Online English Summarizer tool, free and accurate!
الفصل العاشر
الطبقة التراتب واللامساواة
يتحدث علماء الاجتماع عن التراتب الاجتماعي لوصف أوضاع اللامساواة التي تقوم بين الأفراد والجماعات في المجتمعات البشرية. وكثيراً ما نميل إلى التفكير بالتراتب على أساس ما يُسمّى الأصول الاقتصادية أو الممتلكات، غير أن التراتب يمكن أن يقوم على عدة اعتبارات أخرى مثل: الجنوسة، والعمر والانتماء الديني والرتبة العسكرية. ويتمتع الأفراد والجماعات بدرجات متفاوتة من القدرة على الحصول على المكافآت والمنافع اعتماداً على مرتبتهم في الهيكل التراتبي. ومن هنا فإنه يمكن تعريف التراتب باعتباره ممثلاً لبنية اللامساواة السائدة في أوساط مجموعة بشرية. ومن المفيد التفكير بالتراتب وفق المصطلحات المستخدمة في الجيولوجيا التي يشيع فيها استخدام مصطلح الطبقات، واعتبار المجتمع مكوناً من طبقات أو شرائح ذات طابع سلمي أو هرمي، لقد وجدت عبر التاريخ أربعة أنساق رئيسية من التراتب تتمثل في العبودية والجماعات المغلقة (الكاست والمراتب والطبقات. وقد شاع النمط الأول، وهو أقسى حالات اللامساواة في الحضارات القديمة. أما الثاني فانتشر في شبه القارة الهندية واعتبر فئات محددة بمثابة مجموعات مغلقة ومحكوم عليها بالعزلة بسبب مولدها في سلالات معينة جيلاً بعد جيل.أما الطبقات بمفهومها الحديث، فتختلف عن الأنساق الثلاثة. فالطبقة تضم مجموعة عريضة واسعة من الناس الذين يشتركون في موارد اقتصادية تؤثر تأثيراً غالباً على طريقة عيشهم وحياتهم. وتختلف الطبقات عن الأنساق التاريخية أو التقليدية الأخرى من التراتب الاجتماعي في أكثر من ناحية، ومنها :
إن الطبقات، خلافاً للأنساق الأخرى، لا تقوم أو تؤسس على أحكام قانونية أو دينية؛ ولا تعتمد العضوية فيها بالضرورة على مبادئ قانونية أو عادات متوارثة. فليس هناك حدود قطعية فاصلة بين طبقة وأخرى، كما أن التزاوج والاختلاط قد يتم بين أفراد طبقة وأخرى.إن الموقع الطبقي للفرد قد يكون في جانب جزئي منه على الأقل داخلاً في باب الإنجاز المتحقق أو المتسببات غير الإرثية الموروثة التي يحصل عليها من جراء جهده وعمله.تتجسد حالة اللامساواة في الأنساق الأخرى في اعتماد العلاقات الشخصية أساساً على مفهوم الواجب والالتزامات بين عامل السخرة وصاحب الأرض، أو بين العبد وسيده. تتمثل العلاقات في شبكة لا شخصية من الارتباطات اللاشخصية الواسعة في ظل الظروف التي تسود النظام الاقتصادي في المجتمع.نظريات الطبقة والتراتب
ماركس، فيبر، إيريك أولن رايت
تشكل الآراء التي طرحها كارل ماركس وماكس فيبر الأساس الذي تقوم عليه التحليلات والنظريات السوسيولوجية حول الطبقة والتراتب. وقد قام أنصار هذين التيارين بكثير من التعديلات والتجديدات خلال القرن الماضي. غير أنه لم يطرح تحليلاً لمفهوم الطبقة. فالمخطوطات التي كان يعمل عليها قبيل وفاته، والتي نشرت بوصفها جزءاً من مؤلفه الرئيسي الضخم رأس المال، تتوقف عند النقطة التي طرح فيها السؤال التالي : ما الذي يكون الطبقة؟» وعلينا، على هذا الأساس، أن نستخلص مفهومه عن الطبقة من مجمل كتاباته بصورة عامة رغمأن إشاراته إلى الطبقة» قد يشوبها أحياناً بعض التناقض وعدم الانسجام. غير أن المعالم الرئيسية لهذا المفهوم واضحة لديه. أي الطرق التي يكسبون بها رزقهم. ومن هنا فإن الطبقتين الاجتماعيتين في المجتمعات قبل الصناعية تمثلان من يمتلكون الأرض مثل الأرستقراطيين؛ والنبلاء؛ أو مالكي العبيد) ثم أولئك الذين يعكفون على الإنتاج في الأرض ( مثل عمال السخرة؛ والعبيد؛ والفلاحين الأحرار). وفي المجتمعات الصناعية الحديثة ازدادت أهمية المصانع والمكاتب والمعدات ورأس المال اللازم لشرائها. وانقسمت الطبقات الاجتماعية إلى طبقتين : الأولى التي تمتلك وسائل الإنتاج الجديدة - التي يمثلها الصناعيون أو الرأسماليون - والعمال الذين يبيعون عملهم للطبقة الأولى، وهم الطبقة العاملة أو ما أطلق ماركس عليه آنذاك اسم «البروليتاريا». كما أن العمال المُسَخَّرين كانوا يُرغمون على إعطاء جانب من إنتاجهم لأسيادهم الأرستقراطين، أو يعملون ساعات إضافية كل شهر في مزارع النبلاء أو حقولهم لإنتاج المحاصيل لمصلحة هؤلاء الأسياد وبطاناتهم. وقد استمر الاستغلال في المجتمعات الرأسمالية الحديثة رغم أن أصوله لم تعد واضحة كل الوضوح مثلما كانت في الماضي. وأولى ماركس جانباً كبيراً من اهتمامه لتوضيح تلك العلاقة. إن العامل، خلال يوم عمل كامل يُنتج أكثر بكثير مما يحتاجه رب العمل لدفع المرتبات ونفقات العاملين لديه. ويُمثل ذلك فائض القيمة التي تشكل مصدر الربح للرأسمالي ويُصبح تحت تصرف رب العمل بحيث يستخدمه على النحو الذي يشاء. فقد يستطيع فريق من العمال في مصنع للملابس على سبيل المثال إنتاج مائة قطعة في اليوم. وربما تكون كلفة بيع خمس وسبعين منها كافية بالنسبة إلى صاحب المصنع لتغطية مرتبات العمال ونفقات المصنع والمعدات. ويبقى بعد ذلك ثمن القطع الباقية ربحاً صافياً لصاحب المصنع.لقد ذهل ماركس من مظاهر عدم المساواة التي أسفر عنها النظام الرأسمالي. إن الأرستقراطيين في مراحل سابقة كانوا يعيشون في أعلى درجات الرفاهية والرخاء بالفعل خلافاً لحياة الفلاحين، غير أن المجتمعات الزراعية كانت فقيرةنسبياً بمجموعها، كما أن مستويات المعيشة كانت ستظل أميل إلى التقشف حتى ولو لم يكن الأرستقراطيون فيها يُمثلون طبقة الأسياد المستغلين. أما في المجتمعات التي ازدهرت فيها الصناعة الحديثة، فقد تعاظمت الثروة على نحو غير مسبوق، واتسعت الشقة بين العمال، وحصيلة عملهم وتزايد فقرهم بينما تراكمت وتزايدت ثروة الطبقة المالكة. واستخدم ماركس اصطلاح «الإفقار» أو «الإعواز» الوصف العملية التي يتزايد فيها فقر العاملين والعمال بالمقارنة مع تعاظم الثروة لدى الطبقة الرأسمالية. وحتى في الحالة التي يتحسن فيها وضع العمال، فإن الفجوة التي تفصلهم عن الطبقة الرأسمالية ستزداد اتساعاً. فقد لاحظ ماركس أن من نتائج تطور المصانع الحديثة ومكننة الإنتاج أن العمل يُصبح بالنسبة إلى العامل مدعاة للملل والضجر وكابتاً للطاقات الإبداعية. مثل حالة العامل البسيط الذي ينحصر نشاطه في أداء مهمات روتينية وتكرارها في بيئة لا تتغير يوماً بعد يوم.لقد انطلق ماكس فيبر في مقاربته لعملية التراتب من التحليلات التي طرحها ماركس، غير أنه أضاف إليها كثيراً من التعديلات والتفصيلات، حتى لقد قيل إن فيبر قد أمضى جُل حياته في حوار مع شبح ماركس. إن فيبر، شأنه شأن ماركس يرى أن المجتمع يتميز بالصراع من أجل القوة والموارد. غير أن ماركس كان يرى أن الاستقطاب الثنائي للعلاقات الطبقية والقضايا الاجتماعية تمثل جوهر الصراع الاجتماعي. لكن فيبر طرح تصوّراً مركباً متعدد الأبعاد للمجتمع، والتراتب الاجتماعي في نظره لا يقتصر على الوضع الطبقي فحسب بل يُسهم في تشكيله وصياغته اعتباران آخران هما المكانة» و«الحزب». وتتضافر هذه العناصر الثلاثة المتداخلة للتراتب لخلق أعداد لا حصر لها من المواقف المحتملة في المجتمع، وتفتح مجالاً أوسع بكثير من النموذج المتشدّد الثنائي الأبعاد الذي طرحه ماركس.ورغم أن فيبر يتفق مع ماركس في الرأي على أن الطبقة تقوم على الأوضاع الاقتصادية الموضوعية التي تسود المجتمع، فإنه يتبين أنواعاً عديدة من العوامل تضاهي في أهميتها المؤثرات الاقتصادية التي شدّد عليها ماركس. ويرى فيبر أن التقسيمات الطبقية لا تستمد من السيطرة - أو غياب السيطرة على وسائل الإنتاج فحسب، بل تشتمل أيضاً على فوارق اقتصادية لا علاقة مباشرة لها بالملكية. وتشمل هذه الموارد بصورة خاصة المهارات والخبرات أو المؤهلات التي تؤثر على أنواع العمل التي يستطيع الناس القيام بها. إن من يشغلون المناصب الإدارية أو المهنية يُحققون كسباً أكبر ويتمتعون بشروط تفضيلية في العمل على سبيل المثال أكثر من العمال اليدويين. وما يتوافرون عليه من مؤهلات مثل الشهادات العلمية والمهارات التي اكتسبوها تجعلهم أسهل تسويقاً ممن لا يتمتعون بمثل هذه المؤهلات. وفي المجتمعات التقليدية، فإن المكانة كثيراً ما كانت تُستمد من معرفة الشخص من خلال تفاعلات متعددة ومباشرة معه في سياقات مختلفة على مر السنين. غير أنه أصبح من المتعذر إضفاء مثل هذه الصفة على شخص ما بسبب النمو المتسارع المعقد للمجتمعات الحديثة. ومن هنا ، كما يرى فيبر، أصبحت هذه الصفة تطلق على الناس بناءً على أسلوب الحياة التي يعيشونها. كما برزت علامات ومؤشرات ورموز عديدة تسهم في تحديد مكانة فئة من الناس في عيون الآخرين مثل المسكن والملبس وأسلوب الحديث والوضع المهني. وأصبح الناس الذين يحتلون مكانة واحدة في المجتمع يُشكلون جماعة تلوح عليها معالم الهوية الواحدة.وفيما كان ماركس يعتقد في المكانة الاجتماعية المتميزة نتيجة للتقسيم الطبقي في المجتمع، فإن فيبر يرى أن المكانة قد تتغير بمعزل عن الأوضاع الطبقية. صحيح أن تملك الثروة قد يُضفي على المرء مكانة عالية في العادة، غير أن ثمة استثناءات عديدة على هذا الوضع. إن كثيراً من الناس قد يتمتعون بمكانة عالية في مجتمعاتهم حتى بعد تبدد ثرواتهم أو زوالها، كما أن جماعات أخرى قد تتمتع بهذه المكانة العالية بسبب ما لديها من علم أو ثقافة أو أداء مهني متميز دون أن يرتكز وضعهم العام على أسس مادية أو طبقية. كما أن فئة الأغنياء الراسخين في الثراء في كثير من المجتمعات المتقدمة والنامية على السواء، كثيراً ما تنظر شزراً إلى الأثرياء الجدد ومن يُحققون مكاسب ضخمة خلال الفورات الاقتصادية باعتبارهم محدثي نعمة لا يستحقون - ولا يُحافظون على ـ ما هم فيه من ثراء.ويرى فيبر أن تكوين الأحزاب في المجتمعات الحديثة هو من جوانب «القوة» وقد يُسهم إسهاماً مؤثراً في التراتب الاجتماعي بمعزل عن مفهومي الطبقةوالمكانة. إن «الحزب» يُمثل مجموعة من الأفراد الذين يعملون سوياً لأنهم يشتركون في خلفيتهم ومهادهم الاجتماعي ويُمثلون أهدافاً ومصالح مشتركة.وكثيراً ما يعمل الحزب من خلال تنظيم معين للوصول إلى أهداف محددة تكون في مصلحة أعضائه. لقد كان ماركس يفسر الاختلافات في كل من المكانة والتنظيم الحزبي على أساس طبقي. غير أن فيبر يرى أن هذين المفهومين كليهما لا يمكن اختزالهما في البعد الطبقي وحده رغم أنهما قد يتأثران به، بل إن كلا منهما قد يؤثر بدوره على الأوضاع الاقتصادية للأفراد والجماعات وبالتالي على أوضاعهم الطبقية. كما أن الأحزاب قد تُعالج هموماً تتقاطع فيها خطوط التمييز الطبقي كالأحزاب الدينية أو القومية. ومن هنا فإن التفسير الماركسي لن يفلح في إيضاحالنزاع بين حزبين يدوران في فلك ديني واحد، فإنهم يرون أن النظرة الفيبرية تطرح موقفاً نظرياً أكثر مرونة وتقدماً لتحليل هيكلية التراتب الاجتماعي.وطرح عالم الاجتماع الأمريكي إيريك أولن رايت نظرية مؤثرة عن الطبقة .Wright, 1985; بحسب رأي رايت ثلاثة أنواع من السيطرة على الموارد الاقتصادية في الإنتاج الرأسمالي الحديث. وفهمها. وهي :
السيطرة على الاستثمارات أو رؤوس الأموال.2. السيطرة على وسائل الإنتاج المادية الأرض والمصانع والمكاتب).إن المنتمين إلى الطبقة الرأسمالية يسيطرون على هذه الأبعاد في النظام الإنتاجي، أما أفراد الطبقة العاملة فلا يسيطرون على أي منها. وبين هاتين الطبقتين تقوم جماعات يكتنف موقعها وموقفها الغموض - مثل المديرين والعاملين من ذوي الياقات البيض. وهؤلاء، على حد قول رايت، يقفون في مواقع طبقية متناقضة»، لأنهم قادرون التأثير في جوانب الإنتاج، لكنهم يفتقرون إلى السيطرة على جوانب أخرى. إن ذوي الياقات البيض والمستخدمين المهنيين، ويصف رايت أوضاع هذه الفئة من العاملين بالتناقض لأنهم ليسوا من الرأسماليين ولا من العمال اليدوتين غير أنهم يُشاركون كلاً من هاتين الفئتين في بعض الخصائص والسمات. لأنهم لا يتحكمون في وسائل الإنتاج. غير أن هذه الأغلبية العريضة، كما يقول رايت (1997 ,Wright)، تشمل أنواعاً شتى من العاملين تتراوح بين طبقة العمال اليدويين التقليديين والعاملين من ذوي الياقات البيضاء. يأخذ رايت بالاعتبار نوعين من العوامل والخصائص هما طبيعة العلاقة بمواقع القوة أو السلطة في المؤسسة التي يعملون فيها من جهة، وحيازة المهارات والخيرة من جهة أخرى، ويعتقد رايت أن كثيراً من موظفي الطبقة الوسطى، يتمتعون بعلاقات مع السلطة تمكنهم من الحصول على امتيازات أكثر مما تحصل عليه الطبقة العاملة لأنهم يعينون الرأسماليين في السيطرة على طبقة العمال عن طريق مراقبة أدائهم وتقييم عملهم، ومن هنا فإن هذه الفئة العليا من المديرين تتلقى مقابل ولائها للرأسماليين أجوراً أعلى وترقيات منتظمة ومتواترة في الهرم الإداري، غير أنها في جميع الأحوال تظل خاضعة لسيطرة أرباب العمل، بعبارة أخرى تكون مُستَغِلة ومُستَغَلَّة في آن معاً. فهو امتلاك المهارات والخبرات. فأفراد هذه الفئة، وفق التحليل الذي يطرحه رايت مطلوبون في سوق العمل وقادرون على ممارسة نوع من السلطة والقوة داخل النسق الرأسمالي، وهم يُطالبون عادة بأجور أعلى. مراقبته وتقييم أدائه مما يدفع أصحاب المؤسسات التجارية وأرباب العمل إلى إغرائهم ومكافأتهم بأجور عالية جداً للإبقاء على تعاونهم وولائهم للمصالح التي يعملون فيها
التمايز والتكوّن الطبقي في المجتمع العربي
إن العوامل الأربعة - ملكية الأرض، وملكية رأس المال، والنسب، ومع أن هناك عوامل أخرى يجدر الاهتمام بها، ومنها ما يزداد أهمية كالثقافة والدخل والوظيفة والمؤهلات الفردية، إلا أن هذه العوامل الأخيرة هي في رأينا عوامل مساعدة أو متفرعة ومرتبطة بالأمس الأربعة. وبذلك يكون أي تطوّر في البنية الطبقية متصلاً بتبدل أسس التمايز هذه.على هذا الأساس، وباعتماد العوامل الأربعة مجتمعة، نصنف الطبقات الاجتماعية في المجتمع العربي المعاصر، مؤكدين في الوقت ذاته عدم تساوي هذه العوامل في الأهمية. فيما كانت ملكية الأرض هي العامل الأهم حتى الخمسينيات من هذا القرن وفي بعض البلدان أكثر من غيرها ، يبدو لنا أن رأس المال بدأ يتفوق على العوامل الأخرى في المجتمعات الحضرية، من حيث تأثيره في التكون الطبقي في الزمن الحاضر وأسسه المستقبلية المتوقعة. نجد أن النسب بدأ يخسر الكثير من أهميته خارج الجماعات التقليدية.تحدد الطبقة الاجتماعية في واقعها العربي بثلاثة عناصر أساسية متداخلة هي : أولاً، أي من حيث ملكيتها الوسائل الإنتاج وسيطرتها عليها. ثانياً، عدم المساواة أو مدى التفاوت في ملكية الأراضي والثروة الوطنية، وبالتالي في المكانة الاجتماعية والنفوذ والجاه. ثالثاً، التناقضات في المصالح على صعيد العلاقات الاجتماعية من حيث هي علاقات استغلال وتحكم واستقلالية. ومما تجدر الإشارة إليه أن مفهوم استقلالية المنصب يتضمن بين عناصره الأساسية موقع الأفراد والعائلات والجماعات في السلطة أو الحكم، خاصة حين تملك الدولة وسائل الإنتاج، كما كان شأنها سابقاً بتملك الأراضي، أو كما تهيمن في الوقت الحاضر على قطاع عام واسع.يمكننا أن نميز بين ثلاث طبقات رئيسية كما تشكلت في المجتمع العربي خلال القرن ونصف القرن الأخير. وتتألف كل طبقة من هذه الطبقات الرئيسية من شرائح تتفاوت في مواقعها وملكيتها ومصادر ثرواتها ومكانتها ومستوى وعيها الطبقي، وهي : طبقة البرجوازية الكبرى أو ما يُشار إليه في الثقافة العربية بمحتلي مراكز الوجاهة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكان يُشار إليها سابقاً بالخاصة من ذوات البلد وأعيانه ولذلك ينعت بعضها بالعائلات العربية الأرستقراطية)، والطبقة الوسطى في شرائحها القديمة والجديدة، وطبقة الكادحين على هامش العيش من فلاحين وعمال وخدم.1. البرجوازية الكبرى أو الأرستقراطية التقليدية من وجهاء البلد وأعيانه
إنها الطبقة التي تحتل أهم المواقع في البنى الاقتصادية والاجتماعية لكونها تملك وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وتسيطر عليها، وتنعم بالنفوذ في السلطة السياسية وبالجاه والمكانة في الحياة الاجتماعية، وتمارس الاستغلال والتسلط والقهر في علاقتها بالطبقات الأدنى منها وخاصة الطبقة الكادحة. ومن بين أهم ما تتسم به هذه العلاقات كونها قائمة على الاستزلام والخلل في نظام تبادل المعلومات، وتتكون هذه الطبقة من شرائح عدة شملت تقليدياً شريحة العائلات الارستقراطية من كبار مالكي الأرض الإقطاعيين، وكبار الرأسماليين من التجار والصناعيين وبينهم الكثير من الإقطاعيين، وشيوخ القبائل الكبرى والسادة وكبار علماء الدين، وربما شريحة كبار الأثرياء الجدد في الوقت الحاضر ومنهم من له علاقة وثيقة بالنفط، في القطاع العام، والقادة والعسكريين والموظفين الكبار.وربما كان المجتمع المصري أكثر ما تبلورت فيه الانقسامات الطبقية. ومما ساعد على ظهورها للعيان نسبية تجانس الشعب المصري من حيث الخلفية العرقية وقيام الدولة المركزية ذهب جمال حمدان في كتابه مصر : دراسة في عبقرية المكان إلى أن المجتمع المصري التقليدي تكون في عناصره الأولية من ملكية أو توقراطية طاغية تركزت على أعمدة ثلاثة : لاند و قراطية اقطاعية عارمة (ملاك الأرض)، وبيروقراطية سياسية منتفعة متضخمة، والكل يقوم على قاعدة عريضة من بروليتاريا فلاحية عاملة. لذلك استخلص جمال حمدان أن المجتمع المصري هذا كان ينقسم تقليدياً إلى أقلية تملك ولا تعمل وأغلبية تعمل ولا تملك، الذين يملكون والذين لا يملكون . أو بالأحرى الذين يملكون والذين يملكون.وعلى وجه التحديد، أظهر أنور عبد الملك أن برجوازية كبار مالكي الأراضي كان يملك الواحد من أفرادها أكثر من خمسين فداناً (شكلوا أقل من نصف واحد بالمائة قبل 1952، فيما امتلكوا ما يزيد على ثلث الأراضي الزراعية). وكانت هذه الطبقة تنقسم إلى شريحتين : شريحة كبار مالكي الأرض الذين لم يشرفوا مباشرة على أملاكهم بل اعتادوا تلزيمها لطرف ثالث لزمها بدوره لسلسلة من الوسطاء أو لشخص لزمها هو أيضاً قطعاً صغيرة لفلاحين عمال وكان على رأس هذه الشريحة العائلة المالكة)؛ وشريحة كبار المزارعين الذين كانوا يشرفون مباشرة على أملاكهم. وحزب الأحرار الدستوريين، كما تمكنت من تعزيز تمثيلها داخل حزب الوفد الذي طبعته تدريجياً بطابعها المحافظ [.وكانت طبقة كبار الملاكين في العراق قبل أن تزيلها ثورة 1958 تملك الأرض والسلطة والجاه. وقد سيطرت هذه الطبقة على السياسة، أي على مجالس الوزراء والنواب وأسست الأحزاب التي دافعت عن مصالحها واستمرارها في الحكم (مثل حزب الاتحاد الدستوري)، ودعمت السياسة الإنجليزية.وشملت هذه الطبقة الأرستقراطية بعض شيوخ القبائل الذين كانوا يفخرون بخاصة بأنسابهم واستقلاليتهم ونفوذهم، فكانوا يحتلون مكانة اجتماعية كبيرة ويُشار إليهم بالأشراف أو الشرفاء وتنسب إليهم قوى خارقة. وكان من بين عائلات السادة كبار التجار والحكام، وأصبح لدى البعض احترامهم وتقديسهم واجباً دينياً . ويميلون للتزاوج في ما بينهم.وقد تبين من دراسة حنا بطاطو عن الطبقات القديمة والحركات الثورية في العراق، أن السادة في العراق شكلوا شريحة شبه مغلقة بسبب تشديدهم على الزواج ضمن النسب وكان عدد قليل منهم من السنة. فكانت شريحة السادة شديدة الانتشار. فالعالم بينهم كان أكثر مكانة من غير العالم وكذلك الغني منهم كان أكثر مكانة ممن هم أقل ثروة.وفي سوريا كانت الأرستقراطية تستند إلى ملكية الأرض والثروة والنفوذ السياسي، أو إلى ملكية الأرض والصناعات الحرفية والتجارة والنسب والعلم الديني [.وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ارتفعت ثروات الأسر الحاكمة والأسر. وبدأت ترتفع أسهم الطبقة الثرية الجديدة نتيجة للمداخيل النفطية الفائضة، واكتسب الأغنياء الجدد مزيداً من الأهمية على مختلف الصعد في البلدان المنتجة للنفط وخارجها، وكانت الطبقة الأرستقراطية التقليدية قد أزيلت من الحكم في سوريا ومصر والعراق والجزائر وليبيا والسودان واليمن لتحل محلها قوى في الجيش ذات أصول في الطبقة الوسطى. واحتكر هؤلاء السلطة، كما نعم معظمهم بثروات هائلة ونفوذ غير محدود وكان من مظاهر هذه التحولات حصول حراك اجتماعي واسع بين مختلف الطبقات. أي إن سبب الإثراء كان أساسياً أعمال الوساطة بمختلف أنواعها، تمييزاً له من السبب الأساسي لثراء الطبقة العليا القديمة وهو الملكية الزراعية.مؤشرات قياس الطبقات
إن الدراسات النظرية والإمبيريقية قد استقصت العلاقة بين الوضع الطبقي والأبعاد الأخرى في الحياة الاجتماعية، مثل أنماط التصويت في الانتخابات ومستوى التحصيل العلمي والصحة الجسمانية. غير أن مفهوم الطبقة، كما رأينا ، ما زال يشوبه الغموض. ويُستخدم المصطلح الآن في الأوساط الأكاديمية وغيرها ليعني دلالات متنوعة. ومن هنا يبرز التساؤل حول الكيفية التي يتناول بها علماء الاجتماع هذا المفهوم في الدراسات التطبيقية الميدانية.عندما يترجم الباحثون مفهوماً مُجرَّداً مثل الطبقة بدراسته وفقاً لمتغيرات قابلة للقياس،
الفصل العاشر
الطبقة التراتب واللامساواة
يتحدث علماء الاجتماع عن التراتب الاجتماعي لوصف أوضاع اللامساواة التي تقوم بين الأفراد والجماعات في المجتمعات البشرية. وكثيراً ما نميل إلى التفكير بالتراتب على أساس ما يُسمّى الأصول الاقتصادية أو الممتلكات، غير أن التراتب يمكن أن يقوم على عدة اعتبارات أخرى مثل: الجنوسة، والعمر والانتماء الديني والرتبة العسكرية. ويتمتع الأفراد والجماعات بدرجات متفاوتة من القدرة على الحصول على المكافآت والمنافع اعتماداً على مرتبتهم في الهيكل التراتبي. ومن هنا فإنه يمكن تعريف التراتب باعتباره ممثلاً لبنية اللامساواة السائدة في أوساط مجموعة بشرية. ومن المفيد التفكير بالتراتب وفق المصطلحات المستخدمة في الجيولوجيا التي يشيع فيها استخدام مصطلح الطبقات، واعتبار المجتمع مكوناً من طبقات أو شرائح ذات طابع سلمي أو هرمي، فتحتل فيه القمة الفئات التي تتمتع بأنواع عديدة من الامتيازات بينما تقع الفئات المستضعفة في قاع الهرم أو قاعدته. لقد وجدت عبر التاريخ أربعة أنساق رئيسية من التراتب تتمثل في العبودية والجماعات المغلقة (الكاست والمراتب والطبقات. وقد شاع النمط الأول، وهو أقسى حالات اللامساواة في الحضارات القديمة. أما الثاني فانتشر في شبه القارة الهندية واعتبر فئات محددة بمثابة مجموعات مغلقة ومحكوم عليها بالعزلة بسبب مولدها في سلالات معينة جيلاً بعد جيل. وما زال نظام المراتب قائماً في بعض المجتمعات التقليدية مثلما كان شائعاً خلال عصور الإقطاع في أوروبا حيث سيطرت طبقة الأرستقراطيين والنبلاء على الأرض ومن عليها ، وشكلت فئة رجال الكنيسة طبقة أخرى بينما مثلت طبقة العامة الفئة الثالثة التي كانت تضم التجار والصناع وعمال السخرة.
أما الطبقات بمفهومها الحديث، فتختلف عن الأنساق الثلاثة. فالطبقة تضم مجموعة عريضة واسعة من الناس الذين يشتركون في موارد اقتصادية تؤثر تأثيراً غالباً على طريقة عيشهم وحياتهم. وتمثل ملكية الثروة بالإضافة إلى المستوى المهني الأساس الذي تقوم عليه الطبقات، وتختلف الطبقات عن الأنساق التاريخية أو التقليدية الأخرى من التراتب الاجتماعي في أكثر من ناحية، ومنها :
إن الطبقات، خلافاً للأنساق الأخرى، لا تقوم أو تؤسس على أحكام قانونية أو دينية؛ ولا تعتمد العضوية فيها بالضرورة على مبادئ قانونية أو عادات متوارثة. فليس هناك حدود قطعية فاصلة بين طبقة وأخرى، كما أن التزاوج والاختلاط قد يتم بين أفراد طبقة وأخرى.
إن الموقع الطبقي للفرد قد يكون في جانب جزئي منه على الأقل داخلاً في باب الإنجاز المتحقق أو المتسببات غير الإرثية الموروثة التي يحصل عليها من جراء جهده وعمله.
إن الطبقات تعتمد على الفوارق الاقتصادية، أي على حالة التفاوت واللامساواة في تملك الموارد المادية والسيطرة عليها بين فئتين اجتماعيتين.
تتجسد حالة اللامساواة في الأنساق الأخرى في اعتماد العلاقات الشخصية أساساً على مفهوم الواجب والالتزامات بين عامل السخرة وصاحب الأرض، أو بين العبد وسيده. وفي نسق الطبقات، تتمثل العلاقات في شبكة لا شخصية من الارتباطات اللاشخصية الواسعة في ظل الظروف التي تسود النظام الاقتصادي في المجتمع.
نظريات الطبقة والتراتب
ماركس، فيبر، إيريك أولن رايت
تشكل الآراء التي طرحها كارل ماركس وماكس فيبر الأساس الذي تقوم عليه التحليلات والنظريات السوسيولوجية حول الطبقة والتراتب. وقد قام أنصار هذين التيارين بكثير من التعديلات والتجديدات خلال القرن الماضي.
عني ماركس في أكثر أعماله بقضية التراتب ولاسيما الطبقات الاجتماعية، غير أنه لم يطرح تحليلاً لمفهوم الطبقة. فالمخطوطات التي كان يعمل عليها قبيل وفاته، والتي نشرت بوصفها جزءاً من مؤلفه الرئيسي الضخم رأس المال، تتوقف عند النقطة التي طرح فيها السؤال التالي : ما الذي يكون الطبقة؟» وعلينا، على هذا الأساس، أن نستخلص مفهومه عن الطبقة من مجمل كتاباته بصورة عامة رغمأن إشاراته إلى الطبقة» قد يشوبها أحياناً بعض التناقض وعدم الانسجام. غير أن المعالم الرئيسية لهذا المفهوم واضحة لديه.
إن الطبقة بالنسبة إلى ماركس هي جماعة من الناس تتماثل في علاقتها بوسائل الإنتاج، أي الطرق التي يكسبون بها رزقهم. فقبل قيام الصناعة الحديثة، كانت وسيلة الإنتاج تتمثل أساساً في الأرض والأدوات والمعدات المستخدمة للعناية بالمحاصيل كما تعتمد أيضاً على الحيوانات أو على الحيوانات المدجنة. ومن هنا فإن الطبقتين الاجتماعيتين في المجتمعات قبل الصناعية تمثلان من يمتلكون الأرض مثل الأرستقراطيين؛ والنبلاء؛ أو مالكي العبيد) ثم أولئك الذين يعكفون على الإنتاج في الأرض ( مثل عمال السخرة؛ والعبيد؛ والفلاحين الأحرار). وفي المجتمعات الصناعية الحديثة ازدادت أهمية المصانع والمكاتب والمعدات ورأس المال اللازم لشرائها. وانقسمت الطبقات الاجتماعية إلى طبقتين : الأولى التي تمتلك وسائل الإنتاج الجديدة - التي يمثلها الصناعيون أو الرأسماليون - والعمال الذين يبيعون عملهم للطبقة الأولى، وهم الطبقة العاملة أو ما أطلق ماركس عليه آنذاك اسم «البروليتاريا».
ويرى ماركس أن العلاقة بين الطبقات استغلالية في جوهرها وكثيراً ما تتمثل في انتقال المنتجات بصورة مباشرة من الفلاحين إلى الأرستقراطيين، كما أن العمال المُسَخَّرين كانوا يُرغمون على إعطاء جانب من إنتاجهم لأسيادهم الأرستقراطين، أو يعملون ساعات إضافية كل شهر في مزارع النبلاء أو حقولهم لإنتاج المحاصيل لمصلحة هؤلاء الأسياد وبطاناتهم. وقد استمر الاستغلال في المجتمعات الرأسمالية الحديثة رغم أن أصوله لم تعد واضحة كل الوضوح مثلما كانت في الماضي. وأولى ماركس جانباً كبيراً من اهتمامه لتوضيح تلك العلاقة. إن العامل، خلال يوم عمل كامل يُنتج أكثر بكثير مما يحتاجه رب العمل لدفع المرتبات ونفقات العاملين لديه. ويُمثل ذلك فائض القيمة التي تشكل مصدر الربح للرأسمالي ويُصبح تحت تصرف رب العمل بحيث يستخدمه على النحو الذي يشاء. فقد يستطيع فريق من العمال في مصنع للملابس على سبيل المثال إنتاج مائة قطعة في اليوم. وربما تكون كلفة بيع خمس وسبعين منها كافية بالنسبة إلى صاحب المصنع لتغطية مرتبات العمال ونفقات المصنع والمعدات. ويبقى بعد ذلك ثمن القطع الباقية ربحاً صافياً لصاحب المصنع.
لقد ذهل ماركس من مظاهر عدم المساواة التي أسفر عنها النظام الرأسمالي. إن الأرستقراطيين في مراحل سابقة كانوا يعيشون في أعلى درجات الرفاهية والرخاء بالفعل خلافاً لحياة الفلاحين، غير أن المجتمعات الزراعية كانت فقيرةنسبياً بمجموعها، كما أن مستويات المعيشة كانت ستظل أميل إلى التقشف حتى ولو لم يكن الأرستقراطيون فيها يُمثلون طبقة الأسياد المستغلين. أما في المجتمعات التي ازدهرت فيها الصناعة الحديثة، فقد تعاظمت الثروة على نحو غير مسبوق، واتسعت الشقة بين العمال، وحصيلة عملهم وتزايد فقرهم بينما تراكمت وتزايدت ثروة الطبقة المالكة. واستخدم ماركس اصطلاح «الإفقار» أو «الإعواز» الوصف العملية التي يتزايد فيها فقر العاملين والعمال بالمقارنة مع تعاظم الثروة لدى الطبقة الرأسمالية. وحتى في الحالة التي يتحسن فيها وضع العمال، فإن الفجوة التي تفصلهم عن الطبقة الرأسمالية ستزداد اتساعاً. ولا يقتصر التفاوت واللامساواة بين الجانبين على الناحية الاقتصادية فحسب. فقد لاحظ ماركس أن من نتائج تطور المصانع الحديثة ومكننة الإنتاج أن العمل يُصبح بالنسبة إلى العامل مدعاة للملل والضجر وكابتاً للطاقات الإبداعية. فالعمل الذي يُعتبر مصدر الثروة يفضي في أكثر الأحيان إلى الإنهاك الجسدي والبلادة العقلية، مثل حالة العامل البسيط الذي ينحصر نشاطه في أداء مهمات روتينية وتكرارها في بيئة لا تتغير يوماً بعد يوم.
لقد انطلق ماكس فيبر في مقاربته لعملية التراتب من التحليلات التي طرحها ماركس، غير أنه أضاف إليها كثيراً من التعديلات والتفصيلات، حتى لقد قيل إن فيبر قد أمضى جُل حياته في حوار مع شبح ماركس. إن فيبر، شأنه شأن ماركس يرى أن المجتمع يتميز بالصراع من أجل القوة والموارد. غير أن ماركس كان يرى أن الاستقطاب الثنائي للعلاقات الطبقية والقضايا الاجتماعية تمثل جوهر الصراع الاجتماعي. لكن فيبر طرح تصوّراً مركباً متعدد الأبعاد للمجتمع، والتراتب الاجتماعي في نظره لا يقتصر على الوضع الطبقي فحسب بل يُسهم في تشكيله وصياغته اعتباران آخران هما المكانة» و«الحزب». وتتضافر هذه العناصر الثلاثة المتداخلة للتراتب لخلق أعداد لا حصر لها من المواقف المحتملة في المجتمع، وتفتح مجالاً أوسع بكثير من النموذج المتشدّد الثنائي الأبعاد الذي طرحه ماركس.
ورغم أن فيبر يتفق مع ماركس في الرأي على أن الطبقة تقوم على الأوضاع الاقتصادية الموضوعية التي تسود المجتمع، فإنه يتبين أنواعاً عديدة من العوامل تضاهي في أهميتها المؤثرات الاقتصادية التي شدّد عليها ماركس. ويرى فيبر أن التقسيمات الطبقية لا تستمد من السيطرة - أو غياب السيطرة على وسائل الإنتاج فحسب، بل تشتمل أيضاً على فوارق اقتصادية لا علاقة مباشرة لها بالملكية. وتشمل هذه الموارد بصورة خاصة المهارات والخبرات أو المؤهلات التي تؤثر على أنواع العمل التي يستطيع الناس القيام بها. ويعتقد فيبر أن موقع الفرد فيالشوق يترك تأثيراً بالغاً على ما لدى الإنسان من فرص الحياة». إن من يشغلون المناصب الإدارية أو المهنية يُحققون كسباً أكبر ويتمتعون بشروط تفضيلية في العمل على سبيل المثال أكثر من العمال اليدويين. وما يتوافرون عليه من مؤهلات مثل الشهادات العلمية والمهارات التي اكتسبوها تجعلهم أسهل تسويقاً ممن لا يتمتعون بمثل هذه المؤهلات. وحتى في حالة العمال العاديين الذين أصبحوا في وقت لاحق يُسمّون بذوي الياقات الزرق) فإن لدى الصانع الماهر قدرة على تأمين أجر أعلى قياساً على دخل نظيره غير الماهر أو شبه الماهر.
ويُشير مفهوم «المكانة» في نظر فيبر إلى اختلاف مواقع الفئات الاجتماعية ومراتبها من حيث ما يسميه الاحترام الاجتماعي أو الوجاهة في عيون الآخرين. وفي المجتمعات التقليدية، فإن المكانة كثيراً ما كانت تُستمد من معرفة الشخص من خلال تفاعلات متعددة ومباشرة معه في سياقات مختلفة على مر السنين. غير أنه أصبح من المتعذر إضفاء مثل هذه الصفة على شخص ما بسبب النمو المتسارع المعقد للمجتمعات الحديثة. ومن هنا ، كما يرى فيبر، أصبحت هذه الصفة تطلق على الناس بناءً على أسلوب الحياة التي يعيشونها. كما برزت علامات ومؤشرات ورموز عديدة تسهم في تحديد مكانة فئة من الناس في عيون الآخرين مثل المسكن والملبس وأسلوب الحديث والوضع المهني. وأصبح الناس الذين يحتلون مكانة واحدة في المجتمع يُشكلون جماعة تلوح عليها معالم الهوية الواحدة.
وفيما كان ماركس يعتقد في المكانة الاجتماعية المتميزة نتيجة للتقسيم الطبقي في المجتمع، فإن فيبر يرى أن المكانة قد تتغير بمعزل عن الأوضاع الطبقية. صحيح أن تملك الثروة قد يُضفي على المرء مكانة عالية في العادة، غير أن ثمة استثناءات عديدة على هذا الوضع. إن كثيراً من الناس قد يتمتعون بمكانة عالية في مجتمعاتهم حتى بعد تبدد ثرواتهم أو زوالها، كما أن جماعات أخرى قد تتمتع بهذه المكانة العالية بسبب ما لديها من علم أو ثقافة أو أداء مهني متميز دون أن يرتكز وضعهم العام على أسس مادية أو طبقية. كما أن فئة الأغنياء الراسخين في الثراء في كثير من المجتمعات المتقدمة والنامية على السواء، كثيراً ما تنظر شزراً إلى الأثرياء الجدد ومن يُحققون مكاسب ضخمة خلال الفورات الاقتصادية باعتبارهم محدثي نعمة لا يستحقون - ولا يُحافظون على ـ ما هم فيه من ثراء.
ويرى فيبر أن تكوين الأحزاب في المجتمعات الحديثة هو من جوانب «القوة» وقد يُسهم إسهاماً مؤثراً في التراتب الاجتماعي بمعزل عن مفهومي الطبقةوالمكانة. إن «الحزب» يُمثل مجموعة من الأفراد الذين يعملون سوياً لأنهم يشتركون في خلفيتهم ومهادهم الاجتماعي ويُمثلون أهدافاً ومصالح مشتركة.
وكثيراً ما يعمل الحزب من خلال تنظيم معين للوصول إلى أهداف محددة تكون في مصلحة أعضائه. لقد كان ماركس يفسر الاختلافات في كل من المكانة والتنظيم الحزبي على أساس طبقي. غير أن فيبر يرى أن هذين المفهومين كليهما لا يمكن اختزالهما في البعد الطبقي وحده رغم أنهما قد يتأثران به، بل إن كلا منهما قد يؤثر بدوره على الأوضاع الاقتصادية للأفراد والجماعات وبالتالي على أوضاعهم الطبقية. كما أن الأحزاب قد تُعالج هموماً تتقاطع فيها خطوط التمييز الطبقي كالأحزاب الدينية أو القومية. ومن هنا فإن التفسير الماركسي لن يفلح في إيضاحالنزاع بين حزبين يدوران في فلك ديني واحد، ولكن الطبقة العاملة في كل منهما تكن العداء لنظيرتها في الطرف الآخر.
لقد أسهمت كتابات فيبر إسهاماً كبيراً ومهماً في فهم التراتب الاجتماعي لأنها أبرزت أبعاداً أخرى تؤثر في حياة الناس وتوجهاتهم ومواقفهم السلوكية الخاصة والعامة بالإضافة إلى العامل الطبقي الذي عزاه ماركس إلى الموارد الاقتصادية وحدها. ومع إقرار أغلبية علماء الاجتماع بما أسهمت به المقاربات الماركسية لفهم الحياة الاجتماعية، فإنهم يرون أن النظرة الفيبرية تطرح موقفاً نظرياً أكثر مرونة وتقدماً لتحليل هيكلية التراتب الاجتماعي.
وطرح عالم الاجتماع الأمريكي إيريك أولن رايت نظرية مؤثرة عن الطبقة .)Wright, 1978; 1985; 1997( جمع فيها جوانب من المقاربات الماركسية والفيبرية وهناك، بحسب رأي رايت ثلاثة أنواع من السيطرة على الموارد الاقتصادية في الإنتاج الرأسمالي الحديث. وتساعدنا هذه الأبعاد الثلاثة على تحديد وفهم الطبقات القائمة في المجتمعات المعاصرة، وفهمها. وهي :
السيطرة على الاستثمارات أو رؤوس الأموال.
السيطرة على وسائل الإنتاج المادية الأرض والمصانع والمكاتب).
السيطرة على قوة العمل.
إن المنتمين إلى الطبقة الرأسمالية يسيطرون على هذه الأبعاد في النظام الإنتاجي، أما أفراد الطبقة العاملة فلا يسيطرون على أي منها. وبين هاتين الطبقتين تقوم جماعات يكتنف موقعها وموقفها الغموض - مثل المديرين والعاملين من ذوي الياقات البيض. وهؤلاء، على حد قول رايت، يقفون في مواقع طبقية متناقضة»، لأنهم قادرون التأثير في جوانب الإنتاج، لكنهم يفتقرون إلى السيطرة على جوانب أخرى. إن ذوي الياقات البيض والمستخدمين المهنيين، على سبيل المثال يتعاقدون ويلتزمون بتقديم قوة عملهم لأرباب العمل المستخدمين لكسب رزقهم وتأمين معاشهم على نحو ما يفعل العمال اليدويون. غير أنهم يتمتعون بقدر من السيطرة على العمل أعلى من أغلبية العمال من ذوي الياقات الزرق. ويصف رايت أوضاع هذه الفئة من العاملين بالتناقض لأنهم ليسوا من الرأسماليين ولا من العمال اليدوتين غير أنهم يُشاركون كلاً من هاتين الفئتين في بعض الخصائص والسمات.
إن الشريحة الأكبر من أفراد المجتمع - أي ما يتراوح بين 85% - 90% هم ممن يُضطرون إلى بيع عملهم، لأنهم لا يتحكمون في وسائل الإنتاج. غير أن هذه الأغلبية العريضة، كما يقول رايت (1997 ,Wright)، تشمل أنواعاً شتى من العاملين تتراوح بين طبقة العمال اليدويين التقليديين والعاملين من ذوي الياقات البيضاء. وعند النظر إلى هذا التجمع الواسع المتنوع من العاملين، يأخذ رايت بالاعتبار نوعين من العوامل والخصائص هما طبيعة العلاقة بمواقع القوة أو السلطة في المؤسسة التي يعملون فيها من جهة، وحيازة المهارات والخيرة من جهة أخرى، ويعتقد رايت أن كثيراً من موظفي الطبقة الوسطى، مثل المديرين والمشرفين، يتمتعون بعلاقات مع السلطة تمكنهم من الحصول على امتيازات أكثر مما تحصل عليه الطبقة العاملة لأنهم يعينون الرأسماليين في السيطرة على طبقة العمال عن طريق مراقبة أدائهم وتقييم عملهم، ومن هنا فإن هذه الفئة العليا من المديرين تتلقى مقابل ولائها للرأسماليين أجوراً أعلى وترقيات منتظمة ومتواترة في الهرم الإداري، غير أنها في جميع الأحوال تظل خاضعة لسيطرة أرباب العمل، أي إنها ، بعبارة أخرى تكون مُستَغِلة ومُستَغَلَّة في آن معاً.
أما العامل الثاني الذي يُميز المواقع الطبقية للطبقات الوسطى، فهو امتلاك المهارات والخبرات. فأفراد هذه الفئة، وفق التحليل الذي يطرحه رايت مطلوبون في سوق العمل وقادرون على ممارسة نوع من السلطة والقوة داخل النسق الرأسمالي، وهم يُطالبون عادة بأجور أعلى. ويتجلى هذا الوضع في أبرز صوره في المجتمعات المعاصرة في اتساع المجالات المتاحة للمختصين والخبراء في مجال تقانة المعلومات الذين أخذت أنظار كبار الرأسماليين والصناعيين وأصحاب المصالح الاقتصادية تتوجه إليهم. ويعتقد رايت أن هذه الفئة من الاختصاصيين في ما يُسمّى الآن «اقتصاد المعرفة من النوع الذي تتعذر على أية أطراف أخرى، مراقبته وتقييم أدائه مما يدفع أصحاب المؤسسات التجارية وأرباب العمل إلى إغرائهم ومكافأتهم بأجور عالية جداً للإبقاء على تعاونهم وولائهم للمصالح التي يعملون فيها
التمايز والتكوّن الطبقي في المجتمع العربي
إن العوامل الأربعة - ملكية الأرض، وملكية رأس المال، والنسب، واستقلالية المنصب ومواقع القوة - هي التي شكلت تقليدياً الأسس الرئيسية للتمايز والتكون الطبقي في المجتمع العربي مع شيء من الاختلاف بين بلد وآخر. ومع أن هناك عوامل أخرى يجدر الاهتمام بها، ومنها ما يزداد أهمية كالثقافة والدخل والوظيفة والمؤهلات الفردية، إلا أن هذه العوامل الأخيرة هي في رأينا عوامل مساعدة أو متفرعة ومرتبطة بالأمس الأربعة. وبذلك يكون أي تطوّر في البنية الطبقية متصلاً بتبدل أسس التمايز هذه.
على هذا الأساس، وباعتماد العوامل الأربعة مجتمعة، نصنف الطبقات الاجتماعية في المجتمع العربي المعاصر، مؤكدين في الوقت ذاته عدم تساوي هذه العوامل في الأهمية. فيما كانت ملكية الأرض هي العامل الأهم حتى الخمسينيات من هذا القرن وفي بعض البلدان أكثر من غيرها ، يبدو لنا أن رأس المال بدأ يتفوق على العوامل الأخرى في المجتمعات الحضرية، من حيث تأثيره في التكون الطبقي في الزمن الحاضر وأسسه المستقبلية المتوقعة. وفيما تتخذ استقلالية المناصب أبعاداً جديدة في بنية المواقع الطبقية، نجد أن النسب بدأ يخسر الكثير من أهميته خارج الجماعات التقليدية.
تحدد الطبقة الاجتماعية في واقعها العربي بثلاثة عناصر أساسية متداخلة هي : أولاً، مواقع الأفراد والعائلات والجماعات في بنية الإنتاج الاقتصادي، أي من حيث ملكيتها الوسائل الإنتاج وسيطرتها عليها. ثانياً، عدم المساواة أو مدى التفاوت في ملكية الأراضي والثروة الوطنية، وبالتالي في المكانة الاجتماعية والنفوذ والجاه. ثالثاً، التناقضات في المصالح على صعيد العلاقات الاجتماعية من حيث هي علاقات استغلال وتحكم واستقلالية. ومما تجدر الإشارة إليه أن مفهوم استقلالية المنصب يتضمن بين عناصره الأساسية موقع الأفراد والعائلات والجماعات في السلطة أو الحكم، خاصة حين تملك الدولة وسائل الإنتاج، كما كان شأنها سابقاً بتملك الأراضي، أو كما تهيمن في الوقت الحاضر على قطاع عام واسع.
طبقات رئيسية في المجتمع العربي (1)
يمكننا أن نميز بين ثلاث طبقات رئيسية كما تشكلت في المجتمع العربي خلال القرن ونصف القرن الأخير. وتتألف كل طبقة من هذه الطبقات الرئيسية من شرائح تتفاوت في مواقعها وملكيتها ومصادر ثرواتها ومكانتها ومستوى وعيها الطبقي، وهي : طبقة البرجوازية الكبرى أو ما يُشار إليه في الثقافة العربية بمحتلي مراكز الوجاهة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكان يُشار إليها سابقاً بالخاصة من ذوات البلد وأعيانه ولذلك ينعت بعضها بالعائلات العربية الأرستقراطية)، والطبقة الوسطى في شرائحها القديمة والجديدة، وطبقة الكادحين على هامش العيش من فلاحين وعمال وخدم.
إنها الطبقة التي تحتل أهم المواقع في البنى الاقتصادية والاجتماعية لكونها تملك وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وتسيطر عليها، وتنعم بالنفوذ في السلطة السياسية وبالجاه والمكانة في الحياة الاجتماعية، وتمارس الاستغلال والتسلط والقهر في علاقتها بالطبقات الأدنى منها وخاصة الطبقة الكادحة. ومن بين أهم ما تتسم به هذه العلاقات كونها قائمة على الاستزلام والخلل في نظام تبادل المعلومات، ولذلك توصف بأنها علاقة تابع - متبوع. وتتكون هذه الطبقة من شرائح عدة شملت تقليدياً شريحة العائلات الارستقراطية من كبار مالكي الأرض الإقطاعيين، وكبار الرأسماليين من التجار والصناعيين وبينهم الكثير من الإقطاعيين، وشيوخ القبائل الكبرى والسادة وكبار علماء الدين، وربما شريحة كبار الأثرياء الجدد في الوقت الحاضر ومنهم من له علاقة وثيقة بالنفط، وكبار النافذين في السلطة من الإدارتين، في القطاع العام، والقادة والعسكريين والموظفين الكبار.
وربما كان المجتمع المصري أكثر ما تبلورت فيه الانقسامات الطبقية. ومما ساعد على ظهورها للعيان نسبية تجانس الشعب المصري من حيث الخلفية العرقية وقيام الدولة المركزية ذهب جمال حمدان في كتابه مصر : دراسة في عبقرية المكان إلى أن المجتمع المصري التقليدي تكون في عناصره الأولية من ملكية أو توقراطية طاغية تركزت على أعمدة ثلاثة : لاند و قراطية اقطاعية عارمة (ملاك الأرض)، وثيوقراطية اقطاعية هي الأخرى متورمة رجال الدين، وبيروقراطية سياسية منتفعة متضخمة، والكل يقوم على قاعدة عريضة من بروليتاريا فلاحية عاملة. لذلك استخلص جمال حمدان أن المجتمع المصري هذا كان ينقسم تقليدياً إلى أقلية تملك ولا تعمل وأغلبية تعمل ولا تملك، الذين يملكون والذين لا يملكون ... أو بالأحرى الذين يملكون والذين يملكون.
وعلى وجه التحديد، أظهر أنور عبد الملك أن برجوازية كبار مالكي الأراضي كان يملك الواحد من أفرادها أكثر من خمسين فداناً (شكلوا أقل من نصف واحد بالمائة قبل 1952، فيما امتلكوا ما يزيد على ثلث الأراضي الزراعية). وكانت هذه الطبقة تنقسم إلى شريحتين : شريحة كبار مالكي الأرض الذين لم يشرفوا مباشرة على أملاكهم بل اعتادوا تلزيمها لطرف ثالث لزمها بدوره لسلسلة من الوسطاء أو لشخص لزمها هو أيضاً قطعاً صغيرة لفلاحين عمال وكان على رأس هذه الشريحة العائلة المالكة)؛ وشريحة كبار المزارعين الذين كانوا يشرفون مباشرة على أملاكهم. وقد شكلت هذه الطبقة بشريحتيها العمود الفقري للأحزاب المحافظة مثل حزب الإصلاح الإسلامي وحزب الأمة، وحزب الأحرار الدستوريين، كما تمكنت من تعزيز تمثيلها داخل حزب الوفد الذي طبعته تدريجياً بطابعها المحافظ [...]
وكانت طبقة كبار الملاكين في العراق قبل أن تزيلها ثورة 1958 تملك الأرض والسلطة والجاه. وقد سيطرت هذه الطبقة على السياسة، أي على مجالس الوزراء والنواب وأسست الأحزاب التي دافعت عن مصالحها واستمرارها في الحكم (مثل حزب الاتحاد الدستوري)، ودعمت السياسة الإنجليزية.
وشملت هذه الطبقة الأرستقراطية بعض شيوخ القبائل الذين كانوا يفخرون بخاصة بأنسابهم واستقلاليتهم ونفوذهم، وعائلات السادة الذين ادعوا نسباً لآل البيت، فكانوا يحتلون مكانة اجتماعية كبيرة ويُشار إليهم بالأشراف أو الشرفاء وتنسب إليهم قوى خارقة. وكان من بين عائلات السادة كبار التجار والحكام، فكان ينظر إليهم في بعض المناطق التقليدية كرجال مقدسين فوق بقية البشر كافة، وأصبح لدى البعض احترامهم وتقديسهم واجباً دينياً ... فكانوا يجلسون في مكان الصدارة من المضايف ويُعطون الأفضلية والأسبقية أينما ذهبوا وحلوا، ويميلون للتزاوج في ما بينهم.
وقد تبين من دراسة حنا بطاطو عن الطبقات القديمة والحركات الثورية في العراق، أن السادة في العراق شكلوا شريحة شبه مغلقة بسبب تشديدهم على الزواج ضمن النسب وكان عدد قليل منهم من السنة. أما بين الشيعة، فكانت شريحة السادة شديدة الانتشار. ومع هذا لم يكن السادة متساوين، فالعالم بينهم كان أكثر مكانة من غير العالم وكذلك الغني منهم كان أكثر مكانة ممن هم أقل ثروة.
وفي سوريا كانت الأرستقراطية تستند إلى ملكية الأرض والثروة والنفوذ السياسي، أو إلى ملكية الأرض والصناعات الحرفية والتجارة والنسب والعلم الديني [...].
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ارتفعت ثروات الأسر الحاكمة والأسر. المتحالفة بشكل خيالي، وبدأت ترتفع أسهم الطبقة الثرية الجديدة نتيجة للمداخيل النفطية الفائضة، واكتسب الأغنياء الجدد مزيداً من الأهمية على مختلف الصعد في البلدان المنتجة للنفط وخارجها، وكانت الطبقة الأرستقراطية التقليدية قد أزيلت من الحكم في سوريا ومصر والعراق والجزائر وليبيا والسودان واليمن لتحل محلها قوى في الجيش ذات أصول في الطبقة الوسطى. واحتكر هؤلاء السلطة، كما نعم معظمهم بثروات هائلة ونفوذ غير محدود وكان من مظاهر هذه التحولات حصول حراك اجتماعي واسع بين مختلف الطبقات. لذلك يعتبر جلال أمين أن أفراد الطبقة العليا الجديدة ينتمون في الأساس إلى أسر حديثة الثراء، تضخمت ثرواتها في السبعينات والثمانينات ... وكان سبب هذا الإثراء في الأساس أعمال المقاولات والمضاربة والعمولات وأعمال الوكالات للشركات الأجنبية ... أي إن سبب الإثراء كان أساسياً أعمال الوساطة بمختلف أنواعها، تمييزاً له من السبب الأساسي لثراء الطبقة العليا القديمة وهو الملكية الزراعية.
مؤشرات قياس الطبقات
إن الدراسات النظرية والإمبيريقية قد استقصت العلاقة بين الوضع الطبقي والأبعاد الأخرى في الحياة الاجتماعية، مثل أنماط التصويت في الانتخابات ومستوى التحصيل العلمي والصحة الجسمانية. غير أن مفهوم الطبقة، كما رأينا ، ما زال يشوبه الغموض. ويُستخدم المصطلح الآن في الأوساط الأكاديمية وغيرها ليعني دلالات متنوعة. ومن هنا يبرز التساؤل حول الكيفية التي يتناول بها علماء الاجتماع هذا المفهوم في الدراسات التطبيقية الميدانية.
عندما يترجم الباحثون مفهوماً مُجرَّداً مثل الطبقة بدراسته وفقاً لمتغيرات قابلة للقياس، فإن ذلك يعني أن هذا المفهوم قد دخل مرحلة التشغيل أو التفعيل. ويعني ذلك من ناحية أخرى أنه قد تم تعريف المفهوم وتحديده بصورة عيانية دقيقة تمهيداً لاختباره بالبحث الإمبيريقي. وقد دَرَج علماء الاجتماع على تقييم مفهوم الطبقة من خلال عدة مخططات تقوم هي بدورها بتحديد الإطار النظري الذي يمكن على أساسه ترتيب الأفراد في فئات اجتماعية طبقية. ويتوزع الباحثون بهذا الصدد على مدرستين عريضتين، وتعتمد المدرسة الأولى التي تضم الوظيفيين ولكنها لا تقتصر عليهم، على اعتماد ثلاثة معايير لتقييم الوضع الطبقي هي: الدخل والمستوى المهني والتحصيل العلمي. وقد تعطي هذه المقاربة الإمبيريقية صورة تقريبية معقولة عن الوضع الطبقي في مجتمع ما، ويُصار على أساسه بعد ذلك توزيع الشرائح الاجتماعية إلى فئات متفاوتة داخل الطبقات العليا والوسطى والدنيا في الهرم الاجتماعي. غير أن هذا التصنيف، رغم سهولة تفعيله ميدانياً، كثيراً ما يتخذ طابعاً ستاتيكياً ساكناً
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
How Ergonomics Supports Safety and Wellbeing in Healthcare Ergonomics is the practice of designing ...
1. غالبًا ما تكون العوامل المحددة المعتمدة على الكثافة من العوامل الحيوية في البيئة.✔️ 2. تكون الشبك...
السلام عليكم مختصر الحياة ما قاله جبريل للنبي: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به ...
إليكم أبرز الأعمال بإدارة المشاريع بالقطاع الجنوبي للنصف الأول من شهر يونيو 2026، حيث تم تنفيذ أطوال...
توصلت الدراسة إلى أن رقمنة القطاع الصحي والصحة الإلكترونية لم تعودا خياراً ترفيهياً أو شكلياً، بل أص...
رفعت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمقدار 190 ألف برميل يوميًا، ليصل ...
مفهوم التغذية الراجعة يكون ربح المكبر في الحلقة المفتوحة كبير جاد ولذلك يتم إدخال شبكة تغذية عكسية...
في الأصل هذا المنهج مرتبط بد ا رسة الظواهر غير العادية )المرضية(كما تدل عليه كلمة كلينيك ) clinique ...
تُبرز المستجدات الأخيرة في مجال التعليم تحولاً عالمياً واضحاً نحو أساليب التدريس المبتكرة والمعززة ب...
رفعت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمقدار 190 ألف برميل يوميًا، ليصل ...
الأصل في العقود أنها ظاهرة إرادية، تعبر عن حرية الاختيار سواء من حيث المبدأ في الإقدام أو الإحجام عل...
1. استلام الشكوى أو البلاغ توثيق تاريخ ووقت استلام البلاغ. تحديد مقدم الشكوى أو مصدر المعلومة. وصف م...