Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

الفصل الأول : أحكام المسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية
المسؤولية الجزائية هي تحمل المتهم للنتائج القانونية الناجمة عن توافر جميع عناصر الجريمة، تتمثل موضوع هذه المسؤولية في العقوبة أو التدبير الاحترازي الذي يفرضه القانون على المتهم الذي ارتكب الجريمة .كما أنها تعتبر صلاحية الأشخاص لتحمل العقوبة أو التدابير الاحترازية التي ينص عليها القانون نتيجة للجريمة المرتكبة، حيث تعتبر الرابط الأساسي بين الجريمة والعقوبة ، تقوم المسؤولية الجزائية على مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية في حال ارتكابهم أفعالاً تُعتبر جرائم بموجب القانون فتخضع مسؤوليتهم الجنائية لأحكام القانون الجنائي ، بالإضافة إلى انشاء قانون خاص يجرم أفعال المسيرين، كما أنه امتد الي إسناد تلك المسؤولية الجزائية إلى فعل الغير .ان هذه الأحكام تم تكريسها و تنظيمها عن طريق سن مجموعة من القوانين منها قانون الوقاية من الفساد و مكافحته و المشرع في هذا المجال وضع ضوابطه من اجل إسناد المسؤولية الجزائية للمسير أو تابعه أثناء تأدية الوظيفة و كذلك رفع التجريم عنهم في حالة الخطأ الغير العمدي أثناء التسيير و هذا من اجل خلق جو ملائم للقيام بالمهام المسندة إليهم
بطمأنينة للدفع بعجلة نمو الاقتصاد الوطني و المحافظة على أموال المؤسسة الاقتصادية العمومية.بحيث سنتطرق في هذا الفصل إلى مبحثين في المبحث الأول سنتناول فيه الطبيعة القانونية للمسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية ثم سنتطرق في المبحث الثاني الي انتفاء مسؤولية مسيري تلك المؤسسات و انقضاء الدعوى العمومية.المبحث الأول : الطبيعة القانونية للمسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية.وضع المشرع الجزائري ضوابط من أجل اسناد المسؤولية الجزائية للمسيرين من خلال سن قوانين تنظم مجال المال و الأعمال منها قانون الوقاية من الفساد و مكافحته و بالإضافة إلى إسناد المسؤولية للمسير عن فعله تم امتداد نطاقها إلى فعل الغير و عليه سنتطرق في المطلب الأول إلى مسؤولية مسيري المؤسسة العمومية الاقتصادية عن فعله و في المطلب الثاني سنتناول المسؤولية الجزائية لمسير المؤسسة العمومية الاقتصادية عن فعل الغير و عن الشخص المعنوي.المطلب الأول : مسؤولية مسير المؤسسة الاقتصادية عن فعله
بالرغم من أن المسؤولية الجزائية للمسؤولين في المؤسسات الاقتصادية تخضع لأحكام القانون العام المتعلقة بالمسؤولية الجزائية، إلا أنها تخضع أيضًا لأحكام خاصة بها والتي نص عليها بموجب قانون الوقاية من الفساد ومكافحته .تعتبر المسؤولية الجزائية صلاحية الفرد لتحمل العقوبة الجنائية عند ارتكابه لأفعال يجرمها القانون الجنائي. و لكي يتم اتهام الفرد بمسؤولية جزائية يجب أن يكون قد ارتكب الفعل المحظور بمعرفة وإرادة، حيث يتمتع بحرية الاختيار والوعي والإدراك الكامل ، بالإضافة إلى سلامة العقل.وبناءً على ذلك، تقوم المسؤولية الجزائية على مسيري المؤسسات الاقتصادية في حال ارتكابهم لأفعال مُجرّمة وفقاً للقانون، و تخضع مسؤوليتهم الجنائية للأحكام العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي، بالإضافة إلى أحكام خاصة بهم تمثلت في إصدار قانون الوقاية من الفساد و مكافحته.وعليه سنقسم هذا المطلب إلى فرعين نتناول في الأول صدور نص خاص بالمسؤولية الجزائية للمسيرين و المتمثل في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته و في الفرع الثاني سنتحدث عن دوافع وأهداف صدور هذا القانون.الفرع الأول : المسؤولية الجزائية للمسيرين وفقا لأحكام قانون الوقاية من الفساد و مكافحته
أدرك المشرع أن النصوص التجريمية المنصوص عليها حصراً في قانون العقوبات لم تكن كافية للحد من الفساد، لذا كان من الضروري على الجزائر أن تنضم إلى الحركة الدولية لمواجهة الفساد وبذل كل الجهود بالتعاون مع المجتمع الدولي لمكافحته. العربية، والإفريقية المتعلقة بمكافحة الفساد .تطورت النصوص حول المسؤولية الجنائية لمسيري المؤسسة الاقتصادية تطوراً تشريعياً عبر عدة مراحل، ففي البداية كانت هذه المسؤولية مشمولة ضمن أحكام قانون العقوبات. لكن بعد مصادقة الجزائر على اتفاقية الأمم المتحدة للوقاية من الفساد ومكافحته، تم إصدار قانون الوقاية من الفساد ومكافحته. بموجب المادة الثانية من هذا القانون، حيث تخضع مسؤولية المسيرين في المؤسسات الاقتصادية لأحكامه، و ينص على الأفعال الاجرامية التي يمكن أن يرتكبها الموظفون العموميون،وفقا للمادة 2 منه ، يُفهم الموظف العام بمفهوم واسع يختلف عن التعريف المعتاد في قوانين الوظيفة العامة. حيث يُعرف الموظف العام بموجب هذا القانون على أنه أي شخص يحتل منصباً تشريعياً أو تنفيذياً أو قضائياً، أو يكون عضواً في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء كان تعيينه دائماً أو مؤقتاً، وسواء كان يتقاضى أجراً أو لا،وبناءً على ذلك، يختلف المفهوم الجنائي للموظف عن المفهوم الإداري،في هذا السياق، أصدرت المحكمة العليا حكماً يقضي بإسقاط صفة الموظف علي مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية
و بالنظر الي خصوصية الجرائم الاقتصادية من حيث الصعوبة في اكتشافها و كونها ترتكب بكل سهولة، أسس المشرع الجزائري الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وفقاً لقانون الوقاية من الفساد ومكافحته، حدد فيه المشرع مهام الهيئة بوضوح كونها آلية وطنية لمواجهة هذه الظاهرة، حيث تتمثل مهام هذه الهيئة في اقتراح سياسات شاملة للوقاية من الفساد، وتقديم توجيهات في هذا الصدد، واقتراح التدابير التشريعية والإدارية، بالإضافة إلى إعداد برامج توعوية للمواطنين حول هذه الظاهرة. كما يحق للهيئة الاطلاع على تقارير التصريح بالممتلكات للموظفين العموميين، والاستعانة بالنيابة العامة لإجراء التحقيقات وجمع الأدلة في الوقائع ذات الصلة بالفساد .و يحق للهيئة أيضًا الحصول على جميع المعلومات والوثائق من الإدارات سواء القطاع العام أو القطاع الخاص و التي تتعلق بتحقيقاتها. كما تتولى الهيئة تنسيق ومتابعة النشاطات المتعلقة بمكافحة الفساد وفقاً لأحكام القانون. مما يستوجب اتخاذ إجراءات عقابية بموجبه.يمنح القانون للجنة، وبناءً على نتائج التحقيقات التي تُجريها، حق إخطار النيابة العامة لفتح تحقيق في القضايا المشبوهة، شريطة أن تكون الهيئة قد وصلت إلى وقائع تتضمن وصفاً جزائياً ."سنناقش فيما يلي أهم الجرائم التي يُسأل عنها مسيرو المؤسسات العمومية الاقتصادية وفقاً لأحكام قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.بموجب أحكام قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، تعتبر جريمة الرشوة هي أول جريمة نص عليها القانون و ذلك في المادة 25 منه وذلك من خلال الجمع بين صورتيها الايجابية و
السلبية مع التركيز على الركن المادي و المعنوي حيث تتجلى الرشوة المادية في طلب أو قبول المسير لمزية غير مستحقة، بينما تتجلى الرشوة المعنوية في العلم والإرادة المتعمدة للمسؤول بالقيام بذلك.نص قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الي جانب جريمة الرشوة علي جرائم أخري يسأل عنها مسير المؤسسة العمومية الاقتصادية، مثل جريمة اختلاس الممتلكات التي نصت عليها المادة 29 من لقانون ، حيث تبقى صفة المسير في المؤسسة ركناً أساسياً لقيام الجريمة. سواء كانت لصالح المسير، الإدارة،أما فيما يخص جريمة استغلال النفوذ، كما وردت في المادة 32 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته ، ففي الفقرة الأولى من المادة 32، تُعتبر جريمة كل تحريض لموظف أو أي شخص آخر على استغلال النفوذ. بينما في الفقرة الثانية من نفس المادة، تُعتبر جريمة استغلال النفوذ عندما يقوم الموظف أو أي شخص آخر بشكل مباشر أو غير مباشر، بطلب أو قبول المزية غير مستحقة أو لشخص اخر لكي يتمكن من استغلال نفوذه لكي يحصل على تلك المنافع غير مستحقة.الفرع الثاني : دوافع صدور قانون الوقاية من الفساد وأهدافه .إن أهم دوافع صدور قانون الوقاية من الفساد ومكافحته هو انتشار ظاهرة الفساد في الجزائر الأمر الذي تطلب بذل الجهد للقضاء على هذه الظاهرة من خلال مكافحتها واتخاذ كافة التدابير للوقاية منها.فعلى الرغم من أن التشريعات تزخر بترسانة عقابية بكل صور التجريم والعقاب إلا أن إجرام الفساد لاسيما في العصر الحالي يتسم بالتنظيم و الحيلة مع الذكاء و كل إجرام جديد و ذكي ينبغي مواجهته بتشريع جديد و هو ما تطلب تخصيص قانون لجرائم الفساد لذلك عمل المجتمع الدولي عبر المنظمات الدولية على وضع تشريع خاص للوقاية من الفساد ومكافحته وهو ما جسدته اتفاقية الأمم المتحدة للوقاية من الفساد ومكافحته و التي دخلت حيز التنفيذ في 14/12/2005 .وتُعد هذه الاتفاقية خطوة حاسمة في الجهود العالمية لمكافحة الفساد، حيث تتضمن التزامات دولية بتجريم جميع أشكال الفساد ودعم المؤسسات التي تعمل على منع حدوثه.إن قانون الوقاية من الفساد ومكافحته يهدف إلى دعم التدابير التي تسهم في الحد من الفساد والقضاء عليه، ويعزز النزاهة، والمسؤولية، والشفافية في إدارة كل من القطاعين العام والخاص. كما يهدف القانون إلى تيسير التعاون الدولي وتقديم المساعدة التقنية لتعزيز الجهود المبذولة في الوقاية من الفساد ومكافحته .بالنظر الي المادة 9 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته نجدها تحدد مجموعة القواعد التي يجب أن تُؤسّس عليها الإجراءات المعمول بها في مجال الصفقات، حيث تشترط أن تكون الإجراءات مبنية على قواعد الشفافية والمنافسة الشريفة، وأن تتضمن معايير موضوعية خاصة بالعلانية في المعلومات المتعلقة بإجراءات إبرام الصفقات. كما تلزم بإعداد مسبق لشروط المشاركة واعتماد معايير موضوعية للانتقاء وفقاً لدفاتر الشروط المعدة مسبقاً. بالإضافة إلى ذلك، تشمل المادة ممارسة جميع وسائل الطعن في حال عدم احترام قواعد إبرام الصفقات .كما أنه يلزم قانون الوقاية من الفساد ومكافحته علي الجميع اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتعزيز صور الشفافية و المسؤولية والعقلانية في تسيير الأموال ، و ضمان أن يتم الاستخدام الصحيح للأموال وفقاً لأغراضها المحددة وبطرق تلبي معايير العقلانية والاستدامة المالية.المطلب الثاني : المسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية عن فعل الغير و عن الشخص المعنوي.المبدأ: شخصية المسؤولية الجزائية
من المسلم به أن العقوبة تكون شخصية ولا يحكم بها إلا على من يتم تحديد مسؤوليته الجزائية عن الجريمة التي ارتكبها، هذا يعني أن الفرد لا يمكن محاسبته جنائياً إلا إذا ثبتت مسؤوليته شخصياً عن ارتكاب الجريمة، حيث لا يمكن تصور أن يحاسب شخص على جريمة ارتكبها شخص آخر بغض النظر عن الصلة بينهما.بالتالي، يعكس هذا المبدأ أساساً أخلاقياً وقانونياً مهما، حيث يضمن عدم تحميل الأفراد بالمسؤولية عن أفعال لم يرتكبوها، مما يعزز من مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون.كما أنه و من الواضح أن قاعدة شخصية المسؤولية الجزائية تعرضت لتغييرات وانتهاكات في بعض العصور، بل تمتد أحياناً إلى الأشخاص الآخرين الذين يمكن أن يكونوا مسؤولين قانونياً عن الأفعال المجرمة التي ارتكبها آخرون.الاجتهاد القضائي الفرنسي في القرن التاسع عشر يُعد مثالاً على ذلك، حيث رسخت القضاء الفرنسي مبدأ المسؤولية القانونية عن الجرائم الاقتصادية بشكل خاص. على سبيل المثال، أُلزم أرباب العمل ومديرو المشروعات الاقتصادية بالمسؤولية عن المخالفات التي يرتكبها موظفوهم أو الأشخاص الذين يعملون تحت إشرافهم. حيث يعتبر المسؤولون عن الشركات والمشاريع مسؤولين بموجب القانون عن التصرفات والأفعال التي تنفذ بموجب وظائفهم ، يتم تعزيز مبدأ العدالة والمساءلة في الساحة القانونية والاقتصادية،كما أنه و من الناحية القانونية، يتم تمييز بين الأشخاص الطبيعيين والأشخاص المعنويين فيما يتعلق بالمسؤولية الجزائية. الأشخاص الطبيعيون هم الأفراد الذين يتمتعون بالشخصية القانونية والذين يمكن أن يتم توجيه الاتهامات الجنائية إليهم عند ارتكابهم لجرائم، أما الأشخاص المعنويون، فهم الكيانات القانونية مثل الشركات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي تُعتبر وحدة قانونية منفصلة عن أفرادها المؤسسين، على الرغم من أن هذه الكيانات ليست أفرادًا آدميين، إلا أنها تحتفظ بشخصية قانونية تسمح بمسؤوليتها الجنائية في بعض الظروف، وتُمكنها القوانين من تحمل عواقب الأفعال غير القانونية التي تنفذها أعضاؤها أو موظفوها.و بالتالي يُستخدم مفهوم "الأشخاص" في السياق القانوني بمعنى شامل يشمل كل من الأفراد الطبيعيين والأشخاص المعنويين،الفرع الأول : المسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية عن فعل الغير.إن مبدأ "شخصية العقوبة" هو مبدأ قانوني مسلم به في جميع التشريعات الحديثة، ومع ذلك، وهذا يتم عادةً في سياقات معينة مثل المسؤولية الجنائية المشتركة أو المسؤولية الجنائية للشركات والمؤسسات.في المسؤولية المدنية، يمكن أحياناً أن يتم تحميل الأشخاص المعنويين بمسؤولية عن أفعال الآخرين، ومع ذلك في القانون الجزائي، تُعد الحالات التي يتم فيها تحميل شخص بجريمة ارتكبها شخص آخر من الحالات المستثناة والتي تثير قضايا قانونية وأخلاقية معقدة. يجب أن تتم مثل هذه الأنواع من المسؤولية بحذر شديد وتوفير الضمانات القانونية اللازمة لضمان عدالة الإجراءات الجزائية والحفاظ على حقوق الأفراد. إلا أن هذا يبقى استثناءاً وليس القاعدة العامة،ان المسؤولية الجزائية للمتبوع عن عمل التابع هي الحالة الوحيدة التي يمكن أن يسأل فيها الشخص عن أعمال الآخرين بمعنى قانوني حقيقي. المعلمين، وأرباب الحرف قد يكونون مسؤولون عن سوء رقابتهم على الأفعال التي يقوم بها التابعون تحت إشرافهم. وبموجب هذه المسؤولية، يُطالب هؤلاء الأفراد بتحمل المسؤولية عن الأخطاء التي يرتكبها التابعون نتيجة لإهمالهم في الرقابة أو التوجيه السليم.من الجهة الأخرى، السلطة الفعلية التي يتمتع بها المتبوع في ممارسة الرقابة والتوجيه على التابع تنصب فعلاً على العمل نفسه وليس على الشخص الذي يؤديه. وهذا يعني أن المسؤولية لا تنحصر فيمن يؤدي العمل بجانب الفرد المسؤول عن الرقابة، بل تتعلق بالواجب القانوني للرقابة والتوجيه.بالتالي، يتمثل التقصير في القيام بواجب الرقابة في عدم توفير الإشراف الكافي أو التوجيه السليم للتابعين،‫و بالنظر إلي المادة 136 من القانون المدني الجزائري تنص على أن المتبوع يكون مسؤولاً عن الضرر الذي يتسبب فيه التابع بفعله غير المشروع، سواء كان هذا الفعل واقعاً نتيجة لتأديته أو بسببه، شريطة أن تكون هناك رابطة تبعية بينهما. وحتى لو كان المتبوع غير حراً في اختيار التابع (مثل الوالدين على سبيل المثال)،بمعنى آخر، المادة تنص على أن المتبوع يتحمل المسؤولية عن الأضرار التي يسببها التابع في حالة ارتكابه أفعالاً غير قانونية، طالما كانت هناك علاقة تبعية بينهما،1 التكريس التشريعي:
مما يؤدي إلى إلحاق ضرر مادي بها، سواء بسبب التعرض للسرقة، التلف أو الضياع. تم تكريس هذه المسؤولية الجزائية في القانون الجزائري بموجب المادة 119 مكرر من قانون العقوبات رقم 24/06 المؤرخ في 28 أفريل 2024.وفقاً للتعريف المذكور، حيث يكون لديه السلطة في التوجيه والرقابة لمنع حدوث أي ضرر مادي بسبب الإهمال في أداء واجباته. بموجب هذه المادة،المشرع الجزائري من خلال المادة 119 مكرر من قانون العقوبات نص علي المعاقبة و بشكل صريح الموظفين العموميين الذين يتسببون عمدا في سرقة أو اختلاس أو تلف المال العام ، مما يعزز مسؤوليتهم الجزائية عند وجود إهمال واضح في الرقابة على الأموال وحمايتها من الضرر المادي الناتج عن أعمال غير قانونية.بهذا الشكل، يُمكن اعتبار جريمة الإهمال الواضح تعبيراً عن السعي لحفظ النزاهة والحماية المالية داخل المؤسسات الاقتصادية في القانون الجزائري، وتأكيداً على أن المسؤولية الجزائية تشمل الأفراد الذين لديهم السلطة في الرقابة والتوجيه على الأموال.إن البحث عن أساس قانوني لإسناد المسؤولية الجزائية إلى الغير يتطلب فهماً دقيقاً للنظريات التي طورها القضاء والتشريع في هذا الصدد، وقدمها فقه القضاء الفرنسي تمثلت في عدة نظريات مهمة ، وعليه يمكن أن يتحمل رب العمل المسؤولية عن الأفعال الضارة التي يقوم بها العامل أثناء أداء وظيفته، كما توجد نظرية التزام رب العمل شخصياً، فوفقاً لهذه النظرية، يتحمل رب العمل مسؤولية شخصية عن الأفعال الضارة للعامل إذا كان هناك علاقة مباشرة بين الفعل الضار ووظائف المراقبة والإشراف التي يمارسها، وهناك أيضا نظرية المخاطر تعتمد هذه النظرية على مبدأ أن من يستفيد من فعالية اقتصادية محفوفة بالمخاطر يتحمل أيضاً المسؤولية عن الأضرار التي قد تحدث نتيجة لهذه المخاطر .في هذا السياق، يتم تبرير المسؤولية الجزائية من خلال تأثير النظريات المدنية على القانون الجزائي، حيث يتم التركيز على مفهوم الخطأ الشخصي الذي يمكن أن ينسب للشخص المسؤول، سواء كان ذلك بسبب إهماله الشخصي أو تقصيره في أداء واجباته المرتبطة بالرقابة والإشراف.النظريات تنقسم إلى اتجاهين رئيسيين: النظريات الموضوعية التي تركز على طبيعة النشاط الاقتصادي والمخاطر المرتبطة به، والنظريات الذاتية التي تركز على الخطأ الشخصي كأساس للمسؤولية. تحقق هذه النظريات من خلال الحفاظ على التوازن بين الحماية القانونية للمجتمع والإشراف على الممارسات الاقتصادية دون إفراط في تحميل المسؤولية الجزائية.ثانيا: أهمية إقرار المسؤولية الجزائية للمسيرين عن فعل الغير‪:
إن إقرار المسؤولية الجزائية عن فعل الغير بالنسبة للمسير له فوائد عدة منها ضمان
‫تنفيذ وظائف العقاب ‪, فللعقاب وظائف عديدة ولا يؤدي العقاب وظائفه ما لم يسال أيضا من
إذا بإهمال مسير تعمده عدم‫مراعاة القواعد الخاصة بالعمل قد تشجع تابعيه على ارتكاب الجريمة أو يساهم فيها، فإذا لم ‫يسأل جنائيا ذلك المسير ظلت هذه الظروف على حالها تهدد المجتمع بالخطر من طرف من ‫سبق أن ارتكب الجريمة أو الغير، فتحمله على ارتكاب الفعل نفسه أو المساهمة فيه مجددا وهذا ‫هو السبب الذي أدى إلى إقرار المسؤولية الجنائية على فعل الغير‪ ,وأهمية ذلك من ناحية العقاب هو جعله فعالا وذلك بتوقيعه على مرتكب الجريمة فقط أي التابع دون المتبوع فتهديد ‫مسير المؤسسة بالعقاب سيحمله على إحكام الرقابة والإشراف واتخاذ درجة من الحيطة ‫والحذر‪.إن إقرار المسؤولية الجزائية عن فعل الغير بالنسبة للمسير يحمل فوائد عدة تتعلق بضمان تنفيذ وظائف العقاب والحفاظ على النظام الاجتماعي والاقتصادي. ونذكر من هذه الفوائد:
تعزيز الرقابة والإشراف : يجبر إقرار المسؤولية الجزائية المسيرين على اتخاذ الحيطة والحذر في إدارة الأمور، حيث يدركون أنهم معرضون للمساءلة الجزائية إذا تسببوا بأي ضرر نتيجة للإهمال و التقصير في الرقابة على الأمور.منع ارتكاب الجرائم : يشجع إقرار المسؤولية الجزائية المسيرين على اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الجرائم،الحد من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية : بتحميل المسؤولية الجزائية للمسير عن أفعال تابعيه، يتم الحد من المخاطر التي قد تشجع على ارتكاب الجرائم، مما يسهم في تعزيز الأمان الاجتماعي والاقتصادي.تعزيز النظام القانوني: يساهم المسؤولون عن الأمور في الحفاظ على النظام القانوني من خلال اتخاذهم للتدابير اللازمة والإشراف الجيد، مما يعزز الثقة في العدالة والتنمية الاقتصادية المستدامة.باختصار، حيث يتم توجيهه نحو الأشخاص المسؤولين مباشرة عن الأفعال الجرمية دون المساس بالأفراد الذين لا يتحملون المسؤولية المباشرة. هذا النظام يحفز المسيرين على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الجرائم وحماية المصالح المجتمعية والاقتصادية بشكل أفضل، مما يعزز النظام العام والاستقرار الاجتماعي ‪.ثانيا: حدود تطبيق المسؤولية الجزائية للمسيرين عن فعل الغير
من النصوص القانونية والأحكام القضائية، خاصة الفرنسية، يمكن استخلاص أن المسؤولية الجزائية عن فعل الغير تتعلق عادة بالرؤساء أو المسيرين الذين يتولون مسؤولية إدارة ورقابة المؤسسات أو الأعمال التي يقوم بها تابعوهم. وفيما يلي بعض النقاط الرئيسية التي يمكن استخلاصها:
توجيه المسؤولية :
المسؤولية الجزائية توجه عادة إلى الأفراد الذين يمتلكون سلطة فعلية في رقابة وتوجيه أفعال التابعين، هذا يعني أنهم يتحملون المسؤولية عن الجرائم التي ترتكب بسبب إهمالهم في الرقابة أو توجيههم غير السليم للأفعال.المسؤولية الشخصية: علي الرغم من أن المسؤولية الجزائية قد تنتقل إلى المسيرين عن أفعال التابعين، إلا أنها تبقى مرتبطة بمبدأ شخصية العقوبة، يعني هذا أن العقوبة تنال فقط الأشخاص الذين تقررت مسؤوليتهم الجنائية بناءً على الأدلة المقدمة وبعد إثبات إدانتهم.1-ضوابط إسناد المسؤولية الجزائية للمسير عن فعل الغير:
لقيام المسؤولية الجزائية عن فعل الغير يجب توفر شرطين:
أ- ارتكاب الجريمة من قبل التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببه (علاقة السببية):
ان هذا الضابط هو الذي يربط بين مسؤولية المتبوع وعمل التابع و في نفس الوقت يمكن اعتباره تبريرا عن هذه المسؤولية حيث لا يمكن قبول قيام مسؤولية المتبوع عن كل ما يرتكبه التابع من جرائم ، فيجب أن تكون هناك علاقة سببية بين الوظيفة أو الدور الذي يقوم به التابع داخل المؤسسة وبين الجريمة التي ارتكبها، فليس من الكافي أن تكون الوظيفة سهلت في ارتكاب الجريمة أو ساعدت على ذلك، بل يجب أن يُثبت بوضوح أن التابع لن يكون قد ارتكب الخطأ لولا الوظيفة التي يقوم بها داخل المؤسسة. يشمل ذلك ما إذا كان الخطأ الذي ارتكبه التابع كان ناتجًا عن أمر صريح من المسؤول عنه أو لا، وسواء كان المسؤول على علم بالخطأ أو لم يكن، وسواء عارض فيه أو لم يعارض فيه.إذا تم ارتكاب الجريمة من قبل التابع بسبب رغبة في خدمة المسؤول عنه أو بسبب الباعث الشخصي، فتعتبر هذه النقاط أساسية في تحديد المسؤولية الجزائية عن أفعال الغير داخل الأنظمة القانونية.ولإثبات مسؤولية المتبوع عن أفعال التابع، يجب أن تكون الجرائم التي ارتكبها التابع قد وقعت أثناء أداء المهام المتصلة بنشاط المؤسسة، فلا يمكن أن يُحمل صاحب العمل مسؤولية الجرائم التي ترتكب خارج نشاط المؤسسة، إذا كانت هذه الجرائم لا تتعلق بالأنشطة المعتادة أو المخولة للتابع أثناء عمله .ب-علاقة التبعية بين التابع و المتبوع:
لتحقيق هذا الشرط تضمنت المادة ‪ 136 الفقرة الثانية من القانون المدني على ما أنه
‫ تتحقق علاقة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرا في اختيار تابعه متى كان هذا الأخير يعمل
‫لحساب المتبوع. الأول هو عنصر السلطة الفعلية، بغض النظر عن مصدر هذه السلطة، سواء كانت ناتجة عن عقد وكالة أو عقد عمل أو علاقة وظيفية، فمجرد وجود سلطة فعلية للمسير على التابع تكفي لإقامة علاقة التبعية، ولا يتعين أن تكون هذه السلطة شرعية بالضرورة، حتى ولو كانت المصدر غير شرعي. فإذا كان المتبوع يمتلك القدرة على استخدام هذه السلطة، ولو لم يمارسها فعلياً،أما العنصر الثاني من علاقة التبعية يتمثل في أن يكون للمتبوع السلطة ليصدر أوامر ويوجه التابع في عمله، حتى لو كانت هذه التوجيهات عامة، وأن يكون له القدرة على مراقبة تنفيذ هذه الأوامر. ليس من الضروري أن يكون المتبوع قادرًا بشكل فعلي على مراقبة وتوجيه التابع،ثالثا إعفاء مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية من المسؤولية الجزائية عن فعل الغير. وفقًا للقاعدة الأساسية، فإن خطأ الفاعل لا يعفي من المسؤولية من يُعتبر مسؤولًا عنه، فهنا تعتمد مسؤولية التابع على الأفعال التي يقوم بها دون استشارة المسير في بعض الحالات داخل المؤسسات يتم تفويض الصلاحيات، يكون هذا التفويض دائمًا مؤقتًا ويكون لأسباب محددة. ينتهي التفويض معها. تتضمن شروط صحة التفويض شروطًا شكلية وأخرى موضوعية.لا يُشترط وجود شكل معين أو صيغة معينة للتفويض، ولكن من الأفضل أن يكون مكتوبًا لأن ذلك يُساعد في تجنب اللبس في تحديد المهام والصلاحيات، ويُعد ضمانًا لكل ما قد ينشأ من خلافات حول صحة التفويض ومداه الزمني. في هذا السياق، صدر قرار في فرنسا ينص على أن مجرد وجود مذكرة خدمة داخلية أو الإشارة إلى منصب عمل في الاتفاقية الجماعية للعمل لا يُعتبر دليلاً كافيًا على وجود تفويض. لذا، يتطلب التفويض أن يكون صريحًا ومحددًا، ولا يجوز أن يكون ضمنيًا.الشروط الموضوعية:
الشروط الموضوعية للتفويض تتنوع بين شروط خاصة بالمفوض وشروط تتعلق بموضوع التنفيذ. يتطلب أن يكون من غير الممكن عليه تنفيذ الأمور شخصيًا ومن طرفه، وأن يكون النشاط المفوض به ضخمًا ومعقدًا. أما الشروط الموضوعية المتعلقة بموضوع التنفيذ، فتشمل ضرورة عدم جعل التفويض دائمًا، بل يجب تحديد مدته الزمنية، وأن يحدد بشكل دقيق النشاط الذي سيشمله بالإضافة إلى ذلك، ينبغي التأكد من قدرات المفوض وكفاءته على أداء العمل المطلوب، وضرورة منحه الصلاحيات اللازمة لتنفيذ هذا العمل بنجاح. بهذه الطريقة، يتم ضمان صحة التفويض من النواحي الموضوعية، وتقليل أي اختلافات أو نزاعات قد تنشأ بشأن نطاق ومدة التفويض . كما أنه تنتفي المسؤولية الجزائية للمسير عما فعله تابعه بانتفاء خطئه أي يجب أن يتم اثبات عدم وجود القصد و الخطأ قد قام به المسير فيجب أن يثبت انه لم يكن شريكا أو طرفا كما يجب إثبات عدم ارتكابه أي صورة من صور الخطأ فبذلك تنتفي مسؤوليته و يسأل عنها الفاعل الأصلي فقط.الفرع الثاني: المسؤولية الجزائية عن الشخص المعنوي. يجب ملاحقة جميع الأشخاص الذين ساهموا بشكل فعّال في وقوع الجريمة. الأمر الذي أقره قانون العقوبات المعدل رقم24/06 المؤرخ في 28 أفريل 2024
قبل أن نتكلم عن المسؤولية الجزائية للمؤسسات العمومية الاقتصادية في القانون الجزائري يجب أولا الحدیث على أساس هذه المسؤولية الجزائية ثم التطرق في مرحلة ثانية الي شروط قیام المسؤولية الجزائية للمؤسسة العمومية الاقتصادية.إن اعتماد مختلف التشريعات للمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية يعود إلى الاعتراف بالطبيعة الحقيقية للشخص المعنوي كشرط أساسي. وبالتالي، تصبح مسؤوليته شخصية تستند إلى الخطأ الشخصي الذي قام به. هذا هو الاتجاه الذي تسلكه معظم التشريعات المقارنة التي اعتمدت المسؤولية الجنائية للمؤسسات الاقتصادية العمومية كشخص معنوي.موقف المشرع الجزائري
ان موقف المشرع الجزائري بشأن مسألة إقرار المسؤولية الجزائية للمؤسسات العمومية الاقتصادية تغير بشكل ملحوظً على مر السنوات. في البداية، كان الموقف رافضًا لإقامة المسؤولية الجزائية علي جميع المؤسسات العمومية الاقتصادية مهما كان نوعها، وهذا بموجب القانون الصادر في سنة 1966.بعد ذلك، بدأ المشرع الجزائري يتبنى تدريجيًا فكرة إقامة المسؤولية الجزائية للشركات التجارية كأشخاص معنوية، وذلك بموجب القانون رقم 75-37 المؤرخ في 29 أفريل 1975، الذي يتعلق بالأسعار وقمع المخالفات المتعلقة بتنظيم الأسعار . تم تعزيز هذا الموقف بشكل أكبر ، وذلك بناء علي المادة 51 مكرر من القانون السالف الذكر المتعلق بالعقوبات، الذي تبني مبدأ المسؤولية الجزائية للمؤسسات الاقتصادية العمومية كأشخاص معنوية.وبالتالي، يتضح أن المشرع الجزائري قد تطور من المرحلة الأولى من الرفض إلى المرحلة التي تعترف فيها بمسؤولية المؤسسات كأشخاص معنوية فيما يتعلق بجرائم معينة، وأخيرًا إلى تأكيد القانون على مسؤولية المؤسسات الاقتصادية العمومية كأشخاص معنويين بشكل عام بموجب التشريعات الحديثة.ثانيا : شروط قيام المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية.ان جميع التشريعات التي أقرت المسؤولية الجزائية للمؤسسات العمومية الاقتصادية تشترط توافر شروط معينة لكي يمكن اسناد الجريمة إليها. هذه الشروط تعتبر أساسية ولا بد من توافرها جميعًا، وإذا غاب أي منها، فإنه يحول دون اسناد المسؤولية الجزائية للذات المعنوية.المبدأ الذي يتبعه ذلك هو مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية، حيث يفترض أن الفعل الجنائي يكون ناتجًا عن إرادة جماعية للأشخاص الذين يكونون الشخص المعنوي.في هذا السياق، وبناءا علي ما سبق تم تحديد شروط قيام المسؤولية الجزائية في شرطين أساسيين:
1- اشترط القانون الجزائري لإقرار المسؤولية للمؤسسة الاقتصادية وجود شخص طبيعي يعمل لفائدتها و أن يرتكب الجريمة بصفته احد أجهزتها أو ممثلا لها. يتم اعتبارهم أشخاصاً ذوي أهمية كبيرة بناءً على الوظائف التي يحتلونها، والتي تمنحهم صلاحيات إدارية وتنفيذية تؤهلهم لإدارة شؤون المؤسسة،

Original text

الفصل الأول : أحكام المسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية
تمهيد:
المسؤولية الجزائية هي تحمل المتهم للنتائج القانونية الناجمة عن توافر جميع عناصر الجريمة، تتمثل موضوع هذه المسؤولية في العقوبة أو التدبير الاحترازي الذي يفرضه القانون على المتهم الذي ارتكب الجريمة .
كما أنها تعتبر صلاحية الأشخاص لتحمل العقوبة أو التدابير الاحترازية التي ينص عليها القانون نتيجة للجريمة المرتكبة، حيث تعتبر الرابط الأساسي بين الجريمة والعقوبة ، وبناءً عليه، تقوم المسؤولية الجزائية على مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية في حال ارتكابهم أفعالاً تُعتبر جرائم بموجب القانون فتخضع مسؤوليتهم الجنائية لأحكام القانون الجنائي ، بالإضافة إلى انشاء قانون خاص يجرم أفعال المسيرين، كما أنه امتد الي إسناد تلك المسؤولية الجزائية إلى فعل الغير .
ان هذه الأحكام تم تكريسها و تنظيمها عن طريق سن مجموعة من القوانين منها قانون الوقاية من الفساد و مكافحته و المشرع في هذا المجال وضع ضوابطه من اجل إسناد المسؤولية الجزائية للمسير أو تابعه أثناء تأدية الوظيفة و كذلك رفع التجريم عنهم في حالة الخطأ الغير العمدي أثناء التسيير و هذا من اجل خلق جو ملائم للقيام بالمهام المسندة إليهم


بطمأنينة للدفع بعجلة نمو الاقتصاد الوطني و المحافظة على أموال المؤسسة الاقتصادية العمومية.
بحيث سنتطرق في هذا الفصل إلى مبحثين في المبحث الأول سنتناول فيه الطبيعة القانونية للمسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية ثم سنتطرق في المبحث الثاني الي انتفاء مسؤولية مسيري تلك المؤسسات و انقضاء الدعوى العمومية.
المبحث الأول : الطبيعة القانونية للمسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية.
وضع المشرع الجزائري ضوابط من أجل اسناد المسؤولية الجزائية للمسيرين من خلال سن قوانين تنظم مجال المال و الأعمال منها قانون الوقاية من الفساد و مكافحته و بالإضافة إلى إسناد المسؤولية للمسير عن فعله تم امتداد نطاقها إلى فعل الغير و عليه سنتطرق في المطلب الأول إلى مسؤولية مسيري المؤسسة العمومية الاقتصادية عن فعله و في المطلب الثاني سنتناول المسؤولية الجزائية لمسير المؤسسة العمومية الاقتصادية عن فعل الغير و عن الشخص المعنوي.
المطلب الأول : مسؤولية مسير المؤسسة الاقتصادية عن فعله
بالرغم من أن المسؤولية الجزائية للمسؤولين في المؤسسات الاقتصادية تخضع لأحكام القانون العام المتعلقة بالمسؤولية الجزائية، إلا أنها تخضع أيضًا لأحكام خاصة بها والتي نص عليها بموجب قانون الوقاية من الفساد ومكافحته .


تعتبر المسؤولية الجزائية صلاحية الفرد لتحمل العقوبة الجنائية عند ارتكابه لأفعال يجرمها القانون الجنائي. و لكي يتم اتهام الفرد بمسؤولية جزائية يجب أن يكون قد ارتكب الفعل المحظور بمعرفة وإرادة، حيث يتمتع بحرية الاختيار والوعي والإدراك الكامل ، بالإضافة إلى سلامة العقل. فالقانون يجرم هذه الأفعال وينص على العقوبات التي تطبق علي من يرتكبها
وبناءً على ذلك، تقوم المسؤولية الجزائية على مسيري المؤسسات الاقتصادية في حال ارتكابهم لأفعال مُجرّمة وفقاً للقانون، و تخضع مسؤوليتهم الجنائية للأحكام العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي، بالإضافة إلى أحكام خاصة بهم تمثلت في إصدار قانون الوقاية من الفساد و مكافحته.
وعليه سنقسم هذا المطلب إلى فرعين نتناول في الأول صدور نص خاص بالمسؤولية الجزائية للمسيرين و المتمثل في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته و في الفرع الثاني سنتحدث عن دوافع وأهداف صدور هذا القانون.
الفرع الأول : المسؤولية الجزائية للمسيرين وفقا لأحكام قانون الوقاية من الفساد و مكافحته
أدرك المشرع أن النصوص التجريمية المنصوص عليها حصراً في قانون العقوبات لم تكن كافية للحد من الفساد، لذا كان من الضروري على الجزائر أن تنضم إلى الحركة الدولية لمواجهة الفساد وبذل كل الجهود بالتعاون مع المجتمع الدولي لمكافحته. تمثل هذه الجهود في الانضمام إلى مختلف الاتفاقيات الدولية، العربية، والإفريقية المتعلقة بمكافحة الفساد .


تطورت النصوص حول المسؤولية الجنائية لمسيري المؤسسة الاقتصادية تطوراً تشريعياً عبر عدة مراحل، ففي البداية كانت هذه المسؤولية مشمولة ضمن أحكام قانون العقوبات. لكن بعد مصادقة الجزائر على اتفاقية الأمم المتحدة للوقاية من الفساد ومكافحته، تم إصدار قانون الوقاية من الفساد ومكافحته. بموجب المادة الثانية من هذا القانون، حيث تخضع مسؤولية المسيرين في المؤسسات الاقتصادية لأحكامه، و ينص على الأفعال الاجرامية التي يمكن أن يرتكبها الموظفون العموميون، بما في ذلك مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية.
وفقا للمادة 2 منه ، يُفهم الموظف العام بمفهوم واسع يختلف عن التعريف المعتاد في قوانين الوظيفة العامة. حيث يُعرف الموظف العام بموجب هذا القانون على أنه أي شخص يحتل منصباً تشريعياً أو تنفيذياً أو قضائياً، أو يكون عضواً في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء كان تعيينه دائماً أو مؤقتاً، وسواء كان يتقاضى أجراً أو لا، دون النظر إلى رتبته أو مدة خدمته .
وبناءً على ذلك، يختلف المفهوم الجنائي للموظف عن المفهوم الإداري، حيث يكون واسعًا ولا يقتصر على المعايير الإدارية بل يشمل هذا التعريف حتى الخبراء الأجانب الذين لا يمكن تعيينهم في مناصب دائمة.
في هذا السياق، أصدرت المحكمة العليا حكماً يقضي بإسقاط صفة الموظف علي مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية


و بالنظر الي خصوصية الجرائم الاقتصادية من حيث الصعوبة في اكتشافها و كونها ترتكب بكل سهولة، أسس المشرع الجزائري الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وفقاً لقانون الوقاية من الفساد ومكافحته، حدد فيه المشرع مهام الهيئة بوضوح كونها آلية وطنية لمواجهة هذه الظاهرة، حيث تتمتع باستقلالية معنوية وإدارية، حيث تتمثل مهام هذه الهيئة في اقتراح سياسات شاملة للوقاية من الفساد، وتقديم توجيهات في هذا الصدد، واقتراح التدابير التشريعية والإدارية، بالإضافة إلى إعداد برامج توعوية للمواطنين حول هذه الظاهرة. كما يحق للهيئة الاطلاع على تقارير التصريح بالممتلكات للموظفين العموميين، والاستعانة بالنيابة العامة لإجراء التحقيقات وجمع الأدلة في الوقائع ذات الصلة بالفساد .
و يحق للهيئة أيضًا الحصول على جميع المعلومات والوثائق من الإدارات سواء القطاع العام أو القطاع الخاص و التي تتعلق بتحقيقاتها. كما تتولى الهيئة تنسيق ومتابعة النشاطات المتعلقة بمكافحة الفساد وفقاً لأحكام القانون. كما يصنف القانون أي سلوك يعيق أو يعرقل عمل الهيئة كـجريمة إعاقة سير العدالة، مما يستوجب اتخاذ إجراءات عقابية بموجبه.
يمنح القانون للجنة، وبناءً على نتائج التحقيقات التي تُجريها، حق إخطار النيابة العامة لفتح تحقيق في القضايا المشبوهة، شريطة أن تكون الهيئة قد وصلت إلى وقائع تتضمن وصفاً جزائياً .
"سنناقش فيما يلي أهم الجرائم التي يُسأل عنها مسيرو المؤسسات العمومية الاقتصادية وفقاً لأحكام قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.
بموجب أحكام قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، تعتبر جريمة الرشوة هي أول جريمة نص عليها القانون و ذلك في المادة 25 منه وذلك من خلال الجمع بين صورتيها الايجابية و
السلبية مع التركيز على الركن المادي و المعنوي حيث تتجلى الرشوة المادية في طلب أو قبول المسير لمزية غير مستحقة، بينما تتجلى الرشوة المعنوية في العلم والإرادة المتعمدة للمسؤول بالقيام بذلك.
نص قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الي جانب جريمة الرشوة علي جرائم أخري يسأل عنها مسير المؤسسة العمومية الاقتصادية، مثل جريمة اختلاس الممتلكات التي نصت عليها المادة 29 من لقانون ، حيث تبقى صفة المسير في المؤسسة ركناً أساسياً لقيام الجريمة. أما بالنسبة للنشاط الإجرامي، يتمثل في الركن المادي الذي يتجسد في طلب أو تلقي أو اشتراط أو الأمر بتحصيل مبالغ مادية، علماً بأنها غير مستحقة الأداء أو تزيد عن القيمة المستحقة للأداء، سواء كانت لصالح المسير، الإدارة، أو أي طرف يستفيد منها .
أما فيما يخص جريمة استغلال النفوذ، كما وردت في المادة 32 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته ، فتتضمن مظاهر متعددة. ففي الفقرة الأولى من المادة 32، تُعتبر جريمة كل تحريض لموظف أو أي شخص آخر على استغلال النفوذ. بينما في الفقرة الثانية من نفس المادة، تُعتبر جريمة استغلال النفوذ عندما يقوم الموظف أو أي شخص آخر بشكل مباشر أو غير مباشر، بطلب أو قبول المزية غير مستحقة أو لشخص اخر لكي يتمكن من استغلال نفوذه لكي يحصل على تلك المنافع غير مستحقة.


الفرع الثاني : دوافع صدور قانون الوقاية من الفساد وأهدافه .
إن أهم دوافع صدور قانون الوقاية من الفساد ومكافحته هو انتشار ظاهرة الفساد في الجزائر الأمر الذي تطلب بذل الجهد للقضاء على هذه الظاهرة من خلال مكافحتها واتخاذ كافة التدابير للوقاية منها.
فعلى الرغم من أن التشريعات تزخر بترسانة عقابية بكل صور التجريم والعقاب إلا أن إجرام الفساد لاسيما في العصر الحالي يتسم بالتنظيم و الحيلة مع الذكاء و كل إجرام جديد و ذكي ينبغي مواجهته بتشريع جديد و هو ما تطلب تخصيص قانون لجرائم الفساد لذلك عمل المجتمع الدولي عبر المنظمات الدولية على وضع تشريع خاص للوقاية من الفساد ومكافحته وهو ما جسدته اتفاقية الأمم المتحدة للوقاية من الفساد ومكافحته و التي دخلت حيز التنفيذ في 14/12/2005 .
وتُعد هذه الاتفاقية خطوة حاسمة في الجهود العالمية لمكافحة الفساد، حيث تتضمن التزامات دولية بتجريم جميع أشكال الفساد ودعم المؤسسات التي تعمل على منع حدوثه. كما تسلط الضوء على خطورة الفساد وتأثيراته المتعددة على استقرار المجتمعات وأمنها، مما يهدد مؤسسات الديمقراطية والقيم الأخلاقية والعدالة ..
إن قانون الوقاية من الفساد ومكافحته يهدف إلى دعم التدابير التي تسهم في الحد من الفساد والقضاء عليه، ويعزز النزاهة، والمسؤولية، والشفافية في إدارة كل من القطاعين العام والخاص. كما يهدف القانون إلى تيسير التعاون الدولي وتقديم المساعدة التقنية لتعزيز الجهود المبذولة في الوقاية من الفساد ومكافحته .


بالنظر الي المادة 9 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته نجدها تحدد مجموعة القواعد التي يجب أن تُؤسّس عليها الإجراءات المعمول بها في مجال الصفقات، حيث تشترط أن تكون الإجراءات مبنية على قواعد الشفافية والمنافسة الشريفة، وأن تتضمن معايير موضوعية خاصة بالعلانية في المعلومات المتعلقة بإجراءات إبرام الصفقات. كما تلزم بإعداد مسبق لشروط المشاركة واعتماد معايير موضوعية للانتقاء وفقاً لدفاتر الشروط المعدة مسبقاً. بالإضافة إلى ذلك، تشمل المادة ممارسة جميع وسائل الطعن في حال عدم احترام قواعد إبرام الصفقات .
كما أنه يلزم قانون الوقاية من الفساد ومكافحته علي الجميع اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتعزيز صور الشفافية و المسؤولية والعقلانية في تسيير الأموال ، و ضمان أن يتم الاستخدام الصحيح للأموال وفقاً لأغراضها المحددة وبطرق تلبي معايير العقلانية والاستدامة المالية.
المطلب الثاني : المسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية عن فعل الغير و عن الشخص المعنوي.
المبدأ: شخصية المسؤولية الجزائية
من المسلم به أن العقوبة تكون شخصية ولا يحكم بها إلا على من يتم تحديد مسؤوليته الجزائية عن الجريمة التي ارتكبها، هذا يعني أن الفرد لا يمكن محاسبته جنائياً إلا إذا ثبتت مسؤوليته شخصياً عن ارتكاب الجريمة، حيث لا يمكن تصور أن يحاسب شخص على جريمة ارتكبها شخص آخر بغض النظر عن الصلة بينهما.
بالتالي، يعكس هذا المبدأ أساساً أخلاقياً وقانونياً مهما، حيث يضمن عدم تحميل الأفراد بالمسؤولية عن أفعال لم يرتكبوها، مما يعزز من مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون.
كما أنه و من الواضح أن قاعدة شخصية المسؤولية الجزائية تعرضت لتغييرات وانتهاكات في بعض العصور، حيث باتت المسؤولية لا تقتصر فقط على الأفراد المباشرين في ارتكاب الجريمة، بل تمتد أحياناً إلى الأشخاص الآخرين الذين يمكن أن يكونوا مسؤولين قانونياً عن الأفعال المجرمة التي ارتكبها آخرون.
الاجتهاد القضائي الفرنسي في القرن التاسع عشر يُعد مثالاً على ذلك، حيث رسخت القضاء الفرنسي مبدأ المسؤولية القانونية عن الجرائم الاقتصادية بشكل خاص. على سبيل المثال، أُلزم أرباب العمل ومديرو المشروعات الاقتصادية بالمسؤولية عن المخالفات التي يرتكبها موظفوهم أو الأشخاص الذين يعملون تحت إشرافهم.
هذا النهج يهدف إلى تعزيز الالتزام بقواعد القانون والحفاظ على النزاهة في المؤسسات الاقتصادية، حيث يعتبر المسؤولون عن الشركات والمشاريع مسؤولين بموجب القانون عن التصرفات والأفعال التي تنفذ بموجب وظائفهم ، يتم تعزيز مبدأ العدالة والمساءلة في الساحة القانونية والاقتصادية، مما يساهم في منع الجرائم وتقليل المخاطر الاقتصادية والمالية التي قد تنجم عن سلوك غير قانوني ..
كما أنه و من الناحية القانونية، يتم تمييز بين الأشخاص الطبيعيين والأشخاص المعنويين فيما يتعلق بالمسؤولية الجزائية. الأشخاص الطبيعيون هم الأفراد الذين يتمتعون بالشخصية القانونية والذين يمكن أن يتم توجيه الاتهامات الجنائية إليهم عند ارتكابهم لجرائم، أما الأشخاص المعنويون، فهم الكيانات القانونية مثل الشركات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي تُعتبر وحدة قانونية منفصلة عن أفرادها المؤسسين، على الرغم من أن هذه الكيانات ليست أفرادًا آدميين، إلا أنها تحتفظ بشخصية قانونية تسمح بمسؤوليتها الجنائية في بعض الظروف، وتُمكنها القوانين من تحمل عواقب الأفعال غير القانونية التي تنفذها أعضاؤها أو موظفوها..
و بالتالي يُستخدم مفهوم "الأشخاص" في السياق القانوني بمعنى شامل يشمل كل من الأفراد الطبيعيين والأشخاص المعنويين، حيث يُطبق عليهما نظام المسؤولية الجزائية وفقاً للأعمال التي يرتكبونها أو التي يتسببون فيها بطرق مختلفة.
الفرع الأول : المسؤولية الجزائية لمسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية عن فعل الغير.
إن مبدأ "شخصية العقوبة" هو مبدأ قانوني مسلم به في جميع التشريعات الحديثة، ومعناه أن العقوبة الجزائية لا يمكن توقيعها إلا على الشخص الذي يُثبت أنه مسؤول جنائياً عن الجريمة التي وقعت. ومع ذلك، هناك استثناءات تُسمح فيها بتحميل مسؤولية جزائية لأشخاص آخرين عن أفعال الآخرين، وهذا يتم عادةً في سياقات معينة مثل المسؤولية الجنائية المشتركة أو المسؤولية الجنائية للشركات والمؤسسات.
في المسؤولية المدنية، يمكن أحياناً أن يتم تحميل الأشخاص المعنويين بمسؤولية عن أفعال الآخرين، ومع ذلك في القانون الجزائي، تُعد الحالات التي يتم فيها تحميل شخص بجريمة ارتكبها شخص آخر من الحالات المستثناة والتي تثير قضايا قانونية وأخلاقية معقدة. يجب أن تتم مثل هذه الأنواع من المسؤولية بحذر شديد وتوفير الضمانات القانونية اللازمة لضمان عدالة الإجراءات الجزائية والحفاظ على حقوق الأفراد.
بالتالي، على الرغم من أن هناك بعض الاستثناءات في القانون الجزائي التي تسمح بتحميل الشخص بالمسؤولية عن أفعال الآخرين، إلا أن هذا يبقى استثناءاً وليس القاعدة العامة، ويتطلب النظام القانوني الحذر والتوازن في معالجة مثل هذه القضايا لضمان تطبيق العدالة وحقوق الأفراد بشكل كامل ومنصف ‪
ان المسؤولية الجزائية للمتبوع عن عمل التابع هي الحالة الوحيدة التي يمكن أن يسأل فيها الشخص عن أعمال الآخرين بمعنى قانوني حقيقي. هذا يعني أن الأفراد مثل الوالدين، المعلمين، وأرباب الحرف قد يكونون مسؤولون عن سوء رقابتهم على الأفعال التي يقوم بها التابعون تحت إشرافهم. وبموجب هذه المسؤولية، يُطالب هؤلاء الأفراد بتحمل المسؤولية عن الأخطاء التي يرتكبها التابعون نتيجة لإهمالهم في الرقابة أو التوجيه السليم..
من الجهة الأخرى، السلطة الفعلية التي يتمتع بها المتبوع في ممارسة الرقابة والتوجيه على التابع تنصب فعلاً على العمل نفسه وليس على الشخص الذي يؤديه. وهذا يعني أن المسؤولية لا تنحصر فيمن يؤدي العمل بجانب الفرد المسؤول عن الرقابة، بل تتعلق بالواجب القانوني للرقابة والتوجيه.
بالتالي، يتمثل التقصير في القيام بواجب الرقابة في عدم توفير الإشراف الكافي أو التوجيه السليم للتابعين، مما يمكن أن يؤدي إلى تحميل المسؤولية القانونية لهؤلاء الأفراد عن الأضرار أو الجرائم التي يرتكبها التابعون خلال أداء وظائفهم أو واجباتهم .
‫و بالنظر إلي المادة 136 من القانون المدني الجزائري تنص على أن المتبوع يكون مسؤولاً عن الضرر الذي يتسبب فيه التابع بفعله غير المشروع، سواء كان هذا الفعل واقعاً نتيجة لتأديته أو بسببه، شريطة أن تكون هناك رابطة تبعية بينهما. وحتى لو كان المتبوع غير حراً في اختيار التابع (مثل الوالدين على سبيل المثال)، فإنه مازال مسؤولاً إذا كان لديه سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه.
بمعنى آخر، المادة تنص على أن المتبوع يتحمل المسؤولية عن الأضرار التي يسببها التابع في حالة ارتكابه أفعالاً غير قانونية، طالما كانت هناك علاقة تبعية بينهما، وطالما كان المتبوع لديه السلطة الفعلية للرقابة والتوجيه على التابع .
أولا: أساس المسؤولية الجزائية للمسيرين عن فعل الغير
1 التكريس التشريعي:
‪ إن جريمة الإهمال الواضح هي إخلال المسير بواجبات الرقابة والحرص على الأموال، مما يؤدي إلى إلحاق ضرر مادي بها، سواء بسبب التعرض للسرقة، الاختلاس، التلف أو الضياع. تم تكريس هذه المسؤولية الجزائية في القانون الجزائري بموجب المادة 119 مكرر من قانون العقوبات رقم 24/06 المؤرخ في 28 أفريل 2024.
وفقاً للتعريف المذكور، المسير الذي يرتكب جريمة الإهمال الواضح هو الشخص المسؤول عن إدارة ورقابة الأموال، حيث يكون لديه السلطة في التوجيه والرقابة لمنع حدوث أي ضرر مادي بسبب الإهمال في أداء واجباته. بموجب هذه المادة، يمكن محاسبة المسيرين والمديرين التنفيذيين للمؤسسات الاقتصادية على خللهم في القيام بواجباتهم بشكل يحافظ على سلامة الأموال ويمنع إلحاق الضرر بها.
المشرع الجزائري من خلال المادة 119 مكرر من قانون العقوبات نص علي المعاقبة و بشكل صريح الموظفين العموميين الذين يتسببون عمدا في سرقة أو اختلاس أو تلف المال العام ، مما يعزز مسؤوليتهم الجزائية عند وجود إهمال واضح في الرقابة على الأموال وحمايتها من الضرر المادي الناتج عن أعمال غير قانونية.
بهذا الشكل، يُمكن اعتبار جريمة الإهمال الواضح تعبيراً عن السعي لحفظ النزاهة والحماية المالية داخل المؤسسات الاقتصادية في القانون الجزائري، وتأكيداً على أن المسؤولية الجزائية تشمل الأفراد الذين لديهم السلطة في الرقابة والتوجيه على الأموال.
2- التكريس الفقهي:
إن البحث عن أساس قانوني لإسناد المسؤولية الجزائية إلى الغير يتطلب فهماً دقيقاً للنظريات التي طورها القضاء والتشريع في هذا الصدد، وقدمها فقه القضاء الفرنسي تمثلت في عدة نظريات مهمة ، مثل نظرية تمثيل العامل لرب العمل حيث تنص هذه النظرية على أن الشخص (العامل) يمثل رب العمل في القيام بأعماله، وعليه يمكن أن يتحمل رب العمل المسؤولية عن الأفعال الضارة التي يقوم بها العامل أثناء أداء وظيفته، كما توجد نظرية التزام رب العمل شخصياً، فوفقاً لهذه النظرية، يتحمل رب العمل مسؤولية شخصية عن الأفعال الضارة للعامل إذا كان هناك علاقة مباشرة بين الفعل الضار ووظائف المراقبة والإشراف التي يمارسها، وهناك أيضا نظرية المخاطر تعتمد هذه النظرية على مبدأ أن من يستفيد من فعالية اقتصادية محفوفة بالمخاطر يتحمل أيضاً المسؤولية عن الأضرار التي قد تحدث نتيجة لهذه المخاطر .
في هذا السياق، يتم تبرير المسؤولية الجزائية من خلال تأثير النظريات المدنية على القانون الجزائي، حيث يتم التركيز على مفهوم الخطأ الشخصي الذي يمكن أن ينسب للشخص المسؤول، سواء كان ذلك بسبب إهماله الشخصي أو تقصيره في أداء واجباته المرتبطة بالرقابة والإشراف.
النظريات تنقسم إلى اتجاهين رئيسيين: النظريات الموضوعية التي تركز على طبيعة النشاط الاقتصادي والمخاطر المرتبطة به، والنظريات الذاتية التي تركز على الخطأ الشخصي كأساس للمسؤولية. تحقق هذه النظريات من خلال الحفاظ على التوازن بين الحماية القانونية للمجتمع والإشراف على الممارسات الاقتصادية دون إفراط في تحميل المسؤولية الجزائية.
ثانيا: أهمية إقرار المسؤولية الجزائية للمسيرين عن فعل الغير‪:
إن إقرار المسؤولية الجزائية عن فعل الغير بالنسبة للمسير له فوائد عدة منها ضمان
‫تنفيذ وظائف العقاب ‪, فللعقاب وظائف عديدة ولا يؤدي العقاب وظائفه ما لم يسال أيضا من
‫ساهم في وجود الظروف التي كانت السبب في ارتكاب الجريمة ‪ ,إذا بإهمال مسير تعمده عدم‫مراعاة القواعد الخاصة بالعمل قد تشجع تابعيه على ارتكاب الجريمة أو يساهم فيها، فإذا لم ‫يسأل جنائيا ذلك المسير ظلت هذه الظروف على حالها تهدد المجتمع بالخطر من طرف من ‫سبق أن ارتكب الجريمة أو الغير، فتحمله على ارتكاب الفعل نفسه أو المساهمة فيه مجددا وهذا ‫هو السبب الذي أدى إلى إقرار المسؤولية الجنائية على فعل الغير‪ ,وأهمية ذلك من ناحية العقاب هو جعله فعالا وذلك بتوقيعه على مرتكب الجريمة فقط أي التابع دون المتبوع فتهديد ‫مسير المؤسسة بالعقاب سيحمله على إحكام الرقابة والإشراف واتخاذ درجة من الحيطة ‫والحذر‪.
إن إقرار المسؤولية الجزائية عن فعل الغير بالنسبة للمسير يحمل فوائد عدة تتعلق بضمان تنفيذ وظائف العقاب والحفاظ على النظام الاجتماعي والاقتصادي. ونذكر من هذه الفوائد:
تعزيز الرقابة والإشراف : يجبر إقرار المسؤولية الجزائية المسيرين على اتخاذ الحيطة والحذر في إدارة الأمور، حيث يدركون أنهم معرضون للمساءلة الجزائية إذا تسببوا بأي ضرر نتيجة للإهمال و التقصير في الرقابة على الأمور.
منع ارتكاب الجرائم : يشجع إقرار المسؤولية الجزائية المسيرين على اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الجرائم، حيث يعملون على توفير البيئة الملائمة للعمل النزيه والامتثال للقوانين.
الحد من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية : بتحميل المسؤولية الجزائية للمسير عن أفعال تابعيه، يتم الحد من المخاطر التي قد تشجع على ارتكاب الجرائم، مما يسهم في تعزيز الأمان الاجتماعي والاقتصادي.
تعزيز النظام القانوني: يساهم المسؤولون عن الأمور في الحفاظ على النظام القانوني من خلال اتخاذهم للتدابير اللازمة والإشراف الجيد، مما يعزز الثقة في العدالة والتنمية الاقتصادية المستدامة.
باختصار، إقرار المسؤولية الجزائية عن فعل الغير للمسيرين يساهم في جعل العقاب فعالاً، حيث يتم توجيهه نحو الأشخاص المسؤولين مباشرة عن الأفعال الجرمية دون المساس بالأفراد الذين لا يتحملون المسؤولية المباشرة. هذا النظام يحفز المسيرين على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الجرائم وحماية المصالح المجتمعية والاقتصادية بشكل أفضل، مما يعزز النظام العام والاستقرار الاجتماعي ‪.
ثانيا: حدود تطبيق المسؤولية الجزائية للمسيرين عن فعل الغير
من النصوص القانونية والأحكام القضائية، خاصة الفرنسية، يمكن استخلاص أن المسؤولية الجزائية عن فعل الغير تتعلق عادة بالرؤساء أو المسيرين الذين يتولون مسؤولية إدارة ورقابة المؤسسات أو الأعمال التي يقوم بها تابعوهم. وفيما يلي بعض النقاط الرئيسية التي يمكن استخلاصها:
توجيه المسؤولية :
المسؤولية الجزائية توجه عادة إلى الأفراد الذين يمتلكون سلطة فعلية في رقابة وتوجيه أفعال التابعين، هذا يعني أنهم يتحملون المسؤولية عن الجرائم التي ترتكب بسبب إهمالهم في الرقابة أو توجيههم غير السليم للأفعال.
المسؤولية الشخصية: علي الرغم من أن المسؤولية الجزائية قد تنتقل إلى المسيرين عن أفعال التابعين، إلا أنها تبقى مرتبطة بمبدأ شخصية العقوبة، يعني هذا أن العقوبة تنال فقط الأشخاص الذين تقررت مسؤوليتهم الجنائية بناءً على الأدلة المقدمة وبعد إثبات إدانتهم.
1-ضوابط إسناد المسؤولية الجزائية للمسير عن فعل الغير:
لقيام المسؤولية الجزائية عن فعل الغير يجب توفر شرطين:
أ- ارتكاب الجريمة من قبل التابع في حالة تأدية وظيفته أو بسببه (علاقة السببية):
ان هذا الضابط هو الذي يربط بين مسؤولية المتبوع وعمل التابع و في نفس الوقت يمكن اعتباره تبريرا عن هذه المسؤولية حيث لا يمكن قبول قيام مسؤولية المتبوع عن كل ما يرتكبه التابع من جرائم ، فيجب أن تكون هناك علاقة سببية بين الوظيفة أو الدور الذي يقوم به التابع داخل المؤسسة وبين الجريمة التي ارتكبها، فليس من الكافي أن تكون الوظيفة سهلت في ارتكاب الجريمة أو ساعدت على ذلك، بل يجب أن يُثبت بوضوح أن التابع لن يكون قد ارتكب الخطأ لولا الوظيفة التي يقوم بها داخل المؤسسة. يشمل ذلك ما إذا كان الخطأ الذي ارتكبه التابع كان ناتجًا عن أمر صريح من المسؤول عنه أو لا، وسواء كان المسؤول على علم بالخطأ أو لم يكن، وسواء عارض فيه أو لم يعارض فيه.
إذا تم ارتكاب الجريمة من قبل التابع بسبب رغبة في خدمة المسؤول عنه أو بسبب الباعث الشخصي، فإن ذلك يمكن أن يُبرر المسؤولية الجزائية للمسؤول عن المؤسسة، فتعتبر هذه النقاط أساسية في تحديد المسؤولية الجزائية عن أفعال الغير داخل الأنظمة القانونية..
ولإثبات مسؤولية المتبوع عن أفعال التابع، يجب أن تكون الجرائم التي ارتكبها التابع قد وقعت أثناء أداء المهام المتصلة بنشاط المؤسسة، فلا يمكن أن يُحمل صاحب العمل مسؤولية الجرائم التي ترتكب خارج نشاط المؤسسة، إذا كانت هذه الجرائم لا تتعلق بالأنشطة المعتادة أو المخولة للتابع أثناء عمله .
ب-علاقة التبعية بين التابع و المتبوع:
لتحقيق هذا الشرط تضمنت المادة ‪ 136 الفقرة الثانية من القانون المدني على ما أنه
‫ تتحقق علاقة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرا في اختيار تابعه متى كان هذا الأخير يعمل
‫لحساب المتبوع.
و علاقة التبعية تقوم على عنصرين رئيسيين، الأول هو عنصر السلطة الفعلية، حيث لا يمكن أن نعتبر وجود علاقة تبعية بين المسير وتابعيه ما لم يكن للمسير سلطة فعلية عليهم، بغض النظر عن مصدر هذه السلطة، سواء كانت ناتجة عن عقد وكالة أو عقد عمل أو علاقة وظيفية، كما لا يلزم أن يكون التابع يتقاضى أجراً من عمله أو أن يكون العمل دائمًا، فمجرد وجود سلطة فعلية للمسير على التابع تكفي لإقامة علاقة التبعية، ولا يتعين أن تكون هذه السلطة شرعية بالضرورة، بل يمكن أن تكون فعلية، حتى ولو كانت المصدر غير شرعي. فإذا كان المتبوع يمتلك القدرة على استخدام هذه السلطة، ولو لم يمارسها فعلياً، فإن علاقة التبعية ما زالت قائمة .
أما العنصر الثاني من علاقة التبعية يتمثل في أن يكون للمتبوع السلطة ليصدر أوامر ويوجه التابع في عمله، حتى لو كانت هذه التوجيهات عامة، وأن يكون له القدرة على مراقبة تنفيذ هذه الأوامر. ليس من الضروري أن يكون المتبوع قادرًا بشكل فعلي على مراقبة وتوجيه التابع، ومن الناحية الإدارية، يكون هو الشخص الذي يمتلك سلطة الرقابة والتوجيه .
ثالثا إعفاء مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية من المسؤولية الجزائية عن فعل الغير.
إن المسؤولية الجزائية لمسير المؤسسة العمومية الاقتصادية عن فعل تابعيه تأتي أحيانًا نتيجة لعدم احترامه للالتزامات التي تفرض عليه شخصيًا في عملية المراقبة والإشراف على المؤسسة. وفقًا للقاعدة الأساسية، فإن خطأ الفاعل لا يعفي من المسؤولية من يُعتبر مسؤولًا عنه، فهنا تعتمد مسؤولية التابع على الأفعال التي يقوم بها دون استشارة المسير في بعض الحالات داخل المؤسسات يتم تفويض الصلاحيات، مما يعني التنازل عن سلطات معينة التي غالباً ما تكون ضمن مسؤولية شخص معين هو المسير. يكون هذا التفويض دائمًا مؤقتًا ويكون لأسباب محددة. وعندما تنتهي هذه الأسباب، ينتهي التفويض معها. تتضمن شروط صحة التفويض شروطًا شكلية وأخرى موضوعية.
الشروط الشكلية:
لا يُشترط وجود شكل معين أو صيغة معينة للتفويض، ولكن من الأفضل أن يكون مكتوبًا لأن ذلك يُساعد في تجنب اللبس في تحديد المهام والصلاحيات، ويُعد ضمانًا لكل ما قد ينشأ من خلافات حول صحة التفويض ومداه الزمني. في هذا السياق، صدر قرار في فرنسا ينص على أن مجرد وجود مذكرة خدمة داخلية أو الإشارة إلى منصب عمل في الاتفاقية الجماعية للعمل لا يُعتبر دليلاً كافيًا على وجود تفويض. لذا، يتطلب التفويض أن يكون صريحًا ومحددًا، ولا يجوز أن يكون ضمنيًا.
الشروط الموضوعية:
الشروط الموضوعية للتفويض تتنوع بين شروط خاصة بالمفوض وشروط تتعلق بموضوع التنفيذ. بالنسبة للشروط الخاصة بالمفوض، يتطلب أن يكون من غير الممكن عليه تنفيذ الأمور شخصيًا ومن طرفه، وأن يكون النشاط المفوض به ضخمًا ومعقدًا. أما الشروط الموضوعية المتعلقة بموضوع التنفيذ، فتشمل ضرورة عدم جعل التفويض دائمًا، بل يجب تحديد مدته الزمنية، وأن يحدد بشكل دقيق النشاط الذي سيشمله بالإضافة إلى ذلك، ينبغي التأكد من قدرات المفوض وكفاءته على أداء العمل المطلوب، وضرورة منحه الصلاحيات اللازمة لتنفيذ هذا العمل بنجاح. بهذه الطريقة، يتم ضمان صحة التفويض من النواحي الموضوعية، وتقليل أي اختلافات أو نزاعات قد تنشأ بشأن نطاق ومدة التفويض .
فإذا كان التفويض صحيحا من الناحية الشكلية و الموضوعية ينتج عنه قيام المسؤولية علي الشخص المفوض له فيتم في هذه الحالة إعفاء رئيس المؤسسة أو المفوض من المسؤولية الجزائية، كما أنه تنتفي المسؤولية الجزائية للمسير عما فعله تابعه بانتفاء خطئه أي يجب أن يتم اثبات عدم وجود القصد و الخطأ قد قام به المسير فيجب أن يثبت انه لم يكن شريكا أو طرفا كما يجب إثبات عدم ارتكابه أي صورة من صور الخطأ فبذلك تنتفي مسؤوليته و يسأل عنها الفاعل الأصلي فقط.
الفرع الثاني: المسؤولية الجزائية عن الشخص المعنوي.
تشير الاتجاهات الحديثة إلى ضرورة عدم تقييد المسؤولية الجنائية بمسير المؤسسة الاقتصادية العمومية لوحده فبدلاً من ذلك، يجب ملاحقة جميع الأشخاص الذين ساهموا بشكل فعّال في وقوع الجريمة. يطرح هذا الأمر تساؤلات حول إمكانية قيام المسؤولية الجنائية للمؤسسة العمومية الاقتصادية كشخص معنوي، الأمر الذي أقره قانون العقوبات المعدل رقم24/06 المؤرخ في 28 أفريل 2024
قبل أن نتكلم عن المسؤولية الجزائية للمؤسسات العمومية الاقتصادية في القانون الجزائري يجب أولا الحدیث على أساس هذه المسؤولية الجزائية ثم التطرق في مرحلة ثانية الي شروط قیام المسؤولية الجزائية للمؤسسة العمومية الاقتصادية.
أولا : أساس المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي في التشریع
إن اعتماد مختلف التشريعات للمسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية يعود إلى الاعتراف بالطبيعة الحقيقية للشخص المعنوي كشرط أساسي. وبالتالي، تصبح مسؤوليته شخصية تستند إلى الخطأ الشخصي الذي قام به. هذا هو الاتجاه الذي تسلكه معظم التشريعات المقارنة التي اعتمدت المسؤولية الجنائية للمؤسسات الاقتصادية العمومية كشخص معنوي.
موقف المشرع الجزائري
ان موقف المشرع الجزائري بشأن مسألة إقرار المسؤولية الجزائية للمؤسسات العمومية الاقتصادية تغير بشكل ملحوظً على مر السنوات. في البداية، كان الموقف رافضًا لإقامة المسؤولية الجزائية علي جميع المؤسسات العمومية الاقتصادية مهما كان نوعها، وهذا بموجب القانون الصادر في سنة 1966.
بعد ذلك، بدأ المشرع الجزائري يتبنى تدريجيًا فكرة إقامة المسؤولية الجزائية للشركات التجارية كأشخاص معنوية، وذلك بموجب القانون رقم 75-37 المؤرخ في 29 أفريل 1975، الذي يتعلق بالأسعار وقمع المخالفات المتعلقة بتنظيم الأسعار .
بعدها وبناء علي قانون العقوبات رقم 04/15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004، تم تعزيز هذا الموقف بشكل أكبر ، وذلك بناء علي المادة 51 مكرر من القانون السالف الذكر المتعلق بالعقوبات، الذي تبني مبدأ المسؤولية الجزائية للمؤسسات الاقتصادية العمومية كأشخاص معنوية.
وقد سار المشرع علي نفس النهج بموجب التعديل الأخير لقانون العقوبات رقم 24/06 المؤرخ في 28 أفريل 2024 وقد نص عليها في نفس المادة 51 مكرر.
وبالتالي، يتضح أن المشرع الجزائري قد تطور من المرحلة الأولى من الرفض إلى المرحلة التي تعترف فيها بمسؤولية المؤسسات كأشخاص معنوية فيما يتعلق بجرائم معينة، وأخيرًا إلى تأكيد القانون على مسؤولية المؤسسات الاقتصادية العمومية كأشخاص معنويين بشكل عام بموجب التشريعات الحديثة.
ثانيا : شروط قيام المسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية.
ان جميع التشريعات التي أقرت المسؤولية الجزائية للمؤسسات العمومية الاقتصادية تشترط توافر شروط معينة لكي يمكن اسناد الجريمة إليها. هذه الشروط تعتبر أساسية ولا بد من توافرها جميعًا، وإذا غاب أي منها، فإنه يحول دون اسناد المسؤولية الجزائية للذات المعنوية.
المبدأ الذي يتبعه ذلك هو مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية، حيث يفترض أن الفعل الجنائي يكون ناتجًا عن إرادة جماعية للأشخاص الذين يكونون الشخص المعنوي.
في هذا السياق، وبناءا علي ما سبق تم تحديد شروط قيام المسؤولية الجزائية في شرطين أساسيين:
1- اشترط القانون الجزائري لإقرار المسؤولية للمؤسسة الاقتصادية وجود شخص طبيعي يعمل لفائدتها و أن يرتكب الجريمة بصفته احد أجهزتها أو ممثلا لها.
قبل الخوض في هذه المسألة يجب معرفة ما معني أجهزة المؤسسة العمومية الاقتصادية و هي تعتبر كيانا متكون من أفراد يكونون مخولين باتخاذ وتنفيذ القرارات بموجب القوانين والنظام الأساسي للمؤسسة، يتم اعتبارهم أشخاصاً ذوي أهمية كبيرة بناءً على الوظائف التي يحتلونها، والتي تمنحهم صلاحيات إدارية وتنفيذية تؤهلهم لإدارة شؤون المؤسسة، التصرف والتعاقد باسمها، حيث تتوقف استمرارية المؤسسة على إرادتهم وأدائهم، كما جاء في المادة 65 مكرر 02 من قانون الإجراءات الجزائية المعدل و المتمم.
و هنا نجد أن المشرع الجزائري قد حصر الشخص الطبيعي الذي تتوفر فيه الصفة و الذي تترتب على ارتكابه الجريمة قيام المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي بينما نجد أن المشرع الفرنسي قد حصرهم في احد الأجهزة أو الممثلين دون أن يذكر أو يشترط الصفة في ممثل المؤسسة .
2- أن يرتكب الجهاز أو الممثل الشرعي الجريمة لحساب المؤسسة العمومية الاقتصادية.
لقيام المسؤولية الجزائية للمؤسسة العمومية الاقتصادية يجب أن تكون الجريمة قد ارتكبت لحساب المؤسسة حيث تبنت معظم التشريعات ونصت علي أن المؤسسة العمومية كشخص معنوي تقوم مسؤولتها عن الجرائم المرتكبة لحسابها التي ارتكبت من طرف أجهزتها أو ممثلیها كما جاء في نص المادة 51 مكرر من قانون العقوبات وعبارة " لحسابه " معناها أن المؤسسة العمومیة الإقتصادیة كشخص معنوي لا يمكن أن تسأل إلا عن الأفعال الاجرامية التي تكون لفائدتها أو لمصلحتها.
و في هذا الصدد مهما كانت تلك المصلحة سواء مادیة أو معنویة، سواء كانت مباشرة أو غیر مباشرة، تم تحقيقها أو محتملة، فیكفي أن ترتكب الأفعال الاجرامية بهدف ضمان تنظيم أو حسن سیر أعمال المؤسسة العمومیة الاقتصادية أو تحقیق مبتغاها حتى ولو لم یحصل في الأخير هذا الشخص على أیة فائدة.
اذن لا یجوز مساءلة المؤسسة العمومیة الاقتصادیة عن الجرائم المرتكبة من أحد ممثليها أو أجهزتها أثناء ممارسة مهامه لحسابه الشخصي أو تكون بهدف تحقیق المصلحة الشخصیة أو لحساب شخص آخر أو بهدف الاضرار بها.
ا


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

محفوظ كان يتكل...

محفوظ كان يتكلم في تليفون الدُكان بصوت مُرتفع، يُسمَع صوتُه رغم ضوضاء شارع الجيش الصاخب، وجعل يميل ...

اكلت البطاطا فس...

اكلت البطاطا فسمعت فقلت الحمد لله فدعبت الى المصلى فصليت عدت الى المنزل اخذت المدرسه وقلت الحمد لله ...

البيداغوجيا الل...

البيداغوجيا اللعبية المطبقة على المهارات السلوكية والتقنية تطبيقات في تكوين مصلحي مركبات السيارات مق...

كشفت صحيفة الغا...

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، في تقرير نشره محررها الدبلوماسي باتريك وينتور، عن مساعٍ لتقريب وجها...

لاحظتُ وجود بعض...

لاحظتُ وجود بعض الطلاب الجدد الذين لم يتم تسجيلهم وقيدهم في المدرسة، مما أدى إلى تأخر انتظامهم في ال...

وسعت مليشيات ال...

وسعت مليشيات الحوثي التابعة لإيران، اليوم الثلاثاء، نطاق هجماتها وتحركاتها العسكرية على عدة جبهات يم...

يشير هوس الهوات...

يشير هوس الهواتف الذكية إلى تحديات أخلاقية ومدنية، حيث يحول المواطن إلى مستهلك ويقلل من العلاقات الإ...

أستاذ في الدراس...

أستاذ في الدراسات الأمنية النقدية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، ومدير وحدة الدراسات الاستراتيجية بال...

Mr. Salehs diag...

Mr. Salehs diagnosis of Chronic Obstructive Pulmonary Disease (COPD) is primarily driven by a combin...

تمكّن فريق بحثي...

تمكّن فريق بحثي متخصص في علوم الحيوان بجامعة عدن من توثيق ظهور نوع خطير من الرخويات بطنية القدم يُعر...

تُعدّ سورة يوسف...

تُعدّ سورة يوسف من السور المكية الفريدة التي نزلت كاملة في سياق واحد1. الآية الأولى: ﴿الر تِلْكَ آيَ...

إلى ضلعي الثابت...

إلى ضلعي الثابت وأمان أيامي.. أخي وأخواتي أنتم النعمة الكبرى التي أمتن لله عليها، والدعم الذي لا يخف...

Tech news