Online English Summarizer tool, free and accurate!
يقف في مقدمتها العامل الاقتصادي (المادي) الذي له الأثر الواضح في تشكيل رؤية الأديب وموقفه من الحياة. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم في الماركسية، فوجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. فالأديب بحكم وضعه الطبقي، وترى الفلسفة المادية للماركسية أن لكل مجتمع بنيتين؛ دنيا: ويمثلها: النتاج المادي المتجلي في البنية الاقتصادية للمجتمع، وأن أي تغيير في قوى الإنتاج المادية وعلاقاته، لا بد من أن يحدث تغييراً في العلاقات الاجتماعية والنظم الفكرية. من هنا فإن الخطاب الأدبي والفني خطاب ينتمي، تبعاً للنظرية الماركسية إلى البنية العليا للمجتمع. فهو منعكس عن البنية الدنيا، ومتأثر بالتيارات الاقتصادية وبالانتماء الطبقي للأديب، ولا شك في أن المنطلق الاجتماعي للأدب جاء في مقابل المنطلق الفردي للمثاليين، ذلك المنطلق الذي يرى أن الأدب تعبير عن الفردية المطلقة للأديب، ما حدا بهم إلى رفع شعار ( الفن للفن) الذي نقض على أيدي الماديين، أصحاب المنهج الاجتماعي الجديد، فصار للأدب رسالة وللفن وظيفة، تعني رسالة الأدب والفن عند أصحاب المنهج الاجتماعي، وألا يعزل الأديب أو الفنان نفسه عن المجتمع في برج عاج. فللأدب والفن دور في رقي المجتمع، إن القول برسالة الأب والفن، لا بد من أن يقود المنهج الاجتماعي في النقد إلى عدد من المواقف والتصورات، وعلى الرغم من أن المقياس النقدي الثابت الجودة الأدب وأصالته في النظرية الماركسية، هو قدرة العمل الأدبي على تصوير الواقع الاجتماعي وإخلاصه في التعبير عن طبيعة علاقاته، لقد قدمت النظرية الماركسية في مجال الأدب ثلاثة مفهومات رئيسة هي: مفهوم الواقعية والواقعية النقدية، وإذا كان مفهوم الواقعية قد رافق مفهوم الانعكاس الاجتماعي المعدل إلى التعبير الصادق عن الواقع، فإن مفهوم الواقعية النقدية قد تجاوز محض التعبير، أما مفهوم الواقعية الاشتراكية، فهو المفهوم الذي تجاوزت فيه النظرية الماركسية رؤيتها السابقة بعد أن وجدت أن نقد الواقع وحده، وضروب القهر والضياع. ولعله ليس بإمكان أحد أن يقلل من أهمية الإضافة التي قدمتها الماركسية في مجال النظرية الأدبية عامة، وتفسير علاقة الأدب بالمجتمع خاصة، واستجلاء ملامح العلاقات الاجتماعية وقسمات البنى الطبقية والتشكلات الأيديولوجية. فليس بوسع أحد أن ينكر حقيقة مفادها أن الأدب ليس نبتاً شيطانياً، وعرفه وأدركه وخبره وتربى عليه وألفه واكتسبه، وهو ما يعني أنه ليس ثمة ما يمكن أن ينشأ من فراغ. ومثلما لا يستطيع الشعر أن يحل محل النشاط الاجتماعي، إن التسليم بالمنابع الاجتماعية للأدب، لا يعني المساواة بين الأدب ومنبعه، فقد يكون المنبع حافزاً للأديب ومبعثاً على إنتاجه، من دون أن يعني هذا بالضرورة أن طبيعة هذا الإنتاج من جنس المنبع نفسه. قد يقف السياق الاجتماعي عند حدود الحفز والتأثير، حتى إذا نظرنا فيما انتهى إليه، لم نجد إحالة واضحة عليه، ما وقع فيه عدد من نقادنا ودارسينا البارزين، حين قاسوا الظاهرة الأدبية بمنابعها، فعابوا عليها قصورها في تصوير المجتمع، رابطين ربطاً يحول دون النظر إلى الأعمال الأدبية في استقلالها وتميزها ورحابتها الموحية الدالة (٢)، حدث ذلك كثيراً مع نصوص الأدب الجاهلي، وهي خصيصته الجوهرية، إن الانشغال في الحديث عما يسمى بـ (اجتماعية الأدب والاهتمام به، من شأنه أن يصرف اهتمامنا عن جوهر الظاهرة الأدبية وحقيقتها الأساسية ونريد بها (أدبية الأدب). وإذا كان صحيحاً أن الأديب فرد في مجتمع وإنسان في طبقة، خلال مسيرة تطوره، بل ربما عبر أدباء عن مواقف وأيديولوجيات مختلفة عن انتماءاتهم الطبقية ومفارقة لها. من هنا يصبح من اللازم للناقد أن يذود المعلومات والوثائق المتصلة بالبيئة الخارجية للنص الأدبي عن عقله (۱)، لئلا تحرفه عن الكشف الخلاق وتعوقه عن الفهم والتحليل. ثانياً : المناهج المحايثة 1 - المنهجان؛ الشكلاني والنقد الجديد: كان النصف الأول من القرن العشرين إيذاناً بظهور منهجين نقديين أصبحا فيما بعد رافدين أساسيين من روافد ما سمي بالمنهج البنيوي أو البنائي في دراسة النص الأدبي وتحليله. يرجع المنهج الشكلاني الذي يمثل أحد الاتجاهين النقديين المذكورين لعدد من النقاد والدراسين الروس الذين أحدثوا انعطافة جديدة في نظرية الأدب وتحليل النص الأدبي، يعد المنهج الشكلاني ثمرة التقاء تجمعين أدبيين، هما: حلقة موسكو اللغوية وحلقة بطرسبورغ. فقي عام ١٩١٥ أسس مجموعة من الطلبة، بينهم (جاكبسون)، حلقة سميت حلقة موسكو اللغوية، ما لبثت أن استقطبت جل الشباب المهتمين باللسانيات، إلى جانب بعض الشعراء والمفكرين البارزين أمثال الشاعر ما يكوفسكي وجوستاف سبيت تلميذ الفيلسوف هوسرل. وعقب سنة من تأسيس حلقة موسكو، اجتمع في شتاء ١٩١٥-١٩١٦ عدد من الفيلولوجيين الشباب ومؤرخي الأدب في بطرسبورغ وكونوا جمعية لدراسة اللغة الشعرية عرفت باسم أبوياز (Opoyaz) (۲). عملت هاتان الجماعتان على تأسيس تقاليد حوار وإثارة جدل مهم بناء اتخذ شكل حلقات دراسية، مجسدين بذلك ازدواجية اهتماماتهم الألسنية والجمالية معاً، ساعين إلى تقليص الهوة بين حقليهما، مما ترك أثراً واضحاً في تجانس هذه الجماعة ومرونتها وتفاعلها (۳). بجعل الآثار الأدبية محور النشاط ومركز الاهتمام النقدي، في مقابل إغفال ما يتصل بها من عوامل ومرجعيات، ساعين إلى خلق علم أدبي مكتفين بالنظر في عناصر بنية النص الأدبي، من هنا سعى الشكلانيون إلى مقاربة النص الأدبي مقاربة محايثة، لا تحيل على وقائع خارجية عنها إلى ما يتجاوز لغتها ويتصل بالذات المنتجة لها أو بسياق إنتاجها ، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط. ويمكن القول إن الاهتمام الأساس لأصحاب هذا الاتجاه، تركز بشكل لافت في تحليل النص الأدبي، بوصفه نقطة البدء والمعاد، متنكبين لجميع المقاربات النقدية السابقة عليهم، التي أولت اهتمامها لما هو خارج النص من تاريخ وعلم نفس واجتماع. لكن تجاهل الشكلانيين للمناهج الخارجية في دراسة الأدب لم يكن يعني لديهم إنكارهم قيمتها، بقدر ما يعني تحديدهم مجال اشتغالهم النقدي و تمييزهم بين دراساتهم ودراسات العلوم الإنسانية وأهدافها، أحد أقطاب هذا الاتجاه: "إننا في دراستنا لا نتناول القضايا البيوغرافية أو النفسية المتعلقة بالإبداع، يجب أن نبحث عن مكانها في العلوم الأخرى (٢) أو في اعترافه في مناسبة أخرى بفاعلية الدراسات الماركسية للأدب، ولا مؤثراته الخارجية، فضلاً عن تأثرهم بالشعراء الرمزيين الروس. لتتحول إلى نصوص عادية من الكلام، ذات صفة معرفية، وهو ما يمنح التصور الشكلاني صدقيته، فالكيفية التي تعبر بها الآثار هي المظهر الجوهري للإنتاج الأدبي. منتهين في دراساتهم إلى أن ما يميز النصوص الأدبية من سائر الأنظمة الاجتماعية والفكرية هو بروز شكلها، فإذا كانت الدراسات تريد لنفسها صفة العلمية، وإذ يركز الشكلانيون على اللغة ودورها في العمل الأدبي فإنهم يعدون العمل الأدبي نظاماً منغلقاً وبنية مستقلة بذاتها ذات قوانين ونظم داخلية ينبغي الاقتصار عليها ورفض سائر المقاربات. وفي ذلك يقول فيكتور أرليخ: «إن مكمن خاصية الأدب ينبغي البحث عنها في الأثر الأدبي نفسه وليس في الأحوال النفسية للمؤلف أو القارئ» . ما قادهم إلى مراحل من التطور، خلال المرحلة الممتدة من ١٩١٥ - ۱۹۳۰ من عمر الحركة، منها مفهوم الشكل ومفهوم الوسيلة ومفهوم الوظيفة. ولعل الأكثر تميزاً مما عرفوا به فهمهم الجديد لما عرف عندهم بالشكل From وكان مصدر نعت خصومهم لهم بالشكلانيين، تلك التسمية التي لم ولطالما شكا الشكلانيون منها وحاولوا التنصل منها وإيجاد تسمية بديلة لها ، لكنهم فشلوا على ما يبدو في كل ما حاولوه. ما رأوا فيه ظاهرة لا تخلو من سطحية، يقول أيخنباوم : " يوصف منهجنا عند العموم (كذا) " بالشكلانية" وأفضل أن أسميه منهجاً مورفولوجياً، ولا سيما في مرحلة متقدمة من حركتهم، كما أنها ليست التي تشدنا تمييزهم بين عنصرين أساسيين من عناصر الرواية، إذ رأوا أن القصة هي مجموع الأحداث ومادة الرواية، لم يكن ليعني إنكارهم ما عداهما من عناصر مهمة أخرى.
وخلافاً للرؤية المثالية التي ترى في الأدب تعبيراً فردياً، ترى الماركسية أنه محصلة لعوامل مختلفة، يقف في مقدمتها العامل الاقتصادي (المادي) الذي له الأثر الواضح في تشكيل رؤية الأديب وموقفه من الحياة. والمجتمع، فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم في الماركسية، بل العكس هو الصحيح، فوجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. فالأديب بحكم وضعه الطبقي، يصدر عن أفكار طبقته وهمومها ومواقفها (۱).
وترى الفلسفة المادية للماركسية أن لكل مجتمع بنيتين؛ دنيا: ويمثلها: النتاج المادي المتجلي في البنية الاقتصادية للمجتمع، وعليا: وتمثلها النظم الثقافية والفكرية والسياسية المتولدة عن البنية الأساسية الأولى، وأن أي تغيير في قوى الإنتاج المادية وعلاقاته، لا بد من أن يحدث تغييراً في العلاقات الاجتماعية والنظم الفكرية.
من هنا فإن الخطاب الأدبي والفني خطاب ينتمي، تبعاً للنظرية الماركسية إلى البنية العليا للمجتمع. فهو منعكس عن البنية الدنيا، ومتأثر بالتيارات الاقتصادية وبالانتماء الطبقي للأديب، وهذا ما يعرف بنظرية الانعكاس.
ولا شك في أن المنطلق الاجتماعي للأدب جاء في مقابل المنطلق الفردي للمثاليين، ذلك المنطلق الذي يرى أن الأدب تعبير عن الفردية المطلقة للأديب، ما حدا بهم إلى رفع شعار ( الفن للفن) الذي نقض على أيدي الماديين، أصحاب المنهج الاجتماعي الجديد، بشعار (الفن للمجتمع)، فصار للأدب رسالة وللفن وظيفة، وظهر شعار الفن الهادف) ومقولات أخرى من مثل ( رسالة الأدب) و (رسالة الفن).
تعني رسالة الأدب والفن عند أصحاب المنهج الاجتماعي، ألا يظل نشاطهما محصوراً في إطار القضايا الفردية والمعالجات الخاصة، وألا يعزل الأديب أو الفنان نفسه عن المجتمع في برج عاج. فللأدب والفن دور في رقي المجتمع، وإسهام في نهضته وتوعية أفراده وقيادتهم.
من هنا كانت محاربتهم لموجات الانطواء والانعزال المتفشية في النزعات الوجودية والسريالية التي تصور الإنسان فرداً منعزلاً عن الناس، يحس بغربته وأزماته وضياعه، في عالم غريب ليس له مخرج منه، وحياة لا معنى لها.
إن القول برسالة الأب والفن، لا بد من أن يقود المنهج الاجتماعي في النقد إلى عدد من المواقف والتصورات، منها رفضه الأدب الغامض، لأنه لا يمد جسوراً مع متلقيه، ورفضه أن يقتصر على المتعة المحضة، من دون أن يفصح عن أهداف واضحة(١)، إلى جانب إدانته اهتمام الأدباء بقيم الطبقات المستغلة كالإقطاعيين والبرجوازيين، وتعبيرهم عنها، مهما بلغت أعمالهم من نضج وجودة.
وعلى الرغم من أن المقياس النقدي الثابت الجودة الأدب وأصالته في النظرية الماركسية، هو قدرة العمل الأدبي على تصوير الواقع الاجتماعي وإخلاصه في التعبير عن طبيعة علاقاته، إلا أن البحث في علم الجمال الماركسي (الاستطيقا) شهد تطوراً مستمراً.
لقد قدمت النظرية الماركسية في مجال الأدب ثلاثة مفهومات رئيسة هي: مفهوم الواقعية والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية.
وإذا كان مفهوم الواقعية قد رافق مفهوم الانعكاس الاجتماعي المعدل إلى التعبير الصادق عن الواقع، فإن مفهوم الواقعية النقدية قد تجاوز محض
التعبير، نابذاً الموقف المتفرج إلى حيث ينبغي للأدب أن يتضمن موقف الأديب النقدي، الرافض لضروب الاستغلال، وأشكال الامتهان والعبودية والتخلف ووجهة نظره بإزاء ما يصوره أو يعبر عنه.
أما مفهوم الواقعية الاشتراكية، فهو المفهوم الذي تجاوزت فيه النظرية الماركسية رؤيتها السابقة بعد أن وجدت أن نقد الواقع وحده، لا يكون كافياً ما لم يرافقه وعي فكري واضح متكامل لدى الأديب، لما ينبغي أن يكون عليه الواقع البديل أو المنشود.
من هنا أصبح هم الاتجاه الواقعي الاشتراكي في النقد، التبشير بما ينبغي أن تكون عليه صورة الواقع المنشود، ذلك الواقع الذي تنتفي فيه مختلف مظاهر الاستغلال، وضروب القهر والضياع.
ولعله ليس بإمكان أحد أن يقلل من أهمية الإضافة التي قدمتها الماركسية في مجال النظرية الأدبية عامة، وتفسير علاقة الأدب بالمجتمع خاصة، واستجلاء ملامح العلاقات الاجتماعية وقسمات البنى الطبقية
والتشكلات الأيديولوجية. فليس بوسع أحد أن ينكر حقيقة مفادها أن الأدب ليس نبتاً شيطانياً، وأن الأديب ليس فرداً معزولاً أو قارة منفصلة. كما أن مضامين أدبه وتصوراته، وأنماط صوره ودلالات رموزه وأشكال تخيله ليست سوى محصلة واقعية لما شهده في مجتمعه، وعرفه وأدركه وخبره وتربى عليه وألفه واكتسبه، وهو ما يعني أنه ليس ثمة ما يمكن أن ينشأ من فراغ.
لكن ما يؤخذ على هذا المنهج هو إصرار أصحابه على رؤية الأدب على أنه انعكاس للظروف الاجتماعية للأديب.
ومثلما لا يستطيع الشعر أن يحل محل النشاط الاجتماعي، فإنه لا يمكن لهذا الأخير أن يحل محل الشعر أو يعوضنا عنه.
إن التسليم بالمنابع الاجتماعية للأدب، لا يعني المساواة بين الأدب ومنبعه، فقد يكون المنبع حافزاً للأديب ومبعثاً على إنتاجه، من دون أن يعني هذا بالضرورة أن طبيعة هذا الإنتاج من جنس المنبع نفسه.
قد يقف السياق الاجتماعي عند حدود الحفز والتأثير، ويتعذر الربط فيهما بينه وبين العمل الأدبي في لحظة استوائه. فكثيراً ما شب هذا العمل عن طوق السياق الاجتماعي الخاص، وعلا عليه وانفك عن إساره، حتى إذا نظرنا فيما انتهى إليه، لم نجد إحالة واضحة عليه، إذ ليس لظرف اجتماعي ما معنى واحد، ومن الخطأ بمكان تصور صدور الأعمال الأدبية عن الظروف الاجتماعية على النحو الذي تصدر فيه النتائج عن الأسباب (۱).
ومن هذا الخطأ، ما وقع فيه عدد من نقادنا ودارسينا البارزين، كالعقاد وطه حسين وسلامة موسى وأحمد أمين وسواهم كثير، حين قاسوا الظاهرة الأدبية بمنابعها، فعابوا عليها قصورها في تصوير المجتمع، رابطين ربطاً يحول دون النظر إلى الأعمال الأدبية في استقلالها وتميزها ورحابتها الموحية الدالة (٢)، ما يجد في النهاية من فاعلية تلك الأعمال ويقزم قاماتها، حدث ذلك كثيراً مع نصوص الأدب الجاهلي، كما حدث في تعامل النقـاد مــع نصوص الأدب المعاصر، حينما راحوا يصنفونها إلى أدب ذاتي وأدب اجتماعي أو اشتراكي أو ثوري حتى امتهنت الذاتية في الأدب، وهي خصيصته الجوهرية، لتضحى ضرباً من ضروب الأنانية.
إن الانشغال في الحديث عما يسمى بـ (اجتماعية الأدب والاهتمام به، من شأنه أن يصرف اهتمامنا عن جوهر الظاهرة الأدبية وحقيقتها الأساسية ونريد بها (أدبية الأدب).
وإذا كان صحيحاً أن الأديب فرد في مجتمع وإنسان في طبقة، وأن من الطبيعي أن يتأثر أدبه بظروف مجتمعه وهموم طبقته، فإن من الصحيح أيضاً أن من الممكن للأديب أن يعبر في أعماله المختلفة عن منطلقات متباينة ومواقف مختلفة ومضامين متعددة، تبعاً لطبيعة البيئة، وواقع التطور الفكري والنضج الإبداعي الذي يكون عليه الأديب، خلال مسيرة تطوره، بل ربما عبر أدباء عن مواقف وأيديولوجيات مختلفة عن انتماءاتهم الطبقية ومفارقة لها. فعلى الرغم من أن الواقع الاجتماعي هو المنبع الحقيقي للتجربة الإبداعية، فإن الأديب قادر على تعديل هذه التجربة وتحريفها.
من هنا يصبح من اللازم للناقد أن يذود المعلومات والوثائق المتصلة بالبيئة الخارجية للنص الأدبي عن عقله (۱)، لئلا تحرفه عن الكشف الخلاق وتعوقه عن الفهم والتحليل.
ثانياً : المناهج المحايثة
1 - المنهجان؛ الشكلاني والنقد الجديد: كان النصف الأول من القرن العشرين إيذاناً بظهور منهجين نقديين أصبحا فيما بعد رافدين أساسيين من
روافد ما سمي بالمنهج البنيوي أو البنائي في دراسة النص الأدبي وتحليله. يرجع المنهج الشكلاني الذي يمثل أحد الاتجاهين النقديين المذكورين
لعدد من النقاد والدراسين الروس الذين أحدثوا انعطافة جديدة في نظرية الأدب وتحليل النص الأدبي، بعد أن واجهت الدراسات النقدية أزمة منهجية حادة وضعتها أمام طريق مسدود، كان الأدب الروسي في أثنائها يخضع لهيمنة نقد سوسيولوجي ذي بعد أيديولوجي وتوجه سياسي جعـــل العلاقة بين الأدب والحياة تبدو أشبه شيء بالعقيدة المغلقة، وهو ما عكس
حالة من الاغتراب عن النص الأدبي، فكان بذلك واحداً من أبرز حوافز ازدهار هذا المنهج النقدي.
يعد المنهج الشكلاني ثمرة التقاء تجمعين أدبيين، هما: حلقة موسكو اللغوية وحلقة بطرسبورغ. فقي عام ١٩١٥ أسس مجموعة من الطلبة، ممن كانوا يدرسون بجامعة موسكو (۱) ، بينهم (جاكبسون)، حلقة سميت حلقة موسكو اللغوية، هدفها إنجاز دراسات لسانية وشعرية وعروضية وفولكلورية، ما لبثت أن استقطبت جل الشباب المهتمين باللسانيات، إلى جانب بعض الشعراء والمفكرين البارزين أمثال الشاعر ما يكوفسكي وجوستاف سبيت تلميذ الفيلسوف هوسرل.
وعقب سنة من تأسيس حلقة موسكو، اجتمع في شتاء ١٩١٥-١٩١٦ عدد من الفيلولوجيين الشباب ومؤرخي الأدب في بطرسبورغ وكونوا جمعية لدراسة اللغة الشعرية عرفت باسم أبوياز (Opoyaz) (۲).
عملت هاتان الجماعتان على تأسيس تقاليد حوار وإثارة جدل مهم بناء اتخذ شكل حلقات دراسية، قدم أعضاؤها فيها طروحاتهم، مجسدين بذلك ازدواجية اهتماماتهم الألسنية والجمالية معاً، ساعين إلى تقليص الهوة بين حقليهما، ومعمقين الاهتمامات المشتركة فيما بينهما، مما ترك أثراً واضحاً في تجانس هذه الجماعة ومرونتها وتفاعلها (۳).
أراد الشكلانيون الروس أن يقيموا أسس ثورة منهجية جديدة في دراسة اللغة والأدب، بجعل الآثار الأدبية محور النشاط ومركز الاهتمام النقدي، في مقابل إغفال ما يتصل بها من عوامل ومرجعيات، ساعين إلى خلق علم أدبي
مستقل، انطلاقاً من الخصائص الجوهرية للأدب (1)، مكتفين بالنظر في عناصر بنية النص الأدبي، وفي نظام حركة هذه العناصر وتماسكها.
من هنا سعى الشكلانيون إلى مقاربة النص الأدبي مقاربة محايثة، بوصفه بنية مغلقة مكتفية بذاتها، لا تحيل على وقائع خارجية عنها إلى ما يتجاوز لغتها ويتصل بالذات المنتجة لها أو بسياق إنتاجها ، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط.
ويمكن القول إن الاهتمام الأساس لأصحاب هذا الاتجاه، تركز بشكل لافت في تحليل النص الأدبي، بوصفه نقطة البدء والمعاد، لينأوا من ثم بالنقد عن ميدان العلوم الإنسانية الأخرى التي ظلت مهيمنة على خطاب الأدب زمناً غير قليل، متنكبين لجميع المقاربات النقدية السابقة عليهم، التي أولت اهتمامها لما هو خارج النص من تاريخ وعلم نفس واجتماع.
لكن تجاهل الشكلانيين للمناهج الخارجية في دراسة الأدب لم يكن يعني لديهم إنكارهم قيمتها، بقدر ما يعني تحديدهم مجال اشتغالهم النقدي و تمييزهم بين دراساتهم ودراسات العلوم الإنسانية وأهدافها، كما هو واضح من قول بوريس أخينباوم، أحد أقطاب هذا الاتجاه:
"إننا في دراستنا لا نتناول القضايا البيوغرافية أو النفسية المتعلقة بالإبداع، مؤكدين على أن هذه القضايا التي تبقى جد مهمة ومعقدة في الآن نفسه، يجب أن نبحث عن مكانها في العلوم الأخرى (٢) أو في اعترافه في مناسبة أخرى بفاعلية الدراسات الماركسية للأدب، ويبعدها عن اهتمامه الخاص كناقد يدرس الخصائص الأدبية وما يحصل فيها من تطور (۳).
على هذا النحو آمن أصحاب المنهج الشكلاني بأن جوهر الظاهرة الأدبية لا يتلخص في علاقتها بمنشئها أو ببيئتها، بقدر ما يتلخص في كينونتها الموضوعية، بوصفها بنية مستقلة. كما آمنوا بأن قوام النص الأدبي وجوهره الأساس إنما يكمن في الكلمات وليس في الأفكار. فليس معنى النص أو مضمونه، ولا مؤثراته الخارجية، ما يمنح الأدب هويته وإنما صياغته وطريقة تركيبه ودور اللغة فيه، هو ما يجعل من الأدب أدباً. وفي ذلك ما يكشف عن تأثر الشكلانيين، ولا سيما في مرحلتهم الأولى، ببعض مقولات مالارميه، الشاعر الرمزي الشهير (۱)، فضلاً عن تأثرهم بالشعراء الرمزيين الروس.
ترتب على هذا الرأي قول الشكلانين بانتفاء صفة (الأدبية) عن النصوص الأدبية، حالما ننقل معانيها إلى لغة الخطاب العلمي أو الفلسفي، لتتحول إلى نصوص عادية من الكلام، ذات صفة معرفية، وهو ما يمنح التصور الشكلاني صدقيته، ونظريتهم مشروعيتها. يقول تيتانوف أحد رجال هذا الاتجاه:
" إن التساؤل عما تعبر عنه الآثار الأدبية تساؤل عقيم، فالكيفية التي تعبر بها الآثار هي المظهر الجوهري للإنتاج الأدبي. "(٢).
ولعل الوقوف على هذه الخصيصة هو الذي قاد الشكلانيين إلى اكتشاف ما عرف عندهم بمصطلح ( الأدبية ) ولا سيما عند ناقدهم المعروف (جاكوبسون).
لقد ظهر مفهوم الأدبية في النقد الغربي من جراء اهتمام الشكلانيين بالآثار الأدبية ولا سيما مبدأ ثنائية الشكل والمضمون الذي تمسكت به
المناهج القديمة، منتهين في دراساتهم إلى أن ما يميز النصوص الأدبية من سائر الأنظمة الاجتماعية والفكرية هو بروز شكلها، وأن موضوع علم الأدب ليس الأدب ولكن الأدبية" Litearity أي ما يجعل من أثر ما أثراً أدبياً (...) فإذا كانت الدراسات تريد لنفسها صفة العلمية، فعليها أن تجعل من الوسيلة موضوعها الوحيد. "(1).
وإذ يركز الشكلانيون على اللغة ودورها في العمل الأدبي فإنهم يعدون العمل الأدبي نظاماً منغلقاً وبنية مستقلة بذاتها ذات قوانين ونظم داخلية ينبغي الاقتصار عليها ورفض سائر المقاربات. وفي ذلك يقول فيكتور أرليخ: «إن مكمن خاصية الأدب ينبغي البحث عنها في الأثر الأدبي نفسه وليس في الأحوال النفسية للمؤلف أو القارئ» . (٢).
لقد بدا واضحاً أن ما يميز الاتجاه الشكلاني من سواه، تلك الرغبة الملحة، والسعي الحثيث نحو تأسيس علم مستقل للأدب، انطلاقاً من الخصائص اللغوية للأثر الأدبي وعناصر تكوينه.
من هنا كان المنطلق النظري للشكلانيين هو التمييز بين اللغة الشعرية واللغة اليومية على أساس من الفوارق المترتبة على اختلاف وظائف كل منهما، ما قادهم إلى مراحل من التطور، خلال المرحلة الممتدة من ١٩١٥ - ۱۹۳۰ من عمر الحركة، أنضجوا فيها عدداً من المفاهيم، منها مفهوم الشكل ومفهوم الوسيلة ومفهوم الوظيفة.
ولعل الأكثر تميزاً مما عرفوا به فهمهم الجديد لما عرف عندهم بالشكل From وكان مصدر نعت خصومهم لهم بالشكلانيين، تلك التسمية التي لم
ترق لهم برغم ملازمتها لهم واشتهارهم بها . ولطالما شكا الشكلانيون منها وحاولوا التنصل منها وإيجاد تسمية بديلة لها ، لكنهم فشلوا على ما يبدو في كل ما حاولوه.
لقد أريد بهذه التسمية احتقار دعاتها وإظهارهم بمظهر من يناصر الشكل وينشغل به على حساب المضمون، ما رأوا فيه ظاهرة لا تخلو من سطحية، يقول أيخنباوم : " يوصف منهجنا عند العموم (كذا) " بالشكلانية" وأفضل أن أسميه منهجاً مورفولوجياً، وذلك لأجل تمييزه عن المنظورات الأخرى مثل المنظور النفسي والاجتماعي وغيرهما، حيث لا يكون الأثر الأدبي نفسه موضوع البحث، وإنما يكون موضوع البحث في رأي الدارس هو ما ينعكس على الأثر الأدبي "(1).
ومن المفاهيم الأخرى للشكلانيين مفهوم الوسيلة Procedure الذي عرف عندهم، ذلك المفهوم الذي قادهم إلى مفهوم آخر جديد هو مفهوم الوظيفة Founction الذي عني به الشكلانيون، ولا سيما في مرحلة متقدمة من حركتهم، كما هو واضح عند فلاديمير بروب (۲) مثلاً، وبما يسقط المزاعم التي حاول بعض خصومهم اتهامهم بها، من ذلك تصنيفهم ضمن أنصار ما عرف بمدرسة (الفن للفن).
فعلى صعيد النثر وفن الرواية على وجه التحديد، تجاوز هؤلاء المفهوم المألوف لكل من الفكرة والشخصية في الفن الروائي، ليتوصلوا ولا سيما عند بروب، أحد أبرز المهتمين بدراسة الحكاية الخرافية عندهم، إلى أن الشخصية الروائية ليست هي محور الاهتمام، كما أنها ليست التي تشدنا
إليها، إذ هناك ما هو أهم منها، وهو الوظيفة) التي تقوم بها تلك الشخصية، فكان أن شكل بدراساته تلك منعطفاً مهماً في الدراسات المهتمة بالسرد.
ومن إنجازاتهم الأخرى، تمييزهم بين عنصرين أساسيين من عناصر الرواية، هما: (القصة) و (الحبكة)، إذ رأوا أن القصة هي مجموع الأحداث ومادة الرواية، أما الحبكة، فعندهم أنها وسيلة تقديم الأحداث وطريقة عرضها (1)، فضلاً عن مصطلحي المبنى الحكائي) و (المتن الحكائي) المشهورين عندهم.
هكذا يبدو أن تركيز الشكلانيين على مفاهيم الأدبية والشكل، لم يكن ليعني إنكارهم ما عداهما من عناصر مهمة أخرى. وليس أدل على ذلك من قول جاكبسون، أحد أكبر دعاتهم، في حديثه عن النص الأدبي بقوله: "لا يغدو ممكناً تعريفه كأثر يشغل بصورة استثنائية وظيفة جمالية، ولا كأثر يشغل وظائف أخرى بل يجب أن يعرف في الواقع كإبلاغ لغوي تكون فيه الوظيفة الجمالية مهيمنة، وتعريف الوظيفة الجمالية كقيمة مهيمنة للأثر الأدبي يكمن في تحديد التراتبية الموجودة بين مختلف الوظائف اللغوية داخل الأثر الأدبي. هكذا، تكون هيمنة الجانب الجمالي في اللغة، هي المميز الوحيد للغة الشعرية. "(٢).
وليس أدل على أهمية الاتجاه الشكلاني، برغم التحولات التي تلته، ذلك التأثير البالغ الذي ترك بصماته في سائر المناهج والاتجاهات النقدية التي أعقبته، حتى ليمكن القول: إن كثيراً من المقولات والمنطلقات التي أنضجتها هذه الحركة لا تزال حاضرة في المسار النقدي.
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...
الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...
لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...
د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...
و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...
تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...
السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...