Online English Summarizer tool, free and accurate!
نظرًا إلى أنّ علم الكلام موضوعه الدّفاع عن العقيدة بالأدلّة والبراهين، فإنّه يستخدم المنهج العقلي (الجدل العقلي) وبعض المناهج التي يستقيها من الفلاسفة مثل القياس والبرهان. فإنّ الغزالي يراه من العلوم العقليّة؛ لأنّه لا يقتصر على البعد الشرعي فقط، بل يتعدّاه إلى كلّ ما يُشير إلى صفة المعقولية لدى الإنسان، هذه الصّفة التي يعبّر عنها بطريقة جليّة علم الكلام، وهو الذي يُعرف كذلك بعلم التوحيد، فينقسم إلى نوعين: أحدهما في الأصول وهو علم التوحيد، وصفاته الذّاتية المتعدّدة بالأسامي على الوجه المذكور، وينظر أيضا في أحوال الأنبياء والأئمّة من بعدهم والصّحابة. وأهل النّظر في هذا العلم يتمسّكون أوّلا بآيات الله تعالى من القرآن، ويختلف معنى كل لفظ من هذه الألفاظ عند كلّ قوم حتى إنّ الحكماء يعنون بالجوهر شيئا، وهؤلاء القوم مخصوصون بالكلام في الأصول وعلم التوحيد ولقبهم: المتكلمون، فإنّ اِسم الكلام اِشتهر على علم التوحيد"[35] واعتبار الغزالي علم الكلام والتّوحيد أشرف العلوم وأكملها لا يمنعه من نقده في جوانب عديدة خاصّة في قول المتكلّمين بأنّ النفس والجسم لا يختلفان إلاّ في خاصيات عرضيّة؛ إذ يرى أن المتكلمين المعروفين بعلم الجدل يعدّون النفس جسما، ويقولون: إنّه جسم لطيف، وبعض الأطباء يميل إلى هذا القول بحسب قوله، وبنفس منهج الجدل العقلي الذي يستخدمه المتكلمون، يبيّن الغزالي أن النفس هي مصدر الحقائق والعلوم، وأنّ الجسم ليس إلاّ عرضًا ولا يُمكنه أن يُكون جوهرًا للموجودات، والنّفس قابلة لجميع العلوم من غير ممانعة ولا مزاحمة وملال وزوال"[37]. ينتقد الغزالي إذن فئة من المتكلّمين تُسمّى المشبّهة والمُجسمة، التي تعتقد في أن ذات الله وصفاته تخضع للتجسيد والتشبيه على غرار اليد والقدم والجلوس والانتقال وغيرها من الصفات، فيعتبر أن هذا الاعتقاد يُسيء إلى الذات الإلهية ويتضارب مع اعتقادات السلف. أن وراء هذا التجسيم تختفي تأويلات لا طاقة للعامي بمعرفتها، فإن التشبيه في ذاته يتعارض مع العقل، فليعتقد بعده أنه عبارة عن معنى من المعاني، يليق ذلك المعنى بصفات الجلال والكبرياء، فإن كان لا يدري ذلك المعنى، فليس عليه في ذلك تكليف أصلاً، فمعرفة تأويله ومعناه ليس بواجب عليه، إنّ اعتقاد الغزالي في قوّة الأدلّة العقلية هو اِعتقاد لا يمكن إنكاره، ولكنه في المقابل يجعل البرهان العقلي مقتصرًا على فئة العلماء فقط، الذين بإمكانهم الذهاب بعيدا في التأويل والخوض في جواهر الحقائق، فإنّ منهج الغزالي هنا قام على شرح اِعتقاد السلف وتوضيحه، وتبيان ما يجب على عموم الناس أن يعتقدوه؛ وبالنّسبة إلى العامي، فهو ليس مطالبا بأن يبحث في الأدلّة العقلية والبراهين لكي يؤمن؛ وبالتّوازي مع ذلك عليه أنّ يستقي الأدلّة من القرآن على معانيه الظّاهرة، ويقول الغزالي في هذه المسألة: "إن قلت: العامّي إذا لم تسكن نفسه إلى الاِعتقادات الدينية إلا بدليل، فهل يجوز أن يذكر له الدليل ؟ فإنْ جوّزت ذلك، فقد رخصت له في التّفكير والنّظر، وأي فرق بين هذا النظر وبين غيره؟ وإن منعت، فكيف تمنعه ولا يتم إيمانه إلا به؟ والجواب: أني أجوّز له أن يسمع الدّليل على معرفة الخالق ووحدانيته، ألاّ يزاد معه على الأدلّة التي في القرآن. ولا يتفكر فيه إلاّ تفكيرا سهلا جليًّا، فكيف يكون تصرّف العامي أمام مسائل معرفية وعلميّة تخصّ الشّرع والعقيدة، هو أن يسلم العامي لأهل المعرفة بمهمّة النّظر والاستدلال، وألاّ يخوض بنفسه في تلك المسائل فيتيه في عالم من الأوهام؛ بحسب الغزالي "يجب على العامي أن يعتقد أنّ ما اِنطوى عنه من معاني هذه الظواهر وأسرارها، فلا ينبغي أن يقيس بنفسه غيره، فلا تقاس الملائكة بالحَدَّادين. فقد خُلق النّاسُ أشتاتا متفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر، فانظر إلى تفاوتها وتباعد ما بينها صورة ولونا، فكذلك القلوب معادن لجواهر المعارف، فبعضها معدن للنبوّة والولاية والعلم ومعرفة الله تعالى، وبعضها معدن للشهوات البهيميّة والأخلاق الشيطانية". هذا العقل الذي يفرض على النّاس التّسليم لأهل المعرفة، فقد نبّة الغزالي إلى الأخطاء التي وقع فيها الكثير من علماء الكلام، فالأولى نفت الجهة وعدم إثبات الرؤية، وفي ذلك مخالفة للشرع كما يرى أبو حامد. وخالفوا به قواطع الشّرع، فانتفاء الجسمية أوجب اِنتِفَاء الجهة التي من لوازمها، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم. فإنّ الغزالي الذي يستخدم الجدل العقلي في الردّ على المتكلمين واِنتقاد تصوّرهم للعقيدة، في جانب من جوانب تفكيره، أنّ علم الكلام صناعة مفروضة فرضا على الباحث عن الحقّ والمتتبع لليقين، ونكاد نقول إنّ أبا حامد يعتبر هذا العلم غير ضروري ولسنا في حاجة أكيدة إليه، خاصة لِما يحمله من فرضيات الوقوع في الأوهام والبدع إذا ما اضطلعت به جماعة غير ملمّة بعلوم الشّرع، بهذا المعنى أقرب إلى أن يكون فرض كفاية عنده، وفي ذلك يقول الغزالي: "فاعلم أنّ حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلّة التي يُنتفع بها. وإمّا مشاغبة بالتعلّق بمناقضات الفرق لها، نخلص في هذا المستوى من التحليل إلى القول إن أحكام العقل صادقة بالنسبة إلى الغزالي، فهو نور لا نفْهمه إلاّ على أساس أنّه اِقتناع داخلي بصدق أحكام العقل، يمكن القول تبعًا لذلك بأن موقف الغزالي مختلف عن موقف علماء الكلام وخاصة منهم المعتزلة؛ لأنّ العقل عند الغزالي محتاج إلى الاهتداء بالشرع، وإلى تحقيق معارفه بواسطة الاتصال الوجداني بالله. فإنّهم يعتمدون البراهين العقلية المستندة إلى معطيات الشّرع دون الاهتمام بالاتصال الوجداني والكشف الباطني[46].
نظرًا إلى أنّ علم الكلام موضوعه الدّفاع عن العقيدة بالأدلّة والبراهين، فإنّه يستخدم المنهج العقلي (الجدل العقلي) وبعض المناهج التي يستقيها من الفلاسفة مثل القياس والبرهان. ولذلك، فإنّ الغزالي يراه من العلوم العقليّة؛ لأنّه لا يقتصر على البعد الشرعي فقط، بل يتعدّاه إلى كلّ ما يُشير إلى صفة المعقولية لدى الإنسان، هذه الصّفة التي يعبّر عنها بطريقة جليّة علم الكلام، وهو الذي يُعرف كذلك بعلم التوحيد، فيقول: في "الرسالة اللدنية"، في فصل عن أصناف العلم وأقسامه: "اِعْلم أن العلم على قسمين: أحدهما شرعي، والآخر عقلي. وأكثر العلوم الشرعية عقليّة عند عالمها. وأكثر العلوم العقليّة شرعيّة عند عارفها... أمّا القسم الأوّل، وهو العلم الشّرعي، فينقسم إلى نوعين: أحدهما في الأصول وهو علم التوحيد، وهذا العلم ينظر في ذات الله تعالى وصفاته القديمة، وصفاته الفعلية، وصفاته الذّاتية المتعدّدة بالأسامي على الوجه المذكور، وينظر أيضا في أحوال الأنبياء والأئمّة من بعدهم والصّحابة. وينظر في أحوال الموت والحياة، وفي أحوال القيامة والبعث والحشر والحِساب، ورؤية الله تعالى، وأهل النّظر في هذا العلم يتمسّكون أوّلا بآيات الله تعالى من القرآن، ثم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بالدّلائل العقلية والبراهين القياسية، وأخذوا مقدّمات القياس الجدلي والعنادي ولَوَاحِقهما من أصحاب المنطق الفلسفي، ووضعوا أكثر الألفاظ في غير مواضعها، ويعبّرون في عباراتهم بالجوهر، والعرض، والدليل، والنّظر، والاستدلال، والحجّة، ويختلف معنى كل لفظ من هذه الألفاظ عند كلّ قوم حتى إنّ الحكماء يعنون بالجوهر شيئا، والصّوفية يعنون شيئا آخر، والمتكلمون شيئا، وعلى هذا المثال... وهؤلاء القوم مخصوصون بالكلام في الأصول وعلم التوحيد ولقبهم: المتكلمون، فإنّ اِسم الكلام اِشتهر على علم التوحيد"[35] واعتبار الغزالي علم الكلام والتّوحيد أشرف العلوم وأكملها لا يمنعه من نقده في جوانب عديدة خاصّة في قول المتكلّمين بأنّ النفس والجسم لا يختلفان إلاّ في خاصيات عرضيّة؛ إذ يرى أن المتكلمين المعروفين بعلم الجدل يعدّون النفس جسما، ويقولون: إنّه جسم لطيف، بإزاء هذا الجسم الكثيف، ولا يرون الفرق بين الرّوح والجسد إلا باللّطافة والكثافةّ وبعظهم يعدّ الرّوح عرضًا، وبعض الأطباء يميل إلى هذا القول بحسب قوله، وبعضهم يرى الدمّ روحًا، وكلّهم "قنعوا بقصور نظرهم على تخيلهم وما طلبوا"[36].
وبنفس منهج الجدل العقلي الذي يستخدمه المتكلمون، يبيّن الغزالي أن النفس هي مصدر الحقائق والعلوم، وأنّ الجسم ليس إلاّ عرضًا ولا يُمكنه أن يُكون جوهرًا للموجودات، فهو زائل وهي باقية، ولذلك يتوجّه للسائل عن صفات العلم ومصدره قائلاً: "والآن يتعيّن عليك بعد معرفة فضْل العلْم إلاّ معرفة النّفس التي هي لوح العلوم ومقرّها ومحلّها؛ وذلك أنّ الجسم ليس بمحل للعلم لأن الأجسام متناهية ولا تسع كثرة العلوم، بل لا يحتمل إلا النقوش والرّقوم، والنّفس قابلة لجميع العلوم من غير ممانعة ولا مزاحمة وملال وزوال"[37].
ينتقد الغزالي إذن فئة من المتكلّمين تُسمّى المشبّهة والمُجسمة، التي تعتقد في أن ذات الله وصفاته تخضع للتجسيد والتشبيه على غرار اليد والقدم والجلوس والانتقال وغيرها من الصفات، فيعتبر أن هذا الاعتقاد يُسيء إلى الذات الإلهية ويتضارب مع اعتقادات السلف. ويرى، في المقابل، أن وراء هذا التجسيم تختفي تأويلات لا طاقة للعامي بمعرفتها، وهي أساس الحقيقة. وتبعا لذلك، فإن التشبيه في ذاته يتعارض مع العقل، ولا يمكن للمنطق القبول به كحقيقة جوهرية و"من نفى الجسميّة عنه وعن يده وإصبعه، فقد نفى العضوية واللّحم والعصب، وقدس الربّ سبحانه عمّا يُوجبُ الحدوث. فليعتقد بعده أنه عبارة عن معنى من المعاني، ليس بجسم ولا عرض، يليق ذلك المعنى بصفات الجلال والكبرياء، فإن كان لا يدري ذلك المعنى، ولا يفهم كُنْه حقيقته، فليس عليه في ذلك تكليف أصلاً، فمعرفة تأويله ومعناه ليس بواجب عليه، بل الواجب عليه ألاّ يخوض فيه"[38].
إنّ اعتقاد الغزالي في قوّة الأدلّة العقلية هو اِعتقاد لا يمكن إنكاره، ولكنه في المقابل يجعل البرهان العقلي مقتصرًا على فئة العلماء فقط، الذين بإمكانهم الذهاب بعيدا في التأويل والخوض في جواهر الحقائق، وأما غير ذلك، فسنجد أنفسنا أمام الأخبار الموهِمة للتشبيه كما هو الحال عند من يُسمّيهم أبو حامد "الرعاع" و"الجهال" من "الحشوية الضلال"، فقال عنهم: "اعتقدوا في الله وفي صفاته ما يتعالى ويتقدّس عنه، من الصّورة، واليد والقدم، والنزول، والانتقال، والجلوس على العرش، والاستقرار، وما يجري مجراه ممّا أخذوه من ظواهر الأخبار وصورها، فإنهم زعموا أن معتقدهم فيه معتقد السلف" [39]. ولذلك، فإنّ منهج الغزالي هنا قام على شرح اِعتقاد السلف وتوضيحه، وتبيان ما يجب على عموم الناس أن يعتقدوه؛ وذلك تمهيدا لكشف "الحق"، كما يقول، وتقرير ما يجب الإمساك والكفّ عن الخوض فيه، وما يجب البحث عنه[40].
وبالنّسبة إلى العامي، فهو ليس مطالبا بأن يبحث في الأدلّة العقلية والبراهين لكي يؤمن؛ إذ إن النّظر العقلي أمر يتجاوز قدراته ويُربِك إيمانه، وبالتّوازي مع ذلك عليه أنّ يستقي الأدلّة من القرآن على معانيه الظّاهرة، ولا يزيد عليها في البحث والاستقصاء ويتجنب التعمق في ذلك، ويقول الغزالي في هذه المسألة: "إن قلت: العامّي إذا لم تسكن نفسه إلى الاِعتقادات الدينية إلا بدليل، فهل يجوز أن يذكر له الدليل ؟ فإنْ جوّزت ذلك، فقد رخصت له في التّفكير والنّظر، وأي فرق بين هذا النظر وبين غيره؟ وإن منعت، فكيف تمنعه ولا يتم إيمانه إلا به؟ والجواب: أني أجوّز له أن يسمع الدّليل على معرفة الخالق ووحدانيته، وعلى صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم، وعلى اليوم الآخر، ولكن بشرطين: أحدهما، ألاّ يزاد معه على الأدلّة التي في القرآن. والآخر ألاّ يماري إلاّ مراء ظاهرا، ولا يتفكر فيه إلاّ تفكيرا سهلا جليًّا، ولا معنى في التفكّر، ولا يوغل غاية الإيغال في البحث"[41].
فكيف يكون تصرّف العامي أمام مسائل معرفية وعلميّة تخصّ الشّرع والعقيدة، وهو الذي لا يمتلك آليات البحث والفهم؟ الحلّ هنا، هو أن يسلم العامي لأهل المعرفة بمهمّة النّظر والاستدلال، وألاّ يخوض بنفسه في تلك المسائل فيتيه في عالم من الأوهام؛ إذ إنه، بحسب الغزالي "يجب على العامي أن يعتقد أنّ ما اِنطوى عنه من معاني هذه الظواهر وأسرارها، ليس منطويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصدّيق، وعن أكابر الصحابة، وعن الأولياء والعلماء الرّاسخين، وأنه إنما انطوى عنه، لعجزه وقصور قوّته، فلا ينبغي أن يقيس بنفسه غيره، فلا تقاس الملائكة بالحَدَّادين. وليس ما يخلو عنه مَخادع العجائز يلزم أن يخلوَ عنه خزائن الملوك، فقد خُلق النّاسُ أشتاتا متفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر، فانظر إلى تفاوتها وتباعد ما بينها صورة ولونا، وخاصية ونَفَاسَة، فكذلك القلوب معادن لجواهر المعارف، فبعضها معدن للنبوّة والولاية والعلم ومعرفة الله تعالى، وبعضها معدن للشهوات البهيميّة والأخلاق الشيطانية".[42] ويحكم الغزالي تبعا لذلك، أن ما توصّل إليه ينبع من أحكام العقل ومقتضباته، هذا العقل الذي يفرض على النّاس التّسليم لأهل المعرفة، فهذه "أمور لا يقدر أحد على حجبها وإنكارها، وإن كان من أهل التمييز فضلا عن العقلاء والعلماء. فهذه هي البراهين العقلية"[43].
وأمّا علم الكلام كمعرفة شرعية، فقد نبّة الغزالي إلى الأخطاء التي وقع فيها الكثير من علماء الكلام، وخاصة المعتزلة والحَشْوية بحسب نظره؛ فالأولى نفت الجهة وعدم إثبات الرؤية، تماما مثل الثانية التي سقطت في التشبيه المطلق. وفي ذلك مخالفة للشرع كما يرى أبو حامد. وبهذا الإقرار، فهو من جهة أخرى، يؤكد نزعته السنّية الأشعرية؛ إذْ يقول: "وأما المعتزلة فإنهم نفوا الجهة، ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشّرع، وظنّوا أن إثباتها إثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا والحَشْوية أثبتوا الجهة احترازا من التعطيل فشبهوا، فوفق الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطّنوا للمسلك القصد وعرفوا أن الجهة منفية؛ لأنها للجسمية تابعة وتتمّة، وأن الرّؤية ثابتة؛ لأنها رديف العلم وفريقه، وهي تكملة له، فانتفاء الجسمية أوجب اِنتِفَاء الجهة التي من لوازمها، وثبوت العلم وقت ثبوت الرؤية التي هي من روادفه وتكميلاته ومشاركة له في خاصيته، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم. ولا يخفى عن عاقل أنّ هذا هو الاِقتصاد في الاعتقاد[44].
وعلى الرغم من كلّ شيء، فإنّ الغزالي الذي يستخدم الجدل العقلي في الردّ على المتكلمين واِنتقاد تصوّرهم للعقيدة، يرى، في جانب من جوانب تفكيره، أنّ علم الكلام صناعة مفروضة فرضا على الباحث عن الحقّ والمتتبع لليقين، وهو الدّفاع عن العقيدة هنا. ونكاد نقول إنّ أبا حامد يعتبر هذا العلم غير ضروري ولسنا في حاجة أكيدة إليه، خاصة لِما يحمله من فرضيات الوقوع في الأوهام والبدع إذا ما اضطلعت به جماعة غير ملمّة بعلوم الشّرع، فعلم الكلام، بهذا المعنى أقرب إلى أن يكون فرض كفاية عنده، وفي ذلك يقول الغزالي: "فاعلم أنّ حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلّة التي يُنتفع بها... فالقرآن والأخبار مشتملان عليه، وما خرج عنهما... فهو إمّا مجادلة مذمومة، وهي من البدع... وإمّا مشاغبة بالتعلّق بمناقضات الفرق لها، وتطويل بنقل المقالات التي أکثرها ترّهات وهذيانات تزدريها الطّباع، تمجّدها الأسماع. وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدّين ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الأول، وكان الخوض فيه بالكلّية من البدع، ولكن تغيّر الآن حكمه، إذ حدثت البدع الصّارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبغت جماعة لفقوا لها شبها، ورتّبوا فيها كلاما مؤلفا، فصار ذلك المحذُور بحكم الضّرورة مأذونا فيه، بل صار من فروض الكفايات"[45].
نخلص في هذا المستوى من التحليل إلى القول إن أحكام العقل صادقة بالنسبة إلى الغزالي، ولكنها عرضة للخطأ والزّلل في المسائل الشرعية والعقدية. إنّه لم يوجه شكّه نحو العلوم إلاّ بصفة ظرفية ومؤقتة، فهو شكّ مؤقت في التقليديات والحسّيات والعقليات على حدّ سواء، ولكن من بين طيّات هذا الشكّ ينبجس بصيص من نور، نور اليقين والحقيقة، وهو النّور الذي اِعتقد الغزالي أن الله قذفه في صدره، فهو نور لا نفْهمه إلاّ على أساس أنّه اِقتناع داخلي بصدق أحكام العقل، فالعقل ليس في حاجة إلى مساعدة خارجية إلا للشفاء من الشك أو الاطلاع على حقيقة الشرع. يمكن القول تبعًا لذلك بأن موقف الغزالي مختلف عن موقف علماء الكلام وخاصة منهم المعتزلة؛ لأنّ العقل عند الغزالي محتاج إلى الاهتداء بالشرع، وإلى تحقيق معارفه بواسطة الاتصال الوجداني بالله. أما علماء الكلام، فإنّهم يعتمدون البراهين العقلية المستندة إلى معطيات الشّرع دون الاهتمام بالاتصال الوجداني والكشف الباطني[46].
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...
قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...
تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...
نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...
المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...
يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...
نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...
ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...
ثالثا : اإلضاءة الخلةية تعطى اإلبااة الخلفية عمقا لمكان التصوير وذلم عن طريق زيادة اإلبااة، وفصل م...
کتاب اللؤلؤة في السلطان السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدن...
آليات المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية تتجسد في مجموعة متداخلة من الإجراءات القانونية التي تشمل المس...
اعتبر الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، الدكتور علي الذهب، أن تحليق الطائرات المسيّرة ...