Online English Summarizer tool, free and accurate!
غير أنه بحلول نهاية القرن الخامس الميلادي ديت عوامل الإنحلال والانقسام في أوصال الأمبراطورية الرومانية ، مما أدي إلي انقسامها إلى دولتين أحداهما شرقية عاصمتها بيزنطة القسطنطينية فيما بعد ، ومن ناحية أخري فقد شهدت هذه المرحلة التاريخية انقسام الكنيسة المسيحية إلى شطرين يدين أولهما بالمذهب الأرثوذكسي في بيزنطة ، بينما يدين الثاني بالمذهب الكاثوليكي (فيروما). الأمر الذي مهد السبيل إلي تفتتهما إلى عديد من الدول وآلاف من المقاطعات التي قامت على أنقاضهما . العصور الوسطي - وذلك علي أنقاض السلطة الزمنية التي راحت تتفتت بين الإمبراطور وبين الملوك والأمراء والنبلاء الاقطاعيين في أوروبا (1). ممارسة سلطاتها علي جميع المسيحيين بما في ذلك الحكام أنفسهم ، علي اعتبار أن الحاكم الزمني يستمد سلطته وشرعيتها من الحاكم الروحي ، انطلاقاً من التصور الجديد الذي كان يقوم علي إفتراض أن الله قد سلم السيفين معاً للبابا الذي احتفظ لنفسه بأحدهما وهو سيف السلطة الدينية ، ومن هنا راح الملوك والأمراء - خلال مرحلة العصر الوسيط - يتسابقون أثر الإحياء الأوروبي والاصلاح الديني علي البيئة الدولية : التي ضربت بسهم وافر في مجال توجيه النقد إلي الكنيسة وإلي رجال الدين لما حل بهم من أطماع دنيوية تسببت في الانتقاص مما كانوا يحظون به من هيبة ومكانة كانتا سند قوتهم المعنوية ونفوذهم الروحي لدي الشعوب الأوروبية ولدي حكامها على حد سواء . كذلك فقد كان من جراء حركة الاصلاح الديني أن انقسمت الكنيسة الغربية بين مذهبين هما : الكاثوليكية ، وتمكيناً لسيادتهم علي الأقاليم الخاضعة لهم (۳) وهكذا حل الولاء القومي ، بل والمذاهب القومية محل عالمية السلطة الزمنية الممثلة في الإمبراطور) ، (٤) هذا وقد بلغت تلك الحروب الدينية التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت - أوجها في حرب الثلاثين عاماً التي إستعر إوارها بين عامي ١٦١٨ و ١٦٤٨ (٥) ، أو عن طريق المصاهرة بين الأمراء والنبلاء الاقطاعيين - إلى تكوين النواة الأولي لنشأة الدول القومية بصورتها الحديثة، فقد بدأ بعض الأمراء الاقطاعيين في الاعتراف بهيمنة أو سيادة بعضهم، ومن ثم بخضوع الأمراء والنبلاء السلطة وسيادة الملوك (1) حيث استطاع الملوك في هذه الدول إخضاع النبلاء الإقطاعيين لسيطرتهم، (۳) كذلك فقد أسفرت معاهدات وستفاليا عن منح هولندا استقلالها القومي. هذا وقد أدي ظهور الأسر الحاكمة إلي تنمية شعور الولاء القومي لدي الشعوب الأوروبية مما خلع عليها نوعاً من التجانس القومي المستمد من الشعور بالولاء الأسرة حاكمة معينة وهو ما يعرف بـ Dynastic في فرنسا، ويمكن القول بأن العلاقات بين الدول الأوربية - منذ نهاية العصور الوسطي وحتي ما قبل الثورة الفرنسية الكبري الصراعات بين البيوت المالكة الأوروبية، (۳) وتجدر الإشارة إلى أنه علي الرغم من قيام الممالك الأوروبية فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للوحدات السياسية في وسط أوروبا وجنوبها ، فقد ظلت مناطق شمال إيطاليا - علي سبيل المثال - موزعة على عديد من وحدات تتنازعها ثلاث قوي هي : الكنيسة ، وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ " الولاء القومي " يعد من أبرز المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا - في مجال قواعد التعامل الدولي - حيث تضمنت الإشارة إلى الدول القومية باعتبارها اللبنات أو الوحدات المكونة للنسق الدولي الجديد ، في معني أن يكون لولاء الفرد لدولته التي يعيش فيها الأولوية علي أي ولاء أو إنتماء آخر (۲) تعاون فرنسا - وهي دولة كاثوليكية - مع دول الشمال والأمراء الألمان - وهم من البروتستانت - ضد ملوك أسرة الها بسبورج Habsbourg النمساوية. مقابل تمتع فرنسا ببعض الامتيازات ، كحرية الملاحة في المياه الإقليمية للدولة العثمانية، مما كان يعني تغليب فرنسا لمصلحتها القومية أينما كانت (4) والتي كان من أبرزها : الاستناد إلى القوة بإعتبارها مصدر الشرعية للحكم ، ذلك فضلاً عن آرائه عن فصل السياسة عن الأخلاق والقيم بصورة عامة ، خامساً : إعتبار مبدأ احترام " السيادة القومية - National Sovereignty منطلقاً لعلاقات الدول القومية فيما بينها . وقد كان مبدأ احترام السيادة القومية للدول من أظهر المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، أسند البعض الآخر السيادة إلى أصحاب السلطة الزمنية . وبمعني آخر فإن كياناً ما يعد ذا سيادة ، ومن هنا فقد استند بعض المفكرين إلى تلك الحقيقة لتبرير أحقية صاحب السلطة الدينية بأن يكون هو صاحب السيادة، وهكذا كان من المتعين علي الملوك - أصحاب السلطة الزمنية – من وجهة نظر الفكر الكنسي - أن يمارسوا مظاهر السلطة السياسية مع خضوعهم -في ممارستهم لها - للسلطة الروحية للكنيسة التي تعتبر مسئولة عن الشئون الأخلاقية والدينية ، كما سبق أن ذكرنا - سنداً لشرعية حكمهم، ومن ثم فلم يكن أمامهم من خيار سوي ومع تنامي قوة تيار الإصلاح الديني ، وفي هذه الأثناء كادت الإنقسامات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك أن تعصف ومن ثم فقد ظهرت بعض الأفكار الداعية إلى تسويد الملك بإعتباره فوق الأحزاب الدينية المتصارعة، فيصون بذلك وحدة الأمة وبقاء الدولة (٢) وفي عام ١٥٧٦ أيد الفقيه القانوني الفرنسي چان بودان Jean Bodin -- فكرة أن الملوك - Les Six Livres de la République في كتبه الستة عن الدولة دون غيرهم - هم أصحاب السيادة Souverains ، الذهني له - ومن ثم كان ظهور مفهوم السيادة (٢) ويعني مفهوم " السيادة " - كوصف قانوني لواقع سياسي - - القدرة الفعلية على الإنفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة وفي خارجها ، ومن ثم القدرة الفعلية على الاحتكار الشرعي لأدوات القمع في الداخل وعلي رفض الإمتثال لآية سلطة تأتي من الخارج " . (۲) وقد أقام بودان فكرته عن السيادة علي اعتبار أن الملوك قد تلقوا سلطاتهم عن الله مباشرة ، فلا يتعين عليه الإمتثال لأية سلطة أو قوة أخري داخلية كانت أم خارجية . وهكذا " فقد جد بودان في الكشف عن سند يؤيد به ماكان يؤمن به من أنه لاسبيل إلي إنقاذ فرنسا - في عصره - إلا بالتمكين لملكية مطلقة ، لا تقيد فيها سلطة الملك برأي ند له ، لقد جد في الكشف عن سند يؤيد به سير الملكية الفرنسية بخطوات واسعة نحو الدولة البيروقراطية الموحدة علي حساب الدولة الإقطاعية ، هذا وقد التقي غالبية الفقهاء علي المدلول الذي قدمه بودان المفهوم السيادة ، وهكذا جمع الملوك بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية علي الأقاليم التابعة لهم (۲). كذلك فقد اكتسبت فكرة السيادة مزيداً من التأييد في أعقاب إنتهاء حرب الثلاثين عاماً، بما خلفته من خراب ودمار . حيث اتفقت الدول الموقعة على معاهدات وستفاليا على اعتبار سيادة الملوك والأمراء . البديل الوحيد لإستمرار الحروب الدينية ، كما اتفق الملوك علي أن السلام والاستقرار مرهونان بقدرتهم على فرض إرادتهم علي دولهم بما في ذلك تحديد المذاهب الدينية لشعوبهم . وإنطلاقاً مما سبق فلم يعد ممكناً لأية قوة خارجية أن تتدخل في الشئون الداخلية السياسية أو الدينية) لأية دولة أخري. وقد ترتب علي ذلك اعتبار كل الدول متساوية في السيادة، ولو من الناحية النظرية على أقل تقدير . وهكذا تخلت نظرية وحدة السيادة - الممثلة في الكنيسة - عن مكانها لنظرية تعدد السيادات الزمنية للملوك والأمراء. ومنذ ذلك الحين أصبحت المشكلة الأولي التي تواجه العلاقات الدولية هي تحديد من تكون له الغلبة بين الإرادات المتصارعة والسيادات المتعارضة للدول . ويمكننا أن نخلص إلى القول بأن معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، قد ساهمت في إرساء مجموعة من قواعد السلوك الدولي التي لاتزال تشكل - إلى وقتنا هذا ركائز التعامل فيما بين الدول
الباب الأول في
طبيعة البيئة الدولية
مقدمة :
استطاعت الإمبراطورية الرومانية أن تبسط سلطانها علي شعوب العالم المتحضر القديم ، فراحت جيوشها تغزو بلدان حوض البحر المتوسط وأوروبا ، حتي إمتدت أطرافها إلى الجزر البريطانية وشبه جزيرة أيبريا فضلاً عن بعض بلدان الشرق . وقد أقامت الإمبراطورية الرومانية نظاماً مستقراً يكفل السلام والاستقرار الشعوبها ، ويقوم في جوهره - علي الخضوع لسلطان روما فيما عرف بالسلام الروماني Pax (1), Romana
غير أنه بحلول نهاية القرن الخامس الميلادي ديت عوامل الإنحلال والانقسام في أوصال الأمبراطورية الرومانية ، مما أدي إلي انقسامها إلى دولتين أحداهما شرقية عاصمتها بيزنطة القسطنطينية فيما بعد ، والأخري غربية عاصمتها روما. ومن ناحية أخري فقد شهدت هذه المرحلة التاريخية انقسام الكنيسة المسيحية إلى شطرين يدين أولهما بالمذهب الأرثوذكسي في بيزنطة ، بينما يدين الثاني بالمذهب الكاثوليكي (فيروما).
هذا وقد ظل العالم الأوروبي القديم يتخبط في لجج من الصراعات السياسية والإضطهادات الطائفية المذهبية المتلاحقة ، مما أفسح المجال أمام قبائل البرابرة والتتار والجرمان للإنقضاض علي هاتين الإمبراطوريتين، الأمر الذي مهد السبيل إلي تفتتهما إلى عديد من الدول وآلاف من المقاطعات التي قامت على أنقاضهما . وقد ساعدت تلك التطورات علي تنامي السلطان الروحي للسلطة الدينية الممثلة في شخص البابا ، وامتداده ليشمل كافة أرجاء القارة الأوروبية - وعلي طول امتداد مرحلة
العصور الوسطي - وذلك علي أنقاض السلطة الزمنية التي راحت تتفتت بين الإمبراطور وبين الملوك والأمراء والنبلاء الاقطاعيين في أوروبا (1).
هذا وقد ابتدع الفكر الكنسي - أنذاك - صيغة مبتكرة لنظرية السيفين تتلاءم مع تلك التطورات الجديدة، وبما يهيئ المزيد من التمكين لسلطات البابا لتشمل الشئون غير الدينية . وبمقتضي هذه الصيغة الجديدة، أصبح من حق السلطة الروحية (البابا) ، بل من واجبها ، ممارسة سلطاتها علي جميع المسيحيين بما في ذلك الحكام أنفسهم ، علي اعتبار أن الحاكم الزمني يستمد سلطته وشرعيتها من الحاكم الروحي ، انطلاقاً من التصور الجديد الذي كان يقوم علي إفتراض أن الله قد سلم السيفين معاً للبابا الذي احتفظ لنفسه بأحدهما وهو سيف السلطة الدينية ، بينما أعطي السيف الثاني للحاكم الزمني، وهكذا فلما كان البابا هو الذي يمنح الحاكم الزمني سلطته ، فقد كان له أيضاً أن يحرمه منها إذا خالف إرادة البابا باعتبارها معبرة عن إرادة الله (۲)
ومن هنا راح الملوك والأمراء - خلال مرحلة العصر الوسيط - يتسابقون
صاغرين - إلى تقديم فروض الطاعة والولاء للبابا ، آملين في الحصول علي بركته ورضاه باعتبارهما سنداً لشرعية حكمهم . وهكذا ظهر ما عرف بالسلام المسيحي . الذي بسطت من خلاله الكنيسة الكاثوليكية سلطتها الروحية على ملوك أوروبا ، إلى حد تنصيب البابا نفسه حكماً للفصل فيما يشجر بين الملوك والأمراء من منازعات (۳)
أثر الإحياء الأوروبي والاصلاح الديني علي البيئة الدولية :
غير أنه مع بداية عصر الإحياء الأوروبي بدأ سلطان الكنيسة ينحسر تدريجياً
نتيجة لعدة عوامل نوجز أهمها فيما يلي :
أولاً : حركة النهضة الفكرية التي شهدتها أوروبا أنذاك ، نتيجة اتصالها بالأفكار اليونانية القديمة عن طريق الترجمات العربية لها ، والتي قام سكان أسبانيا
وجنوب أوروبا بنقلها إلى اللغة اللاتينية . (۱)
ثانياً : حركة الإصلاح الديني ، التي ضربت بسهم وافر في مجال توجيه النقد إلي الكنيسة وإلي رجال الدين لما حل بهم من أطماع دنيوية تسببت في الانتقاص مما كانوا يحظون به من هيبة ومكانة كانتا سند قوتهم المعنوية ونفوذهم الروحي لدي الشعوب الأوروبية ولدي حكامها على حد سواء .
كذلك فقد كان من جراء حركة الاصلاح الديني أن انقسمت الكنيسة الغربية بين مذهبين هما : الكاثوليكية ، والبروتستانتية أنصار لوثر وكالفن) وقد نجم عن ذلك أن اعتنقت بعض الدول المذهب الكاثوليكي، في حين اتخذ بعضها الآخر من المذهب البروتستانتي مذهباً له ، وذلك تبعاً لإرادة الحكام الزمنيين فيها ، وعملاً بقاعدة " الناس علي دين ملوكهم " Cujus regio ejus religio . (۲) وقد أدي ذلك الانقسام إلى إنهيار وحدة العقيدة التي كانت سائدة في أوروبا خلال مرحلة العصور الوسطي . وقد ترتب علي ذلك أن انجرف الملوك والأمراء الأوروبيون في حروب طاحنة دفاعاً عن عقائدهم الدينية ، وتمكيناً لسيادتهم علي الأقاليم الخاضعة لهم (۳) وهكذا حل الولاء القومي ، بل والمذاهب القومية محل عالمية السلطة الزمنية الممثلة في الإمبراطور) ، وعالمية السلطة الروحية (الممثلة في البابا) . (٤) هذا وقد بلغت تلك الحروب الدينية التي نشبت بين الكاثوليك والبروتستانت - أوجها في حرب الثلاثين عاماً التي إستعر إوارها بين عامي ١٦١٨ و ١٦٤٨ (٥) ، والتي وضعت معاهدات وستفاليا Westphalia حداً لها. علي نحو ما سيرد ذكره .
ثالثاً : ظهور الملكيات والوحدات السياسية الكبري في أوروبا ، فقد أدي تجمع أو إتحاد بعض المقاطعات الأوروبية - عن طريق الغزو ، أو عن طريق المصاهرة بين الأمراء والنبلاء الاقطاعيين - إلى تكوين النواة الأولي لنشأة الدول القومية بصورتها الحديثة، فعلي الرغم من استمرار النظام الاقطاعي ، فقد بدأ بعض الأمراء الاقطاعيين في الاعتراف بهيمنة أو سيادة بعضهم، ومن ثم بخضوع الأمراء والنبلاء السلطة وسيادة الملوك (1)
وقد كانت الملكيات التي نشأت في كل من انجلترا وأسبانيا وفرنسا والبرتغال -في أواخر العصور الوسطي - هي أولي الملكيات الحديثة في العالم ، حيث استطاع الملوك في هذه الدول إخضاع النبلاء الإقطاعيين لسيطرتهم، من خلال تعهدهم بالدفاع الخارجي عنهم، وقد تمكن ملوك بريطانيا وفرنسا من إنشاء جيوش كبيرة مكنتهم من شن حرب المائة عام (۱۳۳۷) - ١٤٥٣) . وفي روسيا استطاع القياصرة إيفان الرابع الرهيب) (١٥٤٧ - ١٥٨٤) ، ويطرس الأول (الأكبر) (١٦٨٩ - ١٧٢٥) ، أن يرسيا دعائم ملكية قوية شبيهة بالملكيات الأوروبية . (۳) كذلك فقد أسفرت معاهدات وستفاليا عن منح هولندا استقلالها القومي. هذا وقد أدي ظهور الأسر الحاكمة إلي تنمية شعور الولاء القومي لدي الشعوب الأوروبية مما خلع عليها نوعاً من التجانس القومي المستمد من الشعور بالولاء الأسرة حاكمة معينة وهو ما يعرف بـ Dynastic في فرنسا، وأسرة Bourbons حيث نشأت أسرة البوربون ، Nationalism كانت تحكمها التيودورز Tudors في انجلترا، ويمكن القول بأن العلاقات بين الدول الأوربية - منذ نهاية العصور الوسطي وحتي ما قبل الثورة الفرنسية الكبري الصراعات بين البيوت المالكة الأوروبية، حيث تركزت المنافسة في أوروبا الغربية بين فرنسا وانجلترا وأسبانيا . وقد بلغت أسبانيا أوج مجدها في أوائل القرن السادس عشر ثم ما لبث نجمها أن خيا بصورة تدريجية حتى حاقت بها ويحلفائها الهزيمة في حرب الثلاثين عاماً . (۳) وتجدر الإشارة إلى أنه علي الرغم من قيام الممالك الأوروبية
في غرب أوروبا - علي أساس قومي ، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للوحدات السياسية في وسط أوروبا وجنوبها ، حيث لم يكن شعور الولاء القومي National Loyalty قد نما بصورة قوية في هذه المناطق نتيجة تفككها (1) ، فقد ظلت مناطق شمال إيطاليا - علي سبيل المثال - موزعة على عديد من وحدات تتنازعها ثلاث قوي هي : الكنيسة ، والإمبراطور ، وملوك فرنسا (۲)
وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ " الولاء القومي " يعد من أبرز المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا - في مجال قواعد التعامل الدولي - حيث تضمنت الإشارة إلى الدول القومية باعتبارها اللبنات أو الوحدات المكونة للنسق الدولي الجديد ، وفي ذلك إشارة إلى قومية الانتماء والولاء، في معني أن يكون لولاء الفرد لدولته التي يعيش فيها الأولوية علي أي ولاء أو إنتماء آخر (۲)
ولعل من أبرز الأمثلة الدالة على تغليب اعتبارات المصلحة القومية ومن ثم اعتبارات الولاء القومي علي اعتبارات الولاء المذهبي، تعاون فرنسا - وهي دولة كاثوليكية - مع دول الشمال والأمراء الألمان - وهم من البروتستانت - ضد ملوك أسرة الها بسبورج Habsbourg النمساوية. وكذلك معاهدة الصداقة والتعاون التي وقعتها فرنسا - في عهد فرانسوا الأول (١٥٣٥) - مع سلطان الأتراك المسلمين سليمان القانوني ضد أسرة الهابسبورج ، مقابل تمتع فرنسا ببعض الامتيازات ، كحرية الملاحة في المياه الإقليمية للدولة العثمانية، مما كان يعني تغليب فرنسا لمصلحتها القومية أينما كانت (4)
رابعاً : نيوع وإنتشار أفكار نيقولا ماكيافيللي التي أوردها في كتابه "الأمير" . والتي كان من أبرزها : الاستناد إلى القوة بإعتبارها مصدر الشرعية للحكم ، مما كان
يعني إسقاط دور كل من البابا والإمبراطور في هذا الشأن ، ذلك فضلاً عن آرائه عن فصل السياسة عن الأخلاق والقيم بصورة عامة ، ومن ثم فصلها عن الدين ، مما ترتب عليه الحد من نطاق تدخل الكنيسة في الشئون السياسية . وقد ساهمت أفكار ماكيافيللي في التمكين المزيد من التجزئة والتفكك والصراع بين الملوك والأمراء ، ومن ثم التحول عن فكرة العالمية Universalism .(1)
خامساً : إعتبار مبدأ احترام " السيادة القومية - National Sovereignty منطلقاً لعلاقات الدول القومية فيما بينها .
مفهوم السيادة :
وقد كان مبدأ احترام السيادة القومية للدول من أظهر المبادئ التي أقرتها معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، حيث كانت قضية السيادة من أبرز القضايا المثيرة للجدل خلال مرحلة العصر الوسيط ، ففي حين اعتقد البعض أن السيادة هي من حق أصحاب السلطة الروحية (الدينية) ، أسند البعض الآخر السيادة إلى أصحاب السلطة الزمنية .
وقد كان توماس الإكويني من أبرز من تناولوا فكرة السيادة - أنذاك - حيث عرفها بأنها " قدرة الفرد علي إنفاذ إرادته دونما إعاقة ممن سواه ، ودونما حاجة إلي استئذان من عداه ، وبمعني آخر فإن كياناً ما يعد ذا سيادة ، إذا ما كانت إرادته مطلقة غير مقيدة بأية عقبات ، وإذا ما كان في غير حاجة إلى استئذان غيره في القيام بشئ ما . وبطبيعة الحال فليس ثمة من تنطبق عليه السيادة وبهذه الأوصاف -من الناحية المنطقية وبصورة مطلقة . سوي الله سبحانه وتعالي ، فهو وحده الفعال لما يريد . ومن هنا فقد استند بعض المفكرين إلى تلك الحقيقة لتبرير أحقية صاحب السلطة الدينية بأن يكون هو صاحب السيادة، تبعاً لكونه - من منظور الفكر الكنسي ظل الله علي الأرض، وهكذا كان من المتعين علي الملوك - أصحاب السلطة الزمنية –
من وجهة نظر الفكر الكنسي - أن يمارسوا مظاهر السلطة السياسية مع خضوعهم -في ممارستهم لها - للسلطة الروحية للكنيسة التي تعتبر مسئولة عن الشئون الأخلاقية والدينية ، غير أن سلطة الكنيسة لم تقف عند هذا الحد ، وإنما تجاوزته إلى التدخل في تنظيم الشئون الدنيوية في بعض الأحيان، كتحريمها الربا، وتحريمها العمل في أيام الأحاد، وكذلك تحريمها القتال في أيام الآحاد وفي بعض الأوقات الأخري نظراً لقدسيتها Holy Seasons . كذلك فقد أدت القيود التي فرضتها الكنيسة بخصوص مسائل الطلاق إلى إثارة غضبة الملوك في بعض الأحيان، وإثارة حنقهم على سلطة الكنيسة والبابا . غير أنه علي الرغم من تمرد الملوك - في بعض الأحيان - علي بعض تعاليم الكنيسة ، فلم يكن في مقدورهم أن يشقوا عصا الطاعة عليها خوفاً من أن يطردوا من عضويتها أو أن يحرموا من تلقي بركات البابا ، وهي أمور كانت تشكل . كما سبق أن ذكرنا - سنداً لشرعية حكمهم، ومن ثم فلم يكن أمامهم من خيار سوي
الرضوخ السلطان الكنيسة ، والخضوع لإرادة البابا (1)
غير أنه بحلول القرن السادس عشر ، ومع تنامي قوة تيار الإصلاح الديني ،
ونتيجة للحروب الدينية الطاحنة التي عاشتها أوروبا، بدأت بعض الأفكار المؤيدة التسويد الملوك ، والمنددة بتدخل الكنيسة في الشئون السياسية في الظهور .
وفي هذه الأثناء كادت الإنقسامات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك أن تعصف
بوحدة فرنسا ، ومن ثم فقد ظهرت بعض الأفكار الداعية إلى تسويد الملك بإعتباره فوق الأحزاب الدينية المتصارعة، وليكون حكماً بينها ، فيصون بذلك وحدة الأمة وبقاء الدولة (٢) وفي عام ١٥٧٦ أيد الفقيه القانوني الفرنسي چان بودان Jean Bodin -- فكرة أن الملوك - Les Six Livres de la République في كتبه الستة عن الدولة
دون غيرهم - هم أصحاب السيادة Souverains ، وأنهم وحدهم أصحاب الحق المطلق
والسلطة الكاملة في السيطرة على شعوبهم وإخضاع كل ما يجري علي أراضي ممالكهم
لتشريعاتهم . (1)
ويمكن القول بأنه في حين اقتصر دور ماكيافيللي علي وصف الواقع السياسي في الإمارات الإيطالية في عصره، راح الفقيه القانوني الفرنسي بودان يسعي إلي تنظير ذلك الواقع - من خلال محاولته صياغة مفهوم تجريدي يساعد علي التمثل
الذهني له - ومن ثم كان ظهور مفهوم السيادة (٢)
ويعني مفهوم " السيادة " - كوصف قانوني لواقع سياسي - - القدرة الفعلية على الإنفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة وفي خارجها ، ومن ثم القدرة الفعلية على الاحتكار الشرعي لأدوات القمع في الداخل وعلي رفض الإمتثال لآية سلطة تأتي من الخارج " . (۲) وقد أقام بودان فكرته عن السيادة علي اعتبار أن الملوك قد تلقوا سلطاتهم عن الله مباشرة ، ومن ثم فالملك هو ظل الله علي الأرض ، ومن هنا تترتب له سلطات مطلقة ، ويصبح ذا سيادة (4) أو - علي حد تعبير بودان - يصبحإمبراطوراً في مملكته ، فلا يتعين عليه الإمتثال لأية سلطة أو قوة أخري داخلية كانت أم خارجية .
وهكذا " فقد جد بودان في الكشف عن سند يؤيد به ماكان يؤمن به من أنه لاسبيل إلي إنقاذ فرنسا - في عصره - إلا بالتمكين لملكية مطلقة ، لا تقيد فيها سلطة الملك برأي ند له ، أو أعلى منه ، أو برضا من هم دونه . لقد جد في الكشف عن سند يؤيد به سير الملكية الفرنسية بخطوات واسعة نحو الدولة البيروقراطية الموحدة علي حساب الدولة الإقطاعية ، فوجد في فكرة السيادة ضالته ، فلجأ إليها جاعلاً منها حجر الزاوية في كيان الدولة وقلبها النابض . (٥)
هذا وقد التقي غالبية الفقهاء علي المدلول الذي قدمه بودان المفهوم السيادة ، فقد عرفها Grotius بأنها " السلطة التي لا تخضع أفعالها لرقابة من جانب أية إرادة إنسانية أخري. هذا (۱). وقد ساهمت حالة الفوضي التي عانت منها أوروبا أنذاك في إضفاء القبول علي أفكار بودان، فراح الملوك يعملون علي تدعيم سلطانهم المطلق في مواجهة الإمبراطور والنبلاء الإقطاعيين ، كذلك فقد استغل الملوك الصراع المذهبي بين التيار البروتستانتي، والتيار الكاثوليكي في مناهضة السلطة الروحية للبابا والكنيسة ، إلى حد قيام الملك هنري الثامن الذي حكم انجلترا خلال الفترة من ١٥٠٩ - ١٥٤٧) بتنصيب نفسه رئيساً للكنيسة الإنجليكانية، وهكذا جمع الملوك بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية علي الأقاليم التابعة لهم (۲). كذلك فقد اكتسبت فكرة السيادة مزيداً من التأييد في أعقاب إنتهاء حرب الثلاثين عاماً، بما خلفته من خراب ودمار . حيث اتفقت الدول الموقعة على معاهدات وستفاليا على اعتبار سيادة الملوك والأمراء . البديل الوحيد لإستمرار الحروب الدينية ، كما اتفق الملوك علي أن السلام والاستقرار مرهونان بقدرتهم على فرض إرادتهم علي دولهم بما في ذلك تحديد المذاهب الدينية لشعوبهم .(۳)
وإنطلاقاً مما سبق فلم يعد ممكناً لأية قوة خارجية أن تتدخل في الشئون الداخلية السياسية أو الدينية) لأية دولة أخري. وقد ترتب علي ذلك اعتبار كل الدول متساوية في السيادة، ولو من الناحية النظرية على أقل تقدير . وهكذا تخلت نظرية وحدة السيادة - الممثلة في الكنيسة - عن مكانها لنظرية تعدد السيادات الزمنية للملوك والأمراء. ومنذ ذلك الحين أصبحت المشكلة الأولي التي تواجه العلاقات الدولية هي تحديد من تكون له الغلبة بين الإرادات المتصارعة والسيادات المتعارضة للدول . (4)
ويمكننا أن نخلص إلى القول بأن معاهدات وستفاليا (١٦٤٨) ، والتي تعتبر بحق بمثابة أول لبنة في البناء الدولي الحديث، قد ساهمت في إرساء مجموعة من قواعد السلوك الدولي التي لاتزال تشكل - إلى وقتنا هذا ركائز التعامل فيما بين الدول
وأهم هذه المبادئ هي :
(1) إحترام مبدأ السيادة القومية للدول .
(۲) عدم التدخل Non-Intervention في الشئون الداخلية للدول الأخري .
(۲) الإعتراف بمبدأ الولاء القومي .
غير أن أهمية معاهدات وستفاليا لا ترجع إلي ما أرسته من مبادئ التعامل الدولي التي أشرنا إليها فحسب ، وإنما تعود كذلك إلى كونها أولي المعاهدات الأوروبية التي استهدفت تحقيق ما يسمي بالتوازن الأوروبي Equilibre Européen بشكل يحول دون تمكين أية دولة من تهديد استقلال أو أمن جاراتها (۱) ، ذلك فضلاً عن إقرارها حق الدول في اللجوء إلي العنف أو الحرب كأداة نهائية لحسم المنازعات الدولية ، وكذلك حقها في عقد المحالفات تحقيقاً لميزان القوة فيما بينها (۲) ، وتجدر الإشارة إلي أن مبدأ التوازن الأوروبي قد ظل - منذ معاهدات وستفاليا هو الموجه للسياسات الأوروبية (۳) ، حيث أكدت عليه غالبية المعاهدات الدولية التي أبرمت بعد معاهدات وستفاليا ، ومن أمثلتها : معاهدة أوترخت Utrecht عام ۱۷۱۳ ، ومعاهدة إكس لا شابيل Aix-la-Chapelle عام ١٧٤٨ ، ذلك فضلاً عن تأكيد المؤتمرات الدولية الأوروبية عليه باعتباره ركيزة استقرار العلاقات الأوروبية على نحو ما حدث في مؤتمر فيينا عام ١٨١٥
وهكذا أصبحت صفة السيادة القومية - منذ مؤتمر وستفاليا - تشكل منطلقاً العلاقات الدول فيما بينها ، ومن ثم تمثل ركيزة النسق الدولي الحديث ، الأمر الذي يمكننا معه القول بأن البيئة الدولية قد راحت - منذ ذلك الحين - تقوم علي "عديد" من دول متميزة ذات سيادة . ويفضي هذا التعدد - في ظل غيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية - إلى جعل كل دولة مركزاً متميزاً ونهائياً لإتخاذ القرارات ، ومن ثم تسعي كل دولة إلى فرض إرادتها على ما عداها من الدول تحقيقاً لمصلحتها القومية ، استناداً إلى قوتها الذاتية (1) ، في بيئة دولية ذات طبيعة فوضوية
البيئة الدولية وحالة الطبيعة :
وإنطلاقاً مما سبق يري هيجل أنه مادامت السيادة تشكل منطلقاً لعلاقات ما بين الدول ، فيمكننا القول بأن بيئة العلاقات الدولية هي أشبه ما تكون بحالة الطبيعة Etat de Nature ) . كذلك يصف هويز البيئة الدولية بأنها تشبه حالة الطبيعة حيث حرب )4(, War of every one against every one " الكل ضد الكل
واستناداً إلى هذه الطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية ، يرفض البعض إطلاق عبارة المجتمع الدولي علي جماعة الدول ، حيث يري Georges Burdeau " أنه ليس ثمة مجتمع إلا حيث توجد فكرة الحق والقانون، وأنه نظراً لغيبة السلطة عن عالم العلاقات الدولية فلا يتصور إلا أن تكون الفوضي هي السمة الغالبة على هذه العلاقات ". (0) أما
Raymond Aron فيذهب هو الآخر إلى القول بخطأ التسمية الشائعة للجماعة الدولية بأنها مجتمع دولي ، ويري أنه إذا كان لا مناص من وصف هذه الجماعة بأنها "مجتمع" - رغم كون ذلك خطأ في القياس - فيجب اعتبارها في هذه الحالة "مجتمعاً )1( Société a-sociale لا إجتماعي
وهنا تجدر الإشارة إلى ما بين البيئة الوطنية داخل المجتمع الواحد وبين البيئة الدولية فيما بين المجتمعات السياسية من اختلاف في الطبيعة . فبينما تقوم العلاقات السياسية داخل المجتمع الواحد، علي أساس علاقة الأمر والطاعة ، حيث يكون للحاكمين سلطة الأمر ، ويتعين علي المحكومين الإلتزام بواجب الطاعة ، نجد أن العلاقات السياسية الدولية هي علاقات بين وحدات سياسية متميزة ومتساوية - قانوناً من حيث السيادة، ومن ثم فلا تملك أي منها سلطة الأمر ، كما لا يتوجب علي بعضها طاعة البعض الآخر. وإنطلاقاً مما سبق يمكننا أن نقابل بين ما تتسم به البيئة السياسية داخل المجتمعات الوطنية من مركزية وهيراركية Hierarchy وضبط سياسي Political Order ، وبين ما تتسم به البيئة السياسية الدولية من الامركزية وفوضي Anarchy ، فبينما تمارس النشاطات السياسية الداخلية في ظل السلطة السياسية". تجري العلاقات فيما بين الدول في ظل غيبة السلطة Absence of Power ويتضح مما سبق أن البيئة الدولية بصورتها الراهنة تفتقر إلى عنصر النظام أو
القابلية للتنظيم
وهكذا يمكن القول - بعبارة أخري - أنه في حين تعتبر البيئة الوطنية بيئة مستأنسة" بعامل الاحتكار الشرعي للقوة ، بما يتضمنه من تجريد أعضاء المجتمع من أدوات العنف ، تعد البيئة الدولية بيئة غيبة السلطة نظراً لقيامها علي جمع من وحدات سياسية ذات سيادة تمثل كل واحدة منها مركزاً متميزاً ونهائياً لاتخاذ القرارات أو Centre autonome de décision ، ومن ثم يمكن القول بأن البيئة الدولية تقوم علي عديد من قوي متميزة قد تتعاون فيما بينها ولكنها لا تتكامل تبعاً لتعدد السلطات فيها
وفي هذا الصدد يميز Raymond Aron بين هدف كل من السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ، علي اعتبار أن الأولي تستهدف إخضاع المحكومين لحكم القانون بمقتضي الاحتكار الشرعي لأدوات الإكراه في أيدي القائمين على ممارسة مظاهر السلطة السياسية ، بينما يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية - في ظل ما تتسم به البيئة الدولية من تعدد مراكز القوة المسلحة أو ما يسميه آرون la pluralité des centres de forces amées - هو ضمان بقاء الدولة في وجه التهديدات التي يمثلها مجرد وجود الدول الأخري (
وفي ظل بيئة دولية هذا شأنها ، ليس من المتصور العلاقات الدول إلا أن تكون علاقات " عداء " ، وفي هذا المعني يقول Hobbes في كتابه الشهير Leviathan : إن العداء في البيئة الدولية إنما يرتد إلى تعارض مصالح الدول ، فمصلحة دولة ما لا تتحقق عادة إلا على حساب مصالح دولة أخري، ومن هنا تسعي الدول - مستندة إلى قواها الذاتية - إلى تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها الوطنية -
وهكذا فإنه في ظل حالة العداء، وفي ظل غيبة السلطة العليا عن عالم السياسة الدولي ، يكون من المنطقي أن تسعي كل دولة إلى حماية أمنها ومصالحها اعتماداً علي قوتها الذاتية ، بما في ذلك إمكانية لجوئها إلى العنف تحقيقاً لمصالحها القومية . ويري أرون أن السمة المميزة للعلاقات الدولية هي شرعية ومشروعية اللجوء إلى القوة المسلحة من جانب الدول
وهنا تجدر الإشارة إلى التمييز بين مفهومي القوة Force والعنف Violence علي اعتبار أن القوة تمارس في ظل الإرتباط بالنظام والقانون وبفكرة المشروعية ، في حين أن مفهوم العنف يمثل القوة المتمردة أو الخارجة عن القانون والنظام أو القوة الخام غير المطوعة .
مفهوم النسق الدولي :
غير أن تسليمنا بالطبيعة الفوضوية للبيئة الدولية، وبشرعية لجوء الدول إلي العنف تحقيقاً لمصالحها، لا يعني أن البيئة الدولية لا تعرف الهدوء والانتظام : فمن الملاحظ أن علاقات ما بين الدول - إذ تتم في إطار نسق دولي International System يضم تفاعلاتها، ومن ثم تتبادل في إطاره التأثير والتأثر - تتسم بالإنتظام والتكرار بصورة تجعلها - في أغلب الأحيان - قابلة للتوقع ومن هنا فإن الإنتظامات Regularities التي تحكم تفاعل سلوك الدول مع بعضها البعض - في البيئة الدولية - جديرة بأن توصف بأنها " قوانين " نظراً لأنها تعبر - علي حد قول
عن روابط الحتم الصادرة عن طبيعة الأشياء Les rapports مونتسكيو فهذه الانتظامات لا تشكل ، necessaires qui dérivent de la nature des choses أنماطاً مثالية وضعية ، وإنما هي تمثل قواعد سلوكية لاغني للدول عن الإلتزام بها حتي يتحقق استمرار العلاقات فيما بينها ككل مترابط .
وهكذا يمكن القول بأن العلاقات الدولية تخضع في سيرها للإنتظام الذاتي شبه الآلي ، كبديل عن عنصر التنظيم الإرادي السلطوي أو القانوني) الذي تخضع له العلاقات السياسية داخل المجتمع الوطني
وهنا تجدر الإشارة إلى التفرقة بين مفهومي "التنظيم" و "الانتظام" . "فالتنظيم" و النظام يوحيان بأن ثمة عملاً إرادياً واعياً من جانب الإنسان بقصد إدارة قطاع معين من قطاعات علاقات الواقع الاجتماعي على نحو ما يبدو أنه أمثل أو أكمل (٢) . ولعل مما يؤكد علي هذا المعني ماذكره Freund من أن "النظام غالباً ما يكون مفروضاً، فليس ثمة تنسيق دون تبعية
"L'ordre est toujours imposé ou ordonné parce qu'il n'ya pas de coordination sans subordination" (3)
الأمر الذي يعني أن القول بوجود " نظام " ما يوحي ضمناً بوجود السلطة العليا " المنظمة "
أما لفظة " الانتظام - - وهي التي تعنينا في هذا الصدد - فتوحي بأن ثمة إتزاناً آلياً ( ميكانيكياً) يتحقق - بمنأي عن الإرادة الإنسانية الواعية - نتيجة توازن مجموعة من القوي المتفاعلة، علي نحو يحول دون الفوضي من ناحية ، ودون سيطرة أي منها علي ماعداها من ناحية أخري ، ومن ثم توحي بفكرة التدافع أو "إنفعال القوة بالقوة (4)
وتجدر الإشارة كذلك - في هذا الصدد - إلى مفهوم " النسق " System والذي يعني تصورنا لواقع معين علي أنه مكون من قوي متميزة فيما بينها ولكنها متفاعلة علي وضع يهيئ لسيرها سيراً متزناً . وهكذا يصح - في ظل طبيعة البيئة الدولية التي أشرنا إليها - أن نتمثل هذه البيئة ) بيئة تعدد السيادات المتصارعة ) من ثنايا مفهوم النسق ، فنقول بأن النسق الدولي International System هو تصورنا لحالة الإتزان Equilibrium التي عليها مجموعة دولية معينة متفاعلة مع بعضها ، ومن ثم التي تتبادل التأثير والتأثر فيما بينها ، على نحو يهيئ لانتظام علاقاتها ، بمنأي عن حالة الفوضي الدولية من ناحية ، وفي وجه كل تطلع إلي الإمبراطورية العالمية من ناحية أخري (1)
وتبعاً لغيبة السلطة العليا عن البيئة الدولية ، وفي ظل قيامها علي دول متعددة ذات سيادة تعمل كل منها علي حماية مصالحها القومية ، لا يتصور وجود ما يمكن أن نسميه "بالخير العام أو بالمصلحة العليا علي المستوي العالمي ، فما تراه دولة ما في صالحها بعد - من وجهة نظرها - الخير العام الذي تسعي إلى تحقيقه بإعتباره أمراً تستدعيه مصلحتها العليا أو ما يعرف بـ Raison d'Etat . ومن ثم يكون لكل دولة أن تقرر - علي حدة - مدي خيرية ما تقوم به من تصرفات في ضوء مصالحها القومية . وهكذا يمكننا القول بأن عالم السياسة الدولي تحكمه نسبية القيم الأخلاقية Moral Relativity - ويترتب علي ذلك أنه ليس ثمة " حق - مطلق أو "عدالة" مطلقة في علاقات ما بين الدول (۲) فحقوق الدول مرهونة بما يتوافر لها من عوامل القوة القادرة
علي صيانة تلك الحقوق وحمايتها ، فلا حق في عالم السياسة الدولي إن لم تدعمه القوة، ومن ثم فليس للدول أن تدعي لنفسها من حقوق إلا بقدر أهليتها للدفاع عن تلك الحقوق في مواجهة تطلعات الطامعين .
وهكذا - وفي ظل بيئة هذا شأنها - لا يتصور إخضاع علاقات ما بين الدول المبادئ قيمية أو لأنماط مثالية ، كما لا يتصور أن تقيد إرادات الدول بأية قيود أو قواعد اللهم إلا ما تقبله أو ترتضيه الدول ذاتها ، عملاً بفكرة التقييد الذاتي للإرادة - auto limitation . كذلك فلا مناص - والحال هذه - من أن يكون الاعتماد علي الذات - Self help هو القاعدة الأساسية في التعامل الدولي ، ففي ظل غيبة السلطة ، ليس ثمة ما يكفل للدول حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها إلا اعتمادها علي قوتها الذاتية . فاعتمادها علي من سواها يجعل أمنها بل وبقاءها رهناً بإرادة غيرها .
وهكذا تتشكل العلاقات الدولية وفقاً لتفاعل قدرات الدول المختلفة ، من ثنايا عملية تبادل فرض إراداتها تحقيقاً لمصالحها واعتماداً على قواها الذاتية ، ومن ثم يمكن القول بأن " المصلحة القومية " و " القوة القومية " هما ركيزتا السياسة الدولية .
مفهوم المصلحة القومية :
ويعتبر مفهوم " المصلحة القومية " National Interest من المفاهيم المحورية في العلاقات الدولية، إلى الحد الذي جعل بعض أساتذة علم العلاقات الدولية يحددون نطاق هذه العلاقات استناداً إلى مفهوم المصلحة القومية ، حيث يري Frederick Hartmann - علي سبيل المثال - أن علم العلاقات الدولية هو ذلك العلم الذي يركز علي العمليات التي تسعي الدول المختلفة من خلالها إلى مواسة مصالحها الوطنية مع المصالح الوطنية للدول الأخري ، أو على حد قوله :
the processes-by which States adjust their national inter-
ests to those of other States." (1)
كذلك يتفق Marcel Merle مع الرأي الذي يذهب إليه علماء الاجتماع السياسي من أن عالم السياسة بشقيه الوطني والدولي هو العالم الذي تتصارع فيه القوي دفاعاً عن مصالحها وتحقيقاً لسيطرتها .
وتعتبر عملية وضع تعريف محدد لمفهوم المصلحة القومية من أصعب المشكلات التي تواجه المهتمين بعلم العلاقات الدولية، نظراً لإتساع مضمون هذا المفهوم . ويمكن تعريف المصلحة القومية بأنها تمثل " كل قيمة ذات أهمية لأي من اللاعبين الدوليين يسعي إلى تحقيقها أو الحفاظ عليها أو العمل علي زيادتها " (۳) كذلك فثمة من يحاول تعريف مفهوم المصلحة القومية من خلال التعريف بمضمون هذه المصلحة ، والذي يتمثل فيما تسعي الدول إلى تحقيقه من أهداف وما تعمل على حمايته من مصالح في
مواجهة الدول الأخري . (1) وفي هذه الحالة يمكن تعريف المصلحة القومية بأنها تمثل محصلة أهداف الدولة في المجال الخارجي " ، والتي تتضمن - علي سبيل المثال -المحافظة على قدر مقبول من الاستقلال السياسي، وحماية السيادة الوطنية ، وسلامة الكيان الإقليمي للدولة، فضلاً عن تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ، والعمل علي زيادة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك العمل علي حماية الشخصية القومية والثقافة الوطنية من أخطار الغزو الخارجي، والدفاع عن أيديولوجية الدولة والعمل علي نشرها في الخارج، وكل ما من شأنه الحفاظ علي المكانة الدولية للدولة
وزيادة قدرتها ((۲)
هذا ويمكن القول بأن مفهوم المصلحة القومية قد تطور إنطلاقاً من مفاهيم سابقة عليه - من الناحية التاريخية. ففي أوائل العصور الحديثة كان مفهوم المصلحة القومية مرتبطاً بإرادة الأمير أو بمصلحة الملك صاحب السيادة : غير أنه مع تطور مفهوم الدولة ، وظهور الأفكار الديمقراطية، إرتبطت السيادة بالدولة وبالشعب ومن ثم أصبحت المصلحة القومية معبرة عن المصلحة العليا للدولة، وبالتالي معبرة عن المصلحة العليا للجماعة السياسية ككل (۳) وهناك مشكلات عديدة تثار بشأن تحديد مدلول أو مضمون مفهوم المصلحة القومية للدولة علي المستوي القومي ، ولاسيما في المجتمعات التي تأخذ بالتعددية، حيث تتعدد القوي الاجتماعية التي تساهم في تشكيل مضمون هذه المصلحة ، ذلك فضلاً عن المشكلات التي تثار نتيجة تناسب مضمون المصلحة القومية مع القوة القومية للدولة . فالدول الكبري عادة ما تكون أكثر ميلاً للتوسع في تحديد مضمون مصالحها القومية بصورة تتخطي مجرد الدفاع عن حدودها الإقليمية
وأمنها المباشر (1)
وثمة تصنيفات عديدة ومتباينة للمصالح القومية للدول، فالمصالح القومية قد تكون مادية ) كالتوسع الإقليمي أو الرفاهية الاقتصادية مثلاً ) ، وقد تكون معنوية (كحماية الثقافة الوطنية ونشر الأيديولوجية) ، كذلك فالمصالح - وفقاً لمعيار آخر - قد تتباين بين مصالح مشتركة، ومتعارضة، وغير متصلة . فالمصالح المشتركة Common Interests تكون عادة بين الدول التي تتبني قيماً متشابهة أو التي تكون أهدافها متوافقة ، أما المصالح المتعارضة Conflicting Interests فتكون بين الدول التي تتبني قيماً متعارضة ، أو التي لا يكون تحقيق مصالح بعضها إلا علي حساب التضحية بمصالح البعض الآخر، وأما المصالح غير المتصلة Irrelevant to one another فهي التي لا يوجد بينها أي إرتباط ومن ثم لا يؤثر تحقيق بعضها علي تحقيق
البعض الآخر سلباً أو إيجاباً
كذلك يمكن تصنيف المصالح القومية للدول - وفقاً لتقسيم آخر - إلى مصالححيوية Vital Interests وهي تمثل الحد الأدني والضروري من المصالح التي لا يمكن للدول أن تتغاضي عن حمايتها دون أن تعرض بقاءها أو أمنها المباشر للخطر ، والتي غالباً ما تكون علي استعداد للدخول في حروب مع الدول الأخري من أجل الدفاع عنها والحفاظ عليها ، ومن ضمن هذه المصالح الحيوية ما يتعلق عادة بالأمن القومي وسلامة الكيان الإقليمي للدولة، باعتباره الركيزة الأساسية لبقاء الدولة واستمراريتها (۳). ذلك إلي جانب النوع الثاني وهو ما يعرف بالمصالح الثانوية أو Secondary Interests . وهي تضم بقية المصالح الأخري التي تعتبر غير حيوية non-vital ، وتشمل كل ما تسعي الدول إلي تحقيقه في المجال الخارجي وإن كان سعيها هذا يقف دون حد الدخول في صراعات مسلحة من أجل الدفاع عنها (4) وإذا أردنا أن نربط بين مفهومي الصداقة والعداء في البيئة الدولية - وإلي أن نعود إليهما بتفصيل لاحق في هذا الباب - وبين توافق أو تعارض المصالح الأمكننا القول بأن الصداقة - في علاقات الدول - مرهونة بغلبة ، المصالح المشتركة فيما بينها علي المصالح المتعارضة، والعكس صحيح بالنسبة لعلاقات العداء. غير أنه رغم كون تعارض المصالح القومية للدول من أبرز السمات التي تتسم بها العلاقات الدولية ، فإنه من غير الممكن القول - مع ذلك - بأن مصالح الدول تكون متعارضة أو متطابقة (مشتركة) بصورة مطلقة، فعادة ما تكون علاقات الدول قائمة على أساس خليط من المصالح المشتركة والمتعارضة بدرجات متفاوتة (1) ، يتحدد على مقتضاها شكل العلاقة بين هذه الدول وما إذا كانت علاقة صداقة أم عداء . غير أن ذلك لا ينفي إمكانية وجود تعارض في المصالح حتي فيما بين الدول الصديقة ، وكذلك إمكانية وجود مصالح مشتركة بين الأعداء في بعض الأحيان، كذلك فإنه نظراً للطبيعة الديناميكية الحركية) التي تتسم بها العلاقات الدولية ، ونظراً لما يطرأ علي الأوضاع الدولية من تغير متلاحق فإن القول بإستمرارية علاقات الصداقة أو العداء بين الدول بصورة شبه دائمة هو إفتراض تنقصه الموضوعية
مفهوم القوة القومية :
أما مفهوم " القوة القومية " National Power فهو يعد - بدوره - من المفاهيم الرئيسية في علم العلاقات الدولية ، حيث يكاد يكون هناك إجماع عام بين المهتمين بالعلاقات الدولية علي أن ركيزتها الأساسية تتمثل في القوة ، فيري Hans
Morgenthau - أن السياسة الدولية - شأنها في ذلك شأن السياسة عامة - هي صراع من أجل القوة، وأن القوة تمثل الهدف المباشر الذي تسعي الدول إلي تحقيقه بغض النظر عن أهدافها البعيدة " ، ومهما حاولت أن تقنع هذا الهدف الرئيسي بواجهات مثالية أو أخلاقية أو دينية ... الخ (۱). كذلك يري Nicolas Spykman أن الدولة لا تستطيع المحافظة علي وجودها في بيئة دولية تتسم بالفوضي وغيبة السلطة إلا من خلال لجوئها إلى سياسات القوة . كما (٢) يري هوبز في القوة ركيزة تحقيق الأمن، وأن المعاهدات ليست كافية بذاتها لتحقيق الأمن، وإنما يتعين أن تقف القوة من ورائها ضماناً للإلتزام بها
ويعني مفهوم القوة في العلاقات الإنسانية : " القدرة علي إنفاذ آثار مستهدفة. أو في معني آخر " القدرة علي التحكم في إرادات (عقول) وأفعال الآخرين .
وإنطلاقاً من التعريف السابق يجدر التمييز بين مفهومي "القوة" و"القدرة" فالقوة القومية للدولة تعني القوة الكامنة Potential Power التي تشمل عوامل" القوة المتاحة للدولة مادية كانت أم معنوية ، وطبيعية كانت أم اجتماعية)، أما قدرة الدولة Capability فيقصد بها القوة الفعالة Effective Power ، والتي تعني القدرة الفعلية أو الحقيقية التي تنتج عن تحويل عوامل القوة المتاحة لدي الدولة إلي " قدرة فاعلة ومؤثرة في العلاقات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية للدولة ويساهم في تحقيق أهدافها القومية (1)، أو بعبارة أخري هي القدرة علي التأثير Influence في إرادات الدول الأخري بما يحملها علي الخضوع لإرادتنا ، أو القدرة على تشكيل سلوكها بما يتفق وتحقيق مصالحنا وأهدافنا . فعوامل القوة ) والتي يقصد بها الوسائل أو الأدوات أو العناصر التي تمثل ركيزة قدرة الدولة ( تكون عديمة الجدوي إذا لم يتم تحويلها -بعمل إرادي واع - إلي قدرة فاعلة أو قوة عاملة ومؤثرة في إرادات وأفعال الدول الأخري بما يحملها علي تنفيذ إرادتنا
كذلك فقد كثر الجدل حول ما إذا كان من الممكن إعتبار القوة هدفاً في حد ذاتها تسعي الدول إلى تحقيقه لذاته ؟ أم أنها تعتبر وسيلة لتحقيق هدف أبعد ؟ ويمكن القول بأن الخلاف بين هذين الاتجاهين إنما ينشأ نتيجة عدم الإتفاق على مدلول مفهوم القوة عند كل فريق. وأعتقد أنه إذا كان المقصود بالقوة القومية هو أن تكون الدولة في حالة من الشعور بالأمن والقدرة علي صيانة استقلالها السياسي ، وحماية كيانها الإقليمي، وتوفير قدر مناسب من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لشعبها بما يكفل لها المنعة والازدهار ، فلا مانع من اعتبار القوة - في هذه الحالة - هدفاً مرجواً لذاته. أما إذا كان المقصود بالقوة هو " عوامل " أو " أسباب " القوة كعدد السكان أو مهاراتهم، أو موقع الدولة ، أو درجة الاستعداد العسكري أو كفاءة الأجهزة الدبلوماسية أو مستوي التقدم التكنولوجي، وما إلى غير ذلك من العوامل التي تشكل مرتكزات قدرة الدولة فيمكن - في هذه الحالة - النظر إلى القوة باعتبارها " وسيلة " لتحقيق أهداف أبعد
هذا وقد جري العرف - بين المشتغلين بدراسة العلاقات الدولية - علي تصنيف الدول استناداً إلى إمكاناتها من القوة ، فنقول مثلاً بأن ثمة دولاً ( أو قوي ) عظمي Small وقوي صغيرة ،Middle Powers وقوي متوسطة ، Great Powers Powers. وقد أضيفت إلي هذا التصنيف - في أعقاب الحرب العالمية الثانية – فئة
رابعة هي فئة القوي القطبية Superpower والتي كانت قاصرة علي كل من الولايات
المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي .
وهكذا - وإنطلاقاً من كون سعي الدول إلى زيادة قوتها هو السمة الغالبة علي العلاقات الدولية، وفي ظل بيئة دولية قوامها الصراع والتناحر في غيبة السلطة العليا لا يتأتي لأية دولة من الدول الأعضاء في الجماعة الدولية أن تحقق أمنها إلا من خلال
أسلوبين :
أولهما هو العمل على زيادة قوتها الذاتية عن طريق التسلح أو عن طريق اكتساب الحلفاء مثلاً ، وثانيهما هو العمل على إضعاف قوي الآخرين سواء من خلال حرمانهم من عوامل القوة المتاجة لديهم أو من خلال تحويل حلفائهم عنهم ، وما إلى غير ذلك من الأساليب، ويتضح أن الأسلوبين يلتقيان عند هدف واحد هو العمل على زيادة القوة
النسبية للدولة في مواجهة قوي ما عداها من الدول .
غير أنه إذا كان سعي الدول إلي زيادة قواها هو انعكاس لرغبتها وسعيها الدائمين إلى الحصول علي المزيد من القوة the will to power - علي حد قول رينولد نيبور - فليس من المتصور - والحال هذه - أن يتم تحجيم هذه الرغبة أو ضبطها من جانب الدول صاحبة هذه الرغبة ذاتها ، وإنما يكون احتواء هذه القوة أو ضبطها من خلال العمل على إقامة قوي معادلة لها. ولعل في ذلك ما يتفق مع فكرة مونتسكيو عن أنه لا يوقف القوة إلا القوة " le pouvoir arrête le pouvoir
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...
يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...
The study deals with one of the important topics in semantics, which is minor derivation, represente...
فقد هدفت دراسة () الي سهولة استخدام استخدام بيئة تعليم إلكتروني مُدمجة بمقاطع فيديو للغة الإشارة، وع...
قادة الشباب في مجال المناخ يلتقون وزير الشباب قبيل مشاركتهم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP...
المدير العام يترأس اجتماعا مع اللجان الاستشارية لبحث تطوير الخدمات الطبية التخصصية والاستقدام الطبي...
Hydrogen production technologies have been a significant area of solar chemical research since the 1...
How Ergonomics Supports Safety and Wellbeing in Healthcare Ergonomics is the practice of designing ...
1. غالبًا ما تكون العوامل المحددة المعتمدة على الكثافة من العوامل الحيوية في البيئة.✔️ 2. تكون الشبك...
السلام عليكم مختصر الحياة ما قاله جبريل للنبي: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به ...
إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الأول من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوال...
توصلت الدراسة إلى أن رقمنة القطاع الصحي والصحة الإلكترونية لم تعودا خياراً ترفيهياً أو شكلياً، بل أص...