بوفلاسة الذين ينتمي إليهم آل مكتوم، واستقروا في دبي 1833، كما انفصل القبيسات عن المنظومة وعادوا إليها أكثر من مرة، تأسيس سلطة مستقلة في منطقة خور "العديد" في عهد الشيخ خليفة بن شخبوط حتى عام 1837 ، وخلال عهد الشيخ زايد الكبير حتى عام 1878 ، ومرة ثالثة في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان حتى عام 1966 . ولكن كل محاولة من محاولات الانفصال كانت تنتهي إلى مصالحة القبيسات وعودتهم للانضمام إلى منظومة بني ياس بعد أن يتأكد لهم أن العودة في صالحهم . تميز الشيخ زايد بن سلطان منذ طفولته بدراية تامة بتفصيلات تاريخ قبيلة بني ياس . وتكون وعيه السياسي المبكر من دراسته لتجارب الحكام الناجحين، والحكام الأقل نجاحاً، وقصص المؤامرات والفتن وآليات تكوين الأحلاف الواسعة وامتداد السلطة القبلية، بما يتضمنه ذلك كله من ثراء وإفادة. وقد تعلم الشيخ زايد من خبرة التاريخ مبدأين رئيسيين ؛ أولهما أن على الحاكم الناجح أن يحافظ على ولاء قبيلته وثقتها إضافة إلى ثقة حلفائه وولائهم له . وثانيهما أنه يتعين على الحاكم إذا ما أراد أن ينجح في حكمه أن يمتلك الجرأة والشجاعة والاقتناع بما يفعل، والقدرة على تفجير طاقات شعبه وتوحيد أفراد القبيلة على اختلاف مصالحهم. وفي تاريخ بني ياس الطويل، كان زايد الكبير هو المثال الحي للقائد الذي يوحد شعبه حقاً، وهو ما سنعرض له في طيات هذا الكتاب . شيخ القبيلة رمز الاتحاد لدور الشيخ في قبيلة بني ياس، كما هي الحال لدى القبائل العربية كلها أهميته الفائقة؛ إذ يتوقف على هذا الدور نجاح الشعب وبقاؤه . ويكتسب الدور الاجتماعي والسياسي للشيخ في مجتمعه أهمية بالغة ؛ فالشيخ الناجح مثل زايد الكبير لم يكن مجرد محارب مقدام أو قائد عسكري مغوار. وفي هذا السياق يكون لكلمة "ناجح" معنى أشمل من مجرد فكرة القائد العسكري الذي يبلي بلاء حسناً في ميدان القتال، فالصفات التي يحترمها رجال القبائل عن فطنة ودراية باعتبارها طريق النجاح على المدى البعيد ترتبط بالعقل السديد أكثر من صلتها بالذراع القوية؛ فالقائد هو من أنعم الله عليه بالبصيرة النافذة وحسن التدبير والحكمة وفي الموروث الشفهي للقبيلة يقال : إن «زعيم القبيلة . الذي يوصف عادةً بأنه رجل بحق "صاحب الرجولة" ، يحظى بالاحترام الفائق . ولمثل هذا الزعيم قلب قوي ويعرف كيف يواجه الأخطار العظيمة، وله رؤية واسعة وبعد نظر ، ولا يتصرف بعجلة إطلاقاً. فالذي يتصف بكونه مجرد مقاتل مقدام لا تكفي مؤهلاته لتولي زعامة القبيلة أو القيادة العسكرية . وكانت كل الصفات السابقة للقائد تمثل النموذج المثالي الكامل الذي لم يتوافر دائماً فيمن تولوا القيادة، غير أن المجتمع القبلي قد أدرك الأهمية القصوى لهذه الصفات السامية، وعندما كانت مثل هذه الخصائص تتوافر في واحد من الزعماء فإن النظام القبلي ذاته هو ما كان يتيح لجميع الأطراف تنحية الخلافات والصراعات جانباً، لتتجمع حول هذا الزعيم فروع القبيلة. وكذلك كان في مرحلة لاحقة العنصر الأساسي في مسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي حمل اسم جده . كان مفهوم "الشيخ الناجح " راسخاً في الفهم الاجتماعي المشترك بين القبائل العربية، فقد تربى أبناء القبائل العربية جميعاً على احترام الأعراف والعادات والتقاليد العربية الأصيلة (مفهوم الشرف ويكثر عادةً تداول مفرداته على ألسنتهم . وكان ما يتهدد الشرف بمفهومه المتسع يقف وراء معظم الصراعات القبلية بشكل أو بآخر، بل إن عالم الاجتماع بشر فارس قد ذهب أبعد من ذلك حين قال إن العناصر التي تجسد مفهوم الشرف هي التي صاغت قيم المجتمع العربي. وكان في وسع الشيخ الناجح أن يكتسب سلطته ويحافظ عليها طالما نال الولاء والاحترام الطوعي من شعبه، ومن جانبه فهو يقدم لهم ولأسرهم الدعم والحماية في مضاربهم ، لقد كانت سلطته سياسيةً في جوهرها، ولم تكن مبنية على القوة بل على عملية توازن بين الحقوق والواجبات، وهذه هي الأرضية التي كان على زعماء قبائل الخليج العربي جميعاً أن يعملوا في إطارها . وبالإضافة إلى الواقع السياسي والاجتماعي الذي شكل إطاراً لحياة القبائل العربية ونظم حكمها، كان للاعتبارات الجغرافية أهميتها الجوهرية أيضاً. وكان لمفهوم الشرف أهمية جوهرية في تحديد مبدأ حرمة الأرض، كما هي الحال بالنسبة إلى أهميتها في تشكيل العلاقات القبلية، وكان " للحدود" التي فرضها الواقع لأراضي كل قبيلة الأهمية ذاتها، وفي بعض الحالات كانت لها أهمية أكبر، وبالنسبة إلى أولئك الذين عاشوا في ظروف الصحراء القاسية، فإن "الشرف" و"الأرض" هما العاملان اللذان رسما حدود وجودهم . كان دور الشيخ أو زعيم القبيلة أساسياً، فالشيخ يحكم بشكل عام بموافقة قبيلته وبرضاها على الرغم من القصص العديدة التي تُروى عن رجال أقوياء الشكيمة عارضوا زعماءهم في مجالسهم . " وبهذا فقد كانت هذه العلاقات بين الشيخ وأبناء قبيلته متشابكة ومتبادلة في جوهرها، ولكن في نهاية الأمر يبقى الشيخ مخلصاً لشعبه والشعب وفياً لشيخه . وكان عهد الشعب بشيخه أن يكون كريماً، وأن يتصرف بالنيابة عنهم لما فيه صالحهم دائماً، حتى وإن كان في ذلك ضرر له. وفي المقابل يهب أبناء القبيلة شيخهم الولاء إلى حد دخول الحرب والتضحية بالروح متى أمرهم بذلك . غير أن ولاءهم كان مرهوناً في نهاية الأمر بأن يضطلع الشيخ بتبعات الجانب المنوط به عرفياً. ورغم أن دور الشيخ لم يكن وراثياً، كما هي الحال عند بني ياس، فإن القبيلة تقبل عادةً أن ينتمي الشيخ إلى أسرة بعينها . وفي حالة بني ياس كان الشيــخ مـن آل نهيان، ولكن إذا لم يثبت الشيخ أهليته وجدارته بتأييد شعبه فإنهم يستبدلون به آخر من أقاربه. لذا يكون الشيخ الذي يقع عليه الاختيار وأقاربه على دراية بأن ولاء القبيلة له مرهون بنجاحه ، كما يكون الجميع على علم تام بأن الشخصية القيادية الضعيفة قد تعرض للخطر منظومة التحالفات التي تأسست على امتداد أجيال . لقد قامت منظومة بني ياس على شبكة معقدة من العلاقات المرتكزة على مفهوم الشرف وليس على السلطة القائمة على الإكراه. ولم يكن في وسع أي شيخ أن يجبر شعبه على البقاء تحت حكمه إذا رفضوا زعامته، فهم ببساطة قد يرحلون عنه، فإما أن يستقلوا وإما أن ينضموا إلى قبيلة أخرى. وبالمثل لم يكن مألوفاً من أبناء القبائل الذين يتصف شيخهم بالعدل والسخاء في تعامله معهم أن يهجروه عند الحاجة. لقد ولدت هذه الأخلاق من صلب الظروف الصحراوية القاسية، حيث تعتمد كل نواحي الحياة على ثقة متبادلة تصنعها الفطرة السليمة، بل العكس هو الصحيح ، وكان مكان إجراء الحوار أو المساجلات الشعرية هو منتدى القبيلة، أو " المجلس " ، ولكن هذا يتوقف أثناء الترحال عبر الصحراء وخلال الغارات والمعارك . وتعود الجذور الأساسية لهذه العلاقات إلى الثقة المتبادلة، وكان مثل هذه الوشائج المبنية على الثقة هو ما رسخ سلطة الشيخ زايد ونفوذه بين أفراد الشعب . إن أهل الشرف ممن احتلوا مكانة عظيمة ؛ مثل الشيخ زايد الكبير، كما سنرى لاحقاً، لم يصدروا أوامر رسميةً بقدر ما كانوا يبدون رؤاهم وآراءهم، وكانت آراؤهم هذه تتسم بطابع النظرة الرشيدة إلى الأمور وتمثل حكمة مجردة أكثر من كونها قوانين ملزمة. كما أن خطبهم وأحاديثهم الشفهية التي تبدو عادةً للغريب مبهمة تميل إلى العمومية، لم تكن غامضةً كلياً أو غير مفهومة تماماً لدى مستمعيهم. وكان جوهر مثل هذه الأحكام الرغبة في المحافظة على شرف كل المعنيين بالأمر وكرامتهم . وكان من النادر أن يظهر ذلك النوع من الرجال الذين يحظون باحترام الجميع، وقد تمر أجيال دون أن تظهر شخصية من هذا النوع بين القبائل . غير أن هذا النموذج القيادي هو الذي أجمعت عليه الآراء باعتباره أفضل من يحل المشكلات في مجال علاقات الأفراد وصلاتهم وفي المجال السياسي على حد سواء، بعد إدراك عدم وجود حدود فاصلة بين الاثنين . ومن أهم جوانب الإرث الذي تلقاه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الظروف الصعبة الناجمة عن قسوة المناخ والبيئة، والفقر الطاحن وشظف العيش الذي تفرضه حياة الصحراء، والثقافة القائمة على القيم والعادات النابعة من مبدأ الشرف . غير أنه ورث مع ذلك أيضاً تقاليد "رجل" القبيلة المتعدد الأنشطة " ، وهي تقاليد تجسد ثقافة التحول التي تجاوبت مع تبدل الظروف والأحوال. وكان للعوامل التي رافقت نشأة الشيخ زاید وبيئته تأثیر عميق، حيث إنه باستيعابه لكيفية استغلال المعرفة والخبرات المكتسبة منهما قد ارتقى إلى منزلة " القائد المثالي " النادر الذي يعتز به المجتمع العربي القبلي . لهذا كله فقد نجح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في المقام الأول بسبب مهاراته ومواهبه الخاصة التي اكتسبها في سياق اجتماعي معين، وهو يستوفي في كل جانب من جوانب شخصيته الصفات التقليدية المرتبطة بالقادة العظام. لما يتصف به من حكمة وصبر واحترام للآخرين ووضع مصلحة شعبه قبل مصلحته الخاصة، كما أثنى رجال القبائل على شجاعته وجسارته وقدروا له حصافته وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور. لقد احترموه، ولهذا قدموا له ولاءهم، ويشكل تبادل الولاء بين الحاكم والمحكوم جوهر النظام القبلي العربي . وكان الولاء هو المبدأ الذي تقوم عليه فكرة الشرف القبلي برمتها، والذي امتدت آثاره متجاوزة الحلف الذي تزعمه الشيخ زايد لتقيم جسوراً قوية بينه وبين القبائل المجاورة. لقد أدركوا أنهم أمام قائد يحترم كلمته، ويوجه كل عنايته إلى شعبه، وكانوا على حق حين قدروا أنهم سيلقون منه المعاملة التي تليق بهم. لقد نال الشيخ زايد احترام هذه القبائل حين وجدت فيه قائداً ذا عزيمة صلبة يذود بها عن أرضه وشعبه الذي بايعه زعيماً على أتم الاستعداد لاستخدام موارده المتاحة لصالح بني قومه، وتلك أيضاً صفة من صفات الزعيم المثالي. لقد كان الشيخ زايد يتعامل مع المشكلات والأزمات بمنهج خاص ؛ فهو دائماً عبر مراحل حياته المختلفة يستخلص من الأزمة أهم الدروس والعبر، وربما يكون هذا الأسلوب ناتجاً عن إحساسه العميق والمبكر بالدور الكبير الذي ينتظره. وهذا الإحساس بالإضافة إلى القدرة على تحمل المسؤولية، إنما يعكسان أهم ملامح خلفية هذا الزعيم والتي تتمثل في تربيته الدينية السمحة وتمسكه بالعادات والقيم العربية الأصيلة التي نهلها من حضوره الفعال منذ طفولته لمجلس الحاكم، فضلاً عن فطرته المتميزة وسماته الخاصة التي حباه الله إياها . ومن السهل على المتتبع لمسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يلاحظ قدرته على مواجهة المحن وإدارة الأزمات في هدوء وروية، فمع صعوبة الظروف وشدتها تتجلى حنكته السياسية وإرادته الصلبة للتوصل إلى حل يتجاوز به تداعيات الأزمة . يمكن القول بأن من أبرز صفات الشيخ زايد مرونته وإيجابيته، مع حرصه على المحافظة على العادات والتقاليد الموروثة .

Original text

التقاليد والقيم
للعرب تراث مشترك وثقافة مشتركة وقيم أخلاقية وحضارية مشتركة كانت سبباً وحدتهم السياسية خلال فترات متفاوتة من تاريخهم. غير أنه يمكن للوهلة الأولى إدراك أن الممارسات والسمات والمظاهر الفعلية لهذا التراث المشترك قد اختلفت باختلاف الزمان والمكان ؛ فقد كان لظاهرتي الهجرة وتغير الطرائق التي اعتمد عليها أبناء القبائل في كسب عيشهم، لأسباب اقتضتها الظروف الاقتصادية المتغيرة ، آثارهما المهمة. وتمكنت بعض القبائل بما طبعت عليه من سعة الحيلة والقدرات غير المحدودة على تدبير شؤون حياتها من التفاعل مع تحديات البيئة واغتنام الفرص المفيدة منها ؛ فقد استغلت القبائل المقيمة بالقرب من الخليج فرص العيش السانحة في البحر، فعاشت على صيد الأسماك والغوص لاستخراج اللؤلؤ. أما قبائل الحجاز فقد انشغل أفرادها في ممارسة الأنشطة المرتبطة بالحج والعمرة إلى الأراضي المقدسة، وهو ما كان يشكل أكبر مصدر للدخل في منطقة شبه الجزيرة العربية بأسرها. ويمكننا الآن بالنظر إلى الماضي القريب أن نعتبر القدرة على التكيف من أعظم خصائص أهل هذه المنطقة.
يتسم المجتمع العربي القبلي بعمق إحساسه بالتاريخ ؛ فحتى يومنا هذا مايزال بعض القبائل يتوارث حكاياته القديمة ومفاخره الماضية، ويرويها للناس جميعاً لكي لا يطويها النسيان، فالماضي متصل بالحاضر، وتتبلور شخصية العربي في إطار من إحساسه المتأصل بتراث قبيلته . ولم تعش كل شعوب شبه الجزيرة العربية، حتى في فتراتها التاريخية المبكرة، حياة بدوية محضة معتمدة على الصحراء وما تجود به من سبل العيش، فالطبيعة الحضرية لمدن عظيمة مثل مكة والمدينة لها جذورها الممتدة أيضاً في عمق التاريخ العربي، وكذلك كان البحر بالنسبة إلى العديد من العرب هو المصدر الرئيسي للرزق . ومن المؤكد أن البيئات الطبيعية كان لها تأثيرها في تكوين القبائل العربية التي عاشت على الغوص لاستخراج اللؤلؤ أو صيد الأسماك أو التجارة البحرية. وعلى وجه التحديد كانت القبيلة بمنظومة قيمها وتقاليدها الأصيلة هي الإطار العام الذي نشأت وترعرعت فيه شخصية الشيخ زايد ومهاراته .
كانت قبائل الخليج العربي تنجز في بطء عملية تحول كبيرة، تسارعت خطواتها في القرن العشرين إلى أن وصلت في الربع الأخير منه إلى أقصى درجات التطور والتحول التي قد تنطوي على أخطار محتملة. وفي وسعنا أن نتتبع فترة التحول مع بداية القرن التاسع عشر، عندما بدأت القوى الخارجية - وهي مصر والإمبراطورية العثمانية والدول الأوربية وأبرزها بريطانيا - تبدي اهتماماً أكبر بمنطقة شبه الجزيرة العربية . منذ تلك اللحظة بدأت قبائل شبه الجزيرة العربية عملية التغيير الذاتي لتتحول في نهاية المطاف إلى دول قومية في القرن العشرين. وبطبيعة الحال ليس من شأن الظروف الجغرافية والبنية الاجتماعية أن تحدد مصير كل فرد غير أنه من الجدير بالملاحظة هنا أن الظروف والمتغيرات المشار إليها أعلاه هي التي وفرت للشيخ زايد البيئة الاجتماعية التي أقام فيها دولة الإمارات العربية المتحدة . وقد أدت القبيلة في حالة الشيخ زايد وظيفة مزدوجة، إذ لم يقتصر تأثيرها على تشكيل السمات الشخصية التي أهلته ليكون قائداً فاعلاً فحسب، بل وفرت قاعدة وأساساً تاريخياً للتعاون على نطاق أوسع في إطار المجتمع، مما مهد الطريق في نهاية المطاف لقيام دولة الاتحاد .
وهكذا يتضح أن نمط الحياة، وبخاصة في منطقة أبوظبي الواقعة في الطرف الجنوبي من الخليج العربي، كان نتاجاً طبيعياً لتلاقي أنماط الحياة القبلية الصحراوية العربية المختلفة الملامح والمظاهر وإن التقت خطوطها العامة، ولم تكن نتاجاً لنمط قبلي فردي (حسبما يتجسد على سبيل المثال في القبائل البدوية التي تنتمي إلى الجزء الشمالي من أواسط شبه الجزيرة العربية . ويعتبر مجتمع القبائل التي عاشت في منطقة أبوظبي محكوماً بالدرجة نفسها بمقتضيات الطبيعة الاقتصادية والبيئية للمناطق التي عاشت فيها هذه القبائل . وقد كان هناك قدر كبير من التنوع ضمن هذه المنظومة المحلية الكلية، في نمط الحياة السائد وفي مواقع التجمعات القبلية على حد سواء ؛ ففي حين يستقر بعض القبائل نوعاً ما في مكان معين، يبقى بعضها الآخر متنقلاً من مكان إلى آخر . المهم في الأمر أن هذه القبائل المتحالفة فيما بينها ابتدعت صيغة معينة للوحدة الاجتماعية والسياسية. ولم يكن من العسير على من يدرس ظروف المنطقة أن يكتشف أن : « البقعة الساحلية التي تضم جزيرة أبوظبي والجزر المجاورة والأراضي الصحراوية الداخلية التي تشمل واحتي البريمي (العين) وليوا، تشكل معاً وحدة اقتصاديةً واحدةً، حيث تعتمد في نموها الكلي على الأجزاء المكونة لها، ويبقى كل جزء منها ناقصاً إذا فصلناه عن البقية .
وتدعم دراسات أخرى هذا الانطباع حيث إنها تربط بين الأنماط الاجتماعية والبيئة : يعيش سكان المنطقة، وهم تقريباً أفراد القبائل التي عاشت فيها منذ أمد بعيد، في مجتمع تطور على مدى قرون ليلبي متطلبات بيئتهم القاسية ؛ فقد عاشوا على مدى أجيال أنماط الحياة البدوية التقليدية والحياة شبه المستقرة السائدة في شبه الجزيرة العربية، معتمدين في معيشتهم على ماشيتهم وعلى تمور واحتي البريمي (العين) وليوا. وكان بعض أفراد القبيلة يفضلون البقاء بالقرب من مزارع النخيل الخاصة بهم، بينما يقيم آخرون لفترة وجيزة خلال موسم الحصاد في مزارعهم ، ثم يعودون إلى الصحراء في الشتاء؛ ولا يمكن وضع حدود فاصلة بين القبائل "البدوية" والقبائل "الحضرية " ... ولم تكن تنقلات القبائل مجرد ارتحال استجابة لرغبة عارضة، بل كانت مسارات تنقلهم المحددة جيداً تحترم وتراعي حقوق الآخرين. لا يمكننا أن نعتبر أسلوب الحياة هذا في حد ذاته أفضل أو أسوأ من أساليب الحياة السائدة في أنحاء أخرى، وإنما يمثل هذا الأسلوب فقط أفضل استغلال بشري ممكن لمثل هذه الأراضي في غياب التقنيات الحديثة التي تنشئ أشكالاً عمليةً جديدةً من الأنشطة .
هذه النزعة الطبيعية نحو ضم الآخرين إليك وليس إقصاءهم عنك ، ونحو توسيع دائرة أسرتك، والتحالف مع الآخرين، وتشكيل تجمعات أوسع وأقوى، هي نزعة متأصلة في شخصية عرب الصحراء وممارساتهم اليومية، وهناك أسباب واضحة وموضوعية تبرر ذلك ؛ فالجماعة الكبيرة أقوى من الجماعة الصغيرة، ومن المنطقي في الظروف الصحراوية القاسية أن يقلل المرء قدر المستطاع من عدد أعدائه الفعليين والمحتملين، ومن ثم نجد أن الصلة القبلية المعتمدة على روابط الدم والقربى تأتي في المقام الأول، وهي تقوم على مجموعة من العشائر الأصغر حجماً والفروع المنحدرة منها. وقد ينضم إلى هذا التجمع كوكبة أخرى من الحلفاء والأصدقاء ؛ ولعل تحالف بني ياس هو أفضل مثال لهذه الرابطة الطبيعية .
وفي مقابل الخصائص المشتركة بين القبائل العربية هناك عناصر الاختلاف؛ فمن ناحية هناك تماثل بين القبائل ناشئ عن أصلها الواحد وتراثها المشترك. ومن ناحية أخرى هناك الأنشطة التي تقوم بها قبائل معينة للتكيف مع ظروف البيئتين الطبيعية والسياسية على حد سواء. ويعود ذلك جزئياً إلى أن كل قبيلة من القبائل قد انقسمت (تجزأت) على مر القرون، إلى أقسام وفروع عديدة . غير أن حقيقة أن فردين من قبيلة ما ينحدران من جد واحد يعود إلى عشرين جيلاً لا تعني بالضرورة ترابطاً بينهما ، إلا إذا أراد الطرفان لها ذلك . إن الروابط والصلات المستمدة من الأصل المشترك يمكن أن تكون وسيلةً مؤكدةً لإثبات الأخوة والعلاقات الأسرية ، ولكنها ليست دائماً كل شيء .
لذلك فإن هناك عنصرين في صلة النسب، وهما ما يُمكن أن نسميهما " الأصول " و " الأقارب " . وعلى الرغم من أن للمصطلحين ضوابط فنية دقيقة في كتب الأنساب العربية وعند علماء الأنثروبولوجيا، فإننا نستعملهما هنا بمعناهما العام؛ فالأسلاف في هذه الحالة يمثلون في مجموعهم صورة الأصول التي يحتاج الفرد إلى البحث عنها، ومن خلال رواية ما يرتبط بهم من قصص ووقائع يعبر الفرد عن هويته وكينونته، إذ لا يملك أحد أن يحتفظ في ذاكرته الشخصية بسلسلة تشمل أجداده الممتدين لأكثر من أجيال قليلة سابقة . أما ما وراء ذلك فهو مجرد أساطير مروية ، أو ذكريات وقيم تنسبها الأجيال اللاحقة إلى عظمائها، أو رموز منتقاة بعناية من خصائص مرغوبة (تكون بطولية عادة.
أما بالنسبة إلى الزواج والمصاهرة فإن الخيارات المتاحة أمام المرء أقل بكثير بحكم الضوابط المباشرة، فالأقارب هم في الواقع الأشخاص الذين تربطهم صلات أسرية أو قرابة وثيقة معروفة، وليس هناك من حاجة إلى صلة معينة بأسلاف سابقين . وعليه فإن القرابة بهذا المعنى فكرة فاعلة للغاية ومرتبطة ارتباطاً عميقاً بفكرة الرابطة الأسرية، وعلى مستوى أعمق فإن قدرة الأسرة العربية على ربط الغرباء بها ترتبط ارتباطاً وثيقاً في نهاية المطاف بمناقب أهل الصحراء من الشرف وحسن الوفادة 3 والكرم والفروسية وحرمة الضيف والشجاعة . *


منظومة القيم في المجتمع القبلي
يتجسد مفهوم الشرف في منظومة الأعراف والتقاليد المتعلقة بحسن الضيافة والكرم والصدق والعفّة والإيثار وحرمة الضيف والفروسية والشهامة والشجاعة، وتشكل هذه الأعراف البنية الأساسية للمجتمع العربي. فبالنسبة إلى أي فرد من أفراد القبيلة يعتبر فقدان الشرف شكلاً من أشكال " الموت الاجتماعي " ، وماتزال منظومة القيم الأصيلة في المجتمع القبلي بشكل عام تحدد الطريقة التي يتصرف بها العربي نحو الغرباء من غير أفراد قبيلته . ولقد قيل منذ أكثر من مئة عام إن قبائل شبه الجزيرة العربية لا تعتبر كرم الضيافة مجرد واجب جاءت به تعاليم الدين الحنيف، بل يرونه غريزة فطرية لدى كل ذي عقل سديد» . وبمجرد أن يحل الضيف الذي يبحث عن حسن الوفادة أو الحماية فإنه يحصل على ما يريد، و يصبح تحت حماية مضيفه . ويشير أحد الباحثين البارزين إلى أنه ليس هناك من أمة في العالم تحترم "ميثاق الحماية " بالتزام أقوى مما لدى العرب.
من منظور تاريخي تثير هذه الآراء تساؤلات عديدة أخرى، فماذا تتيح منظومة القيم القبلية للحكام أن يفعلوا ؟ وإلى أي درجة يتطلب السلوك المشرف دعماً من حليف؟ وما كلفة ذلك الدعم؟ ومتى يمكن لحاكم ما أن ينهي نزاعاً ما بشكل مشرف من أجل أن يعم السلام الجميع من الناحية العملية ؟ وفي حين أن فكرة الشرف هي من صميم الاجتماعية عند العرب، فإن تطبيقاتها الدقيقة تختلف من مكان إلى آخر : المبادئ
تعتبر فكرة الشرف مهمة في كل المجتمعات العربية تقريباً، غير أن الوصف العربي المفصل والمحدد بدقة للفكرة قليل للغاية ؛ فمفردات الشرف تتشابه إلى حد بعيد في كل أنحاء العالم العربي، ورغم أن مفردات مثل "العرض" و "الشرف" و "العار" و " العيب" شائعة على نطاق واسع، فإن المضامين المرتبطة بهذه المفردات تختلف من مكان إلى آخر .
ما يهمنا في هذا المقام هو مفهوم "الشرف " الذي يعرف في أغلب الأحيان بأنه فكرة شرف الجماعة أو الشرف الجماعي . هذا وقد تشكلت علاقات الفرد الاجتماعية من واقع بيئته الطبيعية، كما أن علاقته بغيره قد تحددت في شكلين اثنين : فإما أن يتكاتفا ويتعاونا أو يختلفا ويتعارضا، ويمكن إعادة حالتي التعارض والتكاتف على السواء إلى تفسيرات متعارضة أو منسجمة لمفهوم الشرف. بيد أن هذه المفاهيم مرتبطة من الناحية العملية بالفرد والجماعة على حد سواء، وإن كان للجماعة أهمية خاصة مردها إلى حقيقة أن كل فرد وكل عشيرة وكل فخذ من القبيلة إنما يمثل جزءاً من الكل، فإنه لا وجود للفردية والعزلة لدى أي شخص في إطار هذه المنظومة، وكل فرد إنما يشكل بالضرورة جزءاً من الجماعة. وقد يغير الناس مكانهم من فئة لأخرى، إلا أنهم لا يستطيعون أن يكونوا بلا موطن ينتمون إليه .
وفي إطار كهذا لا يراعي الفرد رغباته وطموحاته الشخصية فقط، بل يراعي أيضاً مجموعة متشابكة من الصلات والواجبات المشتركة ضمن الجماعة التي ينتمي إليها . ولا تتسم هذه المجموعة المتشابكة من الصلات والواجبات بالجمود البتة، بل تستوعب نظاماً اجتماعياً دقيقاً يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف، ولا يرتكز على الصراع والمواجهة بقدر ما يرتكز على النقاش والحوار. وقد يكون النقاش بين أفراد القبيلة مباشراً وصريحاً، غير أنه لا يمس مطلقاً ثوابت مبدأ الشرف الجماعي بما يندرج تحته من حدود وضوابط متفق عليها ؛ ففي إطار الغارات والغزوات المتبادلة بين القبائل كان من الممكن على سبيل المثال أن تستولي قبيلة ما على جمال قبيلة أخرى بعد غارة أو غزوة وتأخذها غنيمة حرب، دون أن يعتبر مثل هذا العمل انتقاصاً من الشرف. غير أن أخذ ممتلكات الآخرين في الخفاء يُعد سرقة، وبالتالي فهو فعل غير شريف، بل يمكن الطعن في شرف المرء إذا تم اتهامه بتدبير المكايد من وراء ظهر خصمه بدلاً من مواجهته علانية بصورة مباشرة. ومن العار قطعاً أن يقال عن المرء إنه تخلى عن رفيقه وقت الشدة. بيد أن الشرف قد لا يكون هو العامل الأساسي الذي يدفع الأفراد إلى الدخول في نزاع في المقام الأول ، وعلى الرغم من ذلك فإن اتهام فرد ما بعدم الالتزام بكلمته أو نكث عهده على سبيل المثال، إنما يعني إلحاق الخزي والعار به والطعن في صميم شرفه .
ضمن هذه الحدود وفي كنف المجلس الذي يُعد منتدى عاماً كان النقاش مفتوحاً وحراً، وكان بسط الحجة والإقناع بالمنطق هو البعد الجوهري المتأصل في السلوك الاجتماعي والسياسي للقبيلة، يقول ستيفن كاتون : .عند دراسة السيرة الإثنوجرافية ( تاريخ علم الأجناس) لتحليل طبيعة النشاط السياسي لقبائل الجزيرة العربية فإننا نجدهم يميلون على الأرجح إلى الحوار والتفاهم أكثر مما يميلون إلى الصراع، ويمثل الإقناع وليس ممارسة القوة أساس السلطة لديهم .
ومن ثم فليس من الضروري أن يكون الرجل الأقوى والأوسع نفوذاً هو الذي يملك زمام القوة العسكرية المسيطرة ، بل هو الرجل الذي يحظى بأكبر قدر من الاحترام كرمز للشرف. ولا يمكن بالطبع إغفال أهمية القوة العسكرية، ولكن «تعتبر القدرة على الإقناع بالحجة والمنطق والتمسك بكلمة الشرف أكثر أهمية في تصريف شؤون المجتمع القبلي من استخدام القوة.
لعل من أهم وأثمن الصفات التي تُميز الشيخ زايد فهمه التام لطبيعة المعاني المتشابكة والتصنيفات المختلفة لمفهوم الشرف وكيف أنهما يحكمان العلاقات بين القبائل ؛ ففي حين أن القبائل قد تنظم نفسها بأساليب مختلفة فإن إدراك قيمة الشرف شكّل جزءاً رئيسياً من مكونات هويتها العربية المشتركة. وقد كانت القضايا المتعلقة بالشرف سبباً في اشتعال القتال بين القبائل، ولكن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أدرك بفطنته السياسية
الإثنوجرافيا علم يعنى بدراسة المظاهر المادية والثقافية للجماعة في مختلف الأمكنة والأزمنة، والتي تبرز نتاج جهد الإنسان للسيطرة على بيئته الطبيعية ومحاولته استغلال مواردها في سبيل قضاء حاجاته الأولية والضرورية والاجتماعية ؛ ويسمى ) ، أيضاً علم الإنسان الوصفي . (أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية،
مكتبة لبنان، بيروت، 1986، ص 140 . إمكانية استخدام هذه المبادئ ذاتها وسيلة للتقارب وللاتحاد بين القبائل . ولعل جزءاً من إدراكه لهذه الحقيقة يعود إلى الأسلوب الناجح لجده العظيم الذي حمل اسمه، وهو الشيخ زايد الأول (الملقب بزايد الكبير)، في جمع أعداء الأمس للقاء وتبادل الرأي في
مجلس واحد . وقد استند كل من الشيخ زايد بن سلطان والشيخ زايد الكبير في ممارساتهما السياسية إلى جوهر التقاليد البدوية التي أشربت بها نفساهما، والمتمثلة في مد اليد إلى أعداء الأمس والإصغاء إلى حججهم، واستخدام الكلمة بدل السيف في حل الخلاف معهم ؛ لأن ذلك هو جوهر الطبيعة البدوية لاستيعاب الاختلاف


قبيلة بني ياس
كان لابد لأبناء القبائل العربية من أن يمتلكوا قدراً كبيراً من الذكاء والطاقة وسعة الحيلة ليتسنى لهم العيش في الصحراء، غير أن نظاماً قبلياً متميزاً ظهر في المنطقة التي تشكل الآن إمارة أبوظبي، وأدى إلى تحويل تلك القدرات المتأصلة التي تساعد على التكيف والبقاء في البيئة الصحراوية إلى صيغة ذات أهمية أكبر من الناحية السياسية . ومن بين الأنماط المختلفة لبنية القبيلة العربية اتصف "نظام " قبيلة بني ياس بخصائص متميزة وبالغة الأهمية . " وقد تم إعداد القليل من الدراسات الجادة حول بنية وشخصية قبيلة بني ياس، والتي اكتسبت أهمية خاصة بسبب الخصائص المتفردة التي عززت نجاحات هذه القبيلة خلال فترة طويلة ولكن المصطلحات التي تحاول توصيف بنية القبيلة قد تكون معقدة وتؤدي إلى الخلط في بعض الحالات؛ فقد تسمى " تحالفاً" في بعض الأحيان، وفي حالات أخرى تُسمى "اتحاداً تعاهدياً" فيما أطلق عليها البعض حديثاً - وببساطة - "قبيلة " ؛ ومن أهم صفاتها الأساسية القدرة على التجاوب والتكيف مع المتغيرات . " وقد تمكنت القبيلة ؛ وهي نواة يلتف حولها مجموعة من الأسر تربطها مصالح مشتركة تم تطويرها والتمسك بها على امتداد أكثر من قرنين، منها جذب حلفاء وموالين لها لم يكونوا في الأصل جزءاً من هذا التجمع . ومع ذلك فقد أثبتت كوكبة الحلفاء هذه قدرتها على الاستمرار، بعد أن ظلت صامدة على امتداد أجيال عديدة .
هذا ومن القضايا التي اهتم بها الباحثون قضية تحديد ما إذا كان لبني ياس جد مشترك واحد أو أنهم يشكلون تحالفاً من جماعات تربطها صلة الدم وجماعات ليس بينها صلة قرابة . والحقيقة الأساسية في هذا السياق هي أن قبيلة بني ياس ظلت تمثل أقوى تجمع قبلي في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية وكان يتزعمها على الدوام آل بوفلاح ونسلهم من آل نهيان. غير أن نجاح بني ياس يعود في جانب كبير منه إلى بنيتهم القبلية المنفتحة " . وإذا كان النظام القبلي المحكم القائم على صلة الدم أو القرابة من ناحية الأب يُنظر إليه على افتراض أنه نظام منغلق وغير قادر على التكيف، فإن منظومة بني ياس كانت مستقرة ومنفتحة على التغيير . وكان من الممكن ضم حلفاء وموالين جدد إلى المنظومة القبلية، سواء عن طريق المصالح المشتركة أو صلات الدم أو المصاهرة، إلا أن جوهر هذه الرابطة هو المصلحة المشتركة والاعتماد المتبادل علاوة على ذلك كان هناك اتفاق عام داخل تحالف بني ياس على تولي أسرة آل نهيان زعامة هذا التجمع منذ القرن الثامن عشر، وطبقاً للتقليد القبلي المتّبع فإن الشيخ فلاح زعيم قبيلة بني ياس خلفه مع نهاية القرن السابع عشر ابنه نهيان الذي حظي بتأييد إخوته الثلاثة سعدون ومحمد وسلطان عند توليه أمر القبيلة. وهكذا أصبحوا هم وأنصارهم يعرفون بآل بو فلاح ، أي سلالة فلاح. ومنذ ذلك الحين أصبح التقليد المتبع هو اختيار شيخ بني ياس من سلالة آل نهيان . " ولم يكن اختيار آل نهيان لزعامة القبيلة نتيجةً لانتمائهم إلى أي سلالة عرقية خاصة أو فئة اجتماعية أعلى، بل لأنهم اعتبروا من أهل الكفاءة ومن أصحاب الشرف بمفهومه القبلي .
كتبت أول دراسة بحثية حديثة متكاملة حول دور قبائل أبوظبي وطبيعتها في عام 1955، وتم استكمال هذه الدراسة وتوسيعها بدراسة رئيسية تم الفراغ منها عام وتشير الدراستان إلى أن بني ياس وحلفاءهم الرئيسيين وهم المناصير والعوامر والظواهر كانوا القوة الرئيسية في المنطقة . وكان لدى هذه القبائل ببطونها وأفخاذها نمط قبلي مختلف قليلاً عن الأنماط الموجودة حينها في أجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية ، * ففي مناطق عديدة من الصحاري الواسعة في شمالي شبه الجزيرة العربية وجنوبيها كان ممتلكات بعض ؛ لكل قبيلة منطقتها الخاصة أو موطنها الخاص الذي تقيم فيه عادة، حيث تكون آبار المياه الواقعة ضمن منطقة القبيلة ملكاً لها دون غيرها . غير أن الوضع كان مختلفاً في أبوظبي حيث يتقاسم كل أفراد القبائل المتحالفة الموارد المتاحة ويحمي بعضهم : فمثلاً عندما كان رجال بني ياس يرحلون من واحات ليوا أو العين ويتجهون إلى السواحل لصيد الأسماك ، كانوا يتركون ماشيتهم ومزارع نخيلهم تحت رعاية حلفائهم والقبائل الموالية لهم .
وقد تشكل تحالف بني ياس بفضل عوامل خاصة مرتبطة بالبيئة والظروف السياسية في المناطق التي تقطنها القبيلة نفسها. ومن الخصائص المميزة لهذا التحالف في مناطق أبوظبي أن أفراد القبائل المنضوية تحته يسكنون في السواحل ويعيشون على البحر، وأكثرهم يتنقلون في الأراضي الواسعة التي تتكون منها الصحراء الممتدة في جنوبي شبه الجزيرة العربية، وفضل بعضهم الاستقرار في واحات المنطقة وممارسة الزراعة، بدلاً من حياة البدو التي يتنقلون فيها من مكان إلى آخر. أما على السواحل فقد امتهنوا صيد الأسماك والغوص لاستخراج اللؤلؤ . وكان إدوارد هندرسون Edward Henderson الذي عرف المنطقة قبل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزها ظهور النفط، قد وصف بني ياس بأنهم " ... قبيلة عربية بعض أفرادها حَضَر، وبعضهم بحارة، وبعضهم بدو» .
في صراع البقاء الذي كانت تخوضه قبيلة بني ياس اتجه أبناؤها الذين كانوا يعيشون في بادئ الأمر بدواً رحلاً في الصحراء المحيطة بواحة ليوا إلى البحر، مستغلين موارده وإمكانياته اعتباراً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ومنذ تلك اللحظة نشأ ذلك النمط المزدوج للحياة، حيث ضمت المنظومة كلاً من الرعاة الرحل والسكان المستقرين . لقد احترف بعض أبناء بني ياس وقبيلة المناصير مهناً "مستقرة" مثل الغوص لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك على السواحل وزراعة النخيل في واحة ليوا، وبالمثل كان هناك أفراد يعيشون حياة بدوية صرفة أو شبه بدوية، أي إنهم كانوا يمضون جزءاً من السنة في مزارع النخيل أو العيش على السواحل في مواسم اللؤلؤ وصيد الأسماك، بينما يقضون الجزء الآخر من السنة في رعي الإبل في الصحاري. وقد استقر بعض أفراد قبيلة النعيم المتحالفة مع بني ياس في واحة العين، في حين يمكن وصف الجزء الآخر من القبيلة ذاتها - وبخاصة بطن آل بوشامس – بأنه شبه مستقر . وهذا يعني أنهم لا يملكون مناطق استقرار خاصة بهم، غير أنهم لم يتنقلوا بعيداً في عمق الصحراء على غرار أهل البادية الفعليين، وفضلوا البقاء عند أطراف الصحاري . وحتى أفراد قبيلة الظواهر الذين يعيش معظمهم في العين كانوا يرعون قطعانهم في الصحراء المجاورة أحياناً. ونخلص إلى أن البنية الهيكلية لبني ياس ظلت تستوعب كلاً من حياة الاستقرار وحياة الترحال البدوية .
في هذه البنية المعقدة كان الزعيم الناجح هو ذلك الذي يستطيع التفاهم ببديهة حاضرة مع الجماعات المختلفة، وقد تعين على شيوخ بني ياس أن يخلقوا توازناً دقيقاً بين الجماعات المختلفة وفروعها . ولربما كانت تلك المنظومة أعقد التركيبات القبلية في شبه الجزيرة العربية بسبب وجود جماعات مصالح مختلفة ضمن فروع بني ياس المتعددة والقبائل المتحالفة معها ، حيث كان لكل منها مطالب ذاتية من زعيم القبيلة . وإذا كانت تلك المهمة تتطلب مهارة كبيرة للحفاظ على التوازن والانسجام بين كافة القوى التي تتكون منها المنظومة القبلية، فإن المحافظة على تماسكها لفترة طويلة تتطلب قدرات ومهارات استثنائية .
تحمل الحياة القبلية كثيراً من الخلط وعلامات الاستفهام لأولئك الذين يراقبونها من الخارج، أما في المجتمع القبلي فإن كل فرد من بني ياس يعرف الجماعة التي ينتمي إليها، ولم يكن بحاجة إلى أن يحمل أي وثيقة أو جواز سفر لإثبات ذلك الانتماء، وكان في وسع أفراد القبيلة ذكر أسماء آبائهم وأجدادهم حتى يصلوا إلى جدهم البعيد . لقد كان أفراد بني ياس واثقين من هويتهم الذاتية وولاءاتهم، وعارفين بحلفائهم ومدركين لضرورة تكاتفهم، ويمكن فهم هذا النظام على نحو أفضل بالنظر إليه بوصفه نظاماً متكاملاً يحتوي على نواة مركزية ذات محيط ملتف حولها ؛ أما النواة فهي العشائر التي تشكل منها بنو ياس، بينما يشمل المحيط الملتف حول النواة القبائل والتجمعات الأسرية المتحالفة معها . وقد أثبت هذا التحالف متانة الصلات التي تربط بين نواته ومحيطه، وصمودها الذي استمر لمدة طويلة، بحيث لا نجد من الناحية العملية فجوة من أي نوع بينهما ، ففي الجانبين كان هناك انصهار طوعي لشتى الجماعات في الكيان الكبير. وقد لا يستطيع المراقب أن يرى بوضوح الحدود التي تفصل النواة عن بداية محيطها، غير أن المنخرطين فى منظومة القبيلة استوعبوا ذلك بالفطرة.
تكمن قوة العلاقة التي تربط بين فروع بني ياس في أن تحالفها كان قائماً على تضافر المصالح المشتركة والأعراف القبلية معاً. ويكفي أن هذا التحالف ظل قائماً منذ بداية القرن الثامن عشر أو منتصفه . ولم تكن رابطة الدم أو الانتماء إلى أب واحد هي العامل الجوهري أو الوحيد في صنع هذه المنظومة. لقد كان تحالفاً ذا طبيعة مرنة، استقطب مجموعة واسعة ومختلفة من الجماعات بعضها من البدو الرحل وبعضها مستقر، بعضها يعيش على البحر، وبعضها على الرعي، وبعضها على الزراعة .
كان النزوع نحو الاتحاد بدلاً من الدخول في صراع واحداً من ثوابت الفكر والممارسة لدى بني ياس، ويكتسب هذا النزوع أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن العنصر الأساسي الآخر الذي يؤثر في كافة جوانب الحياة الاجتماعية في المنطقة (كما هي عند تجمعات عربية أخرى هو السلطان الراسخ للعادات والتقاليد. واتسم النموذج الاجتماعي الذي وفرته البنية الهيكلية لبني ياس في نهاية الأمر بطبيعة مرنة غير متصلبة، أتاحت للشيخ زايد توظيف ذلك النموذج وتفجير طاقاته إلى أقصى حد ممكن. وكان العرف المتبع في إطار هذا النظام هو البحث عن صلات من المصالح المشتركة، ومن ثم تحقيق الوئام بدلاً من الصراع .
هل كان الفرد متعدد الأنشطة " القاطن في أبوظبي والذي أشرنا إليه سابقاً مختلفاً من حيث قابلية التكيف التي أصبحت خاصية لدى العرب عموماً؟ إن الصفات الخاصة لأهل الصحراء قد فهمت جيداً في المجتمع العربي منذ أن كتب ابن خلدون مقدمته الشهيرة، والتي أشار فيها مبكراً إلى ما لاحظه علماء الأنثروبولوجيا بعد ذلك من أن الشعوب التي تعيش في حدود الضرورات تمتاز بسعة الحيلة والقدرة الخاصة على تدبير شؤون حياتها . غير أن الجماعات التي شكلت بني ياس في أبوظبي قد تجاوزت "سعة الحيلة " . لقد أسسوا بنيتهم الاجتماعية والسياسية على تنوع الأنشطة والتعاون فيما بينهم. وكما لاحظ کلیرنس مان Clarence Mann في دراسته عن أبوظبي :
أن تنوع تركيبتهم بني ياس، ومهنهم، وارتباطاتهم السياسية، قد وفر الوسيلة التي تمكن من خلالها شيخهم الأعلى حاكم أبوظبي من أن يوسع نفوذه على امتداد المساحة الواسعة التابعة لهم «الآن».
من المحتمل أن أوجه اختلاف حياة قبائل أبوظبي عن نمط الحياة التقليدي وعن الأسلوب المعتاد في الحياة الصحراوية النمطية قد منحتهم مزية التكيف مع ضغوط عالم جديد ومختلف تماماً ظهر بعد اكتشاف النفط . ورغم أن البنية القبلية في شبه الجزيرة العربية قد شجعت عموماً قيام التحالفات والصلات ، فقد كان لبني ياس دافعهم الخاص إلى الاتحاد، فهم قليلو العدد، ويعني ذلك أن بقاءهم متفرقين يحرمهم من امتلاك القوة، لقد استمدوا قوتهم من القوة المشتركة لتحالفهم، ومن دعم محاربي المناصير المعروفين بالجرأة والبأس، وكانت الصلة التي تربط قبيلة المناصير بالحلف أقل إحكاماً ولكنها معززة بالعادات والتقاليد الراسخة ، وبالمقابل كان الزعماء البارزون في تحالف بني ياس واعين بأبعاد العلاقات الاجتماعية المتشابكة في "تحالفهم " ، وقادرين على توظيف هذا الوعي وهذه العلاقات في تعزيز قوتهم .
تجلت صلابة منظومة بني ياس ومتانتها في قدرتها على المضي قدماً دون أن تفقد أياً من أجزائها، وفي قدرتها على استيعاب عناصر جديدة ودمجها. وتنطوي كل النظم القبلية العربية أساساً على قابلية للانقسام ؛ بمعنى أنها تنقسم إلى تجمعات أصغر تحت ضغط شح الموارد وندرتها. وفي النموذج الأنثروبولوجي التقليدي، حيث ترتبط الجماعات برابطة الدم، هناك رابطة غير قابلة للذوبان. وفي إطار منظومة بني ياس، حيث المصالح المشتركة وليس صلة القرابة هي الأساس الأقوى لتماسك هذه المنظومة، كان في وسع العناصر المختلفة أن تنفصل عن المنظومة ثم تعود إليها لاحقاً؛ وعلى سبيل المثال فقد انفصل آل بوفلاسة الذين ينتمي إليهم آل مكتوم، واستقروا في دبي 1833، كما انفصل القبيسات عن المنظومة وعادوا إليها أكثر من مرة، إذ سعوا إلى
تأسيس سلطة مستقلة في منطقة خور "العديد" في عهد الشيخ خليفة بن شخبوط حتى عام 1837 ، وخلال عهد الشيخ زايد الكبير حتى عام 1878 ، ومرة ثالثة في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان حتى عام 1966 . ولكن كل محاولة من محاولات الانفصال كانت تنتهي إلى مصالحة القبيسات وعودتهم للانضمام إلى منظومة بني ياس بعد أن يتأكد لهم أن العودة في صالحهم .
تميز الشيخ زايد بن سلطان منذ طفولته بدراية تامة بتفصيلات تاريخ قبيلة بني ياس . وتكون وعيه السياسي المبكر من دراسته لتجارب الحكام الناجحين، والحكام الأقل نجاحاً، وقصص المؤامرات والفتن وآليات تكوين الأحلاف الواسعة وامتداد السلطة القبلية، بما يتضمنه ذلك كله من ثراء وإفادة. وقد تعلم الشيخ زايد من خبرة التاريخ مبدأين رئيسيين ؛ أولهما أن على الحاكم الناجح أن يحافظ على ولاء قبيلته وثقتها إضافة إلى ثقة حلفائه وولائهم له . وثانيهما أنه يتعين على الحاكم إذا ما أراد أن ينجح في حكمه أن يمتلك الجرأة والشجاعة والاقتناع بما يفعل، والقدرة على تفجير طاقات شعبه وتوحيد أفراد القبيلة على اختلاف مصالحهم. وفي تاريخ بني ياس الطويل، كان زايد الكبير هو المثال الحي للقائد الذي يوحد شعبه حقاً، وهو ما سنعرض له في طيات هذا الكتاب .
شيخ القبيلة رمز الاتحاد
لدور الشيخ في قبيلة بني ياس، كما هي الحال لدى القبائل العربية كلها أهميته الفائقة؛ إذ يتوقف على هذا الدور نجاح الشعب وبقاؤه . ويكتسب الدور الاجتماعي والسياسي للشيخ في مجتمعه أهمية بالغة ؛ فالشيخ الناجح مثل زايد الكبير لم يكن مجرد محارب مقدام أو قائد عسكري مغوار. وفي هذا السياق يكون لكلمة "ناجح"
معنى أشمل من مجرد فكرة القائد العسكري الذي يبلي بلاء حسناً في ميدان القتال، فالصفات التي يحترمها رجال القبائل عن فطنة ودراية باعتبارها طريق النجاح على المدى البعيد ترتبط بالعقل السديد أكثر من صلتها بالذراع القوية؛ فالقائد هو من أنعم الله عليه بالبصيرة النافذة وحسن التدبير والحكمة وفي الموروث الشفهي للقبيلة يقال :
إن «زعيم القبيلة ... الذي يوصف عادةً بأنه رجل بحق "صاحب الرجولة" ، يحظى بالاحترام الفائق ... ولمثل هذا الزعيم قلب قوي ويعرف كيف يواجه الأخطار العظيمة، وله رؤية واسعة وبعد نظر ، ولا يتصرف بعجلة إطلاقاً. فالذي يتصف بكونه مجرد مقاتل مقدام لا تكفي مؤهلاته لتولي زعامة القبيلة أو القيادة العسكرية .
وكانت كل الصفات السابقة للقائد تمثل النموذج المثالي الكامل الذي لم يتوافر دائماً فيمن تولوا القيادة، غير أن المجتمع القبلي قد أدرك الأهمية القصوى لهذه الصفات السامية، وعندما كانت مثل هذه الخصائص تتوافر في واحد من الزعماء فإن النظام القبلي ذاته هو ما كان يتيح لجميع الأطراف تنحية الخلافات والصراعات جانباً، لتتجمع حول هذا الزعيم فروع القبيلة. وقد برهنت تجربة الإمارات المتصالحة على أن هذا الاستعداد الفطري للتلاحم والعمل ضمن الإطار الجماعي هو العنصر الذي كان له دور أساسي في سيرة زايد الكبير ، وكذلك كان في مرحلة لاحقة العنصر الأساسي في مسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي حمل اسم جده .
كان مفهوم "الشيخ الناجح " راسخاً في الفهم الاجتماعي المشترك بين القبائل العربية، فقد تربى أبناء القبائل العربية جميعاً على احترام الأعراف والعادات والتقاليد العربية الأصيلة (مفهوم الشرف ويكثر عادةً تداول مفرداته على ألسنتهم . وكان ما يتهدد الشرف بمفهومه المتسع يقف وراء معظم الصراعات القبلية بشكل أو بآخر، بل إن عالم الاجتماع بشر فارس قد ذهب أبعد من ذلك حين قال إن العناصر التي تجسد مفهوم الشرف هي التي صاغت قيم المجتمع العربي. وكان في وسع الشيخ الناجح أن يكتسب سلطته ويحافظ عليها طالما نال الولاء والاحترام الطوعي من شعبه، ومن جانبه فهو يقدم لهم ولأسرهم الدعم والحماية في مضاربهم ، وتتسم أحكامه وقراراته بالعدل والحكمة. لقد كانت سلطته سياسيةً في جوهرها، ولم تكن مبنية على القوة بل على عملية توازن بين الحقوق والواجبات، وهذه هي الأرضية التي كان على زعماء قبائل الخليج العربي جميعاً أن يعملوا في إطارها .
وبالإضافة إلى الواقع السياسي والاجتماعي الذي شكل إطاراً لحياة القبائل العربية ونظم حكمها، كان للاعتبارات الجغرافية أهميتها الجوهرية أيضاً. وكان لمفهوم الشرف أهمية جوهرية في تحديد مبدأ حرمة الأرض، كما هي الحال بالنسبة إلى أهميتها في تشكيل العلاقات القبلية، وكان " للحدود" التي فرضها الواقع لأراضي كل قبيلة الأهمية ذاتها، وفي بعض الحالات كانت لها أهمية أكبر، لأنها تكون عادة ذات صلة مباشرة بتحديد احتمالات دخول قبيلة ما في حالة حرب أو سلام مع جيرانها. وبالنسبة إلى أولئك الذين عاشوا في ظروف الصحراء القاسية، فإن "الشرف" و"الأرض" هما العاملان اللذان رسما حدود وجودهم .
كان دور الشيخ أو زعيم القبيلة أساسياً، فالشيخ يحكم بشكل عام بموافقة قبيلته وبرضاها على الرغم من القصص العديدة التي تُروى عن رجال أقوياء الشكيمة عارضوا زعماءهم في مجالسهم . " وبهذا فقد كانت هذه العلاقات بين الشيخ وأبناء قبيلته متشابكة ومتبادلة في جوهرها، ولكن في نهاية الأمر يبقى الشيخ مخلصاً لشعبه والشعب وفياً لشيخه . وكان عهد الشعب بشيخه أن يكون كريماً، وأن يتصرف بالنيابة عنهم لما فيه صالحهم دائماً، حتى وإن كان في ذلك ضرر له. وفي المقابل يهب أبناء القبيلة شيخهم الولاء إلى حد دخول الحرب والتضحية بالروح متى أمرهم بذلك . غير أن ولاءهم كان مرهوناً في نهاية الأمر بأن يضطلع الشيخ بتبعات الجانب المنوط به عرفياً. ورغم أن دور الشيخ لم يكن وراثياً، كما هي الحال عند بني ياس، فإن القبيلة تقبل عادةً أن ينتمي الشيخ إلى أسرة بعينها . وفي حالة بني ياس كان الشيــخ مـن آل نهيان، ولكن إذا لم يثبت الشيخ أهليته وجدارته بتأييد شعبه فإنهم يستبدلون به آخر من أقاربه. لذا يكون الشيخ الذي يقع عليه الاختيار وأقاربه على دراية بأن ولاء القبيلة له مرهون بنجاحه ، كما يكون الجميع على علم تام بأن الشخصية القيادية الضعيفة قد تعرض للخطر منظومة التحالفات التي تأسست على امتداد أجيال .
لقد قامت منظومة بني ياس على شبكة معقدة من العلاقات المرتكزة على مفهوم الشرف وليس على السلطة القائمة على الإكراه. ولم يكن في وسع أي شيخ أن يجبر شعبه على البقاء تحت حكمه إذا رفضوا زعامته، فهم ببساطة قد يرحلون عنه، فإما أن يستقلوا وإما أن ينضموا إلى قبيلة أخرى. وبالمثل لم يكن مألوفاً من أبناء القبائل الذين يتصف شيخهم بالعدل والسخاء في تعامله معهم أن يهجروه عند الحاجة. لقد ولدت هذه الأخلاق من صلب الظروف الصحراوية القاسية، حيث تعتمد كل نواحي الحياة على ثقة متبادلة تصنعها الفطرة السليمة، ويقين بأن الثقة إنما تولد ثقة والمعروف يُقابل بالمعروف. وبطبيعة الحال لم يكن الحوار غريباً على بيئة الصحراء العربية، بل العكس هو الصحيح ، وكان مكان إجراء الحوار أو المساجلات الشعرية هو منتدى القبيلة، أو " المجلس " ، ولكن هذا يتوقف أثناء الترحال عبر الصحراء وخلال الغارات والمعارك . وتعود الجذور الأساسية لهذه العلاقات إلى الثقة المتبادلة، وكان مثل هذه الوشائج المبنية على الثقة هو ما رسخ سلطة الشيخ زايد ونفوذه بين أفراد الشعب .
إن أهل الشرف ممن احتلوا مكانة عظيمة ؛ مثل الشيخ زايد الكبير، كما سنرى لاحقاً، لم يصدروا أوامر رسميةً بقدر ما كانوا يبدون رؤاهم وآراءهم، وكانت آراؤهم هذه تتسم بطابع النظرة الرشيدة إلى الأمور وتمثل حكمة مجردة أكثر من كونها قوانين ملزمة. كما أن خطبهم وأحاديثهم الشفهية التي تبدو عادةً للغريب مبهمة تميل إلى العمومية، لم تكن غامضةً كلياً أو غير مفهومة تماماً لدى مستمعيهم. وكان جوهر مثل هذه الأحكام الرغبة في المحافظة على شرف كل المعنيين بالأمر وكرامتهم . وكان من النادر أن يظهر ذلك النوع من الرجال الذين يحظون باحترام الجميع، وقد تمر أجيال دون أن تظهر شخصية من هذا النوع بين القبائل . غير أن هذا النموذج القيادي هو الذي أجمعت عليه الآراء باعتباره أفضل من يحل المشكلات في مجال علاقات الأفراد وصلاتهم وفي المجال السياسي على حد سواء، بعد إدراك عدم وجود حدود فاصلة بين الاثنين .
ومن أهم جوانب الإرث الذي تلقاه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الظروف الصعبة الناجمة عن قسوة المناخ والبيئة، والفقر الطاحن وشظف العيش الذي تفرضه حياة الصحراء، والثقافة القائمة على القيم والعادات النابعة من مبدأ الشرف . غير أنه ورث مع ذلك أيضاً تقاليد "رجل" القبيلة المتعدد الأنشطة " ، وهي تقاليد تجسد ثقافة التحول التي تجاوبت مع تبدل الظروف والأحوال. وإذا تحدثنا بلغة التصوير وفن الرسم لقلنا إن هذه الخلفية هي اللوحة التي تشكلت عليها حياة الشيخ زايد . ولم يكن أحد ليعلم الشكل والصيغة التي ستأخذها هذه الحياة حينها ، وكان للعوامل التي رافقت نشأة الشيخ زاید وبيئته تأثیر عميق، حيث إنه باستيعابه لكيفية استغلال المعرفة والخبرات المكتسبة منهما قد ارتقى إلى منزلة " القائد المثالي " النادر الذي يعتز به المجتمع العربي القبلي .
لهذا كله فقد نجح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في المقام الأول بسبب مهاراته ومواهبه الخاصة التي اكتسبها في سياق اجتماعي معين، وهو يستوفي في كل جانب من جوانب شخصيته الصفات التقليدية المرتبطة بالقادة العظام. لقد نال الاحترام المتعارف عليه بمعايير القبيلة؛ لما يتصف به من حكمة وصبر واحترام للآخرين ووضع مصلحة شعبه قبل مصلحته الخاصة، كما أثنى رجال القبائل على شجاعته وجسارته وقدروا له حصافته وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور. لقد احترموه، ولهذا قدموا له ولاءهم، ويشكل تبادل الولاء بين الحاكم والمحكوم جوهر النظام القبلي العربي .
وكان الولاء هو المبدأ الذي تقوم عليه فكرة الشرف القبلي برمتها، والذي امتدت آثاره متجاوزة الحلف الذي تزعمه الشيخ زايد لتقيم جسوراً قوية بينه وبين القبائل المجاورة. لقد أدركوا أنهم أمام قائد يحترم كلمته، ويوجه كل عنايته إلى شعبه، وكانوا على حق حين قدروا أنهم سيلقون منه المعاملة التي تليق بهم. لقد نال الشيخ زايد احترام هذه القبائل حين وجدت فيه قائداً ذا عزيمة صلبة يذود بها عن أرضه وشعبه الذي بايعه زعيماً على أتم الاستعداد لاستخدام موارده المتاحة لصالح بني قومه، وتلك أيضاً صفة من صفات الزعيم المثالي.
لقد كان الشيخ زايد يتعامل مع المشكلات والأزمات بمنهج خاص ؛ فهو دائماً عبر مراحل حياته المختلفة يستخلص من الأزمة أهم الدروس والعبر، وربما يكون هذا الأسلوب ناتجاً عن إحساسه العميق والمبكر بالدور الكبير الذي ينتظره. وهذا الإحساس بالإضافة إلى القدرة على تحمل المسؤولية، إنما يعكسان أهم ملامح خلفية هذا الزعيم والتي تتمثل في تربيته الدينية السمحة وتمسكه بالعادات والقيم العربية الأصيلة التي نهلها من حضوره الفعال منذ طفولته لمجلس الحاكم، فضلاً عن فطرته المتميزة وسماته الخاصة التي حباه الله إياها . ومن السهل على المتتبع لمسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يلاحظ قدرته على مواجهة المحن وإدارة الأزمات في هدوء وروية، فمع صعوبة الظروف وشدتها تتجلى حنكته السياسية وإرادته الصلبة للتوصل إلى حل يتجاوز به تداعيات الأزمة .
يمكن القول بأن من أبرز صفات الشيخ زايد مرونته وإيجابيته، مع حرصه على المحافظة على العادات والتقاليد الموروثة . من جهة أخرى نجده رغم الأحداث البائسة التي عاناها في طفولته ينبذ العنف في حل الخلافات، ويؤثر الحوار والتفـاهـم مـع الآخرين، ولا يتوانى عن تسخير ما لديه من ثروة في خدمة مواطنيه وتحسين ظروف حياتهم ؛ ولهذا لم يكن لينعزل عن الآخرين أو ينكب على نفسه، وإنما سعى إلى التوفيق بين أطراف قبيلته وتوحيدها، ثم عمل على توحيد الإمارات بالمشاركة مع رفيق دربه المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ولم يكتف بهذا بل سعى لتوثيق عرى التعاون بين دول الخليج العربية، والذي تجسد بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، واستكمالاً لترسيخ النهج الوحدوي لايزال صاحب السمو الشيخ زايد يدعو إلى توطيد سبل التضامن ونبذ الخلافات وتوحيد الصف العربي، كل ذلك يؤكد ثبات موقفه وبعد نظره ورسوخ منهجه القيادي


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

PROJECT COORDIN...

PROJECT COORDINATOR | FINANCIAL & FIELD PROGRAMME EXPERIENCE PROFESSIONAL SUMMARY Project a...

دخلت أزمة المعل...

دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...

بحث عضو مجلس ال...

بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...

ما الذي يجعل ال...

ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...

في 15 فبراير 19...

في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...

رغم الطابع الهز...

رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...

تزداد أنصاف أقط...

تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...

ضعف الروابط الأ...

ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...

تصدر يوسف بزشكي...

تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...

جاء في الصبح ال...

جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...

نعم، جاءت الألف...

نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...

تتسع رقعة الموا...

تتسع رقعة المواجهات بين القوات المسلحة اليمنية ومليشيات الحوثي التابعة لإيران في جبهات غرب تعز وشمال...

Tech news