Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (97%)
رووا أن شاعرة جاهلية هي ((كبشة بنت معد يكرب)) عاتبت أخاها عمرو بن معد يكرب، وعيرته بميله إلى قبول دية أخيه المقتول فقالت ودع عنك عمْراً إن عمْراً مسالم *** وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم؟ ما تتصور المرأة الجاهلية البسيطة أن بطن إنسان يتجاوز مقدار شبر فكيف لو رأت معدة الإنسان الحاضر ابن القرن العشرين؛ تضخمت وكبرت حتى وسعت الأرض وتجاوزت حتى أصبحت لا يملؤها إلا التراب. نعم تضخمت معدة الحرص في الإنسان حتى صارت لا يشبعها مقدار من المال، وتولد في الناس غليل لا يُرْوى وأُوارٌ لا يُشفى، وأصبح كل واحد يحمل في قلبه جهنم لا تزال تبتلع ولا تزال تنادي هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ تسلط على الناس - أفراداً وأمماً - شيطان الجشع والحرص فكأن بهم مساً من الجنون، ويستنزف موارده حلالاً وحراماً، ثم لا يرى أنه قضى لبانته وشفى نفسه، والعهدة في ذلك على وضع الحياة الحاضرة وطبيعتها وكونها مادية صرفة لا تؤمن بالآخرة. وخليق بمن لا يعتد إلا بحياته الدنيا ولا يرى وراءها عالما آخر وحياة ثانية أن تكون هذه الحياة بضاعته ورأس ماله وأكبر همه وغاية رغبته ومبلغ علمه، وأن لا يؤخر من حظوظها وطيباتها ولذائذها شيئاً وأن لا يضيع فرصة من فرصها، ولأي عالم يدخر وهو لا يؤمن بعالم وراء هذا العالم، وقد عبر عن هذه النفسية الجاهلية الشاعر الجاهلي الشاب طرفة بن العبد في صراحة وبساطة فقال: فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي *** فدعني أبادرْها بما ملكت يدي وكل إنسان متمدن اليوم - إلا من عصمه الله بالإيمان - يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب في الحياة، إلا أنه قد يجرؤ على أن يصرح به، وقد لا يملك ذلك اللسان البليغ الذي يعبر عن ضميره؛ والسبب الثاني: - هو الأدب العصري - بمعناه الواسع - الذي لا يتحدث إلا عن المادة وأصحابها، ويخنع لأهل الثراء وأصحاب الاحتكار وأصحاب الإنتاج، الخنوع الذي لا يليق بالأدب الشريف العالي، وينشر ألقابهم وأسماءهم بقلم عريض وكل نفس من أنفاس مدحه وتقريظه وكل فصل من فصول روايته ينتهي إلى نتيجة مادية أو إلى بطل من أبطال المادة، ويزين للقارئ المذهب الأبيقوري تارة بالتلميح وتارة بالتصريح، ويحث الشباب على التهام الحياة وانتهاب المسرات نثراً وشعراً وفلسفة ورواية وتحليلاً وتصويراً، فلا ينتهون منه إلا بالروح المادية والتقديس لرجال المادة. وكذلك المجتمع الذي لا يقدر إلا الغني الظريف متناسياً كل ما فيه من رذيلة ولؤم أصل وسوء خلق، ويتجنى على الإنسان الذي لا يترجح في ميزانه مهما كثرت مواهبه وطاب عنصره وسما جوهره، ويلمِّح وقد يصرح بأن الفقير لا يستحق الحياة، الدواب والحمير والكلاب، فيرغم الإنسان - إذا لم يكن ثائراً على المجتمع - على أن يخضع لشريعة مجتمعه، وأن يتجمل ويتظرف لمجتمعه، وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف والظرافة تتغير ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحول ومطالبه تتنوع وتتكثر، حتى يضيق الإنسان بها ذرعاً ويلجأ إلى طرق غير شريفة لتحصيل المال وإلى كدح وكد في الحياة، وهناك هموم تتوالى ولا تنتهي ومتاعب تتسلسل ولا تنقطع. وزاد الطين بلة تنافس المصانع والمنتجين والصناع؛ ففي كل صباح يتدفق على المدينة سيل جديد من أحدث المنتجات وأحدث طراز من السيارات والسجائر والأزياء والقبعات والأحذية والأدهان والأطلية وأسباب الزينة والزخارف والأجهزة ولا يجلب منها شيء قياماً بالواجب وسدّاً للعوز، بل كله في سبيل الاستغلال الصناعي والاحتكار التجاري، ولا تلبث هذه المنتجات التي هي من فضول الحياة أن تدخل في أصول المعاش ولوازم المدينة، والذي لا يتحلى بها لا يعد من الأحياء. ولهذه الأسباب ولغيرها ارتفعت قيمة المال في عيون الناس ارتفاعاً لم تبلغه في الزمن السابق، وبلغ من الأهمية والمكانة مبلغاً لم يبلغه - على ما نعرفه - في دور من أدوار التاريخ المدون، وأصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع والصانع إلى صناعته والسياسي إلى مقالته والمرشح إلى انتخابه والعالم إلى تأليفه، حتى القادة إلى الحرب، فهو القطب الذي تدور حوله رحى الحياة العصرية كما يقول الأستاذ ((جود)) معلم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن: ((إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية، وأصبح البطن أو الجيب ميزاناً لكل مسألة فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يقبل الناس عليها ويعنون بها)) . إذا حكمت على عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة، وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات إنما تكتب في زاوية من زوايا الكتب فإنك تغالط نفسك، وقد تقرأ في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصر متمدن راق تتحكم فيه معايير الأخلاق وتسود فيه المثل العليا ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل، ولكن الواقع غير ذلك، مؤلفوها، وإن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالم خيالياً يصفونه ويصورونه في كتبهم، حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به. وللأهواء عجائب وخوارق. ولكنك إذا اتصلت بالحياة عن كتبٍ لا عن كُتبٍ، وخالطت الناس ودرست أحوالهم وأصغيت إلى حديثهم في البيت وفي القطار والبستان وعلى المائدة وفي السمر، والبداية والنهاية في كل موضوع، والقطب الذي تدور حوله رحى الحياة. إن شاعراً عربياً يلعن الصعلوك الذي لا يتعدى نظره ولا يسمو فكره عن لباس وطعام ويقول: لحا الله صعلوكاً مناه وهمه *** من العيش أن يلقى لبوساً ومطعماً فكيف إذا أشرف هذا الشاعر على هذه المدينة وهي تجري بفلاسفتها وسياسييها ونوابغها وعلمائها وكتابها وأشرافها وأغنيائها وفقرائها وراء غاية لا تتعدى لبوساً ومطعماً مهما تنوعت أشكالها وتضخمت ألقابها؟! فالحياة كلها جهاد في سبيل اللباس والطعام التدهور في الأخلاق والمجتمع: احتل الأجانب الشرق الإسلامي وقد أصاب المجتمع الشرقي الإسلامي انحطاط في الأخلاق والاجتماع، وسبقت إليه أدواء خلقية واجتماعية كانت أهم أسباب انهيار الدول الإسلامية وانهزام الأمم الشرقية. ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الشرقي الإسلامي - على علاته - محتفظاً ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم، وقد نضج واكتمل فن الأخلاق عند الشرقيين ووصل من الدقة والتفصيل واللطافة ورقة الحواشي ذروة لا بصل إليها ذهن العصر، ولا يتصورها الغربي إلا في الشعر والأدب. يقرأ الإنسان أو يسمع روايات عن استحكام الروابط والأواصر بين أعضاء المجتمع العام وأفراد الأسرة، ما لا يتصوره أبناء هذا العصر. وبر الأبناء بالآباء، وتوقير الصغير للكبير وحدب الكبير على الصغير، وعن عفاف النساء ووفاء الحلائل وأمانة الخدم ووفائهم واستقامة الشبان وثباتهم على الأخلاق ومعاملة الأشراف بعضهم لبعض، والمحافظة على الرواتب والعادات والاطراد في مسألة اللباس والشعائر والعشرة، والإيثار في شأن الأصدقاء والنصح لهم، يسمع منها غرائب لا يكاد يصدق بها. كان بر الأبناء للآباء وطاعتهم إلى حد التفاني في سبيلهم والاضمحلال في وجودهم منتزعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك)) . وكان حب الأبناء لآبائهم وبرهم وحرصهم على أداء حقوقهم غير مقتصر على حياة الأبوين، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما أصدقائهما وأهل أنسهما والإهداء إليهم والتحبب إلى أولادهم وعشيرتهم، وكان ذلك عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أبر البر بر الرجل بأهل ود أبيه بعد أن يولي)) . وكان الأبوان مثلاً للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد، وكانا يضحيان بجميع أهوائهما وميولهما وراحتهما وبلذة الأمومة والأبوة في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم، ويتحملان في ذلك - حتى الرجل الأمي والمرأة الجاهلة - إجحاف المعلمين وعسفهم وإضرارهم في بعض الأحيان بجسم الصغار ويجرعان المرائر ويصبران على الغصص في سبيل الأولاد ونبوغهم، وقد تواضع على ذلك أهل البيوتات والشرف حتى أهل الطبقات الوضيعة، ويعدون من خالف ذلك رجلاً نذلاً لئيما، والذي روي عن هارون الرشيد في تنبيهه لولديه الأمين والمأمون ووصيته لهما بخدمة الكسائي معروف في التاريخ؛ ومن غرائب ما يروى في هذا الباب ويمثل الطبيعة الشرقية أن ((تاج الدين ألدز)) أمير الأفغان بعد السلطان شهاب الدين الغوري أسلم ولده إلى معلم وضرب المعلم الولد حتى مات، فلما علم بذلك ((تاج الدين)) أشار على المعلم بأن يهرب وقال: ((لا آمن عليك من أم الولد فعسى أن ينالك منها مكروه)) . وكانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع ((من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا)) . ومن خصائص الحضارة الشرقية الاطراد في الحياة والمحافظة على لون واحد والتظاهر بمظهر واحد، وإذا اتخذ عادة أو شارة في اللباس أو عامل أحداً نوع معاملة واظب عليه إلى آخر أنفاسه، لا تؤثر في ذلك الحوادث ولا تغيره الفصول ولا انحراف الصحة ولا الكسل ولا المصالح. ولم يكن العمدة في حياة الأسرة والقبائل ولم يكن الميزان في التوقير والشرف هو كثرة المال فيختلف المستوى المالي في أسرة اختلافاً كبيراً، ويتفاوت الرجال في قبيلة أو قوم تفاوتاً عظيماً في المال والجاه، فهذا سريٌ مثر وذلك فقير معدم، ثار كالليث، وكانوا يداً واحدة مع أخيهم المهضوم. وكان الفقير الصعلوك في قبيلة يواجه الأغنياء والملوك من تلك القبيلة بجرأة وهو معتز بنفسه معتد بشرفه لا يرى في نفسه نقيصة لأجل فقر، وكان الغني أو الملك يكرمه ويحله المحل اللائق بشرفه ونسبه وفضيلته الذاتية، بصرف النظر عن رثاثة هيئته وتبذله، والأزمة الاقتصادية الطارئة على كرم عنصره وصفاء معدنه وطيب منبته ومتانة دينه ووفور علمه. وكان الفقير في ذلك يبالغ كثيراً في إخفاء عسرته وضنك معيشته ويتحمل ويتجلد، ويسوءه أن يفطن أحد إلى فاقته ورقة حاله. لا يساوم عليه ولا يباع بأي ثمن، وكان الواحد يفضل الموت الأحمر على كذبة أو خيانة يخلص بها نفسه من الموت. وقد روى لنا التاريخ الهندي طرائف في هذا الباب لابد أن تكون أمثلتها متوافرة في تاريخ جميع البلاد الإسلامية: منها أن الشيخ رضي الله البداوني اتهم بالاشتراك في الثورة على الإنجليز عام 1857 وحوكم أمام حاكم إنجليزي كان من تلاميذه، فأوعز إليه الحاكم على لسان بعض الأصدقاء أن يجحد الاتهام فيطلقه. ولكن الشيخ أبى وقال: قد اشتركت في الخروج على الإنجليز فكيف أجحد؟ واضطر الحاكم فحكم عليه بالإعدام، لاجتهدت في تخليصك، فغضب الأستاذ وقال: أتريد أن أحبط عملي بالكذب على نفسي؟ لقد خسرت إذاً وضل عملي، وشنق الرجل!!. ولم يكن صدقهم واعترافهم بما يعملون ويعتقدون مقتصراً على ما يتصل بأنفسهم، بل كانوا صادقين فيما يتصل بالأمة والشعب، فلم يكونوا يعرفون العصبية الجنسية والوطنية والجنف القومي الذي أصبح اليوم من واجبات الجنسية والوطنية، وكانوا يعدون الكذب وشهادة الزور لأجل الأمة والوطن والملة رذيلة وإثماً كبيراً. وكانوا يعتقدون أن أحكام الشرع تعم الفرد والأمة والأمور الشخصية والاجتماعية وكانوا متمسكين بقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} الآية، وقوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ} وقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} وقوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} ومما يروي لنا الشيوخ من ذلك: أنه وقع نزاع بين الهنادك والمسلمين في قرية كاندهلة من مديرية ((مظفر نكر)) في الولايات المتحدة الهندية على أرض، والمسلمون أنها لهم مسجد. وتحاكموا إلى حاكم البلد الإنجليزي، فسمع الحاكم القضية ودلائل الفريقين ولم يطمئن إلى نتيجة، فلان؛ وسموا شيخاً من علماء المسلمين وصالحيهم، فأرسل إليه الحاكم وطلبه إلى المحكمة، فلما جاءه الرسول قال: قد حلفت أن لا أرى وجه إفرنجي، ورجع الرسول فقال الحاكم: لا بأس، ولكن احضر وأدل برأيك في القضية، والأرض لهم. وبذلك قضى الحاكم وخسر المسلمون القضية، ولكن كسبوا قلوب الهنادك وأسلم منهم جماعة. وكذلك كان الناس يعدون العلم عارية مقدسة ووديعة من الله لا يبيعونه كسلعة في السوق، ولا يتعاونون به على إثم آثم وعدوان معتد، وكانوا لا يرضون أن يستعين به نظام جائر أو حكومة غير إسلامية. وذلك يساوي خمسين جنيهاً في هذا العهد، ووعد بالزيادة في الراتب بعد قليل، فاعتذر الشيخ عن قبوله وقال: إني أتقاضى عشر روبيات وإنها ستنقطع إذا تحولت إلى هذه الوظيفة. فتعجب الإنجليزي وقال: ما رأيت كاليوم: أنا أقدم راتباً يزيد على راتبك الحالي بأضعاف أضعاف، وتترك الأضعاف المضاعفة وتقنع بالنزر اليسير!. فتعلل الشيخ بأن في بيته شجرة سدر وهو مغرم بثمرها وأنه سيحرمها إذا أقام في بريلي. ولم يفطن الإنجليزي بعد إلى مقصود الشيخ. فقال: أنا زعيم بأن هذا الثمر يصل إليك من رامبور إلى بريلي، فتشبث ثالثة بأن حوله طلبة وتلاميذ يقرؤون عليه في بلده فلو انتقل إلى هذه الوظيفة انقطعت دروسهم. ولم ييأس الإنجليزي المناقش من إقناعه فقال: أنا أجري لهم جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال: وماذا يكون جوابي غداً إذا سالني ربي: كيف أخذت الأجرة على العلم؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر. قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع ، وتغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة ، بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان ، فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق، يبيعونها بالمناداة (المزاد العلني) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري. وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي، السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقاً، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة، وسألناه: ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات؟! . قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين، فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الاثم والعدوان. إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال: وماذا يكون جوابي غداً إذا سالني ربي: كيف أخذت الأجرة على العلم؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر. قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع ، وتغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة ، بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان ، فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق، يبيعونها بالمناداة (المزاد العلني) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري. وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي، السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقاً، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة، وسألناه: ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات؟! . قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين، فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الاثم والعدوان. إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله سمعناهم يشيدون ((بالخدمات الجلى والمساعدات العظيمة التي تقدمها الإذاعة البريطانية في سبيل نهضة الأقطار العربية وتوحيد تفكيرها وثقافتها وتوثيق الروابط بينها، وما تقوم به من نشر الثقافة العربية الإسلامية، وتعريف المسلمين بتاريخهم المجيد ومدنيتهم الزاهرة، وإطلاع العالم العربي على حقائق الأمور، ورفعها لراية العدل والمساواة، الخ. وإنما هو كله لمصالحهم المالية ، فيالانحطاط النفس الشريفة ، ويا لرخص السلعة الغالية ، ويا ضيعة الكلمات العامرة بالمعاني ، ويا شقاء اللغة العربية بأهلها! 0وإذا كان ذلك عن اعتقاد وثقة وفهم للمعنى ، ويا إنكاراً للمحسوس ، ويا مسخاً للقلوب! 0 أو مجدد من مجددي الإسلام ، ولا يجف مداد مقالته أو كتابه ذلك حتى يكتب بقلمه تقريظاً أو ثناء على خائن من خونة الأمة ، ولا يرى في ذلك تناقضاً. طلب ملك من ملوك العرب من شاعر عربي فرسه ، فاعتذر أن يعطيها بأي ثمن كان وقال: أبيت اللعن إن سكاب علق *** نفيس لا تعار ولا تباع ولكن كأن الضمير عند هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية، أو يصدرون صحفاً، أو يؤلفون كتباً على جعالة أو راتب شهري؛ أذل وأرخص من جواد الجاهلي فهو يعار ويباع، وذلك لم يكن لعيار ولا ليباع. وكان للأثرة والأنانية فيها نصيب ضئيل، وكان نتيجة ذلك وجود روابط وأواصر لا يمكن تعليلها بالمادة وجر النفع إلى أصحابها، وكانت هذه الروابط متغلغلة في الأحشاء؛ فمن ذلك أن علاقة التلميذ بأستاذه وإخلاصه وحبه له في العهد السابق، يزري بعلاقة الولد بوالده وحبه له في هذا العصر. اشتهر نبأ وفاة الأستاذ الشهير العلامة نظام الدين اللكهنوي (م 1161 هـ) صاحب منهاج الدرس النظامي الجاري تطبيقه في الهند وخراسان، مات من شدة الحزن، وعمي تلمذه الآخر ((ظريف العظيما بادي)) من كثرة البكاء، ولكن الذي عرف طبيعة الشرق، ومدى اتصال التلميذ هنالك بأستاذه وحبه له لم يستغرب هذه الرواية ولم يكذبها. يعلم المطلع على تاريخ الأخلاق وفلسفتها أنه قد ظهرت مدرسة في أوربا قبل المسيح بأربعة قرون، وكان لها أنصار من كبار الفلاسفة والأخلاقيين إلى القرن التاسع عشر المسيحي، تدين باللذة البدنية وتعتقد أنها ميزان للأخلاق ومعيار الأعمال، وتشير على أتباعها بأن يهتبلوا فرص التمتع بالحياة الدنيا ويغتنموا فلتات الدهر. فمنهم؛ (أولو الأثرة) الذين يقولون: ينبغي أن لا يحول بين الإنسان وشهواته حائل حتى لا يدع حاجة في نفسه إلا قضاها، فينال بذلك النصيب الأكبر من اللذة والهناءة وقالوا: السعادة هي إرضاء الشهوة وقضاء مآرب النفس واقتطاف قطوف المسرة واللذة باليدين. والفرقة الثانية هم (النفعيون) ويرى أهل هذا المذهب أن الواجب هو تحصيل المنفعة التي ينال بها أكبر عدد من أفراد البشر أوفر قسط من اللذة والهناء، ولا وزن للأفعال الخلقية في نظرهم إلا بما تأتي به المسرة لغالب بني النوع، ويرى هؤلاء أن السعادة هي أن تتوافر للناس بأعمالهم اللذات وتبعد عنهم الآلام. ويرى القارئ ويلمس الروح المادي المتعشق للذة والهناء في آراء هذا المذهب ونزعاته من أحطها وأكثرها إسفافاً إلى أرقاها وأكثرها تحليقاً، وهذا يختلف عن طبائع الشرق وشرائع السماء اختلافاً بيناً. وقد أثرت هذه النزعة المادية في فلسفة الغرب وأخلاقه وأدابه وحضارته تأثيراً عميقاً، ولا تزال مهيمنة على الحياة الغربية وآدابها حتى اليوم. وقد أصبحت مادية بحتة، لأنها بحقيقة لا تأتي تحت الحس أو المساحة أو العد أو الوزن، ولا تؤمن بمنفعة لا تجلب لذة وهناء، حتى مؤسس هذا المذهب ((أبيقور م 271ق. م)) صرح بأن مناط الحكم على الأعمال هي المنفعة، وأن المنفعة لا قيمة لها إلا إذا اجتلبت لذة واغتباطاً، فكيف وقد تدرجت العقول والطبائع الغربية ومردت على النزوع المادي على تعاقب الأجيال والعصور؟! . فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة لا تجلب لذة واغتباطاً، وأصبح العقل الأوربي محامياً عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية، وبحسب ما يكتسب المجتمع بواسطتها من اللذة والهناء، والأفراد من الاغتباط والرخاء، فأصبح الربح المادي هو الميزان للأخلاق والفارق بين الشر والخير، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة، ليس لها قيمة إلا القيمة الدينية أو الخلقية في المصطلح القديم ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول، وتعدم أنصاراً وتصبح من شعائر القديم وذكريات العهد الماضي كحنان الأبوين وحبهما للأولاد، ووفاء الأزواج وحفظهن للغيب، وتحل محل هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية ولا تزال ترتفع قيمتها ويرجع وزنها ولا يزال المجتمع العصري يستغني عن الروابط المنزلية والأرحام الدموية والشرائع الخلقية بتنظيمات اجتماعية شعبية على الخطوط السياسية والصناعية والاقتصادية.
Original text
طغيان المادية والمعدة:
رووا أن شاعرة جاهلية هي ((كبشة بنت معد يكرب)) عاتبت أخاها عمرو بن معد يكرب، وعيرته بميله إلى قبول دية أخيه المقتول فقالت ودع عنك عمْراً إن عمْراً مسالم *** وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم؟
ما تتصور المرأة الجاهلية البسيطة أن بطن إنسان يتجاوز مقدار شبر فكيف لو رأت معدة الإنسان الحاضر ابن القرن العشرين؛ تضخمت وكبرت حتى وسعت الأرض وتجاوزت حتى أصبحت لا يملؤها إلا التراب.
نعم تضخمت معدة الحرص في الإنسان حتى صارت لا يشبعها مقدار من المال، وتولد في الناس غليل لا يُرْوى وأُوارٌ لا يُشفى، وأصبح كل واحد يحمل في قلبه جهنم لا تزال تبتلع
وتستزيد، ولا تزال تنادي هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ تسلط على الناس - أفراداً وأمماً - شيطان الجشع والحرص فكأن بهم مساً من الجنون، وأصبح الإنسان نهما يلتهم الدنيا التهاماً، ويستنزف موارده حلالاً وحراماً، ثم لا يرى أنه قضى لبانته وشفى نفسه، والعهدة في ذلك على وضع الحياة الحاضرة وطبيعتها وكونها مادية صرفة لا تؤمن بالآخرة. وخليق بمن لا يعتد إلا بحياته الدنيا ولا يرى وراءها عالما آخر وحياة ثانية أن تكون هذه الحياة بضاعته ورأس ماله وأكبر همه وغاية رغبته ومبلغ علمه، وأن لا يؤخر من حظوظها وطيباتها ولذائذها شيئاً وأن لا يضيع فرصة من فرصها، ولأي عالم يدخر وهو لا يؤمن بعالم وراء هذا العالم، ولا بحياة بعد هذه الحياة؟
وقد عبر عن هذه النفسية الجاهلية الشاعر الجاهلي الشاب طرفة بن العبد في صراحة وبساطة فقال:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي *** فدعني أبادرْها بما ملكت يدي
كريم يروِّي نفسه في حياته *** ستعلم إن متنا غداً أينا الصَّدِي
وكل إنسان متمدن اليوم - إلا من عصمه الله بالإيمان - يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب في الحياة، إلا أنه قد يجرؤ على أن يصرح به، وقد لا يملك ذلك اللسان البليغ الذي يعبر عن ضميره؛ والسبب الثاني: - هو الأدب العصري - بمعناه الواسع - الذي لا يتحدث إلا عن المادة وأصحابها، ويخنع لأهل الثراء وأصحاب الاحتكار وأصحاب الإنتاج، الخنوع الذي لا يليق بالأدب الشريف العالي، فيكتب دقائق حياتهم في تفصيل، وينشر ألقابهم وأسماءهم بقلم عريض وكل نفس من أنفاس مدحه وتقريظه وكل فصل من فصول روايته ينتهي إلى نتيجة مادية أو إلى بطل من أبطال المادة، ويزين للقارئ المذهب الأبيقوري تارة بالتلميح وتارة بالتصريح، ويحث الشباب على التهام الحياة وانتهاب المسرات نثراً وشعراً وفلسفة ورواية وتحليلاً وتصويراً، فلا ينتهون منه إلا بالروح المادية والتقديس لرجال المادة.
وكذلك المجتمع الذي لا يقدر إلا الغني الظريف متناسياً كل ما فيه من رذيلة ولؤم أصل وسوء خلق، ويتجنى على الإنسان الذي لا يترجح في ميزانه مهما كثرت مواهبه وطاب عنصره وسما جوهره، ويلمِّح وقد يصرح بأن الفقير لا يستحق الحياة، ويعامله معاملة
الدواب والحمير والكلاب، فيرغم الإنسان - إذا لم يكن ثائراً على المجتمع - على أن يخضع لشريعة مجتمعه، وأن يتجمل ويتظرف لمجتمعه، فلا يلبس إلا لغيره ولا يتأنق إلا لغيره.
وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف والظرافة تتغير ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحول ومطالبه تتنوع وتتكثر، حتى يضيق الإنسان بها ذرعاً ويلجأ إلى طرق غير شريفة لتحصيل المال وإلى كدح وكد في الحياة، وهناك هموم تتوالى ولا تنتهي ومتاعب تتسلسل ولا تنقطع.
وزاد الطين بلة تنافس المصانع والمنتجين والصناع؛ ففي كل صباح يتدفق على المدينة سيل جديد من أحدث المنتجات وأحدث طراز من السيارات والسجائر والأزياء والقبعات والأحذية والأدهان والأطلية وأسباب الزينة والزخارف والأجهزة ولا يجلب منها شيء قياماً بالواجب وسدّاً للعوز، بل كله في سبيل الاستغلال الصناعي والاحتكار التجاري، ولا تلبث هذه المنتجات التي هي من فضول الحياة أن تدخل في أصول المعاش ولوازم المدينة، والذي لا يتحلى بها لا يعد من الأحياء.
ولهذه الأسباب ولغيرها ارتفعت قيمة المال في عيون الناس ارتفاعاً لم تبلغه في الزمن السابق، وبلغ من الأهمية والمكانة مبلغاً لم يبلغه - على ما نعرفه - في دور من أدوار التاريخ المدون، وأصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع
والصانع إلى صناعته والسياسي إلى مقالته والمرشح إلى انتخابه والعالم إلى تأليفه، حتى القادة إلى الحرب، فهو القطب الذي تدور حوله رحى الحياة العصرية كما يقول الأستاذ ((جود)) معلم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن: ((إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية، وأصبح البطن أو الجيب ميزاناً لكل مسألة فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يقبل الناس عليها ويعنون بها)) .
إذا حكمت على عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة، وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات إنما تكتب في زاوية من زوايا الكتب فإنك تغالط نفسك، وقد تقرأ في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصر متمدن راق تتحكم فيه معايير الأخلاق وتسود فيه المثل العليا ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل، وتحلق عليه روح الديانة والعلم، ولكن الواقع غير ذلك، فإن هذه الكتب إنما ألفت في عالم الخيال الذي يعيش فيه
مؤلفوها، وإن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالم خيالياً يصفونه ويصورونه في كتبهم، حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به.. وللأهواء عجائب وخوارق.
ولكنك إذا اتصلت بالحياة عن كتبٍ لا عن كُتبٍ، وخالطت الناس ودرست أحوالهم وأصغيت إلى حديثهم في البيت وفي القطار والبستان وعلى المائدة وفي السمر، رأيت (الذهب) حديث النوادي وشغل الألسنة وهوى القلوب، والبداية والنهاية في كل موضوع، والقطب الذي تدور حوله رحى الحياة.
إن شاعراً عربياً يلعن الصعلوك الذي لا يتعدى نظره ولا يسمو فكره عن لباس وطعام ويقول:
لحا الله صعلوكاً مناه وهمه *** من العيش أن يلقى لبوساً ومطعماً
فكيف إذا أشرف هذا الشاعر على هذه المدينة وهي تجري بفلاسفتها وسياسييها ونوابغها وعلمائها وكتابها وأشرافها وأغنيائها وفقرائها وراء غاية لا تتعدى لبوساً ومطعماً مهما تنوعت أشكالها وتضخمت ألقابها؟! فالحياة كلها جهاد في سبيل اللباس والطعام
التدهور في الأخلاق والمجتمع:
احتل الأجانب الشرق الإسلامي وقد أصاب المجتمع الشرقي الإسلامي انحطاط في الأخلاق والاجتماع، وسبقت إليه أدواء خلقية واجتماعية كانت أهم أسباب انهيار الدول الإسلامية وانهزام الأمم الشرقية.
ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الشرقي الإسلامي - على علاته - محتفظاً ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم، وقد نضج واكتمل فن الأخلاق عند الشرقيين ووصل من الدقة والتفصيل واللطافة ورقة الحواشي ذروة لا بصل إليها ذهن العصر، ولا يتصورها الغربي إلا في الشعر والأدب.
يقرأ الإنسان أو يسمع روايات عن استحكام الروابط والأواصر بين أعضاء المجتمع العام وأفراد الأسرة، وتغلغلها في الأحشاء واستمرارها إلى الأحقاب والأجيال وخلوها من كل مصلحة ومتعة مادية، ما لا يتصوره أبناء هذا العصر. وكذلك من حنو الآباء على الأبناء
وبر الأبناء بالآباء، وتوقير الصغير للكبير وحدب الكبير على الصغير، وعن عفاف النساء ووفاء الحلائل وأمانة الخدم ووفائهم واستقامة الشبان وثباتهم على الأخلاق ومعاملة الأشراف بعضهم لبعض، والمحافظة على الرواتب والعادات والاطراد في مسألة اللباس والشعائر والعشرة، والإيثار في شأن الأصدقاء والنصح لهم، يسمع منها غرائب لا يكاد يصدق بها.
كان بر الأبناء للآباء وطاعتهم إلى حد التفاني في سبيلهم والاضمحلال في وجودهم منتزعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك)) .
وكان حب الأبناء لآبائهم وبرهم وحرصهم على أداء حقوقهم غير مقتصر على حياة الأبوين، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما أصدقائهما وأهل أنسهما والإهداء إليهم والتحبب إلى أولادهم وعشيرتهم، وكان ذلك عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أبر البر بر الرجل بأهل ود أبيه بعد أن يولي)) .
وكان الأبوان مثلاً للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد، وكانا يضحيان بجميع أهوائهما وميولهما وراحتهما وبلذة الأمومة والأبوة في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم، ويتحملان في ذلك - حتى الرجل الأمي والمرأة الجاهلة - إجحاف المعلمين وعسفهم وإضرارهم في بعض الأحيان بجسم الصغار
ويجرعان المرائر ويصبران على الغصص في سبيل الأولاد ونبوغهم، وقد تواضع على ذلك أهل البيوتات والشرف حتى أهل الطبقات الوضيعة، ويعدون من خالف ذلك رجلاً نذلاً لئيما، والذي روي عن هارون الرشيد في تنبيهه لولديه الأمين والمأمون ووصيته لهما بخدمة الكسائي معروف في التاريخ؛ ومن غرائب ما يروى في هذا الباب ويمثل الطبيعة الشرقية أن ((تاج الدين ألدز)) أمير الأفغان بعد السلطان شهاب الدين الغوري أسلم ولده إلى معلم وضرب المعلم الولد حتى مات، فلما علم بذلك ((تاج الدين)) أشار على المعلم بأن يهرب وقال: ((لا آمن عليك من أم الولد فعسى أن ينالك منها مكروه)) .
وكانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع ((من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا)) .
ومن خصائص الحضارة الشرقية الاطراد في الحياة والمحافظة على لون واحد والتظاهر بمظهر واحد، فكان الرجل إذا شرع في أمر وتظاهر بمظهر واصله إلى غايته، وإذا اتخذ عادة
أو شارة في اللباس أو عامل أحداً نوع معاملة واظب عليه إلى آخر أنفاسه، لا تؤثر في ذلك الحوادث ولا تغيره الفصول ولا انحراف الصحة ولا الكسل ولا المصالح.
ولم يكن العمدة في حياة الأسرة والقبائل ولم يكن الميزان في التوقير والشرف هو كثرة المال فيختلف المستوى المالي في أسرة اختلافاً كبيراً، ويتفاوت الرجال في قبيلة أو قوم تفاوتاً عظيماً في المال والجاه، فهذا سريٌ مثر وذلك فقير معدم، ولم يكن يستطيع أحد أن يفرق بينهم ويرفع بعضهم فوق بعض لأجل التفاوت الاقتصادي في مجتمعات الأسر والبيوتات والمآتم (بمعناها اللغوي) فإذا شم أحد رائحة الفرق أو نظرة الازدراء، ثار كالليث، أو إذا بدرت بادرة من المضيف تنم عن هذا الفصل انسحبت الأسرة كلها من الضيافة وقاطعوا أهل الضيافة، وكانوا يداً واحدة مع أخيهم المهضوم.
وكان الفقير الصعلوك في قبيلة يواجه الأغنياء والملوك من تلك القبيلة بجرأة وهو معتز بنفسه معتد بشرفه لا يرى في نفسه نقيصة لأجل فقر، وكان الغني أو الملك يكرمه ويحله المحل اللائق بشرفه ونسبه وفضيلته الذاتية، بصرف النظر عن رثاثة هيئته وتبذله، والأزمة الاقتصادية الطارئة على كرم عنصره وصفاء معدنه
وطيب منبته ومتانة دينه ووفور علمه.
وكان الفقير في ذلك يبالغ كثيراً في إخفاء عسرته وضنك معيشته ويتحمل ويتجلد، ويسوءه أن يفطن أحد إلى فاقته ورقة حاله.
وكان ضمير الحر عزيزاً محترماً كدينه وعرضه، لا يساوم عليه ولا يباع بأي ثمن، وكان الواحد يفضل الموت الأحمر على كذبة أو خيانة يخلص بها نفسه من الموت.
وقد روى لنا التاريخ الهندي طرائف في هذا الباب لابد أن تكون أمثلتها متوافرة في تاريخ جميع البلاد الإسلامية: منها أن الشيخ رضي الله البداوني اتهم بالاشتراك في الثورة على الإنجليز عام 1857 وحوكم أمام حاكم إنجليزي كان من تلاميذه، فأوعز إليه الحاكم على لسان بعض الأصدقاء أن يجحد الاتهام فيطلقه. ولكن الشيخ أبى وقال: قد اشتركت في الخروج على الإنجليز فكيف أجحد؟ واضطر الحاكم فحكم عليه بالإعدام، ولما قدم للشنق بكى الحاكم وقال له: حتى في هذه الساعة لو قلت مرة: إن القضية مكذوبة عليَّ وإني بريء
لاجتهدت في تخليصك، فغضب الأستاذ وقال: أتريد أن أحبط عملي بالكذب على نفسي؟ لقد خسرت إذاً وضل عملي، بل قد اشتركت في الثورة فافعلوا ما بدا لكم، وشنق الرجل!!.
ولم يكن صدقهم واعترافهم بما يعملون ويعتقدون مقتصراً على ما يتصل بأنفسهم، بل كانوا صادقين فيما يتصل بالأمة والشعب، فلم يكونوا يعرفون العصبية الجنسية والوطنية والجنف القومي الذي أصبح اليوم من واجبات الجنسية والوطنية، وكانوا يعدون الكذب وشهادة الزور لأجل الأمة والوطن والملة رذيلة وإثماً كبيراً. وكانوا يعتقدون أن أحكام الشرع تعم الفرد والأمة والأمور الشخصية والاجتماعية وكانوا متمسكين بقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} الآية، وقوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ} وقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} وقوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}
ومما يروي لنا الشيوخ من ذلك: أنه وقع نزاع بين الهنادك والمسلمين في قرية كاندهلة من مديرية ((مظفر نكر)) في الولايات المتحدة الهندية على أرض، فادعى الهنادك أنها معبد لهم، والمسلمون أنها لهم مسجد. وتحاكموا إلى حاكم البلد الإنجليزي، فسمع الحاكم القضية ودلائل الفريقين ولم يطمئن إلى نتيجة، فسأل الهنادك: هل يوجد في القرية مسلم تثقون بصدقه وأمانته أحكم على رأيه؟ قالوا: نعم، فلان؛ وسموا شيخاً من علماء المسلمين وصالحيهم، فأرسل إليه الحاكم وطلبه إلى المحكمة، فلما جاءه الرسول قال: قد حلفت أن لا أرى وجه إفرنجي، ورجع الرسول فقال الحاكم: لا بأس، ولكن احضر وأدل برأيك في القضية، فحضر الشيخ وولى دبره إلى الحاكم وقال: الحق مع الهنادك في هذه القضية، والأرض لهم. وبذلك قضى الحاكم وخسر المسلمون القضية، ولكن كسبوا قلوب الهنادك وأسلم منهم جماعة.
وكذلك كان الناس يعدون العلم عارية مقدسة ووديعة من الله لا يبيعونه كسلعة في السوق، ولا يتعاونون به على إثم آثم وعدوان معتد، وكانوا لا يرضون أن يستعين به نظام جائر أو حكومة غير إسلامية.
ومما حكى لنا الثقات وقرأناه في التاريخ أن الشيخ عبد الرحيم الرامبوري (م 1234 هـ) كان يعمل في بلدة رامبور براتب زهيد يتقاضاه كل شهر من الإمارة الإسلامية لا يزيد على عشر روبيات (أقل من جنيه مصري) فقدم إليه حاكم الولاية الإنجليزي المستر هاكنس وظيفة عالية في كلية بريلي راتبها مائتان وخمسون روبية (تسعة عشر جنيهاً مصرياً) ، وذلك يساوي خمسين جنيهاً في هذا العهد، ووعد بالزيادة في الراتب بعد قليل، فاعتذر الشيخ عن قبوله وقال: إني أتقاضى عشر روبيات وإنها ستنقطع إذا تحولت إلى هذه الوظيفة. فتعجب الإنجليزي وقال: ما رأيت كاليوم: أنا أقدم راتباً يزيد على راتبك الحالي بأضعاف أضعاف، وتترك الأضعاف المضاعفة وتقنع بالنزر اليسير!. فتعلل الشيخ بأن في بيته شجرة سدر وهو مغرم بثمرها وأنه سيحرمها إذا أقام في بريلي. ولم يفطن الإنجليزي بعد إلى مقصود الشيخ. فقال: أنا زعيم بأن هذا الثمر يصل إليك من رامبور إلى بريلي، فتشبث ثالثة بأن حوله طلبة وتلاميذ يقرؤون عليه في بلده فلو انتقل إلى هذه الوظيفة انقطعت دروسهم. ولم ييأس الإنجليزي المناقش من إقناعه فقال: أنا أجري لهم
جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال: وماذا يكون جوابي غداً إذا سالني ربي: كيف أخذت الأجرة على العلم؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر.
قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع ، وتغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة ، بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان ، فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق، يبيعونها بالمناداة (المزاد العلني) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري.
وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وقدمت غليه الكلية الكاثوليكية الفلانية وظيفة تدريس براتب يزيد على راتبه السابق بخمسة جنيهات فانتقل إليها، وهذا
السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقاً، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة، وسألناه: ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية، وما هو إلا لأجل زيادة بمقدار بضعة جنيهات، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات؟! .
قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين، فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الاثم والعدوان. إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله
جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال: وماذا يكون جوابي غداً إذا سالني ربي: كيف أخذت الأجرة على العلم؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر.
قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع ، وتغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة ، بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان ، فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق، يبيعونها بالمناداة (المزاد العلني) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري.
وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وقدمت غليه الكلية الكاثوليكية الفلانية وظيفة تدريس براتب يزيد على راتبه السابق بخمسة جنيهات فانتقل إليها، وهذا
السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقاً، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة، وسألناه: ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية، وما هو إلا لأجل زيادة بمقدار بضعة جنيهات، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات؟! .
قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين، فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الاثم والعدوان. إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله
سمعناهم يشيدون ((بالخدمات الجلى والمساعدات العظيمة التي تقدمها الإذاعة البريطانية في سبيل نهضة الأقطار العربية وتوحيد تفكيرها وثقافتها وتوثيق الروابط بينها، وما تقوم به من نشر الثقافة العربية الإسلامية، وتعريف المسلمين بتاريخهم المجيد ومدنيتهم الزاهرة، وإطلاع العالم العربي على حقائق الأمور، وسير الحوادث في نزاهة وتجرد وصدق (1)) ولطالما سمعناهم وقرأنا لهم إشادة بإيمان هذه الحكومات بالديمقراطية الصحيحة وجهادها لتوطيد الأمن العام وسلام العالم وحرية الأمم المستضعفة والبلاد المهضومة، ورفعها لراية العدل والمساواة، والأخذ للمظلوم من الظالم، وقيامها للحق.. الخ.
فأن كان هؤلاء المتحدثون لا يرضى ضميرهم بما يقولون ، ويعرفون أن هذه الكلمات في غير محلها ، وإنما هو كله لمصالحهم المالية ، فيالانحطاط النفس الشريفة ، ويا لرخص السلعة الغالية ، ويا ضيعة الكلمات العامرة بالمعاني ، ويا شقاء اللغة العربية بأهلها! 0وإذا كان ذلك
عن اعتقاد وثقة وفهم للمعنى ، فيا جهلاً بالحقائق ، ويا إنكاراً للمحسوس ، ويا مسخاً للقلوب! 0
وهذا عصر التناقض فيكتب أديب أو صحافي اليوم كتاباً حماسياً في سيرة بطل من أبطال الجهاد الإسلامي ، أو مجدد من مجددي الإسلام ، ولا يجف مداد مقالته أو كتابه ذلك حتى يكتب بقلمه تقريظاً أو ثناء على خائن من خونة الأمة ، أو صنيعة من صنائع الأجانب لمصلحة سياسية ومنفعة مالية ، ولا يرى في ذلك تناقضاً.
طلب ملك من ملوك العرب من شاعر عربي فرسه ، فاعتذر أن يعطيها بأي ثمن كان وقال:
أبيت اللعن إن سكاب علق *** نفيس لا تعار ولا تباع
ولكن كأن الضمير عند هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية، أو يذيعون من محطاتها ما لا يرضى به ضميرهم ولا يصدق علمهم، أو يصدرون صحفاً، أو يؤلفون كتباً على جعالة أو راتب شهري؛ أذل وأرخص من جواد الجاهلي فهو يعار ويباع، وذلك لم يكن لعيار ولا ليباع.
وكانت الروابط والأواصر في الشرق - في الغالب - قائمة على أساس غير مادي إما عقلي وإما روحي ووجداني، وكان للأثرة والأنانية فيها نصيب ضئيل، وكان نتيجة ذلك وجود روابط وأواصر لا يمكن تعليلها بالمادة وجر النفع إلى أصحابها، وكانت هذه الروابط متغلغلة في الأحشاء؛ فمن ذلك أن علاقة التلميذ بأستاذه وإخلاصه وحبه له في العهد السابق، يزري بعلاقة الولد بوالده وحبه له في هذا العصر.
اشتهر نبأ وفاة الأستاذ الشهير العلامة نظام الدين اللكهنوي (م 1161 هـ) صاحب منهاج الدرس النظامي الجاري تطبيقه في الهند وخراسان، فلما أتى النعي تلميذه السيد كمال الدين العظيما بادي، مات من شدة الحزن، وعمي تلمذه الآخر ((ظريف العظيما بادي)) من كثرة البكاء، وتحقق بعد ذلك أن الإشاعة كانت غير صحيحة ولعل ذهن هذا
العصر لا يسيغ هذه الرواية، ولكن الذي عرف طبيعة الشرق، ومدى اتصال التلميذ هنالك بأستاذه وحبه له لم يستغرب هذه الرواية ولم يكذبها.
يعلم المطلع على تاريخ الأخلاق وفلسفتها أنه قد ظهرت مدرسة في أوربا قبل المسيح بأربعة قرون، وكان لها أنصار من كبار الفلاسفة والأخلاقيين إلى القرن التاسع عشر المسيحي، تدين باللذة البدنية وتعتقد أنها ميزان للأخلاق ومعيار الأعمال، وتشير على أتباعها بأن يهتبلوا فرص التمتع بالحياة الدنيا ويغتنموا فلتات الدهر.
وافترق أصحاب هذه المدرسة فرقتين؛ فمنهم؛ (أولو الأثرة) الذين يقولون: ينبغي أن لا يحول بين الإنسان وشهواته حائل حتى لا يدع حاجة في نفسه إلا قضاها، فينال بذلك النصيب الأكبر من اللذة والهناءة وقالوا: السعادة هي إرضاء الشهوة وقضاء مآرب النفس واقتطاف قطوف المسرة واللذة باليدين.
والفرقة الثانية هم (النفعيون) ويرى أهل هذا المذهب أن الواجب هو تحصيل المنفعة التي ينال بها أكبر عدد من أفراد البشر أوفر قسط من اللذة والهناء، ولا وزن للأفعال الخلقية في نظرهم إلا بما تأتي به المسرة لغالب بني النوع، ويرى هؤلاء أن السعادة هي أن تتوافر للناس بأعمالهم اللذات وتبعد عنهم الآلام.
ويرى القارئ ويلمس الروح المادي المتعشق للذة والهناء في آراء هذا المذهب ونزعاته من أحطها وأكثرها إسفافاً إلى أرقاها وأكثرها تحليقاً، وهذا يختلف عن طبائع الشرق وشرائع السماء اختلافاً بيناً. وقد أثرت هذه النزعة المادية في فلسفة الغرب وأخلاقه وأدابه وحضارته تأثيراً عميقاً، ولا تزال مهيمنة على الحياة الغربية وآدابها حتى اليوم.
ثم نزعوا دائماً في تشخيص المنفعة ووزنها إلى المادية لأنهم احتكموا فيها إلى أذهانهم وعقولهم، وقد أصبحت مادية بحتة، لأنها بحقيقة لا تأتي تحت الحس أو المساحة أو العد أو الوزن، ولا تؤمن بمنفعة لا تجلب لذة وهناء، حتى مؤسس هذا المذهب ((أبيقور م 271ق. م)) صرح بأن مناط الحكم على الأعمال هي المنفعة، وأن المنفعة لا قيمة لها إلا إذا اجتلبت لذة واغتباطاً، فكيف وقد تدرجت العقول والطبائع الغربية ومردت على النزوع المادي على تعاقب الأجيال والعصور؟! .
فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة لا تجلب لذة واغتباطاً، وأصبح العقل الأوربي محامياً عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية، وبحسب ما يكتسب المجتمع بواسطتها من اللذة والهناء، والأفراد من الاغتباط والرخاء، فأصبح الربح المادي هو الميزان للأخلاق والفارق بين الشر والخير، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة، ليس لها قيمة إلا القيمة الدينية أو الخلقية في المصطلح القديم ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول، وتعدم أنصاراً وتصبح من شعائر القديم وذكريات العهد الماضي كحنان الأبوين وحبهما للأولاد، ووفاء الأزواج وحفظهن للغيب، وتحل محل هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية ولا تزال ترتفع قيمتها ويرجع وزنها
ولا يزال المجتمع العصري يستغني عن الروابط المنزلية والأرحام الدموية والشرائع الخلقية بتنظيمات اجتماعية شعبية على الخطوط السياسية والصناعية والاقتصادية. ولا يهم المجتمع الآن كيف يعامل الولد والده أو الزوجة زوجها إذا كان هؤلاء الأفراد لا يزالون في الدائرة المدنية التي اختطها المجتمع حول أفراده؛ وما دام لا يحدث عملهم هذا اضطراباً في المجتمع وثورة على النظام ولا يعرقل سير المدينة فلا بأس إذا كان هنالك عقوق من ولد أو فرك من قرينة أو جفاء من زوج أو دعارة من امرأة أو فسق من رجل أو خيانة من زوجة
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
تولى الأدميرال دوبريه قيادة أسطول بحري مكون من 600 سفينة في تولون، ثم توجه نحو مدينة الجزائر العاصمة...
Kvinnesyn: Kvin...Kvinnesyn: Kvinnen blir framstilt som naiv og lett å lede, men samtidig som nysgjerrig og viljesterk...
مقدمة شكّل المر...مقدمة شكّل المرفق العام منذ نشأة الدولة الحديثة الأداة الرئيسية لتحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات...
التخصص العلمي ل...التخصص العلمي للباحث: يعد من أهم العوامل الذاتية لإختيار البحث، إذ تعتبر القدرة العلمية عاملا متحكما...
A security thre...A security threat in PHP applications refers to a vulnerability, flaw, or vector in a PHP web applic...
الفطرية في الدو...الفطرية في الدولة وزيادة الوعي العام بالقضايا المتعلقة بالتنوع البيولوجي، فضلا عن المساهمة في تحقيق ...
بين رفوف المحلا...بين رفوف المحلات التي تتغير أسعارها، ومواطن يواجه فاتورة معيشية تتزايد يوماً بعد آخر، تتصاعد التساؤل...
. وفي حال أدى ا.... وفي حال أدى الاختراق إلى كشف بيانات شخصية وتسبب بضرر كبير للأشخاص، يتوجب على المؤسسة إبلاغ المتضرر...
أكدت الجمهورية ...أكدت الجمهورية اليمنية، أهمية اتخاذ موقف عربي حازم لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض الإعلامي الذي يسته...
الترومبيت' هو أ...الترومبيت' هو أداة نحاسية فى الفرق الكلاسيكية و مزيكا الجاز . تتراوح مجموعة البوق من البوق البيكولو ...
إن المصادر التي...إن المصادر التي تناولت "بنات الصدور" تظل شاهدة على رحلة الإنسان العربي في البحث عن لغة تليق بأحزانه ...
استهل السيد شري...استهل السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، لقاءاته المهنية بالعاصمة البريطانية لندن، التي يعقدها خ...