Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (67%)

أبو نواس: الحسن بن هانئ اشتهر في الأدب العربي عشرات من الشعراء والأدباء، يعرفهم قراء الأدب ورواته، ولا تصل أسماؤهم — فضلًا عن أخبارهم — إلى الأميين وأشباه الأميين من جهلاء العامة، ما عدا شاعرًا واحدًا اشتهر من بين هؤلاء الشعراء والأدباء في بابه فسمع به الأميون وأشباه الأميين، واتخذوا من اسمه علمًا على كل من يشبهه في صورته عندهم، وصحفوا ذلك الاسم تصحيفًا يدل على مصادره الأمية، فعرفوه باسم «أبي النواس» بتشديد الواو وزيادة الألف واللام للتعريف على الدوام. ولم يكن شذوذ هذا الشاعر عن هذه القاعدة لسهولة شعره، فإن الأميين الذين يتناقلون أخباره ونوادره لا ينقلون بيتًا واحدًا من شعره، ولا يروونه مصحفًا أو بغير تصحيف، ولم تكن هذه الشهرة أيضًا لقرب عهده وقصر الزمن بينه وبين رواته المتأخرين، فإن النواسي عاش في القرن الثاني للهجرة، وهؤلاء الأميون الذين يتناقلون أخباره المزعومة قد يجهلون أسماء الشعراء والأدباء في عصرهم، أو يجهلون على التحقيق أسماء الشعراء والأدباء بعد القرن الثاني للهجرة بلا استثناء، ولكن هذا الاستثناء لم يكن على أية حال مصادفة لغير سبب، كما سنرى في موضع البيان عن أسباب هذه الشهرة عند نشأتها الأولى، ومتى وجدت الشهرة فهي قابلة بعد ذلك للإضافة والزيادة، ولو من غير القبيل الذي نشأت من أجله في مرحلتها الأولى. فلا عجب أن يتحدث به أشباه الأميين وهم أقرب إلى الأدب المقروء في الكتب، والقدرة على فهم القليل منه، إن فاتهم فهم أكثره وأصحه. ونعني بأشباه الأميين أولئك الذين يقرءون ولا يقدرون على تصحيح نسبة الكلام واستقصاء وجوه التصحيح، فإذا سمعوا كلامًا لشاعر مشهور غيره، جاز عندهم أن يكون لهذا أو لذلك، وإن كان الفارق بينهما واضحًا لنقاد الأدب ورواته المتثبتين. هؤلاء القراء أشباه الأميين يعرفون النواسي كإخوانهم الأميين؛ وقلما يعنيهم منه ذلك الشعر الذي ينسبونه إليه سواء صحت نسبته إليه أو إلى غيره، أو كان مختلقًا ملفقًا لا تصح نسبته إلى أحد من الشعراء المشهورين. والغالب على هذه الشخصية أنها شخصية النديم اللاهي — «الحاذق» — ونكاد نكتبها «الحدق» بالدال، وعلى غير صيغة اسم الفاعل؛ لأن «الحداقة» كما يفهمها العامة هي أم الصفات التي تتغلب على «النواسي» في روايات أشباه الأميين، ومنها سرعة الجواب والفهم بالإشارة، أو الفهم الذي يوشك أن يكون اطلاعًا على الغيب، مع اللباقة في اللعب بالكلام أو اللعب بالأفهام على حسب المقام، وليس أشهر من الأدب المنسوب إلى أبي نواس في الكتب التي تروج بين أشباه الأميين، وأعلام الناس فيما جرى للبرامكة مع بني العباس، قيل: «إن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرِق ذات ليلة، فقام يتمشى في قصره بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته فداس على رجلها، وقالت: يا أمين الله ما هذا الخبر؟ فأجابها يقول: فأجابت بسرورٍ سيدي أخدم الضيف بسمعي والبصر فبات عندها إلى الصباح، فلما كان الصباح سأل: من بالباب من الشعراء؟ قيل له: أبو نواس، فأمر به فدخل عليه، فقال: هات ما عندك على وزن: يا أمين الله ما هذا الخبر! فأنشد يقول: إلى أن يقول: فلمست الرِّجل منها موطئًا فدنت مني ومدت بالبصر وأشارت لي بقول مفصحٍ يا أمين الله ما هذا الخبر؟ قلت: ضيفٌ طارقٌ في أرضكم هل «تضيفوه» إلى وقت السحر إلى آخر البيتين. فتعجب أمير المؤمنين وأمر له بصلة. «وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يومًا وقت الظهر إلى مقصورة جارية تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم ير من جسدها شيئًا، فأعجبه منها ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه وقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشار وأبو نواس، إلى أن يقول: وقالوا: تجنبنا ولا قربَ بيننا وكيف وأنتم حاجتي أتجنب على أنهم أحلى من الشهد عندنا وأعذب من ماء الحياة وأطيب فقال الخليفة: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل يقول: وقابلتِ الهواء وقد تعرت بمعتدل أرق من الهواء فلما أن قضت وطرًا وهمت فأسبلت الظلام على الضياء وغاب الصبح منها تحت ليلٍ فظل الماء يجري فوق ماء فسبحان الإله وقد براها كأحسن ما تكون من النساء فقال الرشيد: سيفًا ونطعًا يا غلام! قال أبو نواس: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: أمعنا كنت؟ قال: لا والله، ولكن شيئًا خطر ببالي. فأمر بأربعة آلاف درهم!» وأمثال هذه الحكايات كثير، حد «الحذاقة» فيها — أو «الحداقة» — هو حدها عند أشباه الأميين، وهو شرطهم في أرباب الفن إلى هذه الأيام. أخباره عند الأدباء وغني عن القول: أن أخبار النواسي ليست مقصورة على الأميين وأشباه الأميين، ولكن اهتمام الأميين وأشباه الأميين بها هو وجه الغرابة في هذا الباب من الأدب، وأما العارفون بأدب الفصحى فلا وجه للغرابة في اهتمامهم به وبأمثاله من موضوعات الأدب والفنون. على أن الأمر في هذه الناحية لا يخلو من غرابته التي تخص أخبار أبي نواس بخاصة، ولم يشاركه فيها أعلام الشعر والثقافة الفنية، فإن رواة الأدب الصحيح لا يهتمون بأبي نواس وأنداده من الأعلام على نحو واحد، بل يلوح عليهم أنهم يودون لو يشركونه بسهم في سيرة كل أديب. ويحبون إذا نسب الخبر إليه أو إلى غيره أن يؤثروه به لو استطاعوا، وأن يجعلوه من مروياته ومأثوراته دون المرويات والمأثورات عن سواه. فصاحب العقد الفريد — ابن عبد ربه — من أعلم الرواة بأخبار الشعراء، ويضيف إليه أخبارًا مشهورة عن ذي الرُّمة وصاحبته مية، على وجه مي مسحة من ملاحةٍ وتحت الثياب العزُّ لو كان باديا ألم تر أن الماء يخبث طعمه ولو كان لون الماء في العين صافيا وقد سئل ذو الرمة عنهما فأنكرهما وقال: وكيف أقول هذا وقد قطعت دهري وأفنيت شبابي أشبب بها! فيأتي صاحب العقد الفريد، ولا يبالي كذب الرواية من أصلها، وهذا مقام من المقامات الفنية التي يؤلفها خاصة الأدباء تأليفًا؛ ليذكروا فيها ملحةً أو طرفة عن ذلك الشاعر المجدود. نزلنا منزلًا بإزاء ماء لبني تميم ذا روض أريض ونبت غريض، وانفجرت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء فانشق غمامها، حتى إذا كانت كما قال أوس بن حجر حيث يقول: همت برذاذ ثم بِطَشٍّ ثم بوابل، ثم أقلعت وغادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق، رياض مونقة ونوافح من ريحها عبقة، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فلما انتهينا إلى أوائلها إذا نحن بخباء على بابه جارية مشرقة، وسنان النظر، أشعرت حماليقه فترة وملئت سحرًا، فقلت لزميلي: استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها! فاستسقاها، وإن نزلتم فعلى الرحب والسعة، ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها، ثم أتت بماء فشربت منه وصببت باقيه على يدي، يريك عيون الدمى غرة ويكشف عن منظرٍ أشنع وسمعت كلامي فأتت وقد نزعت البرقع، هما استسقيا ماءً على غير ظمأةٍ ليستَمْتِعا باللحظ ممن سقاهما فشبهت كلامها بعقد در وهَى فانتثر، بنغمة عذبة رخيمة، ولو خوطب بها صم الصلاب لابنجست، مع وجه يظلم في نوره ضياء العقل، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم ويحار في بهائه طرف البصير: فلم أتمالك أن خررت ساجدًا، فأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور! لا تذم بعدها برقعًا؛ ويحل القوى ويطيل الجوى، فالتفت إليَّ صاحبي وقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته! أما سمعت قول ذي الرمة: فقالت: أما ما ذهبت إليه فلا أبًا لك، وإني لأنا بقول الشاعر: منعمةٌ حوراء يجري وشاحها على كشح مرتج الروادف أهضمِ لها أثرٌ صافٍ وعينٌ مريضةٌ وأحسن إبهامٍ وأحسن مِعصَمِ خزاعيةُ الأطرافِ سعدية الحَشَا فزارية العينينِ طائية الفمِ ثم رفعت ثيابها بلغت بها نحرها وجاوزت منكبيها، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب، ثم قالت: أعرًّا ترى لا أبا لك؟ قلت: لا والله، ويتركني جسدًا بغير روح. فخرجت عجوز من الخباء، فقالت لها: دعيه فإن له مثل قول غيلان ذي الرُّمة: وإن لم يكنْ إلا تعلُّل ساعةٍ قليلًا فإني نافعٌ لي قليلها فولت العجوز وهي تقول: وما نلتَ منها غير أنك «واصلٌ» بعينيك عينيها فهل ذاك نافعٌ؟ فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، وا حسرتا مما يكنُّ فؤادي أزِفَ الرحيلُ بعبرتي وبُعادي وقد تضاعف حسنه ونمت بهجته، وقلنا: السلام عليكن، فقالت من بينهن: وعليك السلام، وقصت عليهن القصة ما خرمت حرفًا. وأسحرهن طرفًا وأبرعهن شكلًا، فقالت: والله ما أحسنتِ بدءًا ولا أجملتِ عَوْدًا، ولقد أسأتِ في الرد ولم تكافئيه على الود، فقالت: أما والله لا أفعل من ذلك شيئًا حتى تشركيني في حلوه ومره! قالت لها: تلك إذن قِسْمةٌ ضِيزَى! تعشقين أنت وأوخذ أنا؟ قالت أخرى منهن: قد أطلتن الخطاب في غير أرب، فقلن: حياك الله وأنعم بك عينًا، ممن؟ ومن أنت؟ وما تعاني، وخير شعراء السلطان الأعظم، ويتقى لسانه ويرهب جانبه، قالت: لقد أضفت إلى حسن المنظر كرم المخبر، وأرجو أن يبلغك الله أمنيتك وتنال بغيتك، فتعالين نشترك فيه ونتقارع عليه، فمن واقعتها القرعة منا كانت هي البادئة، فاقترعت فوقعت القرعة على المليحة التي قامت بأمري، فعلقن إزارًا على باب الغار وأدخلت فيه وأبطأت عليَّ، إذ دخل أسود كأنه سارية. ثم صحت بصاحبي وكان متدانيًا. ووالله ما تخلصت منه حتى خرجنا من الغار، وإذا هن يتضاحكن ويتهادين إلى الخيمات، فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنمًا إلى جانب الغار، فدعونه فوسوسن إليه شيئًا فدخل عليك». والقصة كلها كما يرى القارئ مقامة مؤلفة، وتلك علامة على تمكن شهوة الكلام عن الشاعر في سياق الخبر التاريخي، أو سياق الاختراع والتأليف. وتتم الغرابة بالمصادر الأجنبية القليلة التي عنيت بأبي نواس من جانب الأدب، فإنها سايرت مصادر العربية في هذه النزعة،


Original text

موضوعات الكتب
مجموعات هنداوي
السلاسل والأعمال الكاملة
أبو نواس: الحسن بن هانئ
ePub Logo
PDF Logo
Kindle Logo
أبو نواس عند العامة
شهرة أبي نواس
اشتهر في الأدب العربي عشرات من الشعراء والأدباء، يعرفهم قراء الأدب ورواته، ولا تصل أسماؤهم — فضلًا عن أخبارهم — إلى الأميين وأشباه الأميين من جهلاء العامة، ما عدا شاعرًا واحدًا اشتهر من بين هؤلاء الشعراء والأدباء في بابه فسمع به الأميون وأشباه الأميين، واتخذوا من اسمه علمًا على كل من يشبهه في صورته عندهم، وصحفوا ذلك الاسم تصحيفًا يدل على مصادره الأمية، فعرفوه باسم «أبي النواس» بتشديد الواو وزيادة الألف واللام للتعريف على الدوام.


ولم يكن شذوذ هذا الشاعر عن هذه القاعدة لسهولة شعره، فإن الأميين الذين يتناقلون أخباره ونوادره لا ينقلون بيتًا واحدًا من شعره، ولا يروونه مصحفًا أو بغير تصحيف، وإنما يعرفون الشاعر «شخصية» ذات أخبار، ولا يعرفونه قائلًا ينظم الأشعار.


ولم تكن هذه الشهرة أيضًا لقرب عهده وقصر الزمن بينه وبين رواته المتأخرين، فإن النواسي عاش في القرن الثاني للهجرة، وهؤلاء الأميون الذين يتناقلون أخباره المزعومة قد يجهلون أسماء الشعراء والأدباء في عصرهم، أو يجهلون على التحقيق أسماء الشعراء والأدباء بعد القرن الثاني للهجرة بلا استثناء، ما عدا هذا الاستثناء.


ولكن هذا الاستثناء لم يكن على أية حال مصادفة لغير سبب، كما سنرى في موضع البيان عن أسباب هذه الشهرة عند نشأتها الأولى، ومتى وجدت الشهرة فهي قابلة بعد ذلك للإضافة والزيادة، ولو من غير القبيل الذي نشأت من أجله في مرحلتها الأولى.


وإذا كان هذا شأن الأميين في التحدث بأخبار الشاعر المجدود، فلا عجب أن يتحدث به أشباه الأميين وهم أقرب إلى الأدب المقروء في الكتب، والقدرة على فهم القليل منه، إن فاتهم فهم أكثره وأصحه.


ونعني بأشباه الأميين أولئك الذين يقرءون ولا يقدرون على تصحيح نسبة الكلام واستقصاء وجوه التصحيح، فإذا سمعوا كلامًا لشاعر مشهور غيره، جاز عندهم أن يكون لهذا أو لذلك، وإن كان الفارق بينهما واضحًا لنقاد الأدب ورواته المتثبتين.


هؤلاء القراء أشباه الأميين يعرفون النواسي كإخوانهم الأميين؛ أي يعرفونه لأنه شخصية ذات أخبار، وقلما يعنيهم منه ذلك الشعر الذي ينسبونه إليه سواء صحت نسبته إليه أو إلى غيره، أو كان مختلقًا ملفقًا لا تصح نسبته إلى أحد من الشعراء المشهورين.


والغالب على هذه الشخصية أنها شخصية النديم اللاهي — «الحاذق» — ونكاد نكتبها «الحدق» بالدال، وعلى غير صيغة اسم الفاعل؛ لأن «الحداقة» كما يفهمها العامة هي أم الصفات التي تتغلب على «النواسي» في روايات أشباه الأميين، ومنها سرعة الجواب والفهم بالإشارة، أو الفهم الذي يوشك أن يكون اطلاعًا على الغيب، مع اللباقة في اللعب بالكلام أو اللعب بالأفهام على حسب المقام، ولا سيما اللهو ونبذ الحياء والملام.


وليس أشهر من الأدب المنسوب إلى أبي نواس في الكتب التي تروج بين أشباه الأميين، ومنها ألف ليلة، وأعلام الناس فيما جرى للبرامكة مع بني العباس، وقليله يغني عن الكثير.


قيل: «إن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرِق ذات ليلة، فقام يتمشى في قصره بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته فداس على رجلها، فانتبهت فرأته، فاستحيت منه، وقالت: يا أمين الله ما هذا الخبر؟


فأجابها يقول:


قلت: ضيفٌ طارقٌ في أرضكم هل «تضيفوه» إلى وقت السحر
فأجابت بسرورٍ سيدي أخدم الضيف بسمعي والبصر
فبات عندها إلى الصباح، فلما كان الصباح سأل: من بالباب من الشعراء؟ قيل له: أبو نواس، فأمر به فدخل عليه، فقال: هات ما عندك على وزن: يا أمين الله ما هذا الخبر! فأنشد يقول:


طال ليلي وتولاني السَّهر فتفكرتُ فأحسنت الفكَر
إلى أن يقول:


فإذا وجه جميل مشرق زانه الرحمن يزري بالقمر
فلمست الرِّجل منها موطئًا فدنت مني ومدت بالبصر
وأشارت لي بقول مفصحٍ يا أمين الله ما هذا الخبر؟
قلت: ضيفٌ طارقٌ في أرضكم هل «تضيفوه» إلى وقت السحر
إلى آخر البيتين. فتعجب أمير المؤمنين وأمر له بصلة.»


«وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يومًا وقت الظهر إلى مقصورة جارية تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم ير من جسدها شيئًا، فأعجبه منها ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه وقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا: بشار وأبو نواس، فأمر بهما فحضرا وقال: ليقل كل منكما أبياتًا توافق ما في نفسي، فأنشأ بشار يقول:


تحببتكم والقلب صار إليكم بنفسي ذاك المنزل المتحبب
إلى أن يقول:


وقالوا: تجنبنا ولا قربَ بيننا وكيف وأنتم حاجتي أتجنب
على أنهم أحلى من الشهد عندنا وأعذب من ماء الحياة وأطيب
فقال الخليفة: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل يقول:


نضت عنها القميص لصبِّ ماءٍ فورَّد خدها فرط الحياء
وقابلتِ الهواء وقد تعرت بمعتدل أرق من الهواء
ومدت راحةً كالماء منها إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطرًا وهمت فأسبلت الظلام على الضياء
وغاب الصبح منها تحت ليلٍ فظل الماء يجري فوق ماء
فسبحان الإله وقد براها كأحسن ما تكون من النساء
فقال الرشيد: سيفًا ونطعًا يا غلام! قال أبو نواس: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: أمعنا كنت؟ قال: لا والله، ولكن شيئًا خطر ببالي. فأمر بأربعة آلاف درهم!»


وأمثال هذه الحكايات كثير، حد «الحذاقة» فيها — أو «الحداقة» — هو حدها عند أشباه الأميين، وهو شرطهم في أرباب الفن إلى هذه الأيام.


أخباره عند الأدباء
وغني عن القول: أن أخبار النواسي ليست مقصورة على الأميين وأشباه الأميين، ولكن اهتمام الأميين وأشباه الأميين بها هو وجه الغرابة في هذا الباب من الأدب، وأما العارفون بأدب الفصحى فلا وجه للغرابة في اهتمامهم به وبأمثاله من موضوعات الأدب والفنون.


على أن الأمر في هذه الناحية لا يخلو من غرابته التي تخص أخبار أبي نواس بخاصة، ولم يشاركه فيها أعلام الشعر والثقافة الفنية، فإن رواة الأدب الصحيح لا يهتمون بأبي نواس وأنداده من الأعلام على نحو واحد، بل يلوح عليهم أنهم يودون لو يشركونه بسهم في سيرة كل أديب. ويحبون إذا نسب الخبر إليه أو إلى غيره أن يؤثروه به لو استطاعوا، وأن يجعلوه من مروياته ومأثوراته دون المرويات والمأثورات عن سواه.


فصاحب العقد الفريد — ابن عبد ربه — من أعلم الرواة بأخبار الشعراء، ولكنه يروي عن أبي نواس بعض الأخبار التي نقلناها فيما تقدم عن الأميين وأشباه الأميين، ويضيف إليه أخبارًا مشهورة عن ذي الرُّمة وصاحبته مية، وتغني بها تلك الأخبار التي تدور حول البيتين المنسوبين إليه وهما:


على وجه مي مسحة من ملاحةٍ وتحت الثياب العزُّ لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخبث طعمه ولو كان لون الماء في العين صافيا
وقد سئل ذو الرمة عنهما فأنكرهما وقال: وكيف أقول هذا وقد قطعت دهري وأفنيت شبابي أشبب بها!


فيأتي صاحب العقد الفريد، ولا يبالي كذب الرواية من أصلها، ويحتفظ بها ليسندها إلى أبي نواس بلسان أبي بكر الوراق، وهذا مقام من المقامات الفنية التي يؤلفها خاصة الأدباء تأليفًا؛ ليذكروا فيها ملحةً أو طرفة عن ذلك الشاعر المجدود.


روي عن أبي بكر الوراق عن الحسن بن هانئ أنه قال: «حججت مع الفضل بين الربيع حتى إذا كنا ببلاد فزارة، وذلك إبان الربيع، نزلنا منزلًا بإزاء ماء لبني تميم ذا روض أريض ونبت غريض، تخضع لبهجته الزرابي المبثوثة والنمارق المصفوفة، فقرت بنضرتها العيون وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفجرت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء فانشق غمامها، وتدانى من الأرض ركامها، حتى إذا كانت كما قال أوس بن حجر حيث يقول:


دانٍ مسفٍ فوق الأرض هيدبه يكادُ يدفَعه من قامَ بالراح
همت برذاذ ثم بِطَشٍّ ثم بوابل، ثم أقلعت وغادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق، رياض مونقة ونوافح من ريحها عبقة، فسرحت طرفي منها في أحسن منظر، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فلما انتهينا إلى أوائلها إذا نحن بخباء على بابه جارية مشرقة، ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، أشعرت حماليقه فترة وملئت سحرًا، فقلت لزميلي: استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها! فاستسقاها، فقالت: نعم ونعما عين، وإن نزلتم فعلى الرحب والسعة، ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها، ثم أتت بماء فشربت منه وصببت باقيه على يدي، ثم قلت: وصاحبي أيضًا عطشان! فأخذت الإناء فذهبت فقلت لصاحبي: من الذي يقول:


إذا بارك الله في ملبسٍ فلا بارك الله في البرقع
يريك عيون الدمى غرة ويكشف عن منظرٍ أشنع
وسمعت كلامي فأتت وقد نزعت البرقع، ولبست خمارًا أسود وهي تقول:


ألا حي ربعي معشر قد أراهما أقاما فما أن يعرفا مبتغاهما
هما استسقيا ماءً على غير ظمأةٍ ليستَمْتِعا باللحظ ممن سقاهما
فشبهت كلامها بعقد در وهَى فانتثر، بنغمة عذبة رخيمة، ولو خوطب بها صم الصلاب لابنجست، مع وجه يظلم في نوره ضياء العقل، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم ويحار في بهائه طرف البصير:


فدقت وجلَّت واسبكرَّت وأكملت فلو جُن إنسانٌ من الحسن جُنَّت
فلم أتمالك أن خررت ساجدًا، فأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور! لا تذم بعدها برقعًا؛ فلربما انكشف عما يصرف الكرى، ويحل القوى ويطيل الجوى، من غير بلوغ إرادة ولا درك طلبة ولا قضاء وطر، ليس إلا للحين المجلوب والقدر المكتوب والأمل المكذوب، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب حيران لا أهتدي لطريق، فالتفت إليَّ صاحبي وقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته! أما سمعت قول ذي الرمة:


على وجه مي مسحةٌ من ملاحةٍ وتحت الثياب العر لو كان باديا
فقالت: أما ما ذهبت إليه فلا أبًا لك، وإني لأنا بقول الشاعر:


منعمةٌ حوراء يجري وشاحها على كشح مرتج الروادف أهضمِ
لها أثرٌ صافٍ وعينٌ مريضةٌ وأحسن إبهامٍ وأحسن مِعصَمِ
خزاعيةُ الأطرافِ سعدية الحَشَا فزارية العينينِ طائية الفمِ
أشبه من قولك الآخر. ثم رفعت ثيابها بلغت بها نحرها وجاوزت منكبيها، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب، ثم قالت: أعرًّا ترى لا أبا لك؟ قلت: لا والله، ولكن سبب القدر المتاح، ومقربي من الموت الذباح يضيق علي الضريح، ويتركني جسدًا بغير روح.


فخرجت عجوز من الخباء، فقالت له: امض لشأنك، فإن قتيلها مطول لا يُودى، وأسيرها مكبول لا يفدى، فقالت لها: دعيه فإن له مثل قول غيلان ذي الرُّمة:


وإن لم يكنْ إلا تعلُّل ساعةٍ قليلًا فإني نافعٌ لي قليلها
فولت العجوز وهي تقول:


وما نلتَ منها غير أنك «واصلٌ» بعينيك عينيها فهل ذاك نافعٌ؟
فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، فانصرفت بكمد قاتل وكرب خابل وأنا أقول:


وا حسرتا مما يكنُّ فؤادي أزِفَ الرحيلُ بعبرتي وبُعادي
فلما قضينا حجَّنا وانصرفنا راجعين مررنا بذلك المنزل، وقد تضاعف حسنه ونمت بهجته، فقلت لصاحبي: امض بنا إلى صاحبتنا، فلما أشرفنا على الخيام وصعدنا ربوة ونزلنا وَهْدة إذا هي تتهادى بين خمسٍ ما تصلح أن تكون خادمة لأدناهن، وهن يجنين من نور ذلك الزهر، فلما رأيننا وقفن، وقلنا: السلام عليكن، فقالت من بينهن: وعليك السلام، ألست صاحبي قلت: بلى! قلن: وتعرفينه؟ قالت: نعم، وقصت عليهن القصة ما خرمت حرفًا. قلن: ويحك! أما زودته شيئًا يتعلل به؟ قالت: بل زودته لحدًا ضامرًا وموتًا حاضرًا! فانبرت لها أنضرهن خدًّا وأرشقهن قدًّا، وأسحرهن طرفًا وأبرعهن شكلًا، فقالت: والله ما أحسنتِ بدءًا ولا أجملتِ عَوْدًا، ولقد أسأتِ في الرد ولم تكافئيه على الود، فما عليك لو أسعفته بطلبته في مودته؟ وإن معك من لا ينم عليك. فقالت: أما والله لا أفعل من ذلك شيئًا حتى تشركيني في حلوه ومره! قالت لها: تلك إذن قِسْمةٌ ضِيزَى! تعشقين أنت وأوخذ أنا؟ قالت أخرى منهن: قد أطلتن الخطاب في غير أرب، فسلن الرجل عن نيته وقصده وبغيته، فلعله لغير ما أنتما فيه قصد. فقلن: حياك الله وأنعم بك عينًا، ممن؟ ومن أنت؟ وما تعاني، وإلام قصدت؟ قلت: أما الاسم فالحسن بن هانئ، من اليمن ثم من سعد العشيرة، وخير شعراء السلطان الأعظم، ومن يدنى مجلسه، ويتقى لسانه ويرهب جانبه، وأما قصدي فتبريد غلة وإطفاء لوعة قد أحرقت الكبد وأذابتها، قالت: لقد أضفت إلى حسن المنظر كرم المخبر، وأرجو أن يبلغك الله أمنيتك وتنال بغيتك، ثم أقبلت عليهم فقالت: ما واحدة منكن إلا ملتمسة مرغبة، فتعالين نشترك فيه ونتقارع عليه، فمن واقعتها القرعة منا كانت هي البادئة، فاقترعت فوقعت القرعة على المليحة التي قامت بأمري، فعلقن إزارًا على باب الغار وأدخلت فيه وأبطأت عليَّ، وجعلت أتشوف لدخول إحداهن عليَّ، إذ دخل أسود كأنه سارية. ثم صحت بصاحبي وكان متدانيًا. ووالله ما تخلصت منه حتى خرجنا من الغار، وإذا هن يتضاحكن ويتهادين إلى الخيمات، فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنمًا إلى جانب الغار، فدعونه فوسوسن إليه شيئًا فدخل عليك».


والقصة كلها كما يرى القارئ مقامة مؤلفة، وتلك علامة على تمكن شهوة الكلام عن الشاعر في سياق الخبر التاريخي، أو سياق الاختراع والتأليف.


وتتم الغرابة بالمصادر الأجنبية القليلة التي عنيت بأبي نواس من جانب الأدب، أو من جانب النوادر والأقاصيص الموضوعة، فإنها سايرت مصادر العربية في هذه النزعة، وأسندت إلى أبي نواس ما حدث وما لم يحدث، أو ما حدث منه وما حدث من غيره، ومنها رسالة إنجليزية طبعت في إحدى الجزر الهندية، وأهداها مؤلفها إلى ذكر الأستاذ «برتون» مترجم ألف ليلة وليلة، وقسمها إلى أخبار «أبو كريفية» تشبيهًا بالأخبار التي يدسها بعض الرواة على الكتب الدينية، وإلى أخبار خرافية من قبيل الأساطير والغرائب المروية عن عجائب المخلوقات، وهذه إحدى نوادرها «الأبوكريفية»:
كان أبو نواس يلهو ويقصف بين صحبه، فإذا الخليفة يفجؤهم بحضوره، ويسوءه ما يرى فيصيح بأبي نواس متأففًا: ما أراك تصلح إلا أن تكون إمامًا للقوادين وقاضيًا للفجرة الفاسقين، فأجابه أبو نواس وهو لا يعْيَى بالجواب على البديهة: وهل من قضية تعرضونها؟ فغضب الخليفة وأمر به من الغد حيث دخل الديوان أن يجردوه من ثيابه ويضعوا على ظهره بردعة حمار، ويطوفوا به بين الخدم والجواري؛ ليسخروا منه ويبعثوا به ثم يسلموه إلى الجلاد يطيح برأسه، ولكن أبا نواس الذي لا يغلب ظرفًا وفكاهة لم يزل يلطف الجواري بدعابته وطرائف نكاته، ولم تزل هداياهن تنثال عليه حتى عاد من مطافه ممتلئ اليدين بالمال والجوهر، ورآه الوزير جعفر البرمكي وهو بهذه الحالة فسأله: فيم كان عقابه، ولأي شيء يحمل بردعة الحمار على ظهره؟ فأجابه في غير مهل: ما من شيء صنعت إلا أنني مدحت أمير المؤمنين، فخلع عليَّ خلعة من خاصة ثيابه.


ونقلوا إلى الخليفة ما قال فضحك وعفا عنه وأمر له بهدية وخلعة سنية.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

في مجال يقوم عل...

في مجال يقوم على الحزم والرحمة معاً، وتتشابك فيه القوانين مع قصص الناس وأوجاعهم، اخترت أن أكون حاضرة...

برزت مزايا الفص...

برزت مزايا الفصول الافتراضية مع توافر العديد من الأدوات المرونة هي الميزة الأبرز في باقة مزايا الفصو...

اعادة كتابة هدا...

اعادة كتابة هدا التقرير بصيغة اخرىالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة سوس ماسة المديرية الإقليمي...

ترأس وزير الدول...

ترأس وزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، عبد الرحمن شيخ، اليوم الأربعاء، اجتماعًا موسعًا للمكتب التنفيذي...

مع تصدّر تقنيات...

مع تصدّر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قائمة الأدوات التي بدأت تُغيّر ممارسات التواصل وإنتاج المح...

Summarize to th...

Summarize to the lawyer, اود ان الفت نظرك لنقطة خطيرة جدا و هي سبب لمخاوفي و قلقي و هي ان من السه...

أفادت منصة "شيب...

أفادت منصة "شيبا إنتلجنس" المتخصصة في الشؤون الاستخباراتية، أن ميليشا الحوثي قامت بنقل شحنة صواريخ إ...

الاحتيال عبر رم...

الاحتيال عبر رموز الاستجابة السريعة QR Code Fraud أو Quishing)  ) . مصطلح مُركّب من كلمتي QR code وP...

لعل التقويم الت...

لعل التقويم التربوي يعد وضروريا للإدارة والقيادات التربوية، فهو عملية مقصودة مهما ومطلوبة يقوم من خل...

تاريخ وفلسفة ال...

تاريخ وفلسفة المالية مدخل نظري في تطور الفكر المالي ووظائف المالية العمومية مقدمة لا يمكن فهم قانون ...

استوطن البشرُ ا...

استوطن البشرُ المغربَ منذ العصر الحجري القديم، أيْ من قبل 500-700 ألف سنة، وقد بدأ اهتمام البشر بالز...

فرمان الامتياز ...

فرمان الامتياز الأول ([3]) : صدر فرمان الامتياز الأول الذى منح فرديناند ديلسبس حق إنشاء شركة لشق قن...