Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (Using the clustering technique)

أستخدم عبارة الشفوية لأشير ، نشأ شفوياً ضمن ثقافة صوتية - سماعية ؛ لم يصل إلينا محفوظاً في كتاب جاهلي ، بل وصل « مدوّناً » في الذاكرة ، خصائص الشفوية الشعرية الجاهلية ومدى تأثيرها على الكتابة الشعرية العربية في العصور اللاحقة ، أعني أنه نشأ مسموعاً لا مقروءاً، كان الصوت في هذا الشعر بمثابة النسم الحي ، فهو ينقل الكلام وما يعجز عن نقله الكلام ، إنها علاقة بين فردية الذات التي يتعذر الكشف عن أعماقها ، الشاهد المنشد . أن نستغرب تلك المفارقة في القول الشعري الجاهلي : وحدة المقول ، لنقل : كان الإنشاد والذاكرة بمثابة الكتاب الذي ينشر الشعر الجاهلي ، وإذا رجعنا إلى جذر كلمة نشيد في اللغة ، وفي هذا ما يلمح إلى أن عرب الجاهلية كانوا يعدون إنشاد الشعر موهبة أخرى ، والحق أنه كان لموهبة الإنشاد أهمية قصوى في امتلاك السمع ، خصوصاً أن السمع للجاهلي أصل في وعي الكلام وفي الطرب. فكثيراً ما شبة الشعراء المنشدون بالطيور المغردة ، وثمة كلمة مشهورة توجز ما نذهب إليه ، ومن هنا نفهم دلالة القول إن العرب كانت و تزن الشعر بالغناء ، ويذهب ابن رشيق إلى القول إن الغناء أصل القافية والوزن ( العمدة : (١٥/١) ، صرف في تأليفه خمسين سنة . وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به ، ويضيف محدداً صناعة الغناء بأنها و تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة . تقاليد خاصة استمرت في العصور اللاحقة. ثياباً جميلة مختلفة عن ثيابه العادية ، كأن الإنشاد احتفال - عرس أو عيد . وهذا ما تشير إليه كلمة للفرزدق خاطب بها الشاعر عباد العنبري بعد أن سمع إنشاده : « إنشادك يزين الشعر في فهمي » (۱). النشيد جسد مفاصله الوزن والإيقاع والنغم ، سجعاً - كما يرجح معظم الباحثين . وتلاه الرجز الذي كان يقال إما بشطر واحد كالسجع ، والقصيد هو اكتمال التطور الايقاعي ، وسجعت الناقة : مدت حنينها على جهة واحدة ، هو كسجع الناقة : موالاة الصوت على طريق واحد. هكذا نقلت العبارة لكي تكون مصطلحاً إيقاعياً، يعني : تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن . يعني الاستواء والاستقامة والتشابه في الكلام، في الجملة صاحبتها . مادة : سجع ) . حسابهم : سورة الغاشية : ٢٦). شريطة أن يسلم من الاستكراه . بالكهانة والكهان في العصر الجاهلي ، النبي نهى عنه في حديث مأثور : ( إياكم وسجع الكهان » ، واستعمل بخاصة في أشكال النثر الأدبي من خطب ورسائل ومقامات . ووصل هذا الاستعمال في مراحل متأخرة الى درجة من الإفراط والتكلف، أصبح معها مجرد شكل أجوف. أن اسم القصيد مأخوذ من استطراد صاحبه في ما يقصد إليه، بأن يوطيء المقصود الأول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني ) ( المقدمة، قد يكون ذلك عائداً إلى أنه الأكثر قدرة على الاستجابة لحاجات النفس. لا بد هنا من أن نشير إلى أن كون البيت في القصيد وحدة مستقلة بذاتها، وإلى ضرورات تتصل بالسماع والتأثير، تتفق مع وزنه ومغناه وهي إذن جوهرية وليست زيادة أو ملء فراغ ، ولا يجوز أن يعيد القافية نفسها مرتين ( الإيطاء ) ، ولا يجوز تعليقها بالبيت الذي يليها ( التضمين ) . وهذه الشروط جميعها تؤكد على كون القافية خاصية موسيقية ، ومن ثم للقصيد كله بعداً من التناسق والتماثل، وتولدت عن ذلك معايير وقواعد لا تزال مهيمنة ليس على الكتابة الشعرية وحدها، إن استيفاء البحث في هذه القضايا جميعاً يحتاج إلى تأريخخاص للشعرية العربية. لذلك أقصر الكلام على تلك التي أرى أنها الأكثر التصاقاً بما أقصد إليه في هذا البحث، قائلاً إن الثقافة كانت مزيجاً من « ثقافة عربية خالصة تعتمد على القرآن وما يتصل به من علوم الدين وعلى الشعر وما يتصل به من نحو ولغة - وثقافة يونانية تعتمد على الطب والفلسفة، والهنود والأمم السامية التي كانت منتشرة في العراق ( من حديث الشعر والنثر الطبعة الثانية ، اللحن أو التحريف إلى القرآن والحديث. الشعر لحفظ إيقاعاته وتمييزها عن غيرها من الأوزان والإيقاعات الشعرية اليونانية والسريانية والفارسية والهندية. والتذوق والتواصل الشعريين . فيقول إن العرب أنشدوا الشعر وغنوه بالملكة والفطرة، الألسنة غير العربية » ، الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه ، والمبتدأ مرفوع ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات ، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً ، كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيدوها بالكتاب، وجعلوهاصناعة لهم مخصوصة ، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. ثم هذبه وكمل أبوابه الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ۱۰۰ - ۱۷۰ هـ. وقد أتبعه بعمل آخر لغوي لحفظ الموضوعات اللغوية، خشينة الزوال وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث، وحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي ، يروى أنه أتى بكاتب وأوصاه : « إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف ، وكانت هذه النقاط علامات للإعراب ترشد الناس إلى القراءة الصحيحة وبعد الإعراب تم الإعجام. فقد رتب نصر بن عاصم الليثي الحروف جماعات ووضع كل حرف إلى جانب الحرف الذي يشبهه في الصورة، وخالف بين هذه النقط أفراداً وأزواجاً، ضماً وفتحاً وكسراً، بينما هدف الإعجام إلى تمييز الحروف المتشابهة في الصورة . والكسرة بياء راجعة استغنى أخيراً عن أحد شقيها توضع تحت الحرف. وقد ألحق الفتحة والضمة والكسرة بأصول الكلمات للاستعانة بها على النطق بهذه الأصول، بحث الخليل في الكلمات أصولاً وبناء وحركات، درس الكلمة مفردة لفهم بنائها العام في العربية، ودرسها في الجملة لفهم دلالتها على معنى من المعاني. وهو في هذا يُعد مؤسساً لعلم الأصوات دراسة الكلمات بوصفها مجموعة من الأصوات (1). وكان لحسه الموسيقي الأثر الأول في الوصول إلى تحديد مخارج الحروف، وهذا ما قاده إلى استخدام أوزانها ، -٩- لا شك في أن استنباط الخليل للأوزان الشعرية وتقعيدها (1) يروى عن الخليل أنه تكلم في فنون كثيرة منها : علم الغشاء والإيقاع وعلم راجع المهدي المخزومي كتابه المهم عن الخليل بن أحمد الفراهيديعمل إبداعي لا يكشف عن حسه الموسيقي الأصيل وحسب، فالنطق بدافع التفاهم وحده يعني أن تأثير الكلام لا يتعدى تنبيه الشعور في المخاطب لفهم الغرض المقصود منه وفي هذه الحالة تكون المناسبة بين أزمنة حركاتها في الحنجرة وأعضاء الفم اعتيادية كما هي الحال في لغة الكلام على مجرى العادة . وإرسال الكلمة على هذه الصورة غير الاعتيادية يقتضي اشتراك الحس وقوة التصوّر لإيجاد جنس الايقاع الموزون الذي يربط أجزاءها ويحول دون تفككها، ويذهب الفارابي إلى أن الموسيقى المقرونة بالقول الشعري هي الطبيعية على الإطلاق. فهذه الموسيقى المقترنة بالقول الشعري تكسب المنفس لذة وراحةوسماعاً جميلاً . ولما كانت الألحان الكاملة هي التي توجد بالصوت الانساني ، هي الألحان التابعة للأقوال الشعرية والتي ألفت لتفيد النفس إلى جانب اللذة ، تكسب النفس قوة وتزيد في انفعالاتها القوية . وتكسبها في ذلك هدوءاً واستقرارا . ولما كان كثير من الهيئات والأخلاق والأفعال تابعة لانفعالات النفس وللخيالات الواقعة فيها، صارت الألحان الكاملة نافعة في إفادة الهيئات والأخلاق ، ونافعة في أن تبعث السامعين على الأفعال المطلوبة منهم ، وفي البعثة على اقتناء سائر الخيرات النفسانية ، ريحرف الفارابي الإيقاع بأنه « النقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب » ( المصدر نفسه، ويختص علم الإيقاع بنظم اللحن في طرائق 27/121 ضبط أجزاءه على أزمنة معينة تقاس عليها الأصوات في مواضع الشدة واللين. وتفصل الإيقاعات أجناساً في دوائر زمنية تسمى الأصول، معيناً من الأسباب والأوتاد ، متحرك وثان ساكن ، ٤ - أجزاء المصاريع ( المصراع هو شطر البيت ) ، أي حالة غنائية بتأليف خاص لعناصر اللحن فالبيت « غير محدود إلا بالوضع عند أهل كل لسان » ، فالبيت والحالة هذه مصطلح غنائي - إنشادي ، فهذه العلاقة جعلت النقد الشعري يتأسس ، بل لغيره - لمن يسمعه ، ومن هنا كانت تقاس شاعرية الشاعر بقدرته على الابتكار الذي يؤثر في نفس السامع . ذلك أن مدى فهم السامع لما يقوله هو الذي يحدد مستوى بيانه الشعري . وليس فهمه إلا انعكاساً للذوق الشائع العام . ومن هنا لم تكن المزية الشعرية في ما يقوله الشاعر أو في ما يثبته ، كما يعبر الجرجاني ) دلائل الإعجاز ، عبر معيار التأثير المطرب ، وبنيت الشعرية على جمالية الإسماع والإطراب، التي حولها الاستخدام السياسي، إلى نوع من جمالية الإيصال الإعلامي، بحيث يكون الشعر فناً قولياً يؤثر، في نفوس الناس - مدحاً أو هجاء ، الموازنة : ۱۹۱/۱ ) . وهذا مما أدى إلى الفصل بين الشعر والفكر . في توكيد هذا الفصل فيجعل الشعر نقيضاً للفكر، وهذا الفصل بين الشعر والفكر توكيد الجمالية الشفوية وترسيخ الصورة معينة من الشعر هي الصورة الغنائية - الإنشادية . بالصفات التالية : ١ - صافية ( ليس فيها ما يشوبها ، ٣ - الممططة منها رطبة ( لينة ، ٦ - بعض النغم محبب ( سريع ) .

  • بعضها مرجح ( واضحة النغمة ،
  • مفخمة أحيانا بالصدر ، ) المعدة للأصوات عند الرجال) . وهذه الصفات الموسيقية لا تنبع إلا من كلام سهل ، وتحس حساً غير مستبشع - كما يعبر الفارابي . لأن المقصود ينال بأمثال هذه الكلمات نيلا أسرع . ويلخص الجاحظ موقف النقاد من هذه المسألة بقوله : وكذلك حروف الكلام ، وأجزاء الشعر من البيت تراها متفقة ملساء ، ) البيان والتبيين : ۸۲/۱ ) .
  • ( الأعراب الخلص هم معدن الفصاحة التامة ) ( المصدر السابق : ٢٦/٣ ) ، وفي خاصية البداهة - التي هي ( الفرق بين العرب وغيرهم في البيان ) ( المصدر نفسه : ٢٤/٣ - ٢٥ ) ، ترتبت على ذلك قيم معيارية منها القول بأن المعاني المختلفة تفترض بحوراً مختلفة ، ولهذا يجب في صناعة الشعر اختيار البحر المناسب للمعنى المناسب . وأدى هذا إلى قول يرى صلة أكيدة بين طبيعة المعاني وطبيعة الأعاريض الشعرية . فالمعاني الجادة أو الحارة أو الجياشة أو الصاخبة تلزم لتأديتها بحور طويلة ؛ والمعاني الرقيقة أو الحادثة أو الماجنة أو الراقصة تلزم لتأديتها ، إذ لا يُسمّى شعراً إلا إذا كان بوزن وقافية معاً . ومنها القول بضرورة أن يتجنب الشاعر أي إخلال. (1) يقول بشار ( المولد ) يصف شعره : فهذا بديه لا إذا كنجبير قائل ما أراد القول زوره شهرا وكان بشار بعد، وهو المولد الحضري، مطبوعاً شأن الأعراب . تشترك فيها حروف غير موسيقية ( الثاء ، ومنها القول بضرورة جمال الابتداء وجمال الانتهاء في القصيدة ، بشوق إلى ما يأتي بعده . وهي نظرة ترى إلى القصيدة بوصفها نداءً / استجابة ، أو جدل دعوة متبادلة بين أنا الشاعر ونحن الجماعة - كأن هناك توافقاً مسبقاً بين القصد الذي يدفع الشاعر الجاهلي لتأليف قصيدته ، هكذا تجيء بنية القصيدة متطابقة مع حركة التواصل وفعاليته وغايته . ومن حيث أنه يؤالف بين حركات النفس وحركات٧ الجسم . تشترك فيها حروف غير موسيقية ( الثاء ، ومنها القول بضرورة جمال الابتداء وجمال الانتهاء في القصيدة ، بشوق إلى ما يأتي بعده . فلم تكن القافية خاصيةشعرية جوهرية في اللغات الآرامية والسريانية والعبرية واليونانية ، كما هو الشأن في العربية ومن هنا كان النقاد العرب القدامي يؤكدون على أن بنية الوزن المقفى في الشعرية الجاهلية ليست احتذاء لشعر أية أمة أخرى ، ويرى هؤلاء أنها موت في أدوار بدأها الجاهلي في حداثه الإبل ، ولأنها الصوت الطبيعي الذي ينزل من البيت منزلة الإشارة التي تصحب كلام المتكلم . وقد فطن الجاهليون بفطرتهم إلى أنه لا بد في الإيقاع من موافقة المعاني في حركاتها النفسية للأوزان في حركاتها اللفظية ، لذلك الحركات النفسية ، داخل الجزء نفسه . وهذا مما دفع بعض الباحثين إلى القول إن الوزن في الشفوية الشعرية الجاهلية لم يكن قاعدة خارجية يخضع لها الشكل الشعري ، ودفع بعضاً آخر إلى القول إن اللقاء الذي كان يتم بين صوت الشاعر وسمع السامع، ولقاء الإنسان العربي الأول مع ذاته ومع الآخر. ويختبيء جزء كبير من اللاشعور الجماعي العربي . فحين نقرؤه اليوم نتذكر صوتنا الأول ، ونصغي إلى أصوات اللغة كيف كانت تحتضن التاريخ والإنسان . كان الخليل رجل علم في النحو والبلاغة والموسيقى . نظرإلى اللغة بوصفها بناءً ونظاماً ، فوضع أوزانه - بقواعدها وجوازاتها ، في إطار غايته التوكيد على أن للعرب ، موسيقاهم الخاصة التي تحمل صفات عربية خالصة ، وكان في هذا كله عالماً يصف ويُنظر لما يصفه . ويمكن القول إن عمله هذا كان تأريخياً لحفظ اللغة ، إلى مرتبة القاعدة المعيارية وذلك بتأثير الصراع السياسي - الثقافي - القومي بين العرب وغيرهم . فهذه اللغة بما هي الإنسان في تفجره واندفاعه تظل في توهج وتجدد في حركية وتفجر ؛ إنها دائماً شكل من أشكال اختراق التقنين والتقعيد إنها البحث عن الذات ، وفي قراءتنا هذه لا بد من أن نقرأ الصمت ، تكشف عن تنوّعه الاختلافي مما يفترض تنوعاً في الفهم والأحكام النقدية؟ هل كان التنوع في النظر إلى الشعرية الجاهلية موجوداً ، لكنه طمس أو منع؟ لماذا ؟ وكيف ؟ هل كانت هناك سلطة تستأثر بالخطاب التقعيدي إلى درجة تجعل منه هو نفسه سلطة تلغي كل خطاب آخر ؟ وما هذه السلطة ؟ أهي دينية ، أهي لغوية ؟ أهي قومية ؟ أهي تمسك بالبداوة - رمزاً للنقاوة والأصول - ورفضاً للمدينة، وبحيث تكون الهوية تكراراً للذات نفسها ؟ إن في هذه التساؤلات ما يُشير إلى أن ذلك الخطاب التفعيدي ،

Original text

الشعرية والشفوية الجاهلية


-١-


أستخدم عبارة الشفوية لأشير ، من ناحية ، إلى أن الأصل الشعري العربي في الجاهلية ، نشأ شفوياً ضمن ثقافة صوتية - سماعية ؛ وإلى أنه ، من جهة ثانية ، لم يصل إلينا محفوظاً في كتاب جاهلي ، بل وصل « مدوّناً » في الذاكرة ، عبر الرواية ؛ ولكي أفحص ، من ناحية ثالثة ، خصائص الشفوية الشعرية الجاهلية ومدى تأثيرها على الكتابة الشعرية العربية في العصور اللاحقة ، وبخاصة ، على جماليتها .


-٢-


ولد الشعر الجاهلي نشيداً ، أعني أنه نشأ مسموعاً لا مقروءاً، غناء لا كتابة . كان الصوت في هذا الشعر بمثابة النسم الحي ، وكان موسيقى جسدية. كان الكلام وشيئاً آخر يتجاوز الكلام . فهو ينقل الكلام وما يعجز عن نقله الكلام ، وبخاصة المكتوب . وفي هذا ما يدل على عمق العلاقة وغناها


وتعقدها بين الصوت والكلام ، وبين الشاعر وصوته . إنها علاقة بين فردية الذات التي يتعذر الكشف عن أعماقها ، وحضور الصوت الذي يتعذر تحديده . حين نسمع الكلام
الشاهد المنشد . ولا يجوز ، إذن ، أن نستغرب تلك المفارقة في القول الشعري الجاهلي : وحدة المقول ، وتعدد القول .



  • ٤٠


لنقل : كان الإنشاد والذاكرة بمثابة الكتاب الذي ينشر الشعر الجاهلي ، من جهة ، ويحفظه من جهة ثانية


وإذا رجعنا إلى جذر كلمة نشيد في اللغة ، نرى أنها تعني الصوت ، ورفع الصوت ، والشعر نفسه الذي يتناشده الناس. وبما أن الأصل في الشعر الجاهلي هو أن ينشد، فقد كان الأصل أن ينشد الشاعر هو نفسه قصيدته. فالشعر من فم قائله أحسن ، كما يعبر الجاحظ . وفي هذا ما يلمح إلى أن عرب الجاهلية كانوا يعدون إنشاد الشعر موهبة أخرى ، تضاف إلى موهبة قوله . والحق أنه كان لموهبة الإنشاد أهمية قصوى في امتلاك السمع ، أي في الجذب والتأثير. خصوصاً أن السمع للجاهلي أصل في وعي الكلام وفي الطرب. فهو كما يعبر ابن خلدون «أب


للملكات اللسانية .


وطبيعي ، في هذا المنظور أن يعمق التأثير ويحسن ، بقدر ما يحسن الانشاد


وليس الإنشاد إلا شكلا من أشكال الغناء . ويحفل الموروث الأدبي العربي، بالإشارات إلى ما يؤكد ذلك . فكثيراً ما شبة الشعراء المنشدون بالطيور المغردة ، وشبه شعرهم المنشود بتغاريدها . وثمة كلمة مشهورة توجز ما نذهب إليه ، تقول : مقود الشعر الغناء» . وإذا أضفنا إليها قول حسان بن ثابت الذي
وصف بأنه ( شاعر النبي ) ، وهو بيته المشهور : تغن في كل شعر أنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار،


تتجلى لنا الصلة العضوية بين الشعر والغناء في الجاهلية . ومن هنا نفهم دلالة القول إن العرب كانت و تزن الشعر بالغناء ، أو « إن الغناء ميزان الشعر » . ( المرزباني الموشح ، ص ۳۹ ) . ويذهب ابن رشيق إلى القول إن الغناء أصل القافية والوزن ( العمدة : (١٥/١) ، مؤكداً أن « الأوزان قواعد الألحان ، والأشعار معايير الأوتار ) ( المصدر نفسه . ٩/١) . وأسطع دليل على أن الشعر ، بالنسبة إلى العربي الجاهلي ، إنشاد وغناء ، كتساب و الأغاني ، لأبي الفرج الأصفهاني ، الذي يقع في واحد وعشرين مجلداً ، والذي


صرف في تأليفه خمسين سنة .


ويحلل ابن خلدون هذه الظاهرة ، قائلاً : و كان الغناء في الصدر الأول من أجزاء الفن ، لأنه تابع للشعر ، إذ الغناء إنما هو تلحينه . وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به ، حرصاً على تحصيل أساليب الشعر وفنونه ) ، ويضيف محدداً صناعة الغناء بأنها و تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة ..


( المقدمة ، ص (٤٨٨) . أما إنشاد الشعر ذاته ، فقد كانت له في الجاهلية ، تقاليد خاصة استمرت في العصور اللاحقة. كان بعض الشعراء مثلاً، ينشد قائماً . وكان بعضهم يرفض ، كبرياء ، أن ينشد
إلا جالساً . وكان بعضهم يقوم بحركات من يديه أو من جسمه كله ، كالخنساء التي كانت ، فيما يروى ، ، ل تهتز وتنظر في أعطافها » ؛ وفي هذا ما يحقق في الشفوية اللقاء بين فعل الصوت وفعل الجسد ، فعل الكلمة وفعل الحركة


وكان بعض الشعراء يلبس ، حين ينشد شعره ، ثياباً جميلة مختلفة عن ثيابه العادية ، كأن الإنشاد احتفال - عرس أو عيد . وكان بعضهم ، في العصور اللاحقة ، يتزيا بزي الماضين من شعراء الجاهلية - توكيداً على الصلة الحية بين


الحاضر والماضي .


بين الشعراء الذين عرفوا بإجادة الإنشاد في الجاهلية ، الأعشى ( أعشى قيس ) ، وقد سمي بـ « صناجة العرب » . وقيل إن معاوية كان يدعوه بهذا الاسم ، ولهذه التسمية


تعليلات شتى : قيل سمي بذلك لأنه كان : يطرب إطراب العرب » ، أو لأنه كان ( يتغنى » بشعره ، أو لأن العرب غنت كثيراً في شعره ، أو الجودة شعره » ، أو «الحسن إنشاده » . وكلها تعليلات تربط الشعر بالإنشاد والغناء . وهذا ما تشير إليه كلمة للفرزدق خاطب بها الشاعر عباد العنبري بعد أن سمع إنشاده : « إنشادك يزين الشعر في فهمي » (۱).


النشيد جسد مفاصله الوزن والإيقاع والنغم ، وعلى
إحكامه الغني ، تتوقف استجابة السمع . فالنشيد فن في الصوت


يفترض فئا يقابله هو فن الإصغاء .. وقد تم هذا الإحكام بالتوصل شيئاً فشيئاً إلى ابتكار بني إيقاعية خاصة .


بدأ الإيقاع ، في الجاهلية ، سجعاً - كما يرجح معظم الباحثين . فالسجع هو الشكل الأول للشفوية الشعرية الجاهلية ، أي للكلام الشعري المستوي على نسق واحد . وتلاه الرجز الذي كان يقال إما بشطر واحد كالسجع ، لكن بوزن ذي وحدات إيقاعية منتظمة، وإما بشطرين. والقصيد هو اكتمال التطور الايقاعي ، وهو شطران متوازنان


موزونان، حلا محل سجعتين متوازنتين .


إن في جذر كلمة سجع ما يشير إلى التغريد والغناء . يقال : سجعت الحمامة ، أي دعت وطربت في صوتها . وسجعت الناقة : مدت حنينها على جهة واحدة ، وسجع الحمامة ، من هذا القبيل، هو كسجع الناقة : موالاة الصوت على طريق واحد. ومن هنا كان السجع يعني السير أو القصد المستوي على نسق واحد . هكذا نقلت العبارة لكي تكون مصطلحاً إيقاعياً، فأصبح الفعل : سجع ، يعني : تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن . وأصبح المصدر : سجع ، يعني الاستواء والاستقامة والتشابه في الكلام، بحيث تشبه كل كلمة


في الجملة صاحبتها . ( لسان العرب، مادة : سجع ) .


للسجع، فنيا، ثلاثة أشكال : الأول، يكون فيه الجزآن متوازنين متعادلين لا يزيد أحدهما عن الآخر، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه . ( مثال :سنة جردت ، وحال جهدت ، وأيد جمدت ) ؛ فالأجزاء هنا متساوية ، والفواصل على حرف واحد . ويطلق على هذا


الشكل ، اسم : الازدواج (1)


الثاني، تكون فيه ألفاظ الأجزاء المزدوجة مسجوعة ، فيكون الكلام كله سجعاً . ( مثال : إن إلينا إيابهم ، ثم إن علينا


حسابهم : سورة الغاشية : ٢٦).


وهذا الشكل أحسن وجوه السجع، كما يقول البلاغيون،


شريطة أن يسلم من الاستكراه .


الثالث، تكون فيه الأجزاء متعادلة، وتكون الفواصل على أحرف متقاربة المخارج ، إذا لم يمكن أن تكون من جنس


واحد .


تراجع السجع في العصر الإسلامي الأول، كما نعرف جميعاً، حتى كاد أن يزول. ولعل ذلك عائد ، كما قيل إلى ارتباطه ، بالكهانة والكهان في العصر الجاهلي ، خصوصاً أن


النبي نهى عنه في حديث مأثور : ( إياكم وسجع الكهان » ،


وأنه ، فيما يروى، نهى أيضاً عن السجع في الدعاء والكلام ، المشاكلته


كلام الكهنة وسجعهم في ما يتكهنونه .غير أنه ظهر في العصور التالية، واستعمل بخاصة في أشكال النثر الأدبي من خطب ورسائل ومقامات . ووصل هذا الاستعمال في مراحل متأخرة الى درجة من الإفراط والتكلف،


أصبح معها مجرد شكل أجوف.


أما القصيد فهو المشطور. يقال : قصد العود، أي كسره بالنصف، أو شطره نصفياً. فالتسمية، بحسب هذا المعنى، ليست آتية من غاية القول، بل من شكله، وهو التقصيد، أي التشطير. غير أن ابن خلدون يرى، خلافاً لذلك، أن اسم القصيد مأخوذ من استطراد صاحبه في ما يقصد إليه، وخروجه من فن إلى فن، ومن مقصود إلى مقصود، بأن يوطيء المقصود الأول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني ) ( المقدمة، ص ٥٦٩). ويقول الجاحظ في تعليل آخر إن القصيد سمي كذلك ، لأن قائله جعله من باله، فقصد له قصداً ( ... ) واجتهد في تجويده فهو فعيل من القصد »


البيان والتبيين : ٧/٢ ) . ساد شكل القصيد في قول الشعر . قد يكون ذلك عائداً إلى أنه الأكثر قدرة على الاستجابة لحاجات النفس. والأكثر قابلية


للغناء والإنشاد .


لا بد هنا من أن نشير إلى أن كون البيت في القصيد وحدة مستقلة بذاتها، يرجع ، كما نرى، إلى ضرورات إنشادية وغنائية، وإلى ضرورات تتصل بالسماع والتأثير، وليس إلى طبيعة العقلية العربية كما يرى بعضهم زاعماً أنها عقلية تعنى


بالجزء لا بالكل .
لا بد كذلك من أن نشير إلى أن القافية في القصيد هي، في المقام الأول، خاصية إنشادية - موسيقية . فمن شروطها ألا توضع لذاتها، وإنما يجب أن تكون جزءاً عضوياً في سياق البيت، تتفق مع وزنه ومغناه وهي إذن جوهرية وليست زيادة أو ملء فراغ ، وآخر البيت ، الذي يجب تكراره ، يشمل الحروف والحركات ، فلا يجوز أن يأتي الشاعر بالضم مع الكسر، مثلاً ، أو بالكسر مع الضم ( الإقواء ) ، ولا يجوز أن يعيد القافية نفسها مرتين ( الإيطاء ) ، ولا يجوز تعليقها بالبيت الذي يليها ( التضمين ) . وهذه الشروط جميعها تؤكد على كون القافية خاصية موسيقية ، أساساً ، أي على أنها مقاطع صوتية - إيقاعية، وليست مجرد مجموعة من الحروف والحركات . ومن هنا يجب أن تتشابه حروفها المتكررة ، وأن يعنى، خصوصاً، بالحركة الأخيرة فيها، لأنها حركة الترنم. هكذا تعطي القافية للبيت، ومن ثم للقصيد كله بعداً من التناسق والتماثل، يضفي عليه طابع الانتظام النفسي والموسيقي والزمني


-6-


على خصائص الشفوية الشعرية الجاهلية، تأسس في العصور اللاحقة النقد الشعري العربي، في معظمه، وتأسست النظرة إلى الشعرية العربية نفسها. وتولدت عن ذلك معايير وقواعد لا تزال مهيمنة ليس على الكتابة الشعرية وحدها، وإنما أيضاً على المقاربة الذوقية والفكرية والمعرفية المتصلة بالشعر وقضاياه


إن استيفاء البحث في هذه القضايا جميعاً يحتاج إلى تأريخخاص للشعرية العربية. لذلك أقصر الكلام على تلك التي أرى أنها الأكثر التصاقاً بما أقصد إليه في هذا البحث، والأكثر أهمية، وهي ثلاث : قضية الإعراب، وقضية الوزن، وقضية السماع


تنبغي الإشارة إلى أن التنظير للشفوية الشعرية الجاهلية ، عمل قام به العرب في بدايات التفاعل بين الثقافة العربية - الإسلامية والثقافات الأخرى - اليونانية والفارسية والهندية . وكان يهدف إلى التوكيد على أن للشعر العربي خصوصية بيانية وموسيقية، تميزه عن شعر الأمم الأخرى، وإلى التوكيد على صيانة هذه الخصوصية وممارستها في الصناعة الشعرية، تمييزاً للهوية الشعرية العربية، ولهوية الشاعر العربي. فقد كان الحرص على التميز والخصوصية في أساس النشاط العقلي العربي، إبان تلك المرحلة من التمازج الاجتماعي والثقافي بين العرب وغيرهم، وبخاصة في البصرة، العاصمة الثقافية واسطة الأرض وقلب الدنيا ، كما يصفها مؤرخ عربي . وكانت اللكنة واللحن قد شاعا بين الناس. وكان الفرس قد أدخلوا على اللغة العربية مفردات فارسية ، وبعض القواعد النحوية، بالإضافة إلى انتشار موسيقاهم . ويلخص طه حسين الوضع الثقافي آنذاك ، قائلاً إن الثقافة كانت مزيجاً من « ثقافة عربية خالصة تعتمد على القرآن وما يتصل به من علوم الدين وعلى الشعر وما يتصل به من نحو ولغة - وثقافة يونانية تعتمد على الطب والفلسفة، وثقافة شرقية تستمد أصولها من الفرس
والهنود والأمم السامية التي كانت منتشرة في العراق ( من


حديث الشعر والنثر الطبعة الثانية ، ص (٩٠) .


في هذا المناخ ، وضعت قواعد اللغة خوفاً من أن يتسرب


اللحن أو التحريف إلى القرآن والحديث. ووضعت أوزان


الشعر لحفظ إيقاعاته وتمييزها عن غيرها من الأوزان والإيقاعات


الشعرية اليونانية والسريانية والفارسية والهندية. ووضعت


قواعد الصناعة الشعرية، والتذوق والتواصل الشعريين .


يعرض ابن خلدون في المقدمة لتقعيد الشفوية اللغوية والشعرية ، فيقول إن العرب أنشدوا الشعر وغنوه بالملكة والفطرة، ولم تكن لديهم قواعد تنظم ذلك، وإنما كانوا يعتمدون الذوق والحس. ولما كان السمع أباً للملكات اللسانية، وتغيرت ملكة العرب اللسانية بما ألقى السمع من المخالفات التي للمتعربين بعد اختلاطهم بأهل الحضر من ذوي


الألسنة غير العربية » ، فقد خشي أهل العلوم من العرب و أن


تفسد تلك الملكة ، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث


على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة،


مطردة، شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع


الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه ، مثل أن الفاعل مرفوع ،


والمفعول منصوب ، والمبتدأ مرفوع ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات ، فاصطلحوا على تسميته إعراباً ،


وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً ، وأمثال ذلك، وصارت


كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيدوها بالكتاب، وجعلوهاصناعة لهم مخصوصة ، واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. ) المقدمة ، ص ٤٥٤) .


بدأ هذا العمل أبو الأسود الدولي، ثم هذبه وكمل أبوابه الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ۱۰۰ - ۱۷۰ هـ. ) . وقد أتبعه بعمل آخر لغوي لحفظ الموضوعات اللغوية، خشينة الزوال وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث، فألف كتاب العين ، وحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي ، وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي ( المصدر نفسه، ص ٤٥٥ ) .


وأبو الأسود الدؤلي هو أول من قام بإعراب القرآن. يروى أنه أتى بكاتب وأوصاه : « إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف ، فانقط نقطة فوقه على أعلاه . فإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف فإن أتبعت شيئاً من ذلك غُنَّةً ، فاجعل مكان النقطة نقطتين .


وكانت هذه النقاط علامات للإعراب ترشد الناس إلى القراءة الصحيحة وبعد الإعراب تم الإعجام. فقد رتب نصر بن عاصم الليثي الحروف جماعات ووضع كل حرف إلى جانب الحرف الذي يشبهه في الصورة، وميز الحروف المتشابهة، بالنقط


وخالف بين هذه النقط أفراداً وأزواجاً، وغاير بين مواضعها


فوضع بعضها فوق الحرف، وبعضها تحت الحرف. هكذا هدف الإعراب إلى تمييز أجزاء الجملة ، ضماً وفتحاً وكسراً، بينما هدف الإعجام إلى تمييز الحروف المتشابهة في الصورة .وقد أكمل الخليل عمل الدولي، فرمز للفتحة بألف صغيرة


مائلة توضع فوق الحرف وللضمة بواو صغيرة توضع كذلك فوق الحرف، والكسرة بياء راجعة استغنى أخيراً عن أحد شقيها توضع تحت الحرف. ووضع كذلك الهمز، والتشديد، والإدغام. وقد ألحق الفتحة والضمة والكسرة بأصول الكلمات للاستعانة بها على النطق بهذه الأصول، لأنها سواكن ، - وفي هذا أساس


اهتمامه بموسيقية الكلمات


وفي النحو ، بحث الخليل في الكلمات أصولاً وبناء وحركات، فدرس الحروف أو الأصوات اللغوية، مفردة ومركبة، والكلمات بناءً واشتقاقاً وإعراباً. بتعبير آخر ، درس الكلمة مفردة لفهم بنائها العام في العربية، ودرسها في الجملة لفهم دلالتها على معنى من المعاني. وهو في هذا يُعد مؤسساً لعلم الأصوات دراسة الكلمات بوصفها مجموعة من الأصوات (1). وكان لحسه الموسيقي الأثر الأول في الوصول إلى تحديد مخارج الحروف، والتمييز بين أصواتها. وهذا ما قاده إلى استخدام أوزانها ، أفعالاً وأسماء، وإلى وضع أوزان الشعر


-٩- لا شك في أن استنباط الخليل للأوزان الشعرية وتقعيدها


(1) يروى عن الخليل أنه تكلم في فنون كثيرة منها : علم الغشاء والإيقاع وعلم


الكلام والجدل ، وعلم الشطرنج والنرد .. وقيل عنه : و له علم بالأنغام ، وله كتاب فيه ، ومعرفته بالنغم ومواقعها ، أحدثت له علم العروض .. وقيل : : وأما علم الغناء والإيقاع، فإنه صنع فيه كتاباً وسماه تراكيب الأصوات .. راجع المهدي المخزومي كتابه المهم عن الخليل بن أحمد الفراهيديعمل إبداعي لا يكشف عن حسه الموسيقي الأصيل وحسب، وإنما يكشف كذلك عما كان يمتلكه من قدرة تحليلية باهرة. وفي كتاب الموسيقى الكبير للفارابي، نجد ما يؤكد ذلك، إذ يعرض الفارابي للعلاقة الجوهرية بين الشعر والوزن ، بشكل نظري دقيق يفيدنا كثيراً في فهم العمل التأسيسي الذي قام به


الخليل، وتقدير دوره التاريخي يرى الفارابي أن الشعر والموسيقى يرجعان إلى جنس واحد هو التأليف والوزن ، والمناسبة بين الحركة والسكون، لكن بينهما فرقاً هو أن الشعر يختص بترتيب الكلمات في معانيها على نظم موزون مع مراعاة قواعد النحو في اللغة ، وأن الموسيقى تختص بمزاحفة أجزاء الكلام الموزون، وإرساله أصواتاً على نسب مؤتلفة بالكمية والكيفية في طرائق تتحكم بأسلوب التلحين


ويتابع الفارابي قائلاً : لما كانت صناعة الشعر والكلام المسجوع والموزون ، بعامة ، أقدم في الوجود من صناعة الألحان ، ولما كان قول الشعر غناء سابقاً للأوزان ، وكان استنباط الآلات الموسيقية لاحقاً للغناء ، فإن علاقة الموسيقى بالشعر، ليست مجرد علاقة بالكلام، وإنما هي علاقة مخصوصة. فالنطق بدافع التفاهم وحده يعني أن تأثير الكلام لا يتعدى تنبيه الشعور في المخاطب لفهم الغرض المقصود منه وفي هذه الحالة تكون المناسبة بين أزمنة حركاتها في الحنجرة وأعضاء الفم اعتيادية كما هي الحال في لغة الكلام على مجرى العادة . لكن حين يتناسب الكلام تناسباً آخر بأن يطول زمن
إرسال الحروف المصوتة في الكلمة ، وتختلف مقاطعها على تمديدات من الحدة والثقل، فتسمع مرسلة على نحو يلذ في الاسماع، فإنها بذلك تكون أشد تنبيها للمخاطب وأكثر تأثيراً عليه، وإرسال الكلمة على هذه الصورة غير الاعتيادية يقتضي اشتراك الحس وقوة التصوّر لإيجاد جنس الايقاع الموزون الذي يربط أجزاءها ويحول دون تفككها، في أثناء مد متحركاتها بالتلحين، وطيها وقصرها. وبما أن الأقوال التي تقرن بالنغم أي بالأوزان وأجناسها وتزحيفاتها، وما يعرض لها، موضوعات في علم اللغة، فإن الألحان تتميز وتختلف تبعاً لاختلاف اللغات ولهجاتها وطرائق تلحينها . وهنا نلتمس الدافع الرئيس عند الخليل لوضع الأوزان وهو تمييز الشعر العربي عن غيره، وموسيقاه عن غيرها . هكذا يكون الوزن بمثابة آلة ، أو قاعدة - طريقة تقابل الآلات الموسيقية ( الفارسية أو الهندية ) التي كانت قد بدأت تنتشر في المجتمع الإسلامي - العربي ، منذ أواخر القرن الأول الهجري . ويرتكز هذا التمييز على ما تتصف به اللغة العربية من الترابط النوعي اللفظي في مقاطع الكلمة ، مما يوفر لها حسن النظم في صناعة الشعر ، وحسن التأليف والسبك بين مقاطع الأصوات في صناعة الألحان .


ويذهب الفارابي إلى أن الموسيقى المقرونة بالقول الشعري هي الطبيعية على الإطلاق. وتعد ، من حيث التأثير والتخييل في المكانة الأولى . ومن هنا يوليها العرب وأهل الشرق ، بعامة ، عناية فائقة ، لكونها طبيعية للإنسان . فهذه الموسيقى المقترنة بالقول الشعري تكسب المنفس لذة وراحةوسماعاً جميلاً . وتفيدها تخيلات ، وتوقع فيها تصورات ، وتزيد في عواملها الانفعالية والتأملية


ولما كانت الألحان الكاملة هي التي توجد بالصوت الانساني ، أي بالغناء الطبيعي عن مزامير الحنجرة ، وكان الشعر يخرج ، بمعنى ما ، من هذه المزامير ، فإن اقتران الشعر بالموسيقى ، إنما هو اقتران طبيعي ، غناء وموسيقى . الألحان الكاملة ، بتعبير آخر ، هي الألحان التابعة للأقوال الشعرية والتي ألفت لتفيد النفس إلى جانب اللذة ، الانفعال والتخيل والتصور


ويقسم الفارابي هذه الألحان إلى ثلاثة أقسام ، تبعاً لانقسام الكلام الشعري . يسمي الأولى مقوية ، تكسب النفس قوة وتزيد في انفعالاتها القوية . ويسمي الثانية ملينة، تكسب النفس ليناً ورخاوة . ويسمي الثالثة معدلة، تكسب النفس اعتدالاً بين القوة واللين ، وتكسبها في ذلك هدوءاً واستقرارا .


ويضيف الفارابي قائلاً : . ... ولما كان كثير من الهيئات والأخلاق والأفعال تابعة لانفعالات النفس وللخيالات الواقعة فيها، صارت الألحان الكاملة نافعة في إفادة الهيئات والأخلاق ، ونافعة في أن تبعث السامعين على الأفعال المطلوبة منهم ، وفي البعثة على اقتناء سائر الخيرات النفسانية ، مثل الحك " والعلوم ( كتاب الموسيقى الكبير، ص ۱۱۸۱).


ريحرف الفارابي الإيقاع بأنه « النقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب » ( المصدر نفسه، ص ٤٣٦) ، أو هو نظم أزمنة الانتقال على النغم في أجناس وطرائق موزونة تربطأجزاء اللحن، وتتعين بها مواضع الضغط واللين في مقاطع الأصوات . ويختص علم الإيقاع بنظم اللحن في طرائق 27/121 ضبط أجزاءه على أزمنة معينة تقاس عليها الأصوات في مواضع الشدة واللين. وتفصل الإيقاعات أجناساً في دوائر زمنية تسمى الأصول، أصغرها ثنائي الحركات . وتختلف مبادىء العلم بصناعة الألحان ، تبعاً لاختلاف عنصرين


أساسيين :


الأول، هو المناسبة اللفظية بين أجزاء القول الشعري التي يُقرن بها النغم


والثاني، هو المناسبة العددية بين تمديدات النغم في اقتراناتها، ومتواليات أجناسها اللحنية . ووحدة الإيقاع هي السبب والوتد ، وليس الوزن إلا تأليفاً


معيناً من الأسباب والأوتاد ، يقوم على العناصر التالية :


1 - الأسباب ، وهي نوعان : خفيف ، ويتألف من حرف أول


متحرك وثان ساكن ، وعلامته :


وثقيل ، ويتألف من حرفين متواليين متحركين ، وعلامته :- ،


۲ - الأوتاد ، وهي ثلاثة أنوا : مجموع ،


ويتألف من حرفين


متواليين متحركين، يليهما حرف ساكن، وعلامته : - -. ومفروق ، ويتألف من حرفين متحركين بينهما حرف


ساکن ، وعلامته : ... ومقرون ، ويتألف من حرف متحرك يليه حرفان


ساکنان، وعلامته: ... (قام)- ما يتركب من الأوتاد والأسباب


٤ - أجزاء المصاريع ( المصراع هو شطر البيت ) ،


ه - المصاريع


٦ - البيت


يتضح مما تقدم أن الوزن آلة أو قاعدة ، وأن البحر حالة وزنية خاصة ، أي حالة غنائية بتأليف خاص لعناصر اللحن فالبيت « غير محدود إلا بالوضع عند أهل كل لسان » ، وهو ، في العربية : القول الذي حصر بوزن تام » ( المصدر نفسه، ص ۱۰۸۸). فالبيت والحالة هذه مصطلح غنائي - إنشادي ، مرتبط بالشفوية الجاهلية .



  • ۱۰ -


أنتقل إلى القضية الثالثة ، أعني العلاقة بين الشفوية الشعرية والسماع . فهذه العلاقة جعلت النقد الشعري يتأسس ، محورياً ، على مبدأ السماع ، وعلى مستوى الصلة بين الشعر وسامعه . لم يكن الشاعر الجاهلي ، في هذا المنظور ، ينشىء الشعر لنفسه ، بل لغيره - لمن يسمعه ، لكي يتأثر به . ومن هنا كانت تقاس شاعرية الشاعر بقدرته على الابتكار الذي يؤثر في نفس السامع . وهذا مما جعل الشاعر مسكوناً بهاجس. أساسي هو أن يكون ما يقوله مطابقاً لما في نفس السامع ، ذلك أن مدى فهم السامع لما يقوله هو الذي يحدد مستوى بيانه الشعري . لكن هذا الذي في نفس السامع ليس إلا الشيء المشترك العام ، وليس فهمه إلا انعكاساً للذوق الشائع العام .ومن هنا لم تكن المزية الشعرية في ما يقوله الشاعر أو في ما يثبته ، وإنما كانت في طريقة الإثبات ، كما يعبر الجرجاني ) دلائل الإعجاز ، ص (٤٨٥) .الى وتكمن شعرية هذه


الطريقة، في مدى تأثيرها على السامع .


هكذا نظر إلى الشعر ، نقدياً ، عبر معيار التأثير المطرب ، وبنيت الشعرية على جمالية الإسماع والإطراب، التي حولها الاستخدام السياسي، الخاص، والإيديولوجي العام ، إلى نوع من جمالية الإيصال الإعلامي، بحيث يكون الشعر فناً قولياً يؤثر، بطريقته الخاصة، في نفوس الناس - مدحاً أو هجاء ، ترغيباً أو


ترهيباً . تقتضي هذه الجمالية ، على مستوى المعنى ، أن يجتنب الشاعر و الإشارات البعيدة والحكايات الغلقة ، والإيماء المشكل » ، وأن ( يتعمد ما خالف ذلك ، . وتقتضي أن يستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة ولا يبعد عنها : ( عيار الشعر ، لابن طباطبا ، ص ۱۱۹ ، ۱۲۸ ) ، ذلك أن الكلام الشعري : مبني على الفائدة ، في حقيقته ومجازه » . ( الآمدي ،


الموازنة : ۱۹۱/۱ ) .


وهذا مما أدى إلى الفصل بين الشعر والفكر . ويبالغ الجاحظ


في توكيد هذا الفصل فيجعل الشعر نقيضاً للفكر، إذ البيان


الشعري هو ، كما يقول ، ما « لا تستعين عليه بالفكرة » ، وما


كان غنياً عن التأويل » . ( البيان والتبيين : ۱۱۸/۱ ) .


وهذا الفصل بين الشعر والفكر توكيد الجمالية الشفوية


الجاهلية ، وانحياز للبداوة الصافية ضد المدينة الهجينة ،
وترسيخ الصورة معينة من الشعر هي الصورة الغنائية - الإنشادية . وربما نجد في هذا كله ما قد يفسر دلالة الأهمية التي كان يوليها النقاد لمفهوم البداهة في الشعر - مرادفاً للعفوية


والفطرة ، ونقيضاً للتحبير والصنعة (1) . أما من حيث الشكل ، فتقتضي هذه الجمالية ألفاظاً موسيقية عذبة ، تبدو معها الصناعة الشعرية ( رئيسة للهيئة الموسيقية » ، كما يعبر الفارابي . ) كتاب الموسيقى الكبير ، ص ۱۰۹۳) . وهو يرى في هذا الصدد أن اللحن البهي اللذيذ هو ما اجتمعت فيه لذاذة المسموع وبهاؤه ، وقول مفهوم المعنى بسهولة ، ويصف الألحان الشعرية الألد والأنق مسموعاً


بالصفات التالية : ١ - صافية ( ليس فيها ما يشوبها ، لا بالكيفية ولا بالكمية) ، ٢ - الطويلة منها مهزوزة ، متكسرة ) متأرجحة تبدو كأنها ذات


مقاطع).


٣ - الممططة منها رطبة ( لينة ، سهلة المجرى ) . ٤ - بعضها مزمومة ) بإطباق الشفتين حيث يخرج الصوت من


الخيشوم ) . ه - بعضها ذوات غُنّة ) يخرج الصوت - بعضه من بين


الشفتين ، وبعضه من الأنف ) .


٦ - بعض النغم محبب ( سريع ) .



  • بعضها مرجح ( واضحة النغمة ، مثقلة ) .- مفخمة أحيانا بالصدر ، ولا سيما في الألحان المذكرة


) المعدة للأصوات عند الرجال) .


وهذه الصفات الموسيقية لا تنبع إلا من كلام سهل ، واضح ، لين ، سلس ، تكثر فيه الحروف المصوتة ، أي المتحركة ، وهي الحروف التي تساوق النغم وتقترن بها ، وتبين بياناً غير مستكره ، وتحس حساً غير مستبشع - كما يعبر الفارابي .


ومن هنا انتقد استعمال الألفاظ الغريبة في الشعر ، والكلمات التي تتركب من حروف يثقل النطق بها . وامتدحت الألفاظ المعتادة ، والكلمات التي يسهل النطق بها ، ويعذب سماعها ، لأن المقصود ينال بأمثال هذه الكلمات نيلا أسرع .


ويلخص الجاحظ موقف النقاد من هذه المسألة بقوله : وكذلك حروف الكلام ، وأجزاء الشعر من البيت تراها متفقة ملساء ، ولينة المعاطف سهلة ورطبة ، مواتية ، سلسة النظام ، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة ، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد » .


) البيان والتبيين : ۸۲/۱ ) .


وهذا ما يتمثل في خاصية الفصاحة ، - ( الأعراب الخلص هم معدن الفصاحة التامة ) ( المصدر السابق : ٢٦/٣ ) ، وفي خاصية البداهة - التي هي ( الفرق بين العرب وغيرهم في البيان ) ( المصدر نفسه : ٢٤/٣ - ٢٥ ) ، والتي هي نقيض للتحبير ، كما أشرت سابقاً ، أي نقيض للإمعان وإعمال العقل . فالتحبير صفة المولدين والحضر ، شأن الصنع.والبداهة والطبع صفة الأعراب ، وهما أسمى ما يوصف به الشعر (۱) . ويفضي هذا كله إلى معيار فني للشعر وضعه الجاحظ، يقول : ( أحسن الكلام ما كان معناه في ظاهر


لفظه ، ( البيان : ۷۹/۱ ) .


ترتبت على ذلك قيم معيارية منها القول بأن المعاني المختلفة تفترض بحوراً مختلفة ، ولهذا يجب في صناعة الشعر اختيار البحر المناسب للمعنى المناسب . وأدى هذا إلى قول يرى صلة أكيدة بين طبيعة المعاني وطبيعة الأعاريض الشعرية . فالمعاني الجادة أو الحارة أو الجياشة أو الصاخبة تلزم لتأديتها بحور طويلة ؛ والمعاني الرقيقة أو الحادثة أو الماجنة أو الراقصة تلزم لتأديتها ، على العكس، بحور قصيرة خفيفة . حتى أن تسمية البحور مشتقة من صفاتها طولاً أو انبساطاً أو خفة أو انسراحاً وسهولة أو اضطراباً


ومن هذه القيم القول بأن القافية يجب أن تكون عذبة . الرنين ، حلوة النغم . خصوصاً أن القافية شريكة الوزن في خاصية الشعر ، إذ لا يُسمّى شعراً إلا إذا كان بوزن وقافية معاً .


ومنها القول بضرورة أن يتجنب الشاعر أي إخلال. بالموسيقى ، وأن يتجنب في القافية ، خصوصاً، الكلمات التي


(1) يقول بشار ( المولد ) يصف شعره : فهذا بديه لا إذا كنجبير قائل ما أراد القول زوره شهرا


وكان بشار بعد، وهو المولد الحضري، مطبوعاً شأن الأعراب .تشترك فيها حروف غير موسيقية ( الثاء ، الخاء ، الشين ، الصاد ، الضاد ، الطاء ، الظاء ، الغين ، الذال ، الواو ،


الزاي ) .


ومنها القول بضرورة جمال الابتداء وجمال الانتهاء في القصيدة ، أي براعة الاستهلال وبراعة الخاتمة . والحجة في ذلك أن الابتداء هو أول ما يصل إلى السامع ، فإذا كان قبيحاً كره السماع ، وإذا كان جميلاً أنساق فيه ، وابتهج وأخذ يصغي


بشوق إلى ما يأتي بعده .


-۱۱-


نستخلص مما تقدم أن النظرة إلى الصناعة الشعرية في المجتمع الإسلامي - العربي ، أملتها الشفوية الجاهلية ، وبخاصة في القرون الأولى من نشوئه. وهي نظرة ترى إلى القصيدة بوصفها نداءً / استجابة ، أو جدل دعوة متبادلة بين أنا الشاعر ونحن الجماعة - كأن هناك توافقاً مسبقاً بين القصد الذي يدفع الشاعر الجاهلي لتأليف قصيدته ، والقصد الذي يدفع الجماعة أو القبيلة لسماعها . وهنا ، لا فارق بين الشعر والحياة : الحياة شعر والشعر حياة. هكذا تجيء بنية القصيدة متطابقة مع حركة التواصل وفعاليته وغايته . والإيقاع أساس القول الشعري الجاهلي ، لأنه قوة حية تربط بين الذات والآخر ، من حيث أنه نبض الكائن ، ومن حيث أنه يؤالف بين حركات النفس وحركات٧ الجسم . وقد تميز الجاهليون العرب ، في الإيقاع الشعري ، عن غيرهم من الشعوب الأخرى ، بشيء أساسي هو القافية . فلم تكن القافية خاصية
تشترك فيها حروف غير موسيقية ( الثاء ، الخاء ، الشين ، الصاد ، الضاد ، الطاء ، الظاء ، الغين ، الذال ، الواو ،


الزاي ) .


ومنها القول بضرورة جمال الابتداء وجمال الانتهاء في القصيدة ، أي براعة الاستهلال وبراعة الخاتمة . والحجة في ذلك أن الابتداء هو أول ما يصل إلى السامع ، فإذا كان قبيحاً كره السماع ، وإذا كان جميلاً أنساق فيه ، وابتهج وأخذ يصغي


بشوق إلى ما يأتي بعده .


-۱۱-


نستخلص مما تقدم أن النظرة إلى الصناعة الشعرية في المجتمع الإسلامي - العربي ، أملتها الشفوية الجاهلية ، وبخاصة في القرون الأولى من نشوئه. وهي نظرة ترى إلى القصيدة بوصفها نداءً / استجابة ، أو جدل دعوة متبادلة بين أنا الشاعر ونحن الجماعة - كأن هناك توافقاً مسبقاً بين القصد الذي يدفع الشاعر الجاهلي لتأليف قصيدته ، والقصد الذي يدفع الجماعة أو القبيلة لسماعها . وهنا ، لا فارق بين الشعر والحياة : الحياة شعر والشعر حياة. هكذا تجيء بنية القصيدة متطابقة مع حركة التواصل وفعاليته وغايته . والإيقاع أساس القول الشعري الجاهلي ، لأنه قوة حية تربط بين الذات والآخر ، من حيث أنه نبض الكائن ، ومن حيث أنه يؤالف بين حركات النفس وحركات الجسم . وقد تميز الجاهليون العرب ، في الإيقاع الشعري ، عن غيرهم من الشعوب الأخرى ، بشيء أساسي هو القافية . فلم تكن القافية خاصيةشعرية جوهرية في اللغات الآرامية والسريانية والعبرية واليونانية ، كما هو الشأن في العربية ومن هنا كان النقاد العرب القدامي يؤكدون على أن بنية الوزن المقفى في الشعرية الجاهلية ليست احتذاء لشعر أية أمة أخرى ، وعلى أنها للعرب وحدهم ، وخاصة بهم. ويرى هؤلاء أنها موت في أدوار بدأها الجاهلي في حداثه الإبل ، بكلام وأصوات تشبه التوقيع ، وبالأصوات في الحروب، وانتهت بالتفاعيل ، أي الوحدات الموسيقية . وكانت العناية بالقافية تستأثر باهتمام خاص ، لأنها قرار المعنى ، ولأنها الصوت الطبيعي الذي ينزل من البيت منزلة الإشارة التي تصحب كلام المتكلم . ويسرى بعض الباحثين أن القافية هي أصل الاهتداء إلى الوزن ، ذلك أنها أقدم منه - فهي معروفة في أشكال السجع . وقد فطن الجاهليون بفطرتهم إلى أنه لا بد في الإيقاع من موافقة المعاني في حركاتها النفسية للأوزان في حركاتها اللفظية ، حتى تكون هذه قوالب لتلك ، وإلى أنه لا بد إذا تغير المعنى ، وتغيرت تبعاً


لذلك الحركات النفسية ، من أن يتغير الوزن هو كذلك


إن في هذا كله ، ما يوضح كيف أن القصيدة الجاهلية تميزت بخصائص النشيد ، وبالوحدة بين حركة الكلام وحركة الجسد ، وكيف أنها متعددة - أي جمع الوحدات مستقلة ومؤالفة فيها بينها ، لا وحدة الجزء وحسب ، وإنما كذلك وحدة البيت


داخل الجزء نفسه .


وفيه ، ما يوضح أيضاً كيف أن هذه القصيدة تتميز ، على الصعيد الموسيقي ، بوضوح الإيقاع وقوته ، وعلى الصعيدالتواصلي ، بالتأثير والفعالية، وعلى صعيد الذاكرة ، بالتكرار والاستعادة والحفظ


وهذا مما دفع بعض الباحثين إلى القول إن الوزن في الشفوية الشعرية الجاهلية لم يكن قاعدة خارجية يخضع لها الشكل الشعري ، وإنما الشكل الشعري هو ، بدئياً - أساساً وغاية ، وزن . ودفع بعضاً آخر إلى القول إن اللقاء الذي كان يتم بين صوت الشاعر وسمع السامع، لم يكن لقاء مشاركة في الحياة والعواطف وحسب ، وإنما كان أيضاً عيداً جماعياً


-۱۲-


عرضت للشفوية الشعرية الجاهلية ، بشكل وصفي تبسيطي ، كما نظر إليها نقدياً ، وكما نظرت ، موسيقياً . ولا شك أن الشعر الجاهلي ، أياً كان الخطاب النقدي أو التقويمي عنه ، إنما هو شعرنا الأول ، وأن فيه ، بوصفه كذلك ، تأسس لقاء الكلام العربي الأول مع الحياة ، ولقاء الإنسان العربي الأول مع ذاته ومع الآخر. فهو لم يكن مجرد ممارسة للكلام ، وإنما كان أيضاً ممارسة للحياة والوجود . وفي هذا الشعر يتمثل الوعي العربي الأول ، بالتاريخ والزمن ، ويختبيء جزء كبير من اللاشعور الجماعي العربي . فحين نقرؤه اليوم نتذكر صوتنا الأول ، ونصغي إلى أصوات اللغة كيف كانت تحتضن التاريخ والإنسان . إنّه التجسيد الفني الأول للغتنا التي نقول بها ما


نحن ، ونفتح بها دروبنا في عتمة المجهول. وهو ، في هذا ، ليس ذاكرتنا الأولى وحسب ، وإنما هو أيضاً الينبوع الأول لخيالنا .غير أننا اليوم نواجه أزمة شاملة في العلاقة مع هذا الشعر . وهي أزمة تكمن في الخطاب النقدي الذي أوله ، ونظر له . فقد حدد له خصائص ، بوصفه شعراً شفوياً ، محولاً إياها إلى قواعد معيارية مطلقة للشعرية الكتابية ، بحيث لا يُعد أي کلام شعراً إلا إذا كان موزوناً على الطريقة الشفوية التي حددها الخليل، وبحيث جعل من هذه الطريقة الخاصية الشعرية الأولى . وقد سادت هذه القواعد فاصلة بين الشعر واللاشعر . وساعد في ترسيخها مناخ التقعيد والعقلنة والصراع الإيديولوجي بين العرب وغيرهم ، في القرون الهجرية الثلاثة الأولى . هكذا ، بدلاً من أن يُنظر إلى الوزن بوصفه تقعيداً لحالة إنشادية - غنائية في نوع معين من القول ، أصبح يُنظر إليه بوصفه جوهر كل قول شعري ، وساد تبعاً لذلك النظر النقدي إلى النص الشعري المكتوب ، كما لو أنه نص شفوي ، بحيث استبعد من مجال الشعرية كل ما تفترضه الكتابة : التأمل ، الاستقصاء ، الغموض ، الفكر . أقول، بتعبير آخر ، إن الشفوية نُطق ، والكتابة رسم ، ومع ذلك نظر إلى الكتابة ، بالمعيار نفسه الذي نظر به إلى الشفوية .


هكذا نشعر أن هذا الخطاب النقدي الذي قدم لنا في الماضي الشعر الجاهلي ، ولا يزال يقدمه ، هو نفسه الذي


يحجبه عنا الآن .



  • 13 -


كان الخليل رجل علم في النحو والبلاغة والموسيقى . نظرإلى اللغة بوصفها بناءً ونظاماً ، واستقصى موسيقى الشعر الجاهلي ، فوضع أوزانه - بقواعدها وجوازاتها ، في إطار غايته التوكيد على أن للعرب ، هم أيضاً ، موسيقاهم الخاصة التي تحمل صفات عربية خالصة ، في ما يتعلق بالإنشاد والغناء على


الأخص


وكان في هذا كله عالماً يصف ويُنظر لما يصفه . ويمكن القول إن عمله هذا كان تأريخياً لحفظ اللغة ، ولحفظ أوزان الشعر ، شأن الأعمال الأخرى التي قام بها غيره لحفظ القرآن ، والحديث النبوي ومآثر العرب المختلفة


غير أن اللاحقين قرأوا ما فعله الخليل قراءة قومية . إيديولوجية، فرفعوا عمل الخليل الوصفي، إلى مرتبة القاعدة المعيارية وذلك بتأثير الصراع السياسي - الثقافي - القومي بين العرب وغيرهم . وهكذا حصر القول الشعري في قواعد نظمية معينة ، بدلاً من أن يظل حراً ، يتحرك مرتبطاً بالفاعلية


الإبداعية .


ونحن اليوم ، إذ نقرأ ماضينا الشعري ، فليس لكي نرى ما رأه الخليل واللاحقون، وحسب ، وإنما لكي نرى ما غاب عنهم وما لم يروه . نحن ، اليوم ، نقرأ الفراغ أو النقص الذي تركوه . خصوصاً أن التقنين والتقعيد يتناقضان مع طبيعة اللغة الشعرية . فهذه اللغة بما هي الإنسان في تفجره واندفاعه تظل في توهج وتجدد في حركية وتفجر ؛ إنها دائماً شكل من أشكال اختراق التقنين والتقعيد إنها البحث عن الذات ، والعودة إليها ، لكن عبر هجرة دائمة واختلافه ، وتغاير ، وتظل


۳۱خارج الذات


وفي قراءتنا هذه لا بد من أن نقرأ الصمت ، وما كان


صامتا :


لم كان الخطاب النقدي التقعيدي الذي ساد ، خطاباً واحدا ، بنظرة واحدة - لكن بأصوات متعددة ؟ لم هذه النظرة الواحدة ؟ هل لأنها حجبت غيرها ؟ ولماذا ، وكيف ؟ هل كانت وحدها النظرة الصحيحة ، ولم عُدت كذلك ، وكيف ؟ كيف تقرر أن الشعر الجاهلي لا يُفهم ولا يقوم ألا وفقاً لهذه النظرة - خصوصاً أن قراءته ، اليوم ، تكشف عن تنوّعه الاختلافي مما يفترض تنوعاً في الفهم والأحكام النقدية؟ هل كان التنوع في النظر إلى الشعرية الجاهلية موجوداً ، لكنه طمس أو منع؟ لماذا ؟ وكيف ؟ هل كانت هناك سلطة تستأثر بالخطاب التقعيدي إلى درجة تجعل منه هو نفسه سلطة تلغي كل خطاب آخر ؟ وما هذه السلطة ؟ أهي دينية ، أهي لغوية ؟ أهي قومية ؟ أهي تمسك بالبداوة - رمزاً للنقاوة والأصول - ورفضاً للمدينة، رمز الاختلاط والهجنة ؟ أهي مزيج من هذا كله ؟ هل استمرار هذا الخطاب ، مستعاداً مكرراً ، صيغة من صيغ إثبات الهوية ، وهو لذلك يميل إلى إلغاء غيره بوصفه


تشكيكاً فيها ، وبحيث تكون الهوية تكراراً للذات نفسها ؟ إن في هذه التساؤلات ما يُشير إلى أن ذلك الخطاب التفعيدي ، الواحد ، المتواصل ، يخفي وراءه صمتاً ، وغياباً ، ونقصاً ، ونحن اليوم مدعوون إلى ممارسة قراءة لتراثنا النقدي الشعري ، تكشف عن الغياب والنقص ، وتستنطق


الصمت .


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

دخلت أزمة المعل...

دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...

بحث عضو مجلس ال...

بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...

ما الذي يجعل ال...

ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...

في 15 فبراير 19...

في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...

رغم الطابع الهز...

رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...

تزداد أنصاف أقط...

تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...

ضعف الروابط الأ...

ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...

تصدر يوسف بزشكي...

تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...

جاء في الصبح ال...

جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...

نعم، جاءت الألف...

نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...

تتسع رقعة الموا...

تتسع رقعة المواجهات بين القوات المسلحة اليمنية ومليشيات الحوثي التابعة لإيران في جبهات غرب تعز وشمال...

The technique i...

The technique involves measuring the diffraction patterns of X-rays as they interact with the materi...

Tech news