Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (50%)

بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وقال في حجة الوداع: «إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً»، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا»، ​وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي ﷺ إلى أحد، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ​وخرج ليلة - في منتصفها - إلى البقيع فاستغفر لهم، ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وبشرهم قائلاً: «إنا بكم للاحقون». ​وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ - وكان يوم الإثنين - شهد رسول الله ﷺ جنازة في البقيع، فلما رجع - وهو في الطريق - أخذه صداع في رأسه، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه. ​وقد صلى النبي ﷺ بالناس وهو مريض 11 يوماً، يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها، ​وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله ﷺ، فكانت تنفث على نفسه، فاشتد به الوجع وغمي، ​وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد - وهو معصوب الرأس - حتى جلس على المنبر، وخطب الناس - والناس مجتمعون حوله - فقال: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - وفي رواية «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(1) - وقال: «لا تتخذوا قبري وثناً يعبد»(2). ​وعرض نفسه للقصاص قائلاً: «من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه». وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، ثم أوصى بالأنصار قائلاً: وتجاوزوا عن مسيئهم» وفي رواية أنه قال: «إن الناس يكثرون، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم، فاختار ما عنده» قال أبو سعيد الخدري: فبكى أبو بكر. يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، ​ثم قال رسول الله ﷺ: «إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ​ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام - وقد اشتد به الوجع -: «هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده» - وفي البيت رجال فيهم عمر - فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ: «قوموا عني»(4). ​وأوصى ذلك اليوم بثلاث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة، ​والنبي ﷺ مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم - يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام - وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلات عرفاً(1). بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد. قالت عائشة: فقال النبي ﷺ: «أصلى الناس؟» قلنا: لا يا رسول الله، فذهب لينوء فأغمي عليه، فقال: «أصلى الناس؟» - ووقع ثانياً وثالثاً ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء - فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام(2)؛ ​وراجعت عائشة النبي ﷺ ثلاث أو أربع مرات؛ وقال: «إنكن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس». ​ويوم السبت أو الأحد وجد النبي ﷺ في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ، ​وقبل يوم من الوفاة - يوم الأحد - أعتق النبي ﷺ غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، وكانت درعه ﷺ مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير. ​روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر يوم الإثنين - وأبو بكر يصلي بهم - لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، فنكص أبو بكر على عقبيه؛ وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فأشار إليهم بيده رسول الله ﷺ أن أتموا صلاتكم، ​ثم لم يأت على رسول الله ﷺ وقت صلاة أخرى. دعا النبي ﷺ فاطمة فسارها بشيء، فسألنا عن ذلك - أي فيما بعد - فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت(2). وبشر النبي ﷺ فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين(3). ورأت فاطمة ما برسول الله ﷺ من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»(4). فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم»(1). وكانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن - بن أبي بكر - وبيده السواك، فأمره - وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستناً - وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: «مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وألحقني بالرفيق الأعلى، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. قال أنس: ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ(1). ولما مات قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب رباً دعاه. ​ووقف عمر بن الخطاب - وقد أخرجه الخبر عن وعيه - يقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات(3). ​وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله ﷺ، ​ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، قال الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقْبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (3 : 144) قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، ​قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، ​التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض: ​ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه ﷺ، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيراً اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وشغل الناس عن جهاز رسول الله ﷺ، حتى كان آخر الليل - ليلة الثلاثاء - مع الصبح، ​ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله ﷺ من غير أن يجردوه من ثيابه، والفضل وقثم ابني العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، ​ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، فرفع أبو طلحة فراشه الذي تُوفي عليه، يصلون على رسول الله ﷺ ولا يؤمهم أحد، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء(1).


Original text

إلى الرفيق الأعلى
​طلائع التوديع:
​لما تكاملت الدعوة، وسيطر الإسلام على الموقف، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره ﷺ، وتتضح بعباراته وأفعاله.
​إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع: «إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً»، وقال وهو عند جمرة العقبة: «خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا»، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، وأنه نعيت إليه نفسه.
​وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي ﷺ إلى أحد، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرطكم، وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»(1).
​وخرج ليلة - في منتصفها - إلى البقيع فاستغفر لهم، وقال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى». وبشرهم قائلاً: «إنا بكم للاحقون».
​بداية المرض:
​وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ - وكان يوم الإثنين - شهد رسول الله ﷺ جنازة في البقيع، فلما رجع - وهو في الطريق - أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه.
​وقد صلى النبي ﷺ بالناس وهو مريض 11 يوماً، وجميع أيام المرض كانت 13 أو 14 يوماً.
​الأسبوع الأخير:
​وثقل برسول الله ﷺ المرض، فجعل يسأل أزواجه: «أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟» ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى عائشة، يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته.
​وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله ﷺ، فكانت تنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء البركة.
​قبل الوفاة بخمسة أيام:
​ويوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع وغمي، فقال: «هريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم»، فأقعدوه في مخضب، وصبوا عليه الماء، حتى طفق يقول: «حسبكم، حسبكم».
​وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد - وهو معصوب الرأس - حتى جلس على المنبر، وخطب الناس - والناس مجتمعون حوله - فقال:
«لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - وفي رواية «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(1) - وقال: «لا تتخذوا قبري وثناً يعبد»(2).
​وعرض نفسه للقصاص قائلاً: «من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه».
ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، فقال رجل: إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: «أعطه يا فضل»، ثم أوصى بالأنصار قائلاً:
«أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» وفي رواية أنه قال: «إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم»(1).
​ثم قال: «إن عبداً خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده» قال أبو سعيد الخدري: فبكى أبو بكر. قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا(2).
​ثم قال رسول الله ﷺ: «إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر»(3).
​قبل أربعة أيام:
​ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام - وقد اشتد به الوجع -: «هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده» - وفي البيت رجال فيهم عمر - فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ: «قوموا عني»(4).
​وأوصى ذلك اليوم بثلاث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، أما الثالثة فنسيه الراوي، ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة، أو تنفيذ جيش أسامة، أو هي «الصلاة وما ملكت أيمانكم».
​والنبي ﷺ مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم - يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام - وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلات عرفاً(1).
​وعند العشاء زاد ثقل المرض، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد. قالت عائشة: فقال النبي ﷺ: «أصلى الناس؟» قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب». ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» - ووقع ثانياً وثالثاً ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء - فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام(2)؛ 17 صلاة في حياته ﷺ.
​وراجعت عائشة النبي ﷺ ثلاث أو أربع مرات؛ ليصرف الإمامة عن أبي بكر، حتى لا يتشاءم به الناس، فأبى، وقال: «إنكن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس».
​قبل يوم أو يومين:
​ويوم السبت أو الأحد وجد النبي ﷺ في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه بأن لا يتأخر، قال: «أجلساني إلى جنبه»، فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ، ويسمع الناس التكبير(3).
​قبل يوم:
​وقبل يوم من الوفاة - يوم الأحد - أعتق النبي ﷺ غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها، وكانت درعه ﷺ مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير.
​آخر يوم من الحياة:
​روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر يوم الإثنين - وأبو بكر يصلي بهم - لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه؛ ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحاً برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده رسول الله ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر(1).
​ثم لم يأت على رسول الله ﷺ وقت صلاة أخرى.
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي ﷺ فاطمة فسارها بشيء، فبكت. ثم دعاها، فسارها بشيء فضحكت، قالت عائشة، فسألنا عن ذلك - أي فيما بعد - فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت(2).
وبشر النبي ﷺ فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين(3).
ورأت فاطمة ما برسول الله ﷺ من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقالت: واكرب أبتاه. فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»(4).
ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيراً، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن.
​وطفق الوجع يشتد ويزيد، وقد ظهر أثر السم الذي أكله بخيبر حتى كان يقول: «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم»(1).
​وأوصى الناس، فقال: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم»، كرر ذلك مراراً(2).
​الاحتضار:
​وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن - بن أبي بكر - وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته. فأمره - وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستناً - وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه، يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» - الحديث -(3).
​وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: «مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى»(4).
​كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ. وقد تم له ﷺ ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام.
​تفاقم الأحزان على الصحابة:
​وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على المدينة أرجاؤها وآفاقها. قال أنس: ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ(1).
ولما مات قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب رباً دعاه. يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه. يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه(2).
​موقف عمر:
​ووقف عمر بن الخطاب - وقد أخرجه الخبر عن وعيه - يقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات. والله ليرجعن رسول الله ﷺ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات(3).
​موقف أبي بكر:
​وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله ﷺ، وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد ذقتها.
​ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر. فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. قال الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقْبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (3 : 144) قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها.
​قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات(1).
​التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض:
​ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه ﷺ، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيراً اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ومضى في ذلك بقية يوم الإثنين حتى دخل الليل، وشغل الناس عن جهاز رسول الله ﷺ، حتى كان آخر الليل - ليلة الثلاثاء - مع الصبح، وبقي جسده المبارك على فراشه، مغشى بثوب حبرة، قد أغلق دونه الباب أهله.
​ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله ﷺ من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون بالغسل العباس وعلياً، والفضل وقثم ابني العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ، وأسامة بن زيد، وأوس بن خولي. فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله، وأوس أسنده إلى صدره.
​ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة(2). أدرجوه فيها إدراجاً.
​واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، فرفع أبو طلحة فراشه الذي تُوفي عليه، فحفر تحته، وجعل القبر لحداً.
ودخل الناس الحجرة أرسالاً عشرة عشرة، يصلون على رسول الله ﷺ ولا يؤمهم أحد، وصلى عليه أولاً أهل عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، وصلت عليه النساء بعد الرجال، ثم صلى عليه الصبيان.
​ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملاً، حتى دخلت ليلة الأربعاء، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء(1).


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

لذا، لم تكن الت...

لذا، لم تكن التوجهات السياسية للهوية الإسلامية متطابقة مع توجهات الهوية الإسلامية. فقد اعتمدت الأولى...

الفرع الاول : ا...

الفرع الاول : الحماية الجنائية للتجارة الالكترونية في جرائم النصب: إن دراسة أي جريمة تتطلب التعرض لع...

في الحضارات الق...

في الحضارات القديمة كان العلم يخضع لهيمنة دينية وفكرية قوية -خاصة في أوروبا- من قبل الكنيسة الكاثولي...

نظرية التعلم ال...

نظرية التعلم السلوكي تبرر استخدام الدعم الإلكتروني الثابت في التعليم. هذه النظرية تركز على تعزيز الس...

ما يصحب به السل...

ما يصحب به السلطان قال ابن المقفع: ينبغي من خدم السلطان أن لا يغتر به إذا رضي ولا يغير له إذا سخط، ...

قبل التطرق لتعر...

قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...

تتواصل حالة الج...

تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...

نفّذ مكتب الصحة...

نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...

المتمعن في المو...

المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...

يشرف الناظر على...

يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...

نصيحة السلطان و...

نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...

ويقول: ما ظنك ب...

ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...