Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (50%)
حينما اتَّخذتُ طريقي إلى المدرسة ذلك الصّباحَ، خاصةً وأنّ السّيّد (هامل) قالَ إِنَّهُ سَيسألنا في أسماء الفاعل والمفعول، على أنّني استعَنْتُ بِكَمْ هائل منَ الصّبرِ وَصدَّ الإغراءِ لِمُقاومة ذلك كُلِّهِ ، فهرَعْتُ إلى المدرسةِ موقنا بأنّهُ ما إن اجتزتُ دارَ البلديّةِ حتّى لَمَحْتُ جَمْعًا غفيرًا مِنَ النَّاسِ أمام لوحةِ الإعلانات، وفي أثناء ذلك صاحَ بي
- خَفَّفِ الوطءَ يا بني . ستصل إلى مدرستِكَ فِي مُتَّسَع مِنَ الوقتِ! وَخِلْتُهُ يهزأ بي. وما إنْ حاذَيْتُ الحديقة الصغيرة حتّى كُنْتُ قد استنفَدْتُ وأيدينا على آذاننا سعيا وراءَ فهم أعمق، ومسطرةُ مُعَلِّمِنا الرهيبةُ تطرقُ المنضدة أمامَهُ، على أنّ الهدوء ساعتها كانَ مُخَيَّمًا على تجاويف الزمان والمكان. فواعجبي! ويا لسوء حظي كُنْتُ أنوي التسلّل إلى مكاني تحت ستار الفوضى، يومها كانَ الصّمْتُ أشبه بسكونِ المُصَلِّينَ. فإذا رفاقي قد جلسَ كُلٌّ مِنْهُم في مقعدِهِ، فيما كانَ السّيدُ (هامل) يَذْرعُ غُرفةَ الدّرسِ ذهابًا وإيابًا ، تعيّنَ عليَّ يومها أن أفتح البابَ وأَنْ أَمُرَّ أمامَهُمْ جميعًا ، رآني السيد (هامل) فقال برقة: «اذهَبْ إلى درجك بسرعة أيُّها الصغيرُ (فرانز)، لقد كُنا على وَشَكِ البدء مِنْ دونك». وقفرْتُ بسرعة إلى مقعدي، وساعتَها لَمْ أَكُنْ قد لاحَظتُ أَنْ مُعَلَّمَنَا كَانَ يرتدي بدلتهُ الخضراء الأنيقة، لَمْ يَكُن يرتدي ذلك إلا في المُناسباتِ، على أنّ استغرابي بلغَ أَوْجَهُ حينما لَمَحْتُ المقاعِدَ الخَلفيّة وقد امتلأت بأهل القرية تغشاهُمْ - كما تَغشانا- سكينةٌ ووقارٌ لَمَحْتُ العجوز (هاوزر) بِقُبْعِتِهِ ثُلاثِيَةِ وفي خِضَم تساؤلاتي الحائرةِ تِلْكَ رأيْتُ السيد (هامل) يَتَّجِهُ إلى مقعدِهِ، ويقولُ بذاتِ النّبرةِ الرّقيقةِ التي خاطبني
- سيكونُ هذا الدرس يا أولادي هو آخر ما سألقْنُكُمْ إيَّاهُ، وَنزَلَتْ كلماتُهُ عَليَّ نزول الصاعقة ذلك إِذًا مَا تَسَمَّرَ النَّاسُ بِسَببِهِ أَمَامَ لوحةِ الإعلانات «آخِرُ درس لي بالفرنسيّةِ» وأنا بالكادِ أكتبُ لَنْ أتعلم أكثرَ مِنْ ذلك؟ كَمْ أشعرُ الآنَ بوخز الضّمير. بالنَّدَم على ما أَضَعْتُهُ في سالف أيامي مِنْ وقت في الجري بحثًا عن أعشاش الطيور ، أمّا مُعَلِّمُنا السّيّدُ (هامل) فقد أنساني قُرْبُ فِراقِهِ مِسطرتَهُ الرهيبةَ وَغرابة أطوارِهِ. يا للمسكين ! فذلك إذا ما دعاه إلى ارتداء أجمل ملابسه، ولهذِهِ البلادِ التي أضحَتْ لِغَيرِهِم. وفي ساعتها تمنّيْتُ مِنْ كُلِّ قلبي وَقَفْتُ كالأبله، مُطرِقًا كُنْتُ، خجلا. وتسلّلْتُ إلى كلماتِ السّيدِ (هامل) في رقّةٍ وهدوء: - لَنْ أو بخَكَ أيُّها الصغيرُ (فرانز) ، فَبِكَ ما يكفيك عن اللوم والتأنيب، «تأجيلُ تَعَلُّمِ اليوم إلى الغدِ». وعلينا أن نلوم أَنفُسَنا أَشدَّ اللوم. إنْ آبَاءَ كُم يتحملونَ قدْرًا لا بأسَ بِهِ من المسؤوليّةِ ، رَغبةً في الحصول على حفنة من المالِ. وَأَنا نَصيبي مِنَ اللوم والتقصير لا بأسَ بِهِ كذلك ؛ أَلَمْ أُرسِلْكُم لِسَقي أزهاري في بعض الأحيانِ بَدلًا مِنْ تَدريسكُم؟ وعندما كُنْتُ أرغبُ في الذَّهَابِ لصيد الأسماكِ أَلَمْ أَكُنْ أكتفي بِمَنحِكُمْ إجازة أنطلِقُ بعدها بسنارتي كالفاتح المُظَفْرِ ؟ وأنها الأكثر منطقية، مُبَيِّنًا أن الاستعمار إذا ما حَلَّ بِشَعبٍ فَإِنْ تَمَسُّكَ هذا الشَّعَبِ بِلُغَتِهِ يعني امتلاكَ مِفتاح سجنه. وفتح المُعلّمُ (هامل) بعد ذلك كتاب القواعد، وَبَدا كُلُّ ما قَالَهُ لسمعي سَهلًا مُيَسِّرًا. لَمْ أتذكر أني أصغَيْتُ سالِفًا بذاك القَدْرِ من الاهتمام، ذلك الصبر . كَتَبْتُ جُمَلَهُ على أوراق جديدة بخط جميل . وَبَدَتْ كما لو كانَتْ أعلامًا صغيرةً تُرفرفُ فوقَ أعمدة أدراجنا. ليتك كُنْتَ معنا كي تَشْهَدَ ذاكَ الصَّمْتَ الّذي ساد يومها، فَقُلْتُ في نفسي: «تُرى، هل سَيُرغمونَ الحَمامَ أيضًا على الهديل بالألمانية؟». فأرى السيد (هامل) جالسًا على كُرسيّه دونَ حراك، مُنَقِّلًا نَظَرَهُ في أرجاءِ الفَضْلِ وأركانِهِ، تَخيّل، قُلْتُ في نفسي: طوال أربعين سنةً كانَ يَجْلِسُ على الكرسي ذاتِهِ أمامَ الفصل، فيما تتسلّل نظراتُهُ عبر النافذةِ بينَ فينة وأخرى إلى حديقتِهِ البهيجة. وأشجار الجوزِ الّتى سَمقَتْ فروعُها، وَيُحَطَّمُ كَيَانَهُ، عندما يُغادرُنا إلى غير رجعةٍ بعد أن اعتاد على ذلك كُلِّهِ ؟ موجِعُ هذا الدَّهْرُ أحيانًا مُتَقَلَّبُ، لا يَقرُّ لَهُ قرار ولا يدوم على حال. وهي تروح وتجيء في خِضَمُ إعدادِها لحقائبِ السَّفَرِ، إذ كان يتحتّم عليهما مغادرة البلادِ في اليوم التالي. لكن السيد (هامل) كانَ يتحلّى بشجاعة لا مثيل لَها مَكَّنَتْهُ منَ الاستماع إلى كُلِّ دَرْس حتى نهايتِهِ. وَكِتابُهُ مفتوح على ركبتيه، كَمْ أتذكرُ ذلك الدرس الأخيرَ ذِكراهُ لا تُبارِحُ خيالي، ونهضَ السّيّدُ (هامل) مِنْ مقعدِهِ، وبدا شاحِبًا باهِتَ الملامح ، أ. ثَمَّةَ غصّةٌ في حلقِهِ مَنَعَتْهُ مِنْ ذلك. أوى إلى رُكْنٍ قَصيٌّ منَ الفصل،
Original text
حينما اتَّخذتُ طريقي إلى المدرسة ذلك الصّباحَ، كُنْتُ مُتأخَّرًا للغاية، وارتعَدْتُ فَرقًا وأنا أتخيّلُ ما يَنتظِرُني مِنْ توبيخ شديد، خاصةً وأنّ السّيّد (هامل) قالَ إِنَّهُ سَيسألنا في أسماء الفاعل والمفعول، وهوَ ما لَمْ أكُنْ أفقَهُ فِيهِ شيئًا ! . فَكَّرْتُ لِوَهْلَةٍ في الهَرَبِ، وإمضاء بقيّةِ النَّهَارِ خارِجَ الأسوارِ مُتَمَرّغًا في أحضانِ الطّبيعةِ بِكُلِّ جَمالِها وَعُنفوانِها.
كانَ الطَّقس رائِعًا، والسّماءُ مُشرِقةً باسِمَةً ... وعلى الأغصانِ هُناكَ في أطرافِ الغاباتِ شَرعَت الطّيورُ تَعزِفُ سيمفونيةً عذبةً تُشَنِّفُ الأسماعَ في تَمازُج معَ الطّبيعةِ لا يوصَفُ، فيما كانَ الجنود يؤدّونَ تدريباتهم، على أنّني استعَنْتُ بِكَمْ هائل منَ الصّبرِ وَصدَّ الإغراءِ لِمُقاومة ذلك كُلِّهِ ، فهرَعْتُ إلى المدرسةِ موقنا بأنّهُ
و
لا بُدَّ ممّا ليسَ مِنْهُ بُدٌ، وبأنّهُ إذا لم يَكُنْ ما أُريدُ، فإنَّ عليَّ أنْ أُريدَ ما يكونُ. ما إن اجتزتُ دارَ البلديّةِ حتّى لَمَحْتُ جَمْعًا غفيرًا مِنَ النَّاسِ أمام لوحةِ الإعلانات، تِلْكَ التي كانَتْ - وَلِسَنتينِ خَلَتا - مصدرًا لِما يُرشدنا مِنْ أخبار سيئة ... المعارك التي خَسرناها... التجنيد... أوامر قائدِ الوحدة العسكرية... وَفَكَرْتُ: ماذا عساه أن يكونَ الآنَ حدثَ ؟ وَعَدَوْتُ بأقصى سرعةٍ، وفي أثناء ذلك صاحَ بي
الحداد (واشتر) الذي كان يقرأُ لوحة الإعلاناتِ، يُرافقُهُ صِبْيَةٌ :
- خَفَّفِ الوطءَ يا بني ... ستصل إلى مدرستِكَ فِي مُتَّسَع مِنَ الوقتِ! وَخِلْتُهُ يهزأ بي... وما إنْ حاذَيْتُ الحديقة الصغيرة حتّى كُنْتُ قد استنفَدْتُ
آخر أنفاسي.
في بدايةِ كُل يوم دراسي ، كانت الجلبة ترتفعُ حتى تطرق أسماع المارة أسفل الشارع، فَتْحُ وإغلاق الأدراج، والدروس التي نُرَدُّدُها بصوتٍ واحدٍ مُرتفع، وأيدينا على آذاننا سعيا وراءَ فهم أعمق، ومسطرةُ مُعَلِّمِنا الرهيبةُ تطرقُ المنضدة أمامَهُ، على أنّ الهدوء ساعتها كانَ مُخَيَّمًا على تجاويف الزمان والمكان. فواعجبي! ويا لسوء حظي كُنْتُ أنوي التسلّل إلى مكاني تحت ستار الفوضى،
وليسَ ثَمّةَ فوضى ... يومها كانَ الصّمْتُ أشبه بسكونِ المُصَلِّينَ. وَنَظَرْتُ عَبْرَ النّافذةِ، فإذا رفاقي قد جلسَ كُلٌّ مِنْهُم في مقعدِهِ، فيما كانَ السّيدُ (هامل) يَذْرعُ غُرفةَ الدّرسِ ذهابًا وإيابًا ، وَمِسطرتُهُ تحتَ إِبطِهِ. تعيّنَ عليَّ يومها أن أفتح البابَ وأَنْ أَمُرَّ أمامَهُمْ جميعًا ، وَلَكُمْ أنْ تتخيلوا ما احتواني مِنْ خَجلٍ، وما اعتراني مِنْ رُعب قاتِل على أنّ شيئًا لم يحدثُ، رآني السيد (هامل) فقال برقة: «اذهَبْ إلى درجك بسرعة أيُّها الصغيرُ (فرانز)، لقد كُنا على وَشَكِ البدء مِنْ دونك».
وقفرْتُ بسرعة إلى مقعدي، وساعتَها لَمْ أَكُنْ قد لاحَظتُ أَنْ مُعَلَّمَنَا كَانَ يرتدي بدلتهُ الخضراء الأنيقة، وقميصَهُ المُهدّبَ، وَقُبَعتَهُ الحريريةَ السوداءَ، لَمْ يَكُن يرتدي ذلك إلا في المُناسباتِ، فما الخَطْبُ ؟؟
وزاد في دهشتي وَعَجبي ما كانَ يسود المدرسة مِنْ صمت وهدوء ... على أنّ استغرابي بلغَ أَوْجَهُ حينما لَمَحْتُ المقاعِدَ الخَلفيّة وقد امتلأت بأهل القرية تغشاهُمْ - كما تَغشانا- سكينةٌ ووقارٌ لَمَحْتُ العجوز (هاوزر) بِقُبْعِتِهِ ثُلاثِيَةِ
الأطراف، ورأيتُ كذلك عُمْدةَ المدينةِ وَمُدير البريدِ السّابِقَيْنِ، وَنفرًا كثيرًا. ولاحظت بأنّ العجوز (هاوزر) كانَ قد وضعَ كِتابَ مبادئ التعليم على رُكبتيه، فيما جعلَ نَظّارتَهُ الهائلة بين صفحاتِهِ، وفي خِضَم تساؤلاتي الحائرةِ تِلْكَ رأيْتُ السيد (هامل) يَتَّجِهُ إلى مقعدِهِ، ويقولُ بذاتِ النّبرةِ الرّقيقةِ التي خاطبني
بها - سيكونُ هذا الدرس يا أولادي هو آخر ما سألقْنُكُمْ إيَّاهُ، فقد صدرَ الأَمْرُ مِنْ (برلين) بتدريس الألمانية فقط في مدارس (الإلزاس واللورين)، وسيصل
مُدَرِّسُكُمُ الجديدُ غَدًا... أنصتوا إليَّ جَيَّدًا، فهذا هوَ آخِرُ دَرسِ لَكُمْ بالفرنسية. وَنزَلَتْ كلماتُهُ عَليَّ نزول الصاعقة ذلك إِذًا مَا تَسَمَّرَ النَّاسُ بِسَببِهِ أَمَامَ لوحةِ الإعلانات «آخِرُ درس لي بالفرنسيّةِ» وأنا بالكادِ أكتبُ لَنْ أتعلم أكثرَ مِنْ ذلك؟ كَمْ أشعرُ الآنَ بوخز الضّمير... بالنَّدَم على ما أَضَعْتُهُ في سالف أيامي مِنْ وقت في الجري بحثًا عن أعشاش الطيور ، مُهدِرًا تلكَ الفُرصةَ الَّتِي سَنحَتْ لي لِتَعَلُّم الفرنسيّةِ، وَبَدَتْ لي حقيبتي وكتبي النّقيلةُ - المُزعجةُ سابقا- أحبابًا وَرِفاقًا، أمّا مُعَلِّمُنا السّيّدُ (هامل) فقد أنساني قُرْبُ فِراقِهِ مِسطرتَهُ الرهيبةَ وَغرابة أطوارِهِ. يا للمسكين ! فذلك إذا ما دعاه إلى ارتداء أجمل ملابسه، وأدْرَكْتُ الآنَ سببَ حضور أهل القرية؛ لقد كانوا مثلي يَعضّونَ أصابعَ النَّدم؛ لأنّهُمْ أضاعوا الكثير سابقا. لقد جاؤوا تعبيرًا عن امتنانهم لذلِكَ الّذي خدمَهُم أربعين سنةً بإخلاص لا مثيل له، وعن احترامِهِم وَمحبّتِهِم لهذا الوطنِ الّذي ما عادَ وَطنا، ولهذِهِ البلادِ التي أضحَتْ لِغَيرِهِم. جالَتْ تِلك الفكرةُ عاصفةً في خيالي، وَكُلّما تَكَشَفَتْ عن حقيقة ازدَدْتُ ألَمًا، ولاتَ حينَ مَندم!
وفي
ى أثناء ذلكَ أُمِرْتُ بالقراءةِ! جاءَ دَوْري إِذًا، ساعتها تمنّيْتُ مِنْ كُلِّ قلبي
أن أقرأ المطلوب بِكُلِّ طلاقة واقتدار ، ولكن ليس دائما ننالُ ما تَتمنَّاهُ، وَقَفْتُ كالأبله، ثُمَّ تَعثَرْتُ عند أول كلمةٍ، ودقات قلبي كَطبولٍ هنديّةٍ مسعورةٍ، وَ يداي مُمْسِكِتانِ بِطَرفِ المنضدة كَوَتديْنِ، مُطرِقًا كُنْتُ، ولا أجرؤ على رفع رأسي
خجلا.
وتسلّلْتُ إلى كلماتِ السّيدِ (هامل) في رقّةٍ وهدوء: - لَنْ أو بخَكَ أيُّها الصغيرُ (فرانز) ، فَبِكَ ما يكفيك عن اللوم والتأنيب، أرأيْتَ؟ إننا نقول لأنفُسِنا كُلّ يومٍ: لِمَ العَجَلَةُ ؟ هُناكَ مُنْسَعُ مِنَ الوقت، سأتعلّمُ غَدًا، وها قد وقع المحظور، ذاك عيب (الألزاس) الأكبر ، «تأجيلُ تَعَلُّمِ اليوم إلى الغدِ». لقد مَكَّنتُمْ أولئك الدخلاء - بذلك - أن يقولوا لَكُم : تدَّعونَ بأَنْكُمْ فرنسيونَ، ومع ذلك فإنّكُم لا تستطيعونَ القراءة أو الكتابةَ بِلُغتِكُمُ الأُم ؟! لكنك عزيزي (فرانز) لَسْتَ الأسوأ ، فنحنُ جميعًا مُقَصِّرونَ ، وعلينا أن نلوم أَنفُسَنا أَشدَّ اللوم. إنْ آبَاءَ كُم يتحملونَ قدْرًا لا بأسَ بِهِ من المسؤوليّةِ ، فقد كانوا يُفَضّلُونَ أَنْ تَنضموا إليهِم في الحقول على تلقي العِلْم؛ رَغبةً في الحصول على حفنة من المالِ. وَأَنا نَصيبي مِنَ اللوم والتقصير لا بأسَ بِهِ كذلك ؛ أَلَمْ أُرسِلْكُم لِسَقي أزهاري في بعض الأحيانِ بَدلًا مِنْ تَدريسكُم؟ وعندما كُنْتُ أرغبُ في الذَّهَابِ لصيد الأسماكِ أَلَمْ أَكُنْ
أكتفي بِمَنحِكُمْ إجازة أنطلِقُ بعدها بسنارتي كالفاتح المُظَفْرِ ؟
وتحدّثَ السَّيِّدُ (هامل) في أمورٍ كثيرة، ثُمّ شرع يمتدحُ اللُّغَةَ الفرنسية، وَيُبرِزُ محاسنَها، مؤكدًا أنها تحمل أجمل وأوضحَ لُغَاتِ العالم، وأنها الأكثر منطقية، ولمْ يَنسَ أنْ يَحُتَّنا على التمسُّكِ بها، والحفاظ عليها، مُبَيِّنًا أن الاستعمار
إذا ما حَلَّ بِشَعبٍ فَإِنْ تَمَسُّكَ هذا الشَّعَبِ بِلُغَتِهِ يعني امتلاكَ مِفتاح سجنه. وفتح المُعلّمُ (هامل) بعد ذلك كتاب القواعد، فتلا الدرس المُقَرِّرَ ، وَدُهِشْتُ للشرعةِ التي استوعَبْتُ بها شَرحَهُ، وَبَدا كُلُّ ما قَالَهُ لسمعي سَهلًا مُيَسِّرًا. لَمْ أتذكر أني أصغَيْتُ سالِفًا بذاك القَدْرِ من الاهتمام، ولا شَرَحَ هو لَنا الدّرسَ بِمثلِ
ذلك الصبر ... بدا الأمرُ كما لو أنّ المسكين أرادَ أنْ يسكُبَ في ذواتِنا كُلَّ ما
يعرفه دفعةً واحدةً.
وتلا القواعِدَ دَرْسُ في الكتابةِ، كَتَبْتُ جُمَلَهُ على أوراق جديدة بخط جميل ... وَبَدَتْ كما لو كانَتْ أعلامًا صغيرةً تُرفرفُ فوقَ أعمدة أدراجنا... ليتك كُنْتَ معنا كي تَشْهَدَ ذاكَ الصَّمْتَ الّذي ساد يومها، والعمل الدؤوبَ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ثَمّةَ صَوْتٌ يُسْمَعُ سوى نَقْشِ الأقلام على الطُّروسِ، وَوَلَجَتِ الفصل بعضُ الخنافس عبر النافذةِ إلَّا أنّ أحدًا لَمْ يُعِرُها اهتماما ، حتى الصغار... كانوا عنها في شغل شاغل. وفي الأعالي تَرَدَّدَ هديلُ الحَمام خافِتًا عَذَّبًا، فَقُلْتُ في نفسي: «تُرى، هل سَيُرغمونَ الحَمامَ أيضًا على الهديل بالألمانية؟».
وَكُنتُ أرفع رأسي بَيْنَ الوهلة والأخرى، فأرى السيد (هامل) جالسًا على كُرسيّه دونَ حراك، مُنَقِّلًا نَظَرَهُ في أرجاءِ الفَضْلِ وأركانِهِ، فكأنما هُوَ يُحاوِلُ تثبيت كُل لقطة في ذاكرته إلى الأبدِ. تَخيّل، قُلْتُ في نفسي: طوال أربعين سنةً كانَ يَجْلِسُ على الكرسي ذاتِهِ أمامَ الفصل، فيما تتسلّل نظراتُهُ عبر النافذةِ بينَ فينة وأخرى إلى حديقتِهِ البهيجة. ما تغيّرَ مِنْ ذلك شيء سوى امتدادِ يَدِ البلى - نوعا ما - إلى المقاعدِ والمَناضدِ ، وأشجار الجوزِ الّتى سَمقَتْ فروعُها، وتسامَتْ وأذرع اللبلابِ الَّتي تسلّقَتِ الجدارَ مُلْتَفَّةً حَوْلَ النوافذ حتى جاوزت السقف. يا للمسکین! كَمْ سَيَكْسِرُ ذلك قلبَهُ، وَيُحَطَّمُ كَيَانَهُ، عندما يُغادرُنا إلى غير رجعةٍ بعد أن اعتاد على ذلك كُلِّهِ ؟ موجِعُ هذا الدَّهْرُ أحيانًا مُتَقَلَّبُ، لا يَقرُّ لَهُ قرار ولا يدوم على حال. وَشَرعْتُ أقرأُ ملامح الأسى في تقاطيعِ وَجْهِهِ، وهو يستمع إلى وَقْعِ خطواتِ أُختِهِ في الغُرفةِ العُلويّة، وهي تروح وتجيء في خِضَمُ إعدادِها لحقائبِ السَّفَرِ، إذ كان يتحتّم عليهما مغادرة البلادِ في اليوم التالي. لكن السيد (هامل) كانَ يتحلّى بشجاعة لا مثيل لَها مَكَّنَتْهُ منَ الاستماع إلى كُلِّ دَرْس حتى نهايتِهِ. بعد درس الكتابة جاءَتْ حِصّةُ التّاريخ ، ثُم شرع الصغار في ترديد الحروفِ
الهجائية، فيما كانَ العجوز (هاوزر) ينطِقُ الحروفَ معَهُم، وَكِتابُهُ مفتوح على ركبتيه، وقد أمسك بِهِ بكلتا يدَيْهِ في شوق ولهفة مُوَدِّعِ. كانَ هوَ أيضًا يبكي، بدا ذلك واضحا في تَهَدُّجِ نبرات صوتِهِ التي أرعشها الانفعال. كانَ سماعُ ذلك مُضحِكَا، إلى حدّ داهمتنا معَهُ الرّغبة في الضّحكِ والبُكاءِ معا. أوّاهُ، كَمْ أتذكرُ
ذلك الدرس الأخيرَ ذِكراهُ لا تُبارِحُ خيالي، ولا أخالُها تفعلُ ما حَييْتُ ودقَّتْ ساعةُ المدينة الكبيرةُ فجأةً مُتزامنةً معَ صوتِ أبواقِ الجنود العائدينَ لِتَوْهِمْ من ساحةِ التدريب، ونهضَ السّيّدُ (هامل) مِنْ مقعدِهِ، وبدا شاحِبًا باهِتَ الملامح ، وَخُيّل إليَّ أنّي لَمْ أَرَهُ بهذا الطُّولِ مِنْ قَبْلُ.
أي أصدقائي، قال: أنا... أ... على أنّهُ لَمْ يستطِعْ مواصلة الحديثِ، ثَمَّةَ غصّةٌ في حلقِهِ مَنَعَتْهُ مِنْ ذلك.
أوى إلى رُكْنٍ قَصيٌّ منَ الفصل، وأسند إلى الجدارِ رأسَهُ ، ودونَ أنْ ينبسَ بِبَنْتِ شَفةٍ، أشار إلينا بيدِهِ أنْ بِإمكانِكُمُ الانصرافُ ) .
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
إن الغاية الجوهرية من ترشحي للإشراف على المركز الرياضي بثانوية المجد، لا تقتصر على تحقيق إنجازات رقم...
أحبطت القوات ال...أحبطت القوات المسلحة اليمنية، اليوم الخميس، هجوماً شنته مليشيات الحوثي التابعة لإيران على مواقع عسكر...
. المشاركة المج.... المشاركة المجتمعية: دليل على الحاجة والمشاركة المستمرة البناء على العمل المجتمعي السابق ويرتكز هذا...
Tunisia’s power...Tunisia’s power sector is well-developed, and nearly the entire population has access to the nationa...
الثَّانِيَةُ ال...الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ،...
اللون والخامة: ...اللون والخامة: الفستان بلون وردي ناعم (بينك/لحمي)، ومصنوع من قماش الساتان اللامع أو الحرير الذي يعكس...
The Role of Isl...The Role of Islamic Finance as an Alternative to Conventional Finance in Mitigating Financial Crises...
يعد النص الدستو...يعد النص الدستوري الأساس الذي تستند عليه بقية النصوص التشريعية، ويمثل قمة الهرم بالنسبة لغيره من الن...
الصمت لمدة طويل...الصمت لمدة طويلة: أكثر صفة تتميز بها الشخصية الغامضة أنها قليلة الكلام للغاية، فمن يتحلى بهذه الش...
كشفت مصادر عمال...كشفت مصادر عمالية ومعلومات متطابقة عن اتهامات عديدة موجهة لقيادة شركة بترومسيلة ،حول مخالفات في ملف ...
يجب أن يبتبه ال...يجب أن يبتبه المراهقون بشكل خاص إلى التأثير السَلبي للاشتخْدام المفرط للشبكة فيهم المراهقين؛ إذ تشير...
Syrian folk att...Syrian folk attire is distinguished by its unique cultural and geographical diversity, with each reg...