Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (50%)

كل وظائف الوجود البشري تنحو لأن تدخل في مجال التسامي الديني. لقد ارتبط الجسد بالميتافيزيقي من حيث أنه تابع أبدي للذات / الروح. لأن الجسد قد مثل دائما تلك الكتلة المادية المشخصة الخطرة التي تميز الكائن الإنساني صورة ولا تميزه وجودًا إلا عبر المكونات الإدراكية والنفسية والسلوكية الاجتماعية "(1). تعتبر الجسد مبحثا ثانويا. إن هذا التهميش المزدوج في الثقافة العربية ارتبط لديها بالروحاني والفقهي والطبي وفي العصر الحديث بنفس المجالات
بالإضافة إلى السياسي والأيديولوجي ذي المنزع الغربي. إن مبحث الجسد مفتوح دائما على ما يتجاوزه. فدراسة الجسد موزعة اليوم بين التحليل النفسي الذي يرى فيه موطن الهواجس و"الليبيدو" والفلسفة التي تتكلم عن ميتافيزيقا الجسد المبنية على الثنائية. و"الأنتربولوجيا" التي تتحدث عن علاقة الجسد بالممارسات الطقوسية والفهم "الأنطولوجي" للوجود من حيث هو جسد ثقافي، ومن حيث هو جسد رامز أيضا بهدف إلى التواصل الاجتماعي. أما علم الاجتماع فإنه يبحث في الجسد من حيث أنه ملازم للفهم الواعي الفردي والجماعي للعلاقات الإنسانية، وما إلى ذلك من العلوم الحديثة المهتمة بتمظهرات الجسد في الثقافة. حتى أن الجسد اليوم أصبح متعدد الدلالات منفتحا بطبيعته على جميع المعارف المتعلقة بالإنسان من الطب إلى علم الأديان، يقول فريد الزاهي: "إن تحوّل الجسد إلى موضوع فكري، وفلسفي وأدبي قد شكل المنعطف الذي اندمج فيه الجسد في التجربة الوجودية والفكرية والتعبيرية المعاصرة وهنا من اللازم القول بأن تجاوز الثنائيات التي حضرت الجسد في الحاقية هامشية، ثانوية لم يكن له أن يتم من غير تحويل الجسد إلى موضوع ممكن للفكر والتفكير "(1). فالجسد ليس كيانا منغلقا على ماديته الخالصة. فهو بناء رمزي يخضع للحالة الاجتماعية وللرؤية للعالم (2) أي أن الجسد ليس مسكنا أو قبرا أو حاويا وفقط بل هو علامة تتكلم وتشير، وتنخرط في تواصلية ذات دلالات مع العلامات الأجساد الأخرى. يقول فرانسوا شيرباز: "إننا لا يمكن أن نفهم الإنسان إلا إذا ما عدنا إلى جسدانيته، إننا لا نتعامل مع جسد بل مع الجسد البشري ولا نتعامل مع إنسان بل مع الإنسان الذي يوجد جسديا في العالم إن بحثنا سيفشل حتما إذا ما لم تعترف بأننا نتعامل مع جسم تسكنه قبل ذلك نفسية. لهذا فالبحث عن ماهية الجسد تستدعي الذهاب إلى لقاء السلوكات البشرية، لذا فإن الجسد لا يأخذ معناه إلا من خلال نظرة الإنسان الثقافية له (2). ويقول فريد الزاهي في الأخير ملخصا مفهوم الجسد الذي نتبناه في المبحث القادم: "إنه الجسد الشخصي الذي يشكل الوحدة "الأنطولوجية" التي تسم الكائن في العالم. ومن ثمة فهو يشكل هدفية الوجود الذاتي للإنسان. هذا الطابع لا يخلو من علاقات ذات ميسم ثقافي ورمزي وتعبيري يُعيد بها الجسد صياغة العالم ومنحه خصوصيات جديدة "(3). وفي الحقيقة فإن الجسد أجساد، فهناك الجسد الفقهي الذي يتحدث عن علاقته بالمقدس والمتعالي من طهارة ودنس ووضوء وحركات طقسية . والجسد التشريحي التي تتعامل معه العلوم بوصفه كائنا عضويا وهو يختلف عن جسد الثقافة والعلوم الإنسانية مثل الفلسفة التي تجعله موضوعا للتأمل وهذا جسد الفيلسوف الذي يختبره من الداخل. إنه ذلك الجسد الذي نجده في الآداب والفنون ونجده في جميع أشكال التخييل. أي يمكنه أن يشير إلى مرجعه الواقعي، فإن الجسد الذي يتمثله الأدب ومنه الرواية كجنس أدبي). فاللغة إذن هي المولدة للمعنى في الأشياء ومظهرة الدلالة في علاقة الذات با المحيط الذي توجد فيه وتسلك فيه سلوكا معينا
يقول "دنيال سيبوني" عن علاقة الجسد باللغة: "إن الكتابة مثل الجسد، ونقرؤه عندما يكون صداه متاحًا من أجل الوصول إلى إيقاعاته التي تصنع صداه لا من أجل فهم معناه فحسب "(2). فالجسد يقرأ كما الكتابة ويتعامل معه كما الكتابة. وعلى الرغم من ذلك فالجسد سابق عن اللغة إذ تختلف تجليات التعبير الجسدي عن الدلالات اللغوية لأنها تجليات عفوية ومباشرة تكشف عنه واقع أصلي سابق للغة والجمل: ألا وهو الواقع الأنطولوجي للذات (3). وانطلاقا من هذا فإن إشكالية الجسد ستقودنا حتما إلى طرح معضلة الذات بإحالتها إلى جدلها القائم مع جسمها من ناحية الوجود الأنطولوجي المتمثل في (Représenté) الرواية. بمعنى أن هناك جسدًا لغويا، ومن المهم الإشارة إلى أن تعاملنا لن يكون إلا مع الخطاب في آنيته بعيدا عن خارج النص ( Le Hors Texte) سنعتبر أن الرواية لا تحيل إلا على ذاتها وإشكالها هو إشكال خاص بشخصياتها. إن الطابع التخييلي للجسد في الرواية هو ما حدا بنا إلى دراسته أولا وقبل كل شيء باعتباره مكونا خطابيا. قد تحول من واقعيته إلى جسد عجائبي. مقهور يعاني تحوله من جسدانية Corporéité) واقعية إلى جسد مخيف، أن تجربة الجسد هي ما يتواتر باستمرار في هذه الرواية. لأن الأصل في الحكاية كلها أن الفتاة التي ولدت في جسد أنثى حولت كما يحوّل النهر. لقد تحوّل الجسد عن غايته ليصير "آخر". إذ أن هناك اشتغالا هاما في هذا النوع من الأدب على هذه التيمة. فها هو "دونيز ميلييه" يسميه جسدا عجائبيا . فإن العجائبي لا يملك إلا أن يتلبس الأشكال والأجساد والأشياء وحتى الأمكنة (1). المتوغل والمتسرب إلى عالم يملك مقاسات ومعالم زمانية ومكانية خاصة بالتمثيل المشخص للواقع. الشخصيات المدهشة والمرعبة - تفكيرًا جديدا عن تركيبة الأجساد. يسمح الجسد العجائبي من خلال الكائنات المخيفة من تحقق ذلك التعارض في الأسس التي تصنع التماسك المنطقي للواقع (1) فالاختلال والاختلاط بين ما هو حيواني وبين ما هو إنساني، بين ما هو غير مفهوم ومتلبس من الجسد بما هو لغز فيه، فالجسد بتحولاته الملغزة وصوره المبهمة وعدم اليقين الذي نشعر به تجاهه وعدم قدرتنا على التحكم فيه أحيانا، لقد ارتبط الجسد دائما بالرغبة الجنسية، هناك يعتبر التخييل الطريق الملكي الأروع - كما يقول "دونيز ميلييه" - الذي تحاول الذات العجائبية الإفلات من خلالها من ربقة واقع الذي لا يحتمل (2). ويبدو الجسد أن التام والكامل والواضح، فالشعور "بالغرابة المقلقة" لا يبين عن نفسه في هذه الحال، إلا في سياق يمزج أفكارًا مسكونة بذلك الربط السريع بين الخلل العضوي وتجسيد الشر. ويؤكد "مالك شبيل" قائلا: "بيد أن الجسد، ومن ثمة الدخول في عملية تقديس العجيب Le merveilleux) وإلى التداخل غير المريح للشك الواخز بحسب تعبيره ويضيف: "إن كل هذه المعطيات تساهم في إحداث القلق الدائم والهاجس الذي تسميه الشعور بالاضطهاد" الذي يبين عنه الإدراك الشعبي للخلل الجسدي (3). فَيَنْعتُ أصحابها بالنحس، لذا يكون الجسد في المغرب العربي مقياسا للنقص دوما واللعنة تلحق به أولا مما يستدعي حمايته، وتحويل نظر الآخر عنه بعدم الاهتمام به وإقصائه في الأماكن المظلمة (1). فالأعضاء الجسدية لا تنعت مباشرة أبدا بل يكنى عنها فيصير بذلك جسدًا بعيدا تصنعه اللغة. إن الجسد في المغرب العربي كما يقول "شبيل" لا يأخذ كلا تاما بل متجزئا منفصلا بعضه عن بعض. فهل كانت جميع هذه الظواهر بادية في المتن الحكائي؟ سنبحث عن تجليات الجسد العجائبي في النص لنجيب عن هذا السؤال. تبدأ الرواية بالإعلان على أن الجسد هو مجال وحركة القص. وبحيث تصبح المرأة العجوز مالكة لأحقية الحكي عندما تحول الجسد الغض إلى فراغ أي عندما غابت حركة العلامة الأولى الشباب والمعاناة وجاءت حركة العلامة الثانية الشيخوخة والاستقرار ومن ثمة الأهلية للحكي. إن الجسد في هذه البداية الديباجة ص (5). وعلى ظاهر اليدين هناك تكمن قصة
وإذ يعد الجسد هنا متنا، كتابيا يمكن أن يقرأ فيه تفتح أبوابه واحدا واحدا لنجد الألم والمعاناة. فلقد اكتفى الشاب صاحب الصندوق بالإشارة والتلميح والفتاة السافرة أشارت بجسدها وقالت كلاما عاما، وأما "بوشعيب" فقد فقد الكلام. أما الراوي الآخر الذي دخل ساحة مراكش وبدأ حكايته دون جمهور كان يتواصل مع الخواء، يجب نزع أقنعة الواقع وتعريته. غامض. أود أن أقول بأن كل شيء معقد، كانت متنكرة في جسد رجل. لم تستطع أن تختبره العالم إلا في جسد آخر. والواقع هو أننا لا نستطيع أن نختبر الوجود إلا في أجسادنا الخاصة. فهو ما يجعلنا نتجذر في العالم وهو الموجود الذي أعي الكون
بواسطته "إن الجسد بوصفه جسدي الخاص وجسدي المعيش الذي له تأثير في ذاتي المفكرة هو أيضا المرجع والسند الحسي الذي أعي من خلاله كياني الواعي (1). وهذا ما جرى بالضبط في حكاية طفل الرمال، واجتازت حدود القوانين والسلط وعبرت عن ذاتها. لقد عبرت الرواية من بدايتها إلى نهايتها عن هذا التحول. ليس في جسد البطلة وفقط بل في أجساد الشخصيات الأخرى التي تعاني من الألم نفسه القنصل والجلاسة) حيث أن الحالة الأولى كانت حالة ضياع الهوية الجسدية وأعقبتها حالة المسخ ثم التحول وفي الأخير كان الخلاص عن طريق تجربة الألم، والحبس والختان بالنسبة للبطلة، لقد كانت قصة البطلة التي ليس لها اسم محدد، أولها ذاتها التي تصرح قائلة: "كان" علي من حيث المبدأ الخروج من تلك القصة . يجسد خاص" (ص (140). لأن الحكاية أصبحت جسدًا مزيفا أي قناعا آخر ينضاف إلى كل الأقنعة التي كان يضعها الأب على وجهها. لقد كان جسدها موضوع رغبة الأب وموضوع عاره أيضا وقد امتلكه وتصرف فيه فسلبه حريته. وامتلاك الآخر الجسدنا هو امتلاك لحريتنا. إن صورتنا الجسدية عند الآخرين هي العار والمحرم. ولا يمكن أن يعيي الآخر أن خبرتنا لأجسادنا هي خبرة خاصة في المكان والزمان. ولما كان الإنسان يعيش تاريخه الخاص يجسده الخاص ولما كان تاريخه هذا هو في نفس الوقت تاريخ خبراته الجسدية فهو يعيش في علاقته مع نفسه ومع الغير ومع الأشياء بجسده الذي يندرج في الزمان بل بجسده الزماني "(1). لقد انطلقت في مغامرة القرية من المقبرة / الجسد المظلم إلى (القرية / اليوتوبيا) مع الفارس (الذكر) كي تستحم في ماء بحيرة وسط الأدغال. "لقد غسل ماء تلك العين جسدي ونفسي" (ص (80). وراحت تعيش هلوسة أخرى في أولى تجاربها الجنسية "وهبت جسدي للدغل والأرض" (ص 48). لقد كان يلزم تنظيف الضمير، يقول "فرانسوا شيرباز" إن الرغبة تنبثق كقوة ودفق مدهش، يحيل إلى الطرق الذي يتعرف فيها الكائن على الوجود. إن الرغبة وهي تستيقظ ليست "دفقا" بسيطا يحيل على ميكانيكية العلاقة بين كائنين "إنها بشكل متبادل تجربة جديدة الجسدنا واكتشاف للآخر كجسد"(1). وبكلمة واحدة. وينخرط فيه ويلتقيه "(2). هكذا فالبطلة قد تعرفت إلى ذاتها، أما القنصل هذا الفتى الضرير المعطوب الجسد، والذي سلبت منه رجولته فقد تحول إلى كائن مخيف. حتى أنه يستعير أعين الآخرين كي يرى، وكما ملك الأب جسد الفتاة. لقد انزوى في ظلمته وأخذ يفتش عن الخلاص عبر التخييل. لقد صنع بنفسه عالما خاصا أنثه بالأجساد الخيالية. ففي تلك الحديقة أو الجنة التي يرتادها وحيدًا عبر أحلام اليقظة، يقول "جلال الدين سعيد" في هذه العلاقة: "الجسد لا يقارن إلا بالآثار الفنية. كلها أفراد، فهي تشع بدلالاتها دون أن تغادر مكانها في الزمان والمكان"(1). ولا يمكن معرفة الكتب إلا بالاختبار الجسدي. وفي الفرنسية يقتسم (Le corps الجذر اللغوي مع (Corpus) ويقول فريد الزاهي : "بين الكتابة والجسد تواطؤ أساسي أدرك القدماء خطورته فصارعوه وإن لم يصرعوه. فالكتابة كدال وحرف تشكيل وتصوير و "ظل" مادي عيني المتعال يكون هو المعنى والصورة والمثال. وكما أن الجسد موضع لما يسمى عادة بالروح فالحرف موقع ومحال للمدلول "(2). فالكتابة كما الجسد يتم تصورها كمجرد مأوى للمعنى والروح. لكن ما هي الآلية المتحكمة في الآلية الجسدية والآلية اللغوية التي تجعل الجسد يتشاكل مع اللغة والكتابة؟ يقول "جيل دولوز: "إنها التني والعطف. "أي الجسد واللغة يعكس أحدهما الآخر لأن كلاهما ثني. كما يوجد حديث ورواية داخل الجسد"(1). لا يمكن للإنسان أن يعطى للذاته إلا صورا محسمة جميلة ولا يمكن أن يعطي المخاوفه إلا صُورًا أخرى مرعبة. كانت هذه طريقته في التخلص من الألم. حَسَدٌ سالبٌ ومُسْتَلِبٌ. كل ما لدي مائل الجسد وما بداخله" (ص 78). وتردُّ عنها الموت. أسى وعجز لا نهائي يقود إلى الظلمات" (ص (77). لقد كانت خيبة جسدها هي ما دفعها إلى
هذا الألم كله وإلى كونها جسدًا مشوها يقسو ويسلب حرية "الآخر"
إن الجسد هنا متعدد، متشظي في أجساد أخرى على الرغم من أن تجربة "الأنا" والشعور بالذات المستقلة لا تكون إلا في الجسد الخاص. فالجسد المصدوم جسد مخطوف مسروق، ذاتي ولا ذاتي. إنه "ذاتي" الغريبة" كما يقول "سارتر"(1). إن التشويه في الذات المغتربة على العالم، باب التصور العجائبي للجسد الذي يتركب من الاستيهام والرغبة والخوف باعتبار أن "ليس هناك من شيء أكثر غموضاً بدون شك من نظر الإنسان في عمق جسده الخاص"(2). الذي يحاول إدراكه والعيش به. إن عدم خضوع الجسد للوعي يؤكد مرة أخرى لغزيته من جهة ولا تحدد وغموض الوجود ذاته "(3). هكذا تعرف الشخصيات الفاعلة في الرواية (الجلاسة والقنصل والبطلة أن عليها المقاومة لإثبات وجودها. كينونة الذات بشكل عميق، حتى أن أيا من علاقاتي مع الآخرين، وإذا كان لا مناص من تلازم الجسدانية Corporéité) مع الكائن، د. الألم والعبور
والاستسلام للشرط الذي أوقعها فيه المجتمع. إن "فاطمة" وقد ماتت بالصرع تعبر عن غربة الجسد وقهره إلى درجة أنه تحول إلى كتلة من الألم. إنه الألم المتاهة. كان جسدها مخطوفا ومعارًا للمجتمع يفعل به ما يشاء. إنه الألم لا يتمازج جسديًا معي كليا، المعنون بركة ماء ثقيل حيث كانت تجوس في بركة عفنة من الهلوسات وفي هذه المياه النتنة تقول: تعرفت على جسد فاطمة بنت العم البئيسة المصابة بالصرع . رأت أجسادًا مشوهة. كان ثمة حشد من الأجساد المفرغة من كل ماهية ينتظر بتلك الحظيرة . لكن الألم يكشف لي أن جسدي هو آخر". وأن تعيش الألم فإن الحضور يكشف في عمق الذات عن جسدانية كشيء غريب وغامض و "آخر" في نفس الوقت "(1). كان يلزم الكثير من الألم إذن للانسلاخ عن أجساد الآخرين للقاء الأجساد الحقيقية التي تختبرها بدل تلك التي يمنحها لنا المجتمع. وبما أن الجسد ظلمة فإنه لا يمكن أن نعرف العبور إلا عندما تختبر الظلمة تقول الراوية في تجربة الظلمات إن العمى حينما يقبل برضى يَمْنَحُ بصيرة وشفافية فريدتين فيما يخص الذات والعلاقات مع الآخرين (ص) (114). وتضيف "كانت طبقة العتمات التي كنت أستقدمها نحوي تزداد كثافة يوما بعد يوم. فكانت تُساعده على الانفصال عن جسدي على تركه سليما" (ص (119). أنا أنثى. وفي الأخير أصبح الجسد الملجأ والقيمة الوحيدة وهو ما يبقى عندما تتلاشى كل الملاجئ والقيم ولتصبح كل علاقة اجتماعية ذات طابع عرضي. "إن الجسد يبقى المرساة الوحيدة القابلة لأن تشد الشخص على يقين مازال مؤقتا بالتأكيد وبواسطتها (المرساة / الجسد) يُمكنه أن يرتبط بحساسية مشتركة ويلتقي بالآخرين ويشارك في تدفق الإشارات، وأن يُحس دائما بأنه على صلة مع مجتمع يسود فيه عدم اليقين (2). لقد كان الجسد بالنسبة للبطلة المرساة التي تربطها بالوجود
بعدما فقدت المعالم يوم دفن الأب. ولم تبق إلا حقيقة الجسد المتجذر في العالم. إن علاقة الأب بالفتاة علاقة زائلة كانت مبنية على القهر وعندما فقدت اليقين لم تلتق إلا يجسدها الذي يُعد يقينها الوحيد. وكذلك الأمر بالنسبة للشخصيات الأخرى. لقد كان عبورًا إذن من جسد هو صورة صنعها "الآخر" إلى الجسد الخاص. لكن يجب على هذه الذوات أن تبحث لنفسها عن معنى. إذ أن التحقق في جسد ما يحتاج إلى دلالة باعتباره متنا (corpus) وباعتباره علامة تحتاج إلى تأويل. هي معرفة من نوع آخر مختلف. إن اللقاء الأخير في الولي (ص (147) دليل على أن الأمر يتجاوز ما هو جسدي للبحث فيما وراء ذلك. إنك بالأحرى من اللواتي يتركنها
قصتك سلسلة من الأبواب التي تنفتح على مجالات بيضاء ومتاهات تدور" (ص (133). وقد صار وجهها "أكثر هدوءا، كان من العنف بحيث رأيت كرة معلقة هي منبع ذلك النور" (ص 148). يبدو أن البطلة تكتشف أن الخلاص الحقيقي ليس في الجسد، إن اجتراح الألم يفتح باب التخيل. وهو ما وقع فعلا لهذه الشخصيات القلقة حول مصيرها. إن العجائبي يفتح هذه الأبواب في التفكير البشري الذي ينحوا إلى إقصاء كل ما هو خارج العقل. إن العجائبي لا يستحضر ما هو غائب وفقط، بل يجعل ما هو واقعي قابلا أن يتفجر عن ما هو غائب. فهو يجعلنا نشك في قدرة حواسنا على إدراك العالم. الخيالي. إلخ) إنه انقلاب في كل هذا. فقد يكفي أن يتدخل عنصر فوق طبيعي أو يتدخل عنصر خيالي نصنعه بهواجسنا حتى نعيد التساؤل حول الأسس التي ينبني عليها إدراكنا. وهذا طرح يدخل في مجمل ما توحي إليه هذه التجربة في الوجود التي تحاول دائما التعرف إلى نفسها في أصلها. في التجربة "الماورائية". أو فيما يخص قضية تفضيل الذكورة على الأنوثة. قد خيبت أفق انتظار القارئ، فيما نظن؟ يبدو الأمر غريبا لكن هناك إشارات مزروعة على طول مسار الحكاية، بعضها خفي وبعضها بين، تقول البطلة. "لقد زهدت. أنا زاهدة بالمعنى الذي أعطاه الحلاج لها في صوفيته". وتشير الراوية في الحوار إلى أن الظاهر هو القناع الخفي للحقيقة. وتؤكد أن حقيقتها كانت ملتبسة إلى أن تعرفت على
انوثتها بل حتى انخرطت تبحث عما هو جوهر في الذات الإنسانية أي ما وراء الجسد. هذا الإشكال لا يمكن أن يحله المؤلف إلا بهذه النهاية. كما أن الدال والمدلول في العرف الصوفي يصبحان واحدا. والجسد روح. صاحب كتاب الإنسان الكامل" في رسالة مخطوطة قوله "إن الصوفية فرقوا بين الجسم والجسد. وقالوا أن الجسد عبارة
عن كل صورة يتشكل بها روح من هذه الصور الجسمانية "(1). ويضيف عاطف جودة نصر عن علاقة الخيال والتخيل بالجسد وبالطرح الصوفي العرفاني وربما قيل أن دلالة الجسم والجسد واحدة ولكن الدلالة هنا ذات أساس معجمي تتجاوزه العرفانية الصوفية صوب دلالات أخر. وعلى الإهابة بالمصطلح الصوفي من ناحية أخرى"(2). الجسد على أنه كل روح ظهر في جسم ناري أو نوري. نقلا عن عاطف جودة نصر الخيال مفهوماته ووظائفه
الفتوحات، أنه كل روح أو معنى ظهر في صورة جسم نوري أو عنصري حتى يشهده السوى (1) . فمفهوم الجسد مشاكل ومواز للمفهوم الذي أعطوه للألفاظ كأجساد والمعاني كأرواح. وهذه الرؤية هي ما نفهمه من تلك النهاية المبهمة والمفتوحة على المقدس الممزوج بالجسدي في (ص) (149). فعندما عبرت الراوية الجدار القصير وانتقلت إلى البحر ودخلت في مشاهدات نورانية، هيا أنظر برفق إلي بأصابعك،


Original text

كل وظائف الوجود البشري تنحو لأن تدخل في مجال التسامي الديني.
لقد أعتبر الجسد دائما قبرًا والرّوح نورًا لهذا القبر. وعدت الغرائز والشهوات واللذائذ حيوانية لا تشرف هذا الكائن الذي حمل صفات إلهية. لقد ارتبط الجسد بالميتافيزيقي من حيث أنه تابع أبدي للذات / الروح. وهكذا فقد توزّعت المباحث الكلامية (في الإسلام مثلا) والفلسفية، والفقهية "موضوعًا لم يتم النظر إليه سوى باعتباره ظاهرة توسطية تُعتبر حينًا وعاءً للرّوح المحركة، وتشكل في حالة أخرى موطن نوازع غريبة وطبيعية يلزم ضبطها وإعادة تشكيلها. لأن الجسد قد مثل دائما تلك الكتلة المادية المشخصة الخطرة التي تميز الكائن الإنساني صورة ولا تميزه وجودًا إلا عبر المكونات الإدراكية والنفسية والسلوكية الاجتماعية "(1). إنها نظرة الحاقية كما يرى فريد الزاهي، تعتبر الجسد مبحثا ثانويا. إن هذا التهميش المزدوج في الثقافة العربية ارتبط لديها بالروحاني والفقهي والطبي وفي العصر الحديث بنفس المجالات
بالإضافة إلى السياسي والأيديولوجي ذي المنزع الغربي. إن مبحث الجسد مفتوح دائما على ما يتجاوزه. لأن الإنسان
موضوع مشترك لعدة معارف إنسانية. لذا كان متنافدًا مع عدة علوم وتتقاطع فيه عدة ممارسات منهجية. فدراسة الجسد موزعة اليوم بين التحليل النفسي الذي يرى فيه موطن الهواجس و"الليبيدو" والفلسفة التي تتكلم عن ميتافيزيقا الجسد المبنية على الثنائية. و"الأنتربولوجيا" التي تتحدث عن علاقة الجسد بالممارسات الطقوسية والفهم "الأنطولوجي" للوجود من حيث هو جسد ثقافي، يتحرّك، ويُفهم ويمارس كينونته في الزمن التاريخي، ومن حيث هو جسد رامز أيضا بهدف إلى التواصل الاجتماعي. أما علم الاجتماع فإنه يبحث في الجسد من حيث أنه ملازم للفهم الواعي الفردي والجماعي للعلاقات الإنسانية، السلوكية والاقتصادية. وما إلى ذلك من العلوم الحديثة المهتمة بتمظهرات الجسد في الثقافة. حتى أن الجسد اليوم أصبح متعدد الدلالات منفتحا بطبيعته على جميع المعارف المتعلقة بالإنسان من الطب إلى علم الأديان، إلى
الفلسفة، إلى العلوم الإنسانية التي ذكرنا، إلى الأدب.
يقول فريد الزاهي: "إن تحوّل الجسد إلى موضوع فكري، وفلسفي وأدبي قد شكل المنعطف الذي اندمج فيه الجسد في التجربة الوجودية والفكرية والتعبيرية المعاصرة وهنا من اللازم القول بأن تجاوز الثنائيات التي حضرت الجسد في الحاقية هامشية، ثانوية لم يكن له أن يتم من غير تحويل الجسد إلى موضوع ممكن للفكر والتفكير "(1).
فالجسد ليس كيانا منغلقا على ماديته الخالصة. فهو بناء رمزي يخضع للحالة الاجتماعية وللرؤية للعالم (2) أي أن الجسد ليس مسكنا أو قبرا أو حاويا وفقط بل هو علامة تتكلم وتشير، وتنخرط في تواصلية ذات دلالات مع العلامات الأجساد الأخرى. يقول فرانسوا شيرباز: "إننا لا يمكن أن نفهم الإنسان إلا إذا ما عدنا إلى جسدانيته، إننا لا نتعامل مع جسد بل مع الجسد البشري ولا نتعامل مع إنسان بل مع الإنسان الذي يوجد جسديا في العالم إن بحثنا سيفشل حتما إذا ما لم تعترف بأننا نتعامل مع جسم تسكنه قبل ذلك نفسية. لهذا فالبحث عن ماهية الجسد تستدعي الذهاب إلى لقاء السلوكات البشرية، للظاهر الجسدي البشري "(1). لذا فإن الجسد لا يأخذ معناه إلا من خلال نظرة الإنسان الثقافية له (2). ويقول فريد الزاهي في الأخير ملخصا مفهوم الجسد الذي نتبناه في المبحث القادم: "إنه الجسد الشخصي الذي يشكل الوحدة "الأنطولوجية" التي تسم الكائن في العالم. ومن ثمة فهو يشكل هدفية الوجود الذاتي للإنسان. هذا الطابع لا يخلو من علاقات ذات ميسم ثقافي ورمزي وتعبيري يُعيد بها الجسد صياغة العالم ومنحه خصوصيات جديدة "(3). وفي الحقيقة فإن الجسد أجساد، فهناك الجسد الفقهي الذي يتحدث عن علاقته بالمقدس والمتعالي من طهارة ودنس ووضوء وحركات طقسية ... إلخ) في جميع الأديان. والجسد التشريحي التي تتعامل معه العلوم بوصفه كائنا عضويا وهو يختلف عن جسد الثقافة والعلوم الإنسانية مثل الفلسفة التي تجعله موضوعا للتأمل وهذا جسد الفيلسوف الذي يختبره من الداخل. ولنا مثال واضح عند الفينومنولوجيين. وأخيرًا الجسد التخييلي وهو الذي يهمنا وهو الذي وجد مرتعه الفعلي والدائم منذ القديم في المتخيل البشري. إنه ذلك الجسد الذي نجده في الآداب والفنون ونجده في جميع أشكال التخييل. إنه جسد مفارق لذلك الواقعي موضوع المعارف الأخرى، تصنعه اللغة وهي مادة التخييل. كيف ذلك؟ والجواب. إذا ما كان ما هو ديني، وما هو تاريخي يقبل التمثيل (Représentation). أي يمكنه أن يشير إلى مرجعه الواقعي، ويتشكل كسرد مثلا، فإن الجسد الذي يتمثله الأدب ومنه الرواية كجنس أدبي). هو غير ذلك الذي تشتغل عليه النصوص الفقهية باعتبار أن قضايا الجسد تخترق الديني والتاريخي والاستيهامي والحميمي الشخصي الذي يقبل الحكي والحكاية "(1). إذن فالجسد يتمظهر في النصوص التخييلية. ويأخذ طابعا خاصا لكونه ممزوجا باللغة والبلاغة. فيصبح بذلك مكونا خطابيا. فاللغة إذن هي المولدة للمعنى في الأشياء ومظهرة الدلالة في علاقة الذات با المحيط الذي توجد فيه وتسلك فيه سلوكا معينا
وتختبره بجسدها. يقول "دنيال سيبوني" عن علاقة الجسد باللغة: "إن الكتابة مثل الجسد، يلتمس ويشار إليه، ويُستحضر وتلبسه، نرقشه، نلعب معه، نلمسه، ونقرؤه عندما يكون صداه متاحًا من أجل الوصول إلى إيقاعاته التي تصنع صداه لا من أجل فهم معناه فحسب "(2). فالجسد يقرأ كما الكتابة ويتعامل معه كما الكتابة. فهو متن أيضا. وعلى الرغم من ذلك فالجسد سابق عن اللغة إذ تختلف تجليات التعبير الجسدي عن الدلالات اللغوية لأنها تجليات عفوية ومباشرة تكشف عنه واقع أصلي سابق للغة والجمل: ألا وهو الواقع الأنطولوجي للذات (3). وانطلاقا من هذا فإن إشكالية الجسد ستقودنا حتما إلى طرح معضلة الذات بإحالتها إلى جدلها القائم مع جسمها من ناحية الوجود الأنطولوجي المتمثل في (Représenté) الرواية. بمعنى أن هناك جسدًا لغويا، تخييليا، قد أشارت إليه الرواية يمكن البحث عنه وتحليل دلالاته باعتباره علامة وإشارة دالة. ومن المهم الإشارة إلى أن تعاملنا لن يكون إلا مع الخطاب في آنيته بعيدا عن خارج النص ( Le Hors Texte) سنعتبر أن الرواية لا تحيل إلا على ذاتها وإشكالها هو إشكال خاص بشخصياتها. إن الطابع التخييلي للجسد في الرواية هو ما حدا بنا إلى دراسته أولا وقبل كل شيء باعتباره مكونا خطابيا. والجسد هذا في هذه الرواية، قد تحول من واقعيته إلى جسد عجائبي. من خلال التوظيف ومن خلال الدلالات التي يحيل عليها. إنه جسد آخر مسلوب، مقهور يعاني تحوله من جسدانية Corporéité) واقعية إلى جسد مخيف، محرم وملغز. ومنه فهو جسد عجائبي
ب. الجسد العجائبي
من الملاحظ، إذن، أن تجربة الجسد هي ما يتواتر باستمرار في هذه الرواية. لأن الأصل في الحكاية كلها أن الفتاة التي ولدت في جسد أنثى حولت كما يحوّل النهر. كل شيء بسيط شريطة ألا نشرع في تحويل مجرى النهر" (ص 05. فسجنت في فكر رجل بجسد أنثى. إن الأمر سار ضد الطبيعة وضد الأعراف. لقد تحوّل الجسد عن غايته ليصير "آخر". هذا الاغتراب في جسد آخر مزيف جعل الإشكالية تدخل في صميم العجائبي. إذ أن هناك اشتغالا هاما في هذا النوع من الأدب على هذه التيمة. فها هو "دونيز ميلييه" يسميه جسدا عجائبيا .(Corps Fantastique)
ويرى أنه على الرغم من تعدد الطرق المتضادة أحيانا والمتكاملة أحيانا أخرى في اشتغالها داخل النصوص وفي أثرها على القارئ، فإن العجائبي لا يملك إلا أن يتلبس الأشكال والأجساد والأشياء وحتى الأمكنة (1). إن ظهور هذه الطرائق علامة على التناقض الصارخ، المتوغل والمتسرب إلى عالم يملك مقاسات ومعالم زمانية ومكانية خاصة بالتمثيل المشخص للواقع. إن ذلك يؤدي إلى اختلال وتقديم هذا الواقع. ومنه فإن الكائنات العجائبية تسمح للمؤلفين أن يطوروا - عن طريق
الشخصيات المدهشة والمرعبة - تفكيرًا جديدا عن تركيبة الأجساد.
يسمح الجسد العجائبي من خلال الكائنات المخيفة من تحقق ذلك التعارض في الأسس التي تصنع التماسك المنطقي للواقع (1) فالاختلال والاختلاط بين ما هو حيواني وبين ما هو إنساني، بين ما هو غير مفهوم ومتلبس من الجسد بما هو لغز فيه، يجعل تصوره المقلوب والمشوه من أهم موضوعات العجائبي. فالجسد بتحولاته الملغزة وصوره المبهمة وعدم اليقين الذي نشعر به تجاهه وعدم قدرتنا على التحكم فيه أحيانا، يجعل منه جسدا منفلتا، ملتبسا وعجائبيا بما يثير من أسئلة حول واقعيته ولا واقعيته.
لقد ارتبط الجسد دائما بالرغبة الجنسية، واعتبرت هذه الأخيرة من مواضيع العجائبي أيضا. لأن جميع الاستبهامات وجميع صور الرغبة، تأخذ شكل خيالات مجالها العجائبي، الذي تنفلت فيه الصور من رقابة الأنا الأعلى ومن رقابة المجتمع والدين. هناك يعتبر التخييل الطريق الملكي الأروع - كما يقول "دونيز ميلييه" - الذي تحاول الذات العجائبية الإفلات من خلالها من ربقة واقع الذي لا يحتمل (2).
ويبدو الجسد أن التام والكامل والواضح، معبر للجمال ومثير للاهتمام والفضول الدائمين، إلا أن الجسد المشوه والناقص يثير "الشعور بالغرابة المقلقة كما يقول فرويد. يقول "مالك شبيل" أن ما غريب يتجلى عندما يجب على الإدراك أن يغادر فجأة المجالات المريحة للعادي، الحسي، لكي يَتَوَاجَه مع مجالات المختلف والمعزول، فالشعور "بالغرابة المقلقة" لا يبين عن نفسه في هذه الحال، إلا في سياق يمزج أفكارًا مسكونة بذلك الربط السريع بين الخلل العضوي وتجسيد الشر. إن المقلق هو ما يخرج عن العادي وهو ما يقطع الصلة بصفة غير متوقعة بين الفكرة والشيء وبين الفعل والفكرة "(1). واختلال الزمن والمكان مضافا إلى اختلال السببية المنطقية، تتجسم كلها في حدث غير مفهوم غريب، غير متوقع، مما يحدث الهلع والخوف أو الفضول والقلق. ويؤكد "مالك شبيل" قائلا: "بيد أن الجسد، يبدو الفضاء الممتاز، الذي تتلخص فيه مثل هذه الشروط المناسبة لظهور تلك الآثار"(2). مما يؤدي إلى التضخيم عبر التخييل، ومن ثمة الدخول في عملية تقديس العجيب Le merveilleux) وإلى التداخل غير المريح للشك الواخز بحسب تعبيره ويضيف: "إن كل هذه المعطيات تساهم في إحداث القلق الدائم والهاجس الذي تسميه الشعور بالاضطهاد" الذي يبين عنه الإدراك الشعبي للخلل الجسدي (3). كالعمى، والعور، والصمم. فَيَنْعتُ أصحابها بالنحس، وسوء الحظ، والعين.
لذا يكون الجسد في المغرب العربي مقياسا للنقص دوما واللعنة تلحق به أولا مما يستدعي حمايته، أو تلبيسه بالأقنعة، وإخفاء كل إمكانياته، وتحويل نظر الآخر عنه بعدم الاهتمام به وإقصائه في الأماكن المظلمة (1). فيعيش لذلك في الظلال ويتغذى من الاستيهامات والصور المرعبة. وتنسب إليه الحكايات المخيفة ويكنى بالمجازات وتطلق عليه عبارات مواربة مدارية لا يبين من خلالها. فالأعضاء الجسدية لا تنعت مباشرة أبدا بل يكنى عنها فيصير بذلك جسدًا بعيدا تصنعه اللغة. إن الجسد في المغرب العربي كما يقول "شبيل" لا يأخذ كلا تاما بل متجزئا منفصلا بعضه عن بعض. وهو لا يشار إليه باللغة الصريحة بل باللغة المجازية ليأخذ من الطبيعة بعض الأشياء وتلصق به. أو تنسب إليه
صفات من خلال وظائفه عضوا عضوا. فالجسد عبارة عن تخييل في التفكير العربي، بحيث لا يمكن القبض عليه إلا عبر المجازات والتشبيهات والكنايات والاستعارات ومن هنا تتوضح تلك العلاقة بالرواية باعتبارها تخييلا من جهة وباعتبارها انجازا لغويا، فهل كانت جميع هذه الظواهر بادية في المتن الحكائي؟ سنبحث عن تجليات الجسد العجائبي في النص لنجيب عن هذا السؤال.
ج التحولات والمسوخ
تبدأ الرواية بالإعلان على أن الجسد هو مجال وحركة القص. وبحيث تصبح المرأة العجوز مالكة لأحقية الحكي عندما تحول الجسد الغض إلى فراغ أي عندما غابت حركة العلامة الأولى الشباب والمعاناة وجاءت حركة العلامة الثانية الشيخوخة والاستقرار ومن ثمة الأهلية للحكي. إن الجسد في هذه البداية الديباجة ص (5). هو الذي يجب أن يُقرأ. فالحكاية قد تركت علامات دالة على مرورها فيه. ففي التجاعيد وعلى الجبين، وعلى ظاهر اليدين هناك تكمن قصة
الحياة، على ظاهر اليد اليسرى. وعلى الملامح (ص (5). وإذ يعد الجسد هنا متنا، كتابيا يمكن أن يقرأ فيه تفتح أبوابه واحدا واحدا لنجد الألم والمعاناة. إنه الجسد كما تعايشه البطلة في آخر العمر وكما يعايشه الآخرون، شاهد على الزمن وعلى المرور وبدل أن يبقى صامتا يحاول أن يقول الحقيقة عبر اللغة والقول، لا عبر الإشارة.
في بداية تبحث الراوية عن القول لا عن الإشارة. فلقد اكتفى الشاب صاحب الصندوق بالإشارة والتلميح والفتاة السافرة أشارت بجسدها وقالت كلاما عاما، وأما "بوشعيب" فقد فقد الكلام. أما الراوي الآخر الذي دخل ساحة مراكش وبدأ حكايته دون جمهور كان يتواصل مع الخواء، فالإشارة والتلميح لم يكونا ليقنعا البطلة بل يجب بالإضافة إلى لغة الجسد التأكيد على القول، على الحديث والحكي بالصوت والكلام. يجب نزع أقنعة الواقع وتعريته. يقول القنصل ملخصا مسار حكايتهم جميعا بعدما اكتشفت الجلاسة حقيقة جسد البطلة الأول، الذي كان قناعًا. لأنه لا شيء واضح حقا ولا شيء عشت ذلك في جسدك. فأنت تعلمين أن النور خديعة" (ص 104).
غامض. أود أن أقول بأن كل شيء معقد، وأن الحقيقة أقرب إلى الظل منها إلى الشجرة التي تعطى الظل" (ص (103). ويضيف: "وبما أنك
إن القنصل يذكر الشعراء الصوفيين الذين يعتبرون الظاهر بمثابة القناع الأكثر انحرافا للحقيقة. هذه التي تختبرها بأجسادنا قبل كل
شيء. لقد عاشت البطلة طوال شبابها في استلاب مستمر في سجن.. كانت متنكرة في جسد رجل. لم تستطع أن تختبره العالم إلا في جسد آخر. والواقع هو أننا لا نستطيع أن نختبر الوجود إلا في أجسادنا الخاصة. فهو ما يجعلنا نتجذر في العالم وهو الموجود الذي أعي الكون
بواسطته "إن الجسد بوصفه جسدي الخاص وجسدي المعيش الذي له تأثير في ذاتي المفكرة هو أيضا المرجع والسند الحسي الذي أعي من خلاله كياني الواعي (1). فالعلاقة مع الوجود علاقة جسدية خالصة أولا، وإذا ما صودرت أداة الإدراك هذه فأي مصير هذا الذي تعيشه الذات؟ لا بد أنها ستعيش حالة اغتراب قاس. وهذا ما جرى بالضبط في حكاية طفل الرمال، ولقد حول الأب مجرى النهر، واغتال الأنثوي لينتصر الذكوري. لكن سرعان ما فارت الطبيعة، واجتازت حدود القوانين والسلط وعبرت عن ذاتها. لا يمكن للإنسان أن يقف في وجه حركة الجسد وهو يتحول se metamorphose . لقد عبرت الرواية من بدايتها إلى نهايتها عن هذا التحول. ليس في جسد البطلة وفقط بل في أجساد الشخصيات الأخرى التي تعاني من الألم نفسه القنصل والجلاسة) حيث أن الحالة الأولى كانت حالة ضياع الهوية الجسدية وأعقبتها حالة المسخ ثم التحول وفي الأخير كان الخلاص عن طريق تجربة الألم، والحبس والختان بالنسبة للبطلة، وتجربة الموت بسبب الحقد بالنسبة للجلاسة وتجربة السفر في العتمات بعيدًا عن كل شيء في الصحراء، في الجنوب الأقصى" (ص (132).
لقد كانت قصة البطلة التي ليس لها اسم محدد، معبرا إلى خلاص تلك الكائنات العجائبية المسجونة في أجساد غريبة عنها. أولها ذاتها التي تصرح قائلة: "كان" علي من حيث المبدأ الخروج من تلك القصة ... يجسد خاص" (ص (140). لأن الحكاية أصبحت جسدًا مزيفا أي قناعا آخر ينضاف إلى كل الأقنعة التي كان يضعها الأب على وجهها.
كانت الفتاة قبل موت أبيها تقف من جسدها موقفا مزدوجا، إذ هو مرة موضوع خجل وعار وبالتالي ينبغي كبته وقهره. ومرة أخرى موضوع تأمل لأنه المظهر الملموس للكينونة. لقد كان جسدها موضوع رغبة الأب وموضوع عاره أيضا وقد امتلكه وتصرف فيه فسلبه حريته. وامتلاك الآخر الجسدنا هو امتلاك لحريتنا. إن صورتنا الجسدية عند الآخرين هي العار والمحرم. ولا يمكن أن يعيي الآخر أن خبرتنا لأجسادنا هي خبرة خاصة في المكان والزمان. أي أن لنا تاريخا خاصا في علاقتنا بأجسادنا من حيث كون الجسد ينمو ويتطور ويفسد وينحل. ولما كان الإنسان يعيش تاريخه الخاص يجسده الخاص ولما كان تاريخه هذا هو في نفس الوقت تاريخ خبراته الجسدية فهو يعيش في علاقته مع نفسه ومع الغير ومع الأشياء بجسده الذي يندرج في الزمان بل بجسده الزماني "(1). تقول البطلة ليلة موت الأب: "وَدَاعًا أيها المجد المختلق. لنا الحياة والروح عارية، بيضاء. بكر والجسد جديد بالرغم من أن الكلام قديم !" (ص 44). لقد انطلقت في مغامرة القرية من المقبرة / الجسد المظلم إلى (القرية / اليوتوبيا) مع الفارس (الذكر) كي تستحم في ماء بحيرة وسط الأدغال. "لقد غسل ماء تلك العين جسدي ونفسي" (ص (80).
وراحت تعيش هلوسة أخرى في أولى تجاربها الجنسية "وهبت جسدي للدغل والأرض" (ص 48). وراحت في بيت القنصل تشرع في تعلم أن تكون امرأة بحيث تحاول أن تكون سعيدة "أي أن أعيش حسب إمكانياتي بجسدي الخاص" (ص (63).
لكن الأمر لم يكن سهلا للتخلص من القشور. لقد كان يلزم تنظيف الضمير، ومنح ما يكفي من الوقت للجسد حتى تتحول
والذكريات حتى تنطفئ نهائيا (ص) (70). وذلك عبر وظيفتين أساسيتين في الوجود البشري هما التواصل اللغوي، والتواصل الجسدي. كان اللقاء مع القنصل خلاصا للكائنين المغتربين في أجساد أخرى عن طريق الحب بشقيه الجسدي والروحي.
يقول "فرانسوا شيرباز" إن الرغبة تنبثق كقوة ودفق مدهش، يحيل إلى الطرق الذي يتعرف فيها الكائن على الوجود. إن الرغبة وهي تستيقظ ليست "دفقا" بسيطا يحيل على ميكانيكية العلاقة بين كائنين "إنها بشكل متبادل تجربة جديدة الجسدنا واكتشاف للآخر كجسد"(1). إن الجنسانية يقول شيرباز: "هي في صميم الوجود لأن النضج يقر عند الإنسان ربما يُعرف الكائن على أنه رجل أو على أنه امرأة. فلسنا إذن أمام غريزة بسيطة، لكن أمام دفق يغمر العيش كله ويطبعه بميسمه. وبكلمة واحدة. إن الفرد بما هو رجل أو امرأة، يقبض على العالم، وينخرط فيه ويلتقيه "(2).
هكذا فالبطلة قد تعرفت إلى ذاتها، وفهمت أنوثتها في هذه التجربة. وراحت تؤنث جسدها الخاص. " لم أعد كائنا من الرمل والغبار مضطرب الهوية. متفتنا عند أقل هبة ريح" (ص 106). أما القنصل هذا الفتى الضرير المعطوب الجسد، والذي سلبت منه رجولته فقد تحول إلى كائن مخيف. يعيش عن غربته في جسده الضرير، الأعمى بالإضافة إلى كثافة الجسد كقبر أصبح القنصل وهو أعمى يعيش في متاهة. لأن حريته مرهونة بالآخر . حتى أنه يستعير أعين الآخرين كي يرى، وكما ملك الأب جسد الفتاة. فإن الجلاسة ملكت جسد القنصل ومارست عليه سلطتها يقول عنها كانت تروم التقامي
والتهامي" (ص 116). كما الوحش الكاسر أو الغولة في التراث الشعبي.
إن القنصل يعيش إشكال جسده بحده جعلت تصرفاته تنحو إلى الغرابة. لقد انزوى في ظلمته وأخذ يفتش عن الخلاص عبر التخييل. لقد صنع بنفسه عالما خاصا أنثه بالأجساد الخيالية. ففي تلك الحديقة أو الجنة التي يرتادها وحيدًا عبر أحلام اليقظة، تتحول الكتب إلى نساء / أجساد، تأخذ طابعا لغويا. هذه النساء / الكتب صهباوات شقراوات، وسمراوات تهب نفسها لكلّ مطلع. أجساد جميلة ناطقة، راغبة ومرغوبة. يقول "جلال الدين سعيد" في هذه العلاقة: "الجسد لا يقارن إلا بالآثار الفنية. لأن الرواية والقصيدة واللوحة والقطعة الموسيقية، كلها أفراد، أي موجودات لا يمكن أن نميز فيها بين التعبير والمعبر عنه. كما لا يدرك معناها إلا بالإدراك المباشر. فهي تشع بدلالاتها دون أن تغادر مكانها في الزمان والمكان"(1). ولا يمكن معرفة الكتب إلا بالاختبار الجسدي.
وفي التراث العربي يُنْعتُ الجسد بالمتن والمتن بالكتاب. وفي الفرنسية يقتسم (Le corps الجذر اللغوي مع (Corpus) ويقول فريد الزاهي : "بين الكتابة والجسد تواطؤ أساسي أدرك القدماء خطورته فصارعوه وإن لم يصرعوه. فالكتابة كدال وحرف تشكيل وتصوير و "ظل" مادي عيني المتعال يكون هو المعنى والصورة والمثال... وكما أن الجسد موضع لما يسمى عادة بالروح فالحرف موقع ومحال للمدلول "(2). فالكتابة كما الجسد يتم تصورها كمجرد مأوى للمعنى والروح.
لكن ما هي الآلية المتحكمة في الآلية الجسدية والآلية اللغوية التي تجعل الجسد يتشاكل مع اللغة والكتابة؟ يقول "جيل دولوز: "إنها التني والعطف. "أي الجسد واللغة يعكس أحدهما الآخر لأن كلاهما ثني. فكما أن الكلام لا يُغزّزُ المعنى إلا بثنيه وعطفه المتواصل للكمات بعضها على بعض فكذلك تكون حركات الجسد متقطعة مترددة وغير متوقعة. مما يجعلها شبيهة بالبراهين والأقيسة التي يَرْحَرُ بها حديثا ... إنه يُوجد تمثيل إيمائي داخل اللغة. كما يوجد حديث ورواية داخل الجسد"(1). إن تلك الكتب المتحولة إلى أجساد تحيلنا مباشرة على "العجيب" الرائق الذي يحتمي به الإنسان من قساوة الحياة. حيث يركب الصور كما يشاء ويقلبها كما يريد.
لا يمكن للإنسان أن يعطى للذاته إلا صورا محسمة جميلة ولا يمكن أن يعطي المخاوفه إلا صُورًا أخرى مرعبة. كان القنصل يملك قدرة عظيمة على التغيب عندما ما كان يجد أن وضعا ما ثقيل ودبق"
( ص 103). كانت هذه طريقته في التخلص من الألم.
أما أخته الجلاسة فكانت جسدًا عجائبيًا منهارًا في عتمة الحقد. صورة عن الأب، حَسَدٌ سالبٌ ومُسْتَلِبٌ. امرأة تحقد على شرطها الإنساني الجسدي المشوه كان جسدي المتعب زائدا ... كل ما لدي مائل الجسد وما بداخله" (ص 78). وتقول عنها البطلة: "وَحْدَهَا الكراهية كانت تحمى تلك المرأة من الانهيار البدني، وتردُّ عنها الموت. موت لن يُسَبِّبه دَمَارُ الجسد بل بأس هائل، أسى وعجز لا نهائي يقود إلى الظلمات" (ص (77). لقد كانت خيبة جسدها هي ما دفعها إلى
هذا الألم كله وإلى كونها جسدًا مشوها يقسو ويسلب حرية "الآخر"
إن مرارة العيش جعل الجلاسة امرأة ساخطة. نلاحظ أن هذه الأجساد المشوّهة: القنصل والجلاسة صور في المرآة للألم ذاته التي تعيشه البطلة. وهي لعبة الرائي هو المرئي فيها. إن الجسد هنا متعدد، متشظي في أجساد أخرى على الرغم من أن تجربة "الأنا" والشعور بالذات المستقلة لا تكون إلا في الجسد الخاص. فالجسد المصدوم جسد مخطوف مسروق، مسكون ومعار جسد كما يراه "الآخر". مختلف عن ذلك الذي أعيشه. إنه جسدي ولا جسدي، ذاتي ولا ذاتي. إنه "ذاتي" الغريبة" كما يقول "سارتر"(1). إن التشويه في الذات المغتربة على العالم، باب التصور العجائبي للجسد الذي يتركب من الاستيهام والرغبة والخوف باعتبار أن "ليس هناك من شيء أكثر غموضاً بدون شك من نظر الإنسان في عمق جسده الخاص"(2).
الذي يحاول إدراكه والعيش به. إن عدم خضوع الجسد للوعي يؤكد مرة أخرى لغزيته من جهة ولا تحدد وغموض الوجود ذاته "(3).
هكذا تعرف الشخصيات الفاعلة في الرواية (الجلاسة والقنصل والبطلة أن عليها المقاومة لإثبات وجودها. وتعرف "أن الشرط الإنساني جسدي، كما أنه تاريخي.. لأن الإنسان يعيش جسديا تاريخه، وتاريخه (حكايته) هي أيضا حكاية تجربته الجسدية.. إن الزمن لحمة
كينونة الذات بشكل عميق، حتى أن أيا من علاقاتي مع الآخرين، ومع العالم ومع ذاتي أي مُجْمَل تجربتي، تدخل في الصيرورة "(1). (La durée). وإذا كان لا مناص من تلازم الجسدانية Corporéité) مع الكائن، فالتوازن الفردي يتطلب أولا وقبل كل شيء الانخراط في هذه الجسدانية. أن تقبل جسدك وإن تقبله ككائن مادي شرط أولي للتوازن (2). إن هذا بالضبط ما كانت تسعى إليه هذه الكائنات العجائبية طوال رحلتها في متن الرواية. ذلك كان الشرط الأساسي للانخراط في تجربة أخرى. نسميها التجربة القدسية.
د. الألم والعبور
بالإضافة إلى تجربة الشخصيات الرئيسية للجسد هناك أجساد مشوهة. كجسد فاطمة التي تزوجتها البطلة للحفاظ على المظاهر عندما كانت رَجُلاً. هذه الفتاة المصابة بالصرع، حالة من التشوه الخلقي. والاستسلام للشرط الذي أوقعها فيه المجتمع. إن "فاطمة" وقد ماتت بالصرع تعبر عن غربة الجسد وقهره إلى درجة أنه تحول إلى كتلة من الألم. هذا الأخير الذي ليس بعده خلاص عندها. إنه الألم المتاهة. كان جسدها مخطوفا ومعارًا للمجتمع يفعل به ما يشاء. هذا المجتمع الممثل في أبيها الحاقد على أخيه. هذا الأب المشوه لكونه يعيش ويتغذى من الحقد أيضا.
يقول "شيرباز" عن الألم : "لأنني أتألم فإنني عاجز عن التصرف كما أريد.. نعم إنني أنا من يتألم لكن الألم ليس مني، إنه كما الشيء في، كائن لا يمتزج مع ذاتي .. من هنا نفهم لماذا كانت الذهنية البدائية
تصنع من ألمها كائنا يسكنها. إنه الألم لا يتمازج جسديًا معي كليا، فهو يبقى غريبا بالنسبة لي إلى درجة أني بكل عفوية أعتبره علامة على حضور "آخر" في "(1). وهذا بالضبط ما وقع "لفاطمة" والراوية تخبرنا عن ذلك في مشهد كابوسي في الفصل الثالث عشر (ص 95). المعنون بركة ماء ثقيل حيث كانت تجوس في بركة عفنة من الهلوسات وفي هذه المياه النتنة تقول: تعرفت على جسد فاطمة بنت العم البئيسة المصابة بالصرع ... كنت أحبها لأنها كانت تمزقا مفتوحا لا يتعهده حنان كان وجهها ساكنا وجسدها كاملا راقدًا في قعر تلك البركة كانت كشيء بال لا يرغب فيه أحد".
إنها المشاهدات نفسها التي رأتها البطلة في السجن. بعد مقتل العم. رأت أجسادًا مشوهة. نتيجة الألم الذي سببته الأخوات لها عن طريق الختان / التشويه تقول: "شققت لنفسي سبيلاً بين أجساد شديدة النحول معلقة في الحظيرة. كانت بجلودها على العظام تتدلى عارية وشفافة. كان ثمة حشد من الأجساد المفرغة من كل ماهية ينتظر بتلك الحظيرة ... هواء خفيف يهب من طرف إلى آخر وكان يُحرك الأجساد بصعوبة. كانت العظام تصطك أحيانا. فكان يصدر عن ذلك ضجيج ارتطام يحوله الصدى" (ص (12). كل هذا فضيع حقا أنها مذبحة بشرية ينبعث منها رجل دامي الركبتين مُخضَرَّ الوجه " لم يكن شبحًا كان محتضرا" (ص (127). يُنبئ عن أخبار هذا العالم الفظيع. تقول الراوية: "صار" صوت المحتضر يسكنني جليا" (ص 128). فالأ لم ذات شريرة تسكن الذات، صوت داخلي دبق ثقيل، يقول "شيرباز": "أنني أنا من يتألم، لكن الألم يكشف لي أن جسدي هو آخر". فهو يلتقي مع "غيرية" (Altérite) في القلق والهلع بما أنه خلف الألم الذي يَخْشَى الجسم، يَحُومُ الخَطر.. وأن تعيش الألم فإن الحضور يكشف في عمق الذات عن جسدانية كشيء غريب وغامض و "آخر" في نفس الوقت "(1).
كان يلزم الكثير من الألم إذن للانسلاخ عن أجساد الآخرين للقاء الأجساد الحقيقية التي تختبرها بدل تلك التي يمنحها لنا المجتمع. وبما أن الجسد ظلمة فإنه لا يمكن أن نعرف العبور إلا عندما تختبر الظلمة تقول الراوية في تجربة الظلمات إن العمى حينما يقبل برضى يَمْنَحُ بصيرة وشفافية فريدتين فيما يخص الذات والعلاقات مع الآخرين (ص) (114). وتضيف "كانت طبقة العتمات التي كنت أستقدمها نحوي تزداد كثافة يوما بعد يوم. فكانت تُساعده على الانفصال عن جسدي على تركه سليما" (ص (119). وقد انتهى بها المطاف إلى التحرر من ذلك الشعور بالخجل من جسدها لتجد التوازن وتعلن أن هذا جسدي. أنا أنثى.
وفي الأخير أصبح الجسد الملجأ والقيمة الوحيدة وهو ما يبقى عندما تتلاشى كل الملاجئ والقيم ولتصبح كل علاقة اجتماعية ذات طابع عرضي. "إن الجسد يبقى المرساة الوحيدة القابلة لأن تشد الشخص على يقين مازال مؤقتا بالتأكيد وبواسطتها (المرساة / الجسد) يُمكنه أن يرتبط بحساسية مشتركة ويلتقي بالآخرين ويشارك في تدفق الإشارات، وأن يُحس دائما بأنه على صلة مع مجتمع يسود فيه عدم اليقين (2). لقد كان الجسد بالنسبة للبطلة المرساة التي تربطها بالوجود
بعدما فقدت المعالم يوم دفن الأب. لقد اختلط اليقين بعدم اليقين واختلط الوهم بالحقيقة، ولم تبق إلا حقيقة الجسد المتجذر في العالم. إن علاقة الأب بالفتاة علاقة زائلة كانت مبنية على القهر وعندما فقدت اليقين لم تلتق إلا يجسدها الذي يُعد يقينها الوحيد. وكذلك الأمر بالنسبة للشخصيات الأخرى. لقد كان عبورًا إذن من جسد هو صورة صنعها "الآخر" إلى الجسد الخاص. لكن يجب على هذه الذوات أن تبحث لنفسها عن معنى. إذ أن التحقق في جسد ما يحتاج إلى دلالة باعتباره متنا (corpus) وباعتباره علامة تحتاج إلى تأويل.
هـ. انتصار المقدس على الرغم من أن الجدل الغالب في الرواية هو جدل تحقق الذات جسديًا إلا أن الأمر ينتهي في الأخير إلى ما يشبه اللقية الصوفية(1). إذ أن المعرفة بالجسد هي المعرفة الأولية بينما المعرفة الشمولية المتجاوزة للشرط الإنساني الفاني. هي معرفة من نوع آخر مختلف. إن اللقاء الأخير في الولي (ص (147) دليل على أن الأمر يتجاوز ما هو جسدي للبحث فيما وراء ذلك. يقول لويس فاكس : "إذا ما كان هناك من وجه مظلم يسيطر على الأدب العجائبي فإنه ليس الجسد بل الموت "(2). ويبدو الأمر ملتبسا حقا عندما نرى أن البطلة وهي تصارع وتحارب العالم كله من أجل الاعتراف بها كأنثى، تنتهي إلى البحث عن القنصل في الجنوب. إن السؤال قد يُجيب عنه القنصل نفسه. يقول: "لست من اللواتي يختمن قصة ما. إنك بالأحرى من اللواتي يتركنها
مفتوحة بغية تحويلها إلى حكاية لا نهائية. قصتك سلسلة من الأبواب التي تنفتح على مجالات بيضاء ومتاهات تدور" (ص (133). ماذا يريد المؤلف أن يقول بهذه النهاية الغريبة؟
لقد صور تحول الجسد من الكثافة المظلمة إلى الشفافية النورانية (أنظر تحول الجلاسة إلى امرأة صالحة تسبح. وقد صار وجهها "أكثر هدوءا، أكثر إنسانية" (ص (128) وأنظر إلى القنصل وقد تلفع بالبياض وصار يبارك الناس). وإلى جسد البطلة وقد صار يذرف دموع السعادة. وصارت كالورقة ترتفع بخفة، ولقد لفها برقع من الضباب الأبيض. لقد هبط بغتة من السماء نور ساطع، نور يكاد لا يطاق. كان من العنف بحيث رأيت كرة معلقة هي منبع ذلك النور" (ص 148). يبدو أن البطلة تكتشف أن الخلاص الحقيقي ليس في الجسد، بل في النور في التجربة "الماورائية" المفارقة للجسد الذي بالإضافة إلى جسدانيته فإنه ليس منغلقا في الحدود الخارجية. صحيح أن التجدر في العالم لا يكون إلا جسديا. لكن الإنسان وهو يختبر قوى أخرى غير الجسدية، يكتشف أن جسمه ليس إلا معبرًا لما هو أعمق في كينونته. إن اجتراح الألم يفتح باب التخيل. وهو ما وقع فعلا لهذه الشخصيات القلقة حول مصيرها.
إن العجائبي يفتح هذه الأبواب في التفكير البشري الذي ينحوا إلى إقصاء كل ما هو خارج العقل. إن التجربة العجائبية في الجسد وفي المحيط، عبر الخيال والتخييل تكشف الطابع الملتبس للوجود البشري. وتكشف أن الإنسان لا يمكنه أن يستغني عن خيالاته. مهما كانت مرعبة أو مقلقة فهي زاده في رحلة وجوده هذه. إن العجائبي لا يستحضر ما هو غائب وفقط، بل يجعل ما هو واقعي قابلا أن يتفجر عن ما هو غائب. فهو يجعلنا نشك في قدرة حواسنا على إدراك العالم.
وليس الجسد وحده من سيكون متهما بل حتى العقلانية التي يتحجج بها الإنسان لفهم العالم حوله.
إنه يعيد النظر في الفهم وفي القيم المكتسبة وفي الثنائيات التي تسود الإدراك البشري الروح والجسد الهنا الهناك، الداخل والخارج، الواقعي، الخيالي.... إلخ) إنه انقلاب في كل هذا. فقد يكفي أن يتدخل عنصر فوق طبيعي أو يتدخل عنصر خيالي نصنعه بهواجسنا حتى نعيد التساؤل حول الأسس التي ينبني عليها إدراكنا. إننا هنا تكتشف أن التجربة العجائبية في الجسد العجائبي تجربة تنحو نحو التقديس والتعالي. وهذا طرح يدخل في مجمل ما توحي إليه هذه التجربة في الوجود التي تحاول دائما التعرف إلى نفسها في أصلها.
في التجربة "الماورائية".
في الأخير يمكن أن نكشف أيضا عن طريق التأويل أن تجربة الجسد في الرواية لم تكن مجانية. الهدف منها محاكمة المجتمع على نفاقه فيما يخص قضية اعتبار المرأة جسدا يجب إقباره وإبعاده عن العيون، أو فيما يخص قضية تفضيل الذكورة على الأنوثة. إن القضية أبعد من ذلك ربما. فالنهاية الغريبة التي ختمت بها الرواية، قد خيبت أفق انتظار القارئ، من حيث تكريسها للحل المتعالي والتقديسي. فإشكالية الجسد العويصة قد انتهت إلى الحل الصوفي، فيما نظن؟ يبدو الأمر غريبا لكن هناك إشارات مزروعة على طول مسار الحكاية، بعضها خفي وبعضها بين، تدلنا على احتمالية هذا الطرح. منها ذلك الحوار (ص) (63) حيث يدور نقاش بين الراوية والقنصل على المعنى الروحي للدين. تقول البطلة. "لقد زهدت. أنا زاهدة بالمعنى الذي أعطاه الحلاج لها في صوفيته".
وتشير الراوية في الحوار إلى أن الظاهر هو القناع الخفي للحقيقة. وتؤكد أن حقيقتها كانت ملتبسة إلى أن تعرفت على
انوثتها بل حتى انخرطت تبحث عما هو جوهر في الذات الإنسانية أي ما وراء الجسد.
هذا الإشكال لا يمكن أن يحله المؤلف إلا بهذه النهاية. فمغامرة البطلة كانت أكبر من أن تقف عند حدود الجسد. لذا كان اللجوء إلى ختام المغامرة عند البحر والولي إشارة إلى التصور الصوفي الذي يعتبر الجسد علامة تدل على الروح. لكن العلامة والإشارة كما المشار إليه لا يفترقان. كما أن الدال والمدلول في العرف الصوفي يصبحان واحدا.
ومنه فالجسد باعتباره علامة لا ينفصل عن الروح باعتبارها دلالة على تلك العلامة. فالروح إذن جسد عندهم، والجسد روح.
ها هو "عاطف جودة نصر" ينقل عن الشيخ "عبد الكريم الجيلي"
صاحب كتاب الإنسان الكامل" في رسالة مخطوطة قوله "إن الصوفية فرقوا بين الجسم والجسد. فقالوا أن الجسم هو كل صورة مرئية. قابلة للأبعاد الثلاثة حالة كونها كثيفة الأصل طبعا. وقالوا أن الجسد عبارة
عن كل صورة يتشكل بها روح من هذه الصور الجسمانية "(1). ويضيف عاطف جودة نصر عن علاقة الخيال والتخيل بالجسد وبالطرح الصوفي العرفاني وربما قيل أن دلالة الجسم والجسد واحدة ولكن الدلالة هنا ذات أساس معجمي تتجاوزه العرفانية الصوفية صوب دلالات أخر. تدور على استبطان التنزيل تأويل النص القرآني).
وعلى الإهابة بالمصطلح الصوفي من ناحية أخرى"(2). لقد شرح ابن عربي" شيخ المتصوفة الإشكالية " في تعريف
الجسد على أنه كل روح ظهر في جسم ناري أو نوري. وزاد في عبد الكريم الجيلي، نقلا عن عاطف جودة نصر الخيال مفهوماته ووظائفه
الفتوحات، أنه كل روح أو معنى ظهر في صورة جسم نوري أو عنصري حتى يشهده السوى (1) . مما يعني أن الجسدية تنطوي بديهيا على مفهوم خاص بالمعنى التي يدخلها الصوفي في تلك العلاقة. فمفهوم الجسد مشاكل ومواز للمفهوم الذي أعطوه للألفاظ كأجساد والمعاني كأرواح.
وهذه الرؤية هي ما نفهمه من تلك النهاية المبهمة والمفتوحة على المقدس الممزوج بالجسدي في (ص) (149). فعندما عبرت الراوية الجدار القصير وانتقلت إلى البحر ودخلت في مشاهدات نورانية، كانت قد انتهت بالوصول إلى تلك الدار الكلية البياض حيث ألفت الجلاسة والقنصل وقد تحولا إلى كائنات أخرى.
نلاحظ ختاما المزج بين الجسدي وبين أجواء ما هو مقدس عندما عبرت الراوية عن رغبتها في التواصل مع الرجل الغريب فنهضت وقلت له في أذنه:
لقد انصرم أمد طويل لم يداعب فيه أي رجل وجهي ... هيا أنظر برفق إلي بأصابعك، براحة يدك.
فانحنى علي وقال لي : - ها أنت أخيرا ... "


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

اسهاماته في الخ...

اسهاماته في الخط العربي كان من إنجازات هذا الوزير أنه أول من هندس حروف الخط العربي، ووضع لها القواني...

داية انتشار الخ...

داية انتشار الخط العربي : كانت بداية انتشار الخط العربي في عصر صدر الاسلام ومع بداية رسالة الرسول ...

Jahresbericht g...

Jahresbericht gemäß der EU- Verordnung zur Förderung von Fairness und Transparenz (P2B- Verordnung) ...

نشأت رهبنات مست...

نشأت رهبنات مستقلة لا يعني استقلالها انفصالا عن التسلسل الهرمي في الكنيسة وخروجاً على سلطتها العليا....

Need Recognitio...

Need Recognition occurs when a customer perceives a difference between his or her current state (per...

أدب الكاتب؛ هو ...

أدب الكاتب؛ هو كتاب من تأليف الأديب والفقيه ابن قتيبة، ويقع في 456 صفحةً، وهو من أصول الكتب في تعليم...

I believe that ...

I believe that I can contribute to the success of the youth delegation to the World Democracy Forum ...

يمكن تعريف القا...

يمكن تعريف القانون الإداري من زاوية أخرى وفقا لمعيار تقسيم أخر وم:طبيعة القواعد القانونية التي تنظم ...

الفصل الثامن من...

الفصل الثامن من كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" لإيلان بابيه يركز على الفترة بعد إنشاء دولة إسرائيل ...

الوديعة النقدية...

الوديعة النقدية تعد واحدة من أهم العمليات المصرفية التي تُجريها المصارف مع عملائها، حيث تُعتبر مبالغ...

إذا كانت األثنو...

إذا كانت األثنولوجياوالسوسيولوجياالكولونياليتين)اإلستعماريتين( قد ارتبطتا اسميا بفرنسا، خاصة في الم...

يشهد العالم متغ...

يشهد العالم متغيرات وتطورات متزايدة في مختلف المجالات فرضت على المنظمات بمختلف تخصصاتها مواجهة عدة ت...