Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (63%)

(Using the AI)

‎بما جاز أن تغمز العبقرية البيزنطية في ناحية الأدب بأنها تعوزها الأصالة والقدرة على الابتداع. على أن حالها في مضمار الفن مختلف جا، ومع ذلك فكلاهما كان موجودا بوفرة. وفي مضمار الفن ومنتجاته خلفت بيزنطة للعالم أفخم ما لديها من تراث وأدومه على الدهر.

‎والفن البيزنطى أصدق مرأة للكيان المركب الذي كانت تتألف منه الحضارة البيزنطية، فهنا يمكن التعرف عل جميع العناصر: الإغريقى الروماني منها والآرامی والإيراني ـ وهي تهض بنسب متفاوتة، ولكنها ممتزجة على الدوام امتزاجا تاما يخلق منها كلا متكاملا: أي شيثا فريدا في بابه وأصيلا في نوعه رغم تنوع مصادره وأصوله. وقد بث اسم بيزنطة الخوف في قلوب مؤرخى الفنون العصريين. وكما أن المؤرخين السياسيين ينزعون في هذه الأيام بعناية وحرص إلى تسمية تلك الدولة باسم الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو بالرومانية المتأخرة لا باسم البيزنطية، فكذلك فنها الذي يستتروراء اسم الفن المسيحى الشرقى أو المسيحى المبكر. وعندى أن مثل هذه التحوطات غير ضرورية، بل هي مضللة. ولقد كان ذلك الفن بطبيعته فن

‎القسطنطينية في عصر الإمبرامطورية، وقد ظل متسحا بخصائصه الأساسية ما امتد، لحكم الأباطرة لواء على ضفاف البوسفور. وكان من حيث الجوهر فنا دينيا، ولكنه لم يكن تبعا لذلك فنا مسيحيا ، بل الأحرى ان يقال إنه ثمرة لذلك العصر الدينى الذي انتصرت فيه المسيحية، وربما تهيا لنا أن نشهد خصائصه في فن الكنائس قبل قسطنطين، بيد أن تلك الخصائص ظاهرة كذلك في الفن الذي حاول به دقلديانوس ان يشد من أزر تأليه العظمة الإمبراطورية. ومزج قسطنطين بين هاتين الديانتين، حيث جمل نفسه ظل الله ونائبه في الأرض، ومنذ تلك اللحظة فصاعدا صار الفن الذي مجد الدولة يمجد فى ثنايا ذلك إله المسيحية، بيد أنه كان فنا مبعث الإلهام فيه وجدان عبادة ذات عمق وتسام يكاد يتسم بلمسة تصوفية بدل من تلك الرمزية التي اختصت بها المسيحية التي قصرت نفوذها على الفن الكنسى. وعندما أشرف القرن الثالث على ختامة لم تعد للفن الإغريقى الروماني أية قدرة على الاستمرار. فإن النزوع الإغريقى القديم نحو مجاراة الطبيعة بصورة مرتبة ترتيبا

‎رشيقا يتجلى فيه الذوق السليم، ـ كانت قد امتدت إليه يد التنميق والتزيين في العصر الهللینستى، بل زاد التنميق فى عهد الرومان مع إنقان وزيادة في التفاصيل بل وزيادة فى الحجم، جرت بها العادة وجعلت كل عمل فنى حدا جليل يحتاج إلى جهد خاص ومهارة ممتازة. واجتلب القرن الرابع رد فعل من الشرق. فإن دیانات من أصل سوری أو سوری مصری شرعت تزداد انتشارا بين الناس في كل أرجاء العالم. وكان أتباع تلك العقائد ومريدوها ينزعون بالفطرة منازع التخفى ويتسمون أساسا بالسخط على العالم المحيط بهم. فهم قوم كان السرور والرضى المتجلى فيما كان للهللينستيين من نزوع إلى مجاراة الطبيعة شيئا ليس له عندهم أي معنى، وكانت الطبيعة قبيحة في نظرهم في غالب الأحيان وكانوا على استعداد لمواجهة قبحها. وقد استغنوا عن رقة الرسم وتوازن التركيب؛ ذلك أنهم كانوا يتطلبون فنا يتحدث إليهم مباشرة دون أي تساهل أو تسوية، ويستثيرهم إلى حالة حدة الانفعال بدل من أن يهدئ من جأشهم

ويستميلهم إلى حالة من الارتياح الجمالي، ولم يكن محيص من أن يؤدى انتصار المسيحية إلى زيادة قوة هذه الفكرة الآرامية عن الفن فلا يمكن أن يصور المسيح كما كان أبولو يصور، فإنه هو الإله الذى قاسى العذاب، وهو الحكم العظيم، وهو المخلص . وينبغي لكل عابد يعبده أن يحس به على الفور متمثلاً في أحد هذه الأدوار؛ وينبغي أن ترتسم على وجهه بقوة خطوط الآلام التى كابدها وخطوط الجد والصرامة أو الإحسان والخير الإلهى. لقد كان الدين يتطلب أخذا بالمذهب الانطباعي

‏(impressionism) لم يكن معروفًا في العالم اليوناني الروماني.

وفوق هذا أسهم الشرق أيضاً بعنصر آخر . ذلك أن الفكرة الجديدة عن السيادة قد جاءت من فارس، من الساسانيين منطبعة بطابع فيه قدر من الجلال والعظمة أكثر بساطة ومباشرة مما أثر عن روما من محكم العظمة والفخامة، وقد مهدت العقيدة الميثرائية لها السبيل، وهى الدين المنبعث من إيران الذي يعبد الشمس المكللة بهالات المجد . وكان للميثرائية أو المزدكية التي منها اشتقت ، - كان لها فنها الخاص، وهو ليس ذا نزعة طبيعية متسمة بالجمال كالفن الهللينستي، ولا هو ذو طابع واقعى مصطبغ بالعاطفة كالفن الآرامي، بل هو فن رمزى لنماذج لعلها جاءت أصلاً فيما يلوح من مرتفعات التركستان. وقد كان هذا الفن القائم على النماذج والتصميمات يؤثر بالفعل في الفنانين الآراميين بالشرق الأدنى، ويعوض بطريقة ما عن إهمالهم لحاسة الإنشاء

والتصنيف عند الإغريق.

وقد ظهر الفن الجديد» مؤلفًا من هذه العناصر جميعها، عند بداية القرن ذاتها . فإن التماثيل التي تمثل حكومة دقلديانوس الرباعية، حل فيها محل طريقة تصوير الإمبراطور في القرون السابقة يوم كان الإمبراطور لا يُرسم إلا في صورة بدنية رائعة تمييزاً له عن صور أي فرد من أفراد رعيته - حل فيها فن رمزى غير شخصي يؤكد توكيدا مباشرًا عظمة روما الصارمة القائمة قبالة البرابرة وجها لوجه. وأتمت المسيحية الحركة وأوصلتها إلى نهاية الشوط. فإن الجمهور المسيحي كان يطالب بالفن الذي يتجاوب معه بطريقة عاطفية مباشرة، ولا ينشد فيه التزام الإبداع الفنى، وذلك بنفس الطريقة التي كانت تطالب بها السلطات الإمبراطورية أن تكون الصور التي تمثل السيادة الرومانية رمزاً معنوياً بدلاً من أن تكون صوراً قوية المماثلة لمختلف الأباطرة غير المخلدين على أن الفنيين الهللينستيين وقد استنفدوا كل سر من أسرار الأصول

تفهم قد واجهتهم مشكلة جديدة، هى مشكلة المواءمة بين أصولهم الفنية وبين وات العالم الجديد. ولعلهم عمدوا اخذاً بسنن الحصفاء الخبيرين بشئون الدنيا إلى النزول عن طيب خاطر عن طريقة رسمهم القديمة المحكمة المشابهة للحياة بكل ما ميها من أضرب التراكيب التشريحية الدقيقة والمبالغ فيها في الحين نفسه، فضلاً عن دهم منوالهم الماهر فى التصفير وتخليهم عن ثروتهم الكاملة من التفصيلات - لكي مجربوا التجارب فى لجة وجهة النظر الفنية الجديدة، وفي الحين نفسه، وجد الفنان الشرقي الغشيم في البلاط ظهيرا له ونصيرا . ولم يكن قادرا على تقديم مثقال ذرة من الأصول الفنية القديمة، وذلك بينما كانت شئون الدنيا تدفع الفنان الحصيف إلى نبذها ظهريًا، فضلاً عن أن الطلب على تلك الأصول الفنية أخذ يتناقص. وهكذا حدث انقلاب أثناء القرن الرابع، خرجت منه القسطنطينية قصبة للعالم الجمالي الجديد.

ومع ذلك، فإن الروح الهللينستية وإن دحرت إلا أنها لم تمت. ذلك أن صورها الفكرية كانت عميقة التمكن والتأصل الفطري في دم الإغريقي.

وقد حدث بين الفينة والفينة طوال حياة الإمبراطورية البيزنطية، أنها كانت تنفلت فترجع الفن البيزنطي أدراجه نحو النزعات الطبيعية الواقعية القديمة.

كان «الفن الجديد» مباشرًا ومستقيماً وخاليا من كل التواء؛ بيد أنه لم يكن بسيطاً . ذلك أن العبادة وبخاصة عبادة الإمبراطور ينبغى أن تمتاز بالفخامة على نحو ما. وأحرز الفنان البيزنطى الفخامة المرغوبة بوسائله وما توافر له من مواد . وأخذ المصور البيزنطى يعمل على بلوغ القدرة على التصرف في اختيار الفسيفساء: (السليزلي)، بدلاً من أن يهتم بالأصباغ والألوان في عمل اللوحات البانوهات) أو الصور الجصية على الجدران (الفريسكوهات) . وإنه ليستعمل خلفية من الذهب حتى في تصويره للبانوهات وشاع استعمال الذهب فى المخطوطات المحلاة بالصور. وكانت التماثيل تنحت من الرخام السماقي ومن البرونز الملون أو المموه بالذهب. وكانت خيوط الذهب

تلعب أعظم دور في الأقمشة والحرائر والديباج الموشى.

وكان هذا الولع بالمواد الثمينة حائلاً دون اعتماد القوم في التماس الفخامة على

مجرد ضخامة الحجم. فلقد كانت هذه المواد من الندرة وباهظ النفقة بمكان عظيم. والواقع أن الفنان البيزنطي كان يعمل عادة على معيار صغير ما لم تكرس موارد الدولة المالية جميعاً للمساعدة، كما حدث يوم شيد يوستنيانوس كنيسة أيا صوفيا منفقا فيها

، وهناك كنائس ذات سراديب للدفن مشيدة على هذا الشكل، كما أن قبر مالاً بالأسيدياء بنى على شكل صليب له اذرع متساوية الطول وقبة فوق نقطة ور اطاع، ومن الكنائس التى تعد المثل الكامل لذلك الطراز كنيسة الرسل المقدسين التي مادها بوستنيانوس وثيودورا بالقسطنطينية ولها قبة وسطى وأخرى فوق كل ذراع . وقد اقتبس شكلها بناة كنيسة القديس مرقس بالبندقية، وأخيرا وفق المعماريان الميوس من تراليس وإيزيدور المليطى إلى الجمع فى كنيسة أيا صوفيا (١٠) بين هذه الطرز الثلاثة، وأعنى بها طراز الباسليقة والمربع والصليب، فإن بها صفا طويلاً من الأعمدة يحافظ على الشكل الداخلي للباسليقة، ومع ذلك فإن النسب الخارجية إنما هي في الواقع نسب المربع، بينما يقابل الضغط الجانبي (side - stree) بأجنحة

عرضية (transepts) عالية ذات عواضد (دعامات) تكللها نصف قبة.

وقد انهارت القبة الوسطى الأولى بسبب زلزال حدث في ٥٥٨، كما سقطت الثانية بالمثل في ٩٨٩، وعندها بنى القبة الراهنة أرمني يدعى تـيـريـدانس وهو مهندس

الكاتدرائية الكبرى بمدينة آني (١١).

وظلت كنيسة القديسة صوفيا ذروة المجد التي أحرزها فن العمارة البيزنطي. فإنه حتى البيزنطيون أنفسهم كانوا يعدونها كذلك، بلى ظلوا طويلاً يتخذونها مثالهم المحتذى. بيد أن فن العمارة البيزنطى لم يعدم التقدم. وكنتيجة محققة أو تكاد لنفس مشكلة «الطرد» انتهى الأمر رويدا رويدا بأن تطور طراز التصميم المسمى باسم الصليب اليوناني. فهنا تكون الأجنحة العرضية مرتفعة ذات قبو شبه أسطواني ومسقفة عادة مثل إيوان (nave) الكنيسة ومكان جوقة المرتلين، بجملون منخفض؛ وزوايا الصليب تشغلها غرفات أخفض قليلاً، حيث تستخدم الموجودة منها في الطرف الغربي كأجنحة جانبية للإيوان، بينما تظل الشرقية منها منفصلة لتكون غرفة لمنضدة القربان ومقصورة للمواعين المقدسة التي تتطلبها الشعائر. وإن البساطة والتوازن التام اللذين

يتجليان في التصميم ربما جعلاه مثار الإعجاب الشديد من حيث العمارة.

المتحملة، وكانت الأكتاف الكروية معروفة قبل عصر قسطنطين، ويوجد بمدينة جراش بشرق الأردن مثال مبكر لهذه الحالة كما أن في الإمكان ترسم بعض آثارها بأسيا الصغرى، وأشهر مثال لها في القرن الخامس هو قبر «جالاً بلاسيديا» براهنا، وفي القرن السادس كنيسة أيا صوفيا بالقسطنطينية، أما الأركان المحرابية فكانت وسيلة متأخرة عن ذلك قليلاً. ومن المحتمل أن منبتها هو بلاد الشرق، وإن كانت الأمثلة الأولى التي يمكن تحديد تاريخها بيقين مطلق إيطالية ومنها كنيسة التعميد بنابلى والسان فيتالي براقنا وهي من القرن السادس). بيد أنها لم تبلغ الذروة من الإتقان إلا في القرنين العاشر والحادي عشر، وذلك في مبان من أمثال الكنيسة الكبرى بدير لوقا

المقدس بفوكيس (1).

وفي نفس الحين أدخل التعديل على هيئة الباسليقة. وقد ظهر فيها من قبل على الدوام ضربان رئيسيان. فكان للباسليقة الهللينستية سقف مسطح مكسو بالخشب ولها ثلاثة أو خمسة أجنحة وأروقة أضيف إليها فيما بعد طابق علوى فوق الأجنحة الجانبية. وكانت الباسليقة الشرقية ذات سقف مقبو وجدرانها صماء خالية من النوافذ . بيد أن القبة استلزمت إجراء تغييرات فى تصميم المباني. وكان «الطرد» (Thrust) الواقع على الجدران الجانبية، وهى الجدران الشمالية والجنوبية في الكنائس ذات القبلة الشرقية، يقضى بالضرورة بتقوية هذين الجدارين، وبخاصة أنه حدث مع استخدام القبة، أن أصبح الارتفاع مرغوباً فيه أكثر من الطول. وكانت العواضد التي يستخدمها مهندسو العمارة القوطيون فكرة غريبة على الروح البيزنطية، التي ظلت من التمسك بالأساليب الكلاسيكية بحيث أصرت أن يكون تصميم المبنى كاملاً في حد ذاته من الناحية البنائية؛ حتى إذا تم تكييف القبة وفق المربع، أصبح أحدث التصميمات طرازا هو الكنائس ذات المربع الواحد أو ذات الغرفة الكثيرة الأضلاع، وهناك كان «الطرد» يوزع بالتساوى فى جميع الاتجاهات. وفى الإمكان رؤية هذا الطراز في أفضل صوره في الكنيسة المثمنة للقديسين سرجيوس وباكوس بالقسطنطينية (وهي التي يسميها الأتراك كتشوك أيا صوفيا) التي بنيت في صدر عهد يوستنيانوس. ومن قبل ذلك هدت التقوى أو المهارة مهندسي العمارة إلى محاولة وضع تصميم المباني على

الكنيسة بما لها من شعائر ، غير راضية عن الصحن الداخلي الذي لا يداخله ك تقسيم، لذا أخذت تطالب بنظام أكثر تعقيداً، دون التضحية بوحدة التصميم سى، وكان أن وضعت فوق وسط قاعة الكنيسة قبة خيلت للرائي أنها مقسمة من الداخل هذا إلى أنها أضفت عليها طابعا أعظم من الفخامة، بيد أن مشكلة المشاكل في طريقة تثبيت تلك القبة. وكان طراز القبة المبنية فوق الروطن (0) كتلك القائمة فوق هامة البانثيون بروما، معروفًا منذ زمن بعيد لأهل الفن المعماري ولكنها هنا لم يكن بد من أن توضع فوق مربع، وكانت أبسط الطرق لبلوغ هذه الغاية هي إنشاء ر صرف بارز (كابولي) ليحمل القبة، بيد أن هذه الفكرة كانت فجيجة وكانت عرضة الانتاج شكل إهليلجي أي قطع ناقص ، حتى إذا استشرف القرن الخامس على بدايته

كان القوم قد وصلوا إلى طرائق مرضية أكثر.

والباحثون في خلاف حول صاحب الفضل فى الوصول إلى حلول لهذه المسألة: فمن قائل إنهم مترحلو ناحية التاى إيران، ومن قائل إنهم مهندسو إيطاليا المعماريون - والواقع أن أحدا من هذين الرأيين ليس بمقنع إقناعا تاما، وعندى أن النظرية الأولى بعيدة الاحتمال، وأن في الإمكان إظهار عدم أرجحية الثانية، وذلك أن القبة غادرت إيطاليا مع البلاط الإمبراطورى إلى القسطنطينية، حيث صارت في إثر الرعاية الإمبراطورية للعمارة، فأما مصدر الإلهام فيها فينبغى أن لا نبت فيه حتى الآن برأي؛ بيد أن المعماريين الذين بلغوا بأصولها الفنية مرتبة الكمال هم من اليونان والأرمن وكان الأولون أعنى اليونان - هم البنائين الذين يجد . في طلبهم آل ساسان عواهل الفرس (1). وكان لإنشاء القبة طريقتان. فإما أن تستخدم الأكتاف الكروية (Pendentives)، وهى مثلثات ترتفع من أركان المربع وتنحنى للداخل لكي تجتمع في دائرة، أو الأركان المحرابية (1) (Squinches) وهي قبوات حنوية (1) (apsidal vaults) عبر زوايا المربع إما في صورة رقبة مربعة أو على نفس مستوى العقود (البواكي) الرئيسية

فيما يقال ٢٢٠ ألف رطل من الذهب (٢). وكثيرا ما أحرز منه أعظم درجة من الاتزان الكامل في أصغر منتجاته حجمًا، أي في نحالت صغيرة على حجر الصابون أو نقوش

غائرة (bas-relics) على العاج أو فى لوحات الصور الصغيرة المصنوعة من الميناء .

حيث كان الاتزان يتجلى في جزالة التكوين أو التلوين المتجاوب مع بساطة الرسم.

وتتجلى في فروع الفن البيزنطى المختلفة كل من العناصر الشرقية والهللينستية بنسب متفاوتة، فلقد غزت الروح الهللينستية التصوير والنحت المرة بعد المرة. ومع ذلك. فإن فن العمارة عرف منذ زمن مبكر العناصر التي يتألف منها أسلوبه الخاص وتطور

من ثم تطوراً طبيعيًا طبقا لقواعده الخاصة.

والحق أن فن العمارة البيزنطى يقف بمعزل عن كل ما عداه من فنون، إذ يلوح أن المصور والمثال قد خَطوا في القرن الرابع خطوة إلى الوراء من حيث الأصول الفنية. وذلك على حين واصل المهندس المعمارى تقدمه باطراد في نهج المهارة في أصول فنه.

والفضل الأكبر الذي أسهمت به بيزنطة في فن الهندسة المعمارية هو سر موازنة القبة فوق مربع، وهي الثمرة التي تمخضت عنها حاجات العالم الجديد. وخير مجال نستطيع أن نشاهد فيه التطور عن كثب هو عمارة الكنائس؛ وذلك لأن الكنائس هي العمائر الوحيدة التي لا تزال موجودة بوفرة. إذ إن المباني الكبيرة ذات الطابع العلماني بالإمبراطورية قد اندثرت. ولقد كان المسيحى الأول - شأنه في ذلك شأن الوثني - يكتفى في إقامة شعائر دينه بقاعة بسيطة. وكان لما يجد بين يديه من باسليقة (4) صحن داخلي بسيط لا يتجاوز في بساطته صحن أى معبد في العصر الكلاسيكي. ولكن حدث رويدا رويدا وبخاصة في القرن الرابع أن الكنيسة اقتبست شعائر المراسم التي تتبعها الدولة. فكما أن الأسر الحاكمة الجديدة للأباطرة أنصاف الآلهة كانت تتطلب قصورا بها قاعات للعرش وقاعات للثياب مع جناح للحريم خاص بالإمبراطورة، فكذلك

وكان المنظر فى مجموعة غير شخصي تماما، كما كان على الرغم من فجاجته يترك فى النفس أثرًا قويا جدا ، وكان يتناسب وظروف العالم الجديدة، والتمثال الموجود ببارلنا والذى يرجع إلى أواخر القرن الرابع يعد طرازا يمثل مرحلة الانتقال. فهنا يجلى التمثال أمام الأعين بصورة إجمالية، كما أن التمثال هنا صورة دون أدنى ريب؛ ولكن من الجلى أن صانعه يريد له أن ينظر من الأمام، وهو لا يتفق البتة مع المذهب الواقعى من حيث الزى العسكري، كما أن الوجه بسيط مع المبالغة في حدة الخطوط الموصلة من الأنف إلى الفم ابتغاء جعله يبدو رمزا للجلال

الصارم. وهو يكاد يكون عملاً يعبر عن الولاء لعقيدة عبادة الإمبراطورية.

ولكن سرعان ما انتهى الأمر بأن أصبحت كل محاولة لعمل التماثيل ذات الأبعاد الثلاثة نادرة جدا . فالفنانون المسيحيون لم يأخذوا أنفسهم بذلك الفن إلى أي مدى. ذلك أنه فن لا يحظى بتقدير الشرقي، كما أن المسيحي الشرقي بدأ منذ وقت مبكر يرى أنه (أي فن صنع التماثيل هو نفس الشكل المجسد الذي حرمه يهوه (يهوفا) . فلم يبق له إلا ناحية واحدة فقط يتجلى فيها هي بعض صور الأباطرة غير الشخصية إلى حد ما، التي كانت تصنع بالقسطنطينية وتقام بها في بعض الأحايين احتفاء بالجلالة الإمبراطورية أو يبعث بها إلى مجتمعات تدين بالتبعية مثل روما، حتى يكون الإمبراطور حاضراً معهم في جميع مداولاتهم ومباحثاتهم. وسرعان ما أصبح فن النحت فن حفر بارز خفيف البروز لا يخرج عن كونه أحد أفرع التصوير، مع اتخاذ الظلال بديلاً من مؤثرات اللون. وإن فراويز الأبواب وجوانب منابر الكنائس أو منصاتها أو النواويس في الأزمان الباكرة، لتنحت من الخشب أو الحجر حسب أصول فنية تصويرية ذات بعدين. ولكن الفنان حاول في البداية أن يحفظ بقدرته على إبراز خلفية بأن كان يعمد إلى ملئها ملنا تاما رأسيًا مستقيما خلف الموضوع الرئيسي؛ فيخرج الشكل في صورة المنظور عند الصينيين أو يكاد . ثم عاد فأقلع فيما بعد عن تلك المحاولة غير الناجحة.

وأنجح أنواع الحفر البارز هي التي كانت تصنع على معيار أصغر، وهي نحائت

صنعت من المعادن ومن حجر الصابون ولكن غالبيتها من العاج (۱۷)، وكان العاج المنحوت

وكانت المواد التي تستخدم تختلف باختلاف المناطق، فالأقاليم التي تكثر بها الحجارة تكسى فيها الحوائط بالأحجار المشغولة مع وضع كسارة الحجر في الداخل. وقد بنيت القسطنطينية بصفة رئيسية من الطوب الأحمر، وإن استخدم الحجر غاليا في طبقات متبادلة مع الطوب رغبة فى زخرفة ظاهر المبنى، والغالب أن الحجر الذي يستخدم في الجدران الخارجية كان يشكل أو ينحت، وكان ذلك شائعا بصفة خاصة بأرمينية وبالنواحي التي تغلب عليها المؤثرات الشرقية مثل بلاد اليونان، وخير مثال لذلك كنيسة العاصمة «المتروبوليس الصغيرة بأثينا . وكانت الجدران الداخلية للمباني الهامة تكسى بمواد زخرفية، كأن تصفف في شكل منظم ألواح من الرخام المتنوع الألوان، كما توضع أعلى ذلك فصوص الفسيفساء. وقد أصبح من المألوف في الأحياء الفقيرة وبالقسطنطينية لعهد البيت الباليولوجى يوم شحت الأموال . أن تزين الجدران بأسرها بالصور الجصية الجدارية (frescoes) . وأصبحت العمدان وقد زادت حمولتها من الأثقال عما كانت عليه في العصور الكلاسيكية - أقوى وأصلب، وبخاصة من حيث تيجانها . وكانت هذه التيجان تنحت في العادة نحتا دقيقا متقناً. وقد بقيت هناك أشكال معدلة للعمود الكورنثى المنحوت على هيئة ورقة السنط «الأكانثوس»، بيد أن التصميمات الشبيهة بالسلال وأشكال الحيوانات والجامات المستديرة (الميداليونات)

الحاوية للطغراءات المسيحية البسيطة شاع استخدامها .

وانتصر الشرق في فن النحت أيضًا؛ وهنا حل بهذا الفن انقلاب لا تطور. ذلك أن فن النحت الكلاسيكي ذي الأبعاد الثلاثة كان شيئًا غريبا ودخيلاً على الآراميين. فإن الآرامي كان يرى الأشياء مسطحة وذات بعدين اثنين، ويحس بها من الناحية التصويرية لا النحتية . لذا وجب لديه أن ينظر إلى التماثيل من وجه واحد فقط؛ ولم يكن ثمة شيء يستطيع تمثيل البعد الثالث سوى التظليل. واتفق أن صادف بروزه على المسرح ورود عناصر فنية بنماذج من إيران. وأخذت الخطوط المنحوتة التي تمثل الثياب تسير وفق نماذج هندسية بدلاً من المنحنيات المتمشية مع الواقع (الطبيعية) والمعروفة في الفن الهللينستي. وغالباً ما كانت تماثيل الفن الجديد غير سارة للعين أو تكاد .. فإن حب الآرامي للمؤثرات الحسية يدفعه إلى المبالغة في قسمات الوجه؛

فإن قيام الحروب إلى الجنوب بعيدا عنها وضعها على مفرق ومن المحتمل أن الصليب اليونانى نشأ بأرمينية، وزادت فتوح العرب من أهمية التجارية أمنا بين الشرق والغرب، كما أن الأرمن أخذوا يلتمسون حظهم في الفكرات الفنية الآتية من كل من بلاد الشرق والغرب، وذلك فضلا عما وهبوه من ذكاء الإمبراطورية زرافات متزايدة العدد في كل آن. وساعدهم موقعهم الجغرافي على تقبل فى أخريات القرن الثامن فى مدينة سكيبرو بولاية بؤوتيا، وهى على علاقات وثيقة إجراء التجارب على تلك الفكرات. ويظهر الصليب ببلاد اليونان بالشرق وأشهر أمثلته هو الكنيسة الجديدة التي أمر ببنائها باسيليوس الأول فى الأطراف المحيطة بالقصر (۱۲) . فإن تلك الكنيسة التي دمرها الأتراك كانت في الراجع المبنى الكبير الوحيد المشيد على شكل صليب يوناني. إذ إن العادة جرت آنذاك بأن العنوان الكنائس البيزنطية صغيرة الحجم. حيث غلب على القوم الاتجاه إلى الرشاقة والخفة، فلم يزد ثمة شيء إلا الارتفاع وحده الا في بعض الأحيان كان المعماريون يستخدمون منذ القرن السادس بقصد تخفيف الأثر حنية ثلاثية في الطرف الشرقى في الحلية الثلاثية الأوراق المسماة تريكورا أو تريفويل (trichora or trefoil). وقد أصبحت تلك الحنية بعد ذلك أشيع استعمالاً. وأخذت الأعمدة تحل محل الأكتاف الله كانت تسند القبة؛ وربما جاز إقامة القبة نفسها على رقبة عالية. وربما وضعت على أذرع الصليب أنصاف قباب وحلت منحنيات محل الخطوط المستقيمة بالجملون. وأدى الاتصال بالغرب إلى ظهور أبراج الأجراس بين الفينة والفينة وبها الأجراس التي حلت محل النواقيس الخشبية (Simandra) التي كانت تدعو المستمسكين بالعقيدة . الصحيحة إلى الصلاة، وعلى هذا النحو من التحوير أو التنقيح ظل الصليب اليوناني ولا يزال إلى اليوم - أساسًا لكل الهندسة المعمارية في الكنسية الأرثوذكسية تقريباً. بيد أنه لم يبلغ من الشيوع في القسطنطينية أبدا مبلغ شيوعه في الولايات، التي يبدو

أن مهندسي العمارة فيها كانوا إلى حد كبير من الأرمن.

ومن العسير أن نتناول بالكلام أشكال المبانى العلمانية لقلة ما تبقى منها . وكانت قاعات القصور مثل قاعة الطعام الذهبية (Chrysotriclinus) أو قاعة الاستقبال ذات العقود الثلاثة (Triconchus) في القصر الأكبر مشيدة شأن الكنائس المعاصرة لها

وطبيعي أن الأولين - أعنى السكندريين - واصلوا الاحتفاظ بما لهم من ميول نزعات هللينستية. فإن خريطة الإسكندرية المصورة على الفسيفساء في القرن لخامس والموجودة بمدينة جراش يتجلى فيها الطابع الهللينستي واضحا مميزا، وخريطة فلسطين ومصر بمدينة مأدبا بموآب والمصنوعة في القرن السادس غير محددة الشكل والمعالم إلى حد أكبر وإن حوت مع ذلك قدرا معينا من الرقة. وكان الأرمنيون يعملون طبقا لمزيجهم الإيراني الخاص الذي يجمع بين النموذج و التمشى مع الطبيعة. وفسيفساءات الأرضية تغدو نادرة بعد القرن السادس، وبدلاً من ذلك تكسى

الأرضية بتصميمات هندسية صارخة مصنوعة من الرخام الملون.

والظاهر أن تحلية المخطوطات بالصور كانت في الأصل فنا إسكندرانيا . وكانت النماذج الإسكندرانية تنتقل من موطنها إلى الخارج كما كانت تحاكي في كل أرجاء

العالم اليونانى الروماني. وظلت هذه النماذج تعد كلاسيكية حتى القرن السادس. وإن لفيفة (۲۲) يوشع (Joshua Roll) من القرن الخامس وهي التي ليس لدينا منها إلا صورة ترجع إلى القرن العاشر، تحاول استخدام فن المنظور وإظهار الأشخاص في جميع أنواع الاتجاهات والأوضاع، والصور مموهة فقط بألوان مجردة، كما أنها مدرجة تدريجا رشيقا . فالإلياذة الموجودة بمتحف الامبروسيانا (۲۳)، التي ترجع إلى نفس ذلك العهد ند كلاسيكية تماماً في طريقة المعالجة. وفى المؤلفات التي ترجع إلى القرن السادس

مضامة أي وسط تصويري آخر. مع العلم أنه يكاد يكون من المحال في الفسيفساء إظهار الجلاء (۲۱) والقيمة فى الصورة (chiaroscuro) بطريقة رقيقة، فلابد أن يكون الرسم واضحاً جلياً، وأن تكون الألوان متضادة متباينة والتصميم خاليا من كل تعقيد. ونوافه لا لزوم لها ، وكان من الطبيعى أن تسير الصور الجصية الجدارية في إثر خطوات الفسيفساء، ولم تتم الغلبة للأصول الفنية الهللينستية إلا في الصور الصغيرة وفي المخطوطات المحلاة بالصور، وبالتالى لم يتجل استمرار تيار النفوذ الهللينستي إلا في المخطوطات، كما أن ذلك النفوذ قد أظهر تأثيره المحسوس عن طريق المخطوطات وذلك أن فناني الفسيفساء والصور الجدارية الجصية جعلوا مصدر إلهامهم صوراً مصغرة رقيقة وصغيرة وسهلة الحمل.

بيد أن المدرسة الهللينستية ظلت حتى في مضمار الفسيفساء - بما أتيح لها من الفنانين الممتازين على كل من عداهم - صامدة طويلاً في الميدان، وإن كيفت نفسها قليلاً لمطالب الزمان. وفي مبانى القرن الخامس مثل مقبرة «جالاً بلاسيديا» أو كنيسة القديس جورج بسللانيك - كانت الموضوعات تعالج بطريقة فياضة متمشية مع الطبيعة. وقد تملأ الخلفية مؤخرة الصورة ملنا تاما أحيانًا . وذلك لأن الفنانين شأن فناني النقوش البارزة، لم يكونوا يطيقون أن يتركوها خالية غير مملوءة. ولكن تمشيهم مع الطبيعة كانت تخالطه بالفعل طريقة الإيرانيين فى التمشى مع الطبيعة. ذلك أن الطواويس والجريفونات التي أخذت موضوعاتها تزحف إلى فنهم كان مصدر الإلهام فيها هو الشرق القصى؛ كما أن إيران التي كانت تعتمد في فنها على الفنانين الأرمنيين كانت تلقن الناس كيف يستخدمون الحيوانات كوحدة زخرفية وليس كصورة، وذلك دون التضحية بالدقة في الرسم. حتى إذا وافى القرن السادس إذا بالمؤثر السامي (Semitic) يشتد قوة. ذلك أن صور يوستنيانوس وثيودورا وحاشيتهما في كنيسة سان فيتالي براثنا تتسم بتوخيها أسلوباً مرعيًا من نوع معين وبصلابتها مع قوة تأثيرها . ولعل فسيفساءات كنيسة آيا صوفيا من نفس ذلك الطراز، ومع ذلك، فإن الفكرات الهللينستية دامت بسللانيك مدة أطول. فإن زخارف القرن السادس بكنيسة القديس ديمتريوس تحتفظ بالشيء الكثير من قديم التمشى مع الروح الطبيعية.

وفيه كان التصميم يبرز كنوع من أشغال المشبكات Lace work)، منفصلاً انفصالاً ظاهراً عن الخلفية على هذا المنوال صنعت تيجان الأعمدة الشبيهة بالسلال بكنيسة القديسة صوفيا وجميع تيجان الأعمدة بكنيسة القديسين سرجيوس وباكوس. ثم فقد فن النحت المخرم أهميته بعد القرن السابع، وإن لم يفيد البتة نبدا تاما، حيث يمكن مشاهدته مجتمعا مع الفصوص في أشغال القرن الرابع عشر بمسترا، وذلك أن النحت التطريزي Embroidery sculpture) صار أكثر انواع النحت استعمالاً في القرون المتأخرة، أى من القرن السابع فصاعدا، وهنا كان التصميم ينفذ على الحجر المستوى السطح فى صورة أشرطة وأربطة متشابكة، وهي تحيط فى الغالب بأشكال هندسية أو لوحات (بانوهات) عليها أشكال حيوانات أو حليات بشكل الورود (rosettes). وتيجان الأعمدة المنحوتة بهيئة الحيوان منقورة بهذا النوع من الأشغال. وكان الشكل الرابع هو المسمى بالشامبلفى (Champlévé)(۱۹) ، وفيه تملأ الثقوب التي تكون الخلفية بمادة بنية محمرة مصنوعة في معظم أمرها من الشمع الذي يوضح التصميم ويبرزه. وقد أصبح هذا هو الطراز الشائع في قرابة القرن

العاشر. وهو يمثل خير تمثيل في كنيسة القديس ثيودور الصغيرة بأثينا.

وقد فاز التصوير إلى حد ما (۲۰) في نفس الحلبة التي خسر فيها النحت الحر معركته وانتصر فيها الشرق ومؤثراته، وكان التصوير الهللينستي قد اعتراه الانحلال فأصبح لا يعدو ملاحة رشيقة. وأدخل الفنان الآرامى عنصراً جديداً هو استقامة نظرته وعمق إحساسه . وكانت الصدمة نافعة، خاصة وأن المؤثر الهللينستي لم يقض عليه قط قضاء تاما . فظل الطرازان عائشين جنبا إلى جنب، وكل منهما يكبح أخطاء الآخر. ولم تستطع طريقة الرسم الآرامية المقترنة بالإهمال أن ترضى الجمهور، ولكنه كان يتطلب مع ذلك قدراً من العاطفة لم يكن في وسع الهللينستيين تقديمه، وكان يحب أن يحس على الفور الفحوى الروحى للصورة. كما أن المادة التي كانت تصور بها آنذاك الأشغال الهامة، زادت من قوة النصر الآرامي. وقد فاقت الفسيفساء بما قيض لها من و شكم


Original text

‎بما جاز أن تغمز العبقرية البيزنطية في ناحية الأدب بأنها تعوزها الأصالة والقدرة على الابتداع. على أن حالها في مضمار الفن مختلف جا، ومع ذلك فكلاهما كان موجودا بوفرة. وفي مضمار الفن ومنتجاته خلفت بيزنطة للعالم أفخم ما لديها من تراث وأدومه على الدهر.


‎والفن البيزنطى أصدق مرأة للكيان المركب الذي كانت تتألف منه الحضارة البيزنطية، فهنا يمكن التعرف عل جميع العناصر: الإغريقى الروماني منها والآرامی والإيراني ـ وهي تهض بنسب متفاوتة، ولكنها ممتزجة على الدوام امتزاجا تاما يخلق منها كلا متكاملا: أي شيثا فريدا في بابه وأصيلا في نوعه رغم تنوع مصادره وأصوله. وقد بث اسم بيزنطة الخوف في قلوب مؤرخى الفنون العصريين. وكما أن المؤرخين السياسيين ينزعون في هذه الأيام بعناية وحرص إلى تسمية تلك الدولة باسم الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو بالرومانية المتأخرة لا باسم البيزنطية، فكذلك فنها الذي يستتروراء اسم الفن المسيحى الشرقى أو المسيحى المبكر. وعندى أن مثل هذه التحوطات غير ضرورية، بل هي مضللة. ولقد كان ذلك الفن بطبيعته فن


‎القسطنطينية في عصر الإمبرامطورية، وقد ظل متسحا بخصائصه الأساسية ما امتد، لحكم الأباطرة لواء على ضفاف البوسفور. وكان من حيث الجوهر فنا دينيا، ولكنه لم يكن تبعا لذلك فنا مسيحيا ، بل الأحرى ان يقال إنه ثمرة لذلك العصر الدينى الذي انتصرت فيه المسيحية، وربما تهيا لنا أن نشهد خصائصه في فن الكنائس قبل قسطنطين، بيد أن تلك الخصائص ظاهرة كذلك في الفن الذي حاول به دقلديانوس ان يشد من أزر تأليه العظمة الإمبراطورية. ومزج قسطنطين بين هاتين الديانتين، حيث جمل نفسه ظل الله ونائبه في الأرض، ومنذ تلك اللحظة فصاعدا صار الفن الذي مجد الدولة يمجد فى ثنايا ذلك إله المسيحية، بيد أنه كان فنا مبعث الإلهام فيه وجدان عبادة ذات عمق وتسام يكاد يتسم بلمسة تصوفية بدل من تلك الرمزية التي اختصت بها المسيحية التي قصرت نفوذها على الفن الكنسى. وعندما أشرف القرن الثالث على ختامة لم تعد للفن الإغريقى الروماني أية قدرة على الاستمرار. فإن النزوع الإغريقى القديم نحو مجاراة الطبيعة بصورة مرتبة ترتيبا


‎رشيقا يتجلى فيه الذوق السليم، ـ كانت قد امتدت إليه يد التنميق والتزيين في العصر الهللینستى، بل زاد التنميق فى عهد الرومان مع إنقان وزيادة في التفاصيل بل وزيادة فى الحجم، جرت بها العادة وجعلت كل عمل فنى حدا جليل يحتاج إلى جهد خاص ومهارة ممتازة. واجتلب القرن الرابع رد فعل من الشرق. فإن دیانات من أصل سوری أو سوری مصری شرعت تزداد انتشارا بين الناس في كل أرجاء العالم. وكان أتباع تلك العقائد ومريدوها ينزعون بالفطرة منازع التخفى ويتسمون أساسا بالسخط على العالم المحيط بهم. فهم قوم كان السرور والرضى المتجلى فيما كان للهللينستيين من نزوع إلى مجاراة الطبيعة شيئا ليس له عندهم أي معنى، وكانت الطبيعة قبيحة في نظرهم في غالب الأحيان وكانوا على استعداد لمواجهة قبحها. وقد استغنوا عن رقة الرسم وتوازن التركيب؛ ذلك أنهم كانوا يتطلبون فنا يتحدث إليهم مباشرة دون أي تساهل أو تسوية، ويستثيرهم إلى حالة حدة الانفعال بدل من أن يهدئ من جأشهم


ويستميلهم إلى حالة من الارتياح الجمالي، ولم يكن محيص من أن يؤدى انتصار المسيحية إلى زيادة قوة هذه الفكرة الآرامية عن الفن فلا يمكن أن يصور المسيح كما كان أبولو يصور، فإنه هو الإله الذى قاسى العذاب، وهو الحكم العظيم، وهو المخلص . وينبغي لكل عابد يعبده أن يحس به على الفور متمثلاً في أحد هذه الأدوار؛ وينبغي أن ترتسم على وجهه بقوة خطوط الآلام التى كابدها وخطوط الجد والصرامة أو الإحسان والخير الإلهى. لقد كان الدين يتطلب أخذا بالمذهب الانطباعي


‏(impressionism) لم يكن معروفًا في العالم اليوناني الروماني.


وفوق هذا أسهم الشرق أيضاً بعنصر آخر . ذلك أن الفكرة الجديدة عن السيادة قد جاءت من فارس، من الساسانيين منطبعة بطابع فيه قدر من الجلال والعظمة أكثر بساطة ومباشرة مما أثر عن روما من محكم العظمة والفخامة، وقد مهدت العقيدة الميثرائية لها السبيل، وهى الدين المنبعث من إيران الذي يعبد الشمس المكللة بهالات المجد . وكان للميثرائية أو المزدكية التي منها اشتقت ، - كان لها فنها الخاص، وهو ليس ذا نزعة طبيعية متسمة بالجمال كالفن الهللينستي، ولا هو ذو طابع واقعى مصطبغ بالعاطفة كالفن الآرامي، بل هو فن رمزى لنماذج لعلها جاءت أصلاً فيما يلوح من مرتفعات التركستان. وقد كان هذا الفن القائم على النماذج والتصميمات يؤثر بالفعل في الفنانين الآراميين بالشرق الأدنى، ويعوض بطريقة ما عن إهمالهم لحاسة الإنشاء


والتصنيف عند الإغريق.


وقد ظهر الفن الجديد» مؤلفًا من هذه العناصر جميعها، عند بداية القرن ذاتها . فإن التماثيل التي تمثل حكومة دقلديانوس الرباعية، حل فيها محل طريقة تصوير الإمبراطور في القرون السابقة يوم كان الإمبراطور لا يُرسم إلا في صورة بدنية رائعة تمييزاً له عن صور أي فرد من أفراد رعيته - حل فيها فن رمزى غير شخصي يؤكد توكيدا مباشرًا عظمة روما الصارمة القائمة قبالة البرابرة وجها لوجه. وأتمت المسيحية الحركة وأوصلتها إلى نهاية الشوط. فإن الجمهور المسيحي كان يطالب بالفن الذي يتجاوب معه بطريقة عاطفية مباشرة، ولا ينشد فيه التزام الإبداع الفنى، وذلك بنفس الطريقة التي كانت تطالب بها السلطات الإمبراطورية أن تكون الصور التي تمثل السيادة الرومانية رمزاً معنوياً بدلاً من أن تكون صوراً قوية المماثلة لمختلف الأباطرة غير المخلدين على أن الفنيين الهللينستيين وقد استنفدوا كل سر من أسرار الأصول


تفهم قد واجهتهم مشكلة جديدة، هى مشكلة المواءمة بين أصولهم الفنية وبين وات العالم الجديد. ولعلهم عمدوا اخذاً بسنن الحصفاء الخبيرين بشئون الدنيا إلى النزول عن طيب خاطر عن طريقة رسمهم القديمة المحكمة المشابهة للحياة بكل ما ميها من أضرب التراكيب التشريحية الدقيقة والمبالغ فيها في الحين نفسه، فضلاً عن دهم منوالهم الماهر فى التصفير وتخليهم عن ثروتهم الكاملة من التفصيلات - لكي مجربوا التجارب فى لجة وجهة النظر الفنية الجديدة، وفي الحين نفسه، وجد الفنان الشرقي الغشيم في البلاط ظهيرا له ونصيرا . ولم يكن قادرا على تقديم مثقال ذرة من الأصول الفنية القديمة، وذلك بينما كانت شئون الدنيا تدفع الفنان الحصيف إلى نبذها ظهريًا، فضلاً عن أن الطلب على تلك الأصول الفنية أخذ يتناقص. وهكذا حدث انقلاب أثناء القرن الرابع، خرجت منه القسطنطينية قصبة للعالم الجمالي الجديد.


ومع ذلك، فإن الروح الهللينستية وإن دحرت إلا أنها لم تمت. ذلك أن صورها الفكرية كانت عميقة التمكن والتأصل الفطري في دم الإغريقي.


وقد حدث بين الفينة والفينة طوال حياة الإمبراطورية البيزنطية، أنها كانت تنفلت فترجع الفن البيزنطي أدراجه نحو النزعات الطبيعية الواقعية القديمة.


كان «الفن الجديد» مباشرًا ومستقيماً وخاليا من كل التواء؛ بيد أنه لم يكن بسيطاً . ذلك أن العبادة وبخاصة عبادة الإمبراطور ينبغى أن تمتاز بالفخامة على نحو ما. وأحرز الفنان البيزنطى الفخامة المرغوبة بوسائله وما توافر له من مواد . وأخذ المصور البيزنطى يعمل على بلوغ القدرة على التصرف في اختيار الفسيفساء: (السليزلي)، بدلاً من أن يهتم بالأصباغ والألوان في عمل اللوحات البانوهات) أو الصور الجصية على الجدران (الفريسكوهات) . وإنه ليستعمل خلفية من الذهب حتى في تصويره للبانوهات وشاع استعمال الذهب فى المخطوطات المحلاة بالصور. وكانت التماثيل تنحت من الرخام السماقي ومن البرونز الملون أو المموه بالذهب. وكانت خيوط الذهب


تلعب أعظم دور في الأقمشة والحرائر والديباج الموشى.


وكان هذا الولع بالمواد الثمينة حائلاً دون اعتماد القوم في التماس الفخامة على


مجرد ضخامة الحجم. فلقد كانت هذه المواد من الندرة وباهظ النفقة بمكان عظيم. والواقع أن الفنان البيزنطي كان يعمل عادة على معيار صغير ما لم تكرس موارد الدولة المالية جميعاً للمساعدة، كما حدث يوم شيد يوستنيانوس كنيسة أيا صوفيا منفقا فيها


، وهناك كنائس ذات سراديب للدفن مشيدة على هذا الشكل، كما أن قبر مالاً بالأسيدياء بنى على شكل صليب له اذرع متساوية الطول وقبة فوق نقطة ور اطاع، ومن الكنائس التى تعد المثل الكامل لذلك الطراز كنيسة الرسل المقدسين التي مادها بوستنيانوس وثيودورا بالقسطنطينية ولها قبة وسطى وأخرى فوق كل ذراع . وقد اقتبس شكلها بناة كنيسة القديس مرقس بالبندقية، وأخيرا وفق المعماريان الميوس من تراليس وإيزيدور المليطى إلى الجمع فى كنيسة أيا صوفيا (١٠) بين هذه الطرز الثلاثة، وأعنى بها طراز الباسليقة والمربع والصليب، فإن بها صفا طويلاً من الأعمدة يحافظ على الشكل الداخلي للباسليقة، ومع ذلك فإن النسب الخارجية إنما هي في الواقع نسب المربع، بينما يقابل الضغط الجانبي (side - stree) بأجنحة


عرضية (transepts) عالية ذات عواضد (دعامات) تكللها نصف قبة.


وقد انهارت القبة الوسطى الأولى بسبب زلزال حدث في ٥٥٨، كما سقطت الثانية بالمثل في ٩٨٩، وعندها بنى القبة الراهنة أرمني يدعى تـيـريـدانس وهو مهندس


الكاتدرائية الكبرى بمدينة آني (١١).


وظلت كنيسة القديسة صوفيا ذروة المجد التي أحرزها فن العمارة البيزنطي. فإنه حتى البيزنطيون أنفسهم كانوا يعدونها كذلك، بلى ظلوا طويلاً يتخذونها مثالهم المحتذى. بيد أن فن العمارة البيزنطى لم يعدم التقدم. وكنتيجة محققة أو تكاد لنفس مشكلة «الطرد» انتهى الأمر رويدا رويدا بأن تطور طراز التصميم المسمى باسم الصليب اليوناني. فهنا تكون الأجنحة العرضية مرتفعة ذات قبو شبه أسطواني ومسقفة عادة مثل إيوان (nave) الكنيسة ومكان جوقة المرتلين، بجملون منخفض؛ وزوايا الصليب تشغلها غرفات أخفض قليلاً، حيث تستخدم الموجودة منها في الطرف الغربي كأجنحة جانبية للإيوان، بينما تظل الشرقية منها منفصلة لتكون غرفة لمنضدة القربان ومقصورة للمواعين المقدسة التي تتطلبها الشعائر. وإن البساطة والتوازن التام اللذين


يتجليان في التصميم ربما جعلاه مثار الإعجاب الشديد من حيث العمارة.


المتحملة، وكانت الأكتاف الكروية معروفة قبل عصر قسطنطين، ويوجد بمدينة جراش بشرق الأردن مثال مبكر لهذه الحالة كما أن في الإمكان ترسم بعض آثارها بأسيا الصغرى، وأشهر مثال لها في القرن الخامس هو قبر «جالاً بلاسيديا» براهنا، وفي القرن السادس كنيسة أيا صوفيا بالقسطنطينية، أما الأركان المحرابية فكانت وسيلة متأخرة عن ذلك قليلاً. ومن المحتمل أن منبتها هو بلاد الشرق، وإن كانت الأمثلة الأولى التي يمكن تحديد تاريخها بيقين مطلق إيطالية ومنها كنيسة التعميد بنابلى والسان فيتالي براقنا وهي من القرن السادس). بيد أنها لم تبلغ الذروة من الإتقان إلا في القرنين العاشر والحادي عشر، وذلك في مبان من أمثال الكنيسة الكبرى بدير لوقا


المقدس بفوكيس (1).


وفي نفس الحين أدخل التعديل على هيئة الباسليقة. وقد ظهر فيها من قبل على الدوام ضربان رئيسيان. فكان للباسليقة الهللينستية سقف مسطح مكسو بالخشب ولها ثلاثة أو خمسة أجنحة وأروقة أضيف إليها فيما بعد طابق علوى فوق الأجنحة الجانبية. وكانت الباسليقة الشرقية ذات سقف مقبو وجدرانها صماء خالية من النوافذ . بيد أن القبة استلزمت إجراء تغييرات فى تصميم المباني. وكان «الطرد» (Thrust) الواقع على الجدران الجانبية، وهى الجدران الشمالية والجنوبية في الكنائس ذات القبلة الشرقية، يقضى بالضرورة بتقوية هذين الجدارين، وبخاصة أنه حدث مع استخدام القبة، أن أصبح الارتفاع مرغوباً فيه أكثر من الطول. وكانت العواضد التي يستخدمها مهندسو العمارة القوطيون فكرة غريبة على الروح البيزنطية، التي ظلت من التمسك بالأساليب الكلاسيكية بحيث أصرت أن يكون تصميم المبنى كاملاً في حد ذاته من الناحية البنائية؛ حتى إذا تم تكييف القبة وفق المربع، أصبح أحدث التصميمات طرازا هو الكنائس ذات المربع الواحد أو ذات الغرفة الكثيرة الأضلاع، وهناك كان «الطرد» يوزع بالتساوى فى جميع الاتجاهات. وفى الإمكان رؤية هذا الطراز في أفضل صوره في الكنيسة المثمنة للقديسين سرجيوس وباكوس بالقسطنطينية (وهي التي يسميها الأتراك كتشوك أيا صوفيا) التي بنيت في صدر عهد يوستنيانوس. ومن قبل ذلك هدت التقوى أو المهارة مهندسي العمارة إلى محاولة وضع تصميم المباني على


الكنيسة بما لها من شعائر ، غير راضية عن الصحن الداخلي الذي لا يداخله ك تقسيم، لذا أخذت تطالب بنظام أكثر تعقيداً، دون التضحية بوحدة التصميم سى، وكان أن وضعت فوق وسط قاعة الكنيسة قبة خيلت للرائي أنها مقسمة من الداخل هذا إلى أنها أضفت عليها طابعا أعظم من الفخامة، بيد أن مشكلة المشاكل في طريقة تثبيت تلك القبة. وكان طراز القبة المبنية فوق الروطن (0) كتلك القائمة فوق هامة البانثيون بروما، معروفًا منذ زمن بعيد لأهل الفن المعماري ولكنها هنا لم يكن بد من أن توضع فوق مربع، وكانت أبسط الطرق لبلوغ هذه الغاية هي إنشاء ر صرف بارز (كابولي) ليحمل القبة، بيد أن هذه الفكرة كانت فجيجة وكانت عرضة الانتاج شكل إهليلجي أي قطع ناقص ، حتى إذا استشرف القرن الخامس على بدايته


كان القوم قد وصلوا إلى طرائق مرضية أكثر.


والباحثون في خلاف حول صاحب الفضل فى الوصول إلى حلول لهذه المسألة: فمن قائل إنهم مترحلو ناحية التاى إيران، ومن قائل إنهم مهندسو إيطاليا المعماريون - والواقع أن أحدا من هذين الرأيين ليس بمقنع إقناعا تاما، وعندى أن النظرية الأولى بعيدة الاحتمال، وأن في الإمكان إظهار عدم أرجحية الثانية، وذلك أن القبة غادرت إيطاليا مع البلاط الإمبراطورى إلى القسطنطينية، حيث صارت في إثر الرعاية الإمبراطورية للعمارة، فأما مصدر الإلهام فيها فينبغى أن لا نبت فيه حتى الآن برأي؛ بيد أن المعماريين الذين بلغوا بأصولها الفنية مرتبة الكمال هم من اليونان والأرمن وكان الأولون أعنى اليونان - هم البنائين الذين يجد . في طلبهم آل ساسان عواهل الفرس (1). وكان لإنشاء القبة طريقتان. فإما أن تستخدم الأكتاف الكروية (Pendentives)، وهى مثلثات ترتفع من أركان المربع وتنحنى للداخل لكي تجتمع في دائرة، أو الأركان المحرابية (1) (Squinches) وهي قبوات حنوية (1) (apsidal vaults) عبر زوايا المربع إما في صورة رقبة مربعة أو على نفس مستوى العقود (البواكي) الرئيسية


فيما يقال ٢٢٠ ألف رطل من الذهب (٢). وكثيرا ما أحرز منه أعظم درجة من الاتزان الكامل في أصغر منتجاته حجمًا، أي في نحالت صغيرة على حجر الصابون أو نقوش


غائرة (bas-relics) على العاج أو فى لوحات الصور الصغيرة المصنوعة من الميناء .


حيث كان الاتزان يتجلى في جزالة التكوين أو التلوين المتجاوب مع بساطة الرسم.


وتتجلى في فروع الفن البيزنطى المختلفة كل من العناصر الشرقية والهللينستية بنسب متفاوتة، فلقد غزت الروح الهللينستية التصوير والنحت المرة بعد المرة. ومع ذلك. فإن فن العمارة عرف منذ زمن مبكر العناصر التي يتألف منها أسلوبه الخاص وتطور


من ثم تطوراً طبيعيًا طبقا لقواعده الخاصة.


والحق أن فن العمارة البيزنطى يقف بمعزل عن كل ما عداه من فنون، إذ يلوح أن المصور والمثال قد خَطوا في القرن الرابع خطوة إلى الوراء من حيث الأصول الفنية. وذلك على حين واصل المهندس المعمارى تقدمه باطراد في نهج المهارة في أصول فنه.


والفضل الأكبر الذي أسهمت به بيزنطة في فن الهندسة المعمارية هو سر موازنة القبة فوق مربع، وهي الثمرة التي تمخضت عنها حاجات العالم الجديد. وخير مجال نستطيع أن نشاهد فيه التطور عن كثب هو عمارة الكنائس؛ وذلك لأن الكنائس هي العمائر الوحيدة التي لا تزال موجودة بوفرة. إذ إن المباني الكبيرة ذات الطابع العلماني بالإمبراطورية قد اندثرت. ولقد كان المسيحى الأول - شأنه في ذلك شأن الوثني - يكتفى في إقامة شعائر دينه بقاعة بسيطة. وكان لما يجد بين يديه من باسليقة (4) صحن داخلي بسيط لا يتجاوز في بساطته صحن أى معبد في العصر الكلاسيكي. ولكن حدث رويدا رويدا وبخاصة في القرن الرابع أن الكنيسة اقتبست شعائر المراسم التي تتبعها الدولة. فكما أن الأسر الحاكمة الجديدة للأباطرة أنصاف الآلهة كانت تتطلب قصورا بها قاعات للعرش وقاعات للثياب مع جناح للحريم خاص بالإمبراطورة، فكذلك


وكان المنظر فى مجموعة غير شخصي تماما، كما كان على الرغم من فجاجته يترك فى النفس أثرًا قويا جدا ، وكان يتناسب وظروف العالم الجديدة، والتمثال الموجود ببارلنا والذى يرجع إلى أواخر القرن الرابع يعد طرازا يمثل مرحلة الانتقال. فهنا يجلى التمثال أمام الأعين بصورة إجمالية، كما أن التمثال هنا صورة دون أدنى ريب؛ ولكن من الجلى أن صانعه يريد له أن ينظر من الأمام، وهو لا يتفق البتة مع المذهب الواقعى من حيث الزى العسكري، كما أن الوجه بسيط مع المبالغة في حدة الخطوط الموصلة من الأنف إلى الفم ابتغاء جعله يبدو رمزا للجلال


الصارم. وهو يكاد يكون عملاً يعبر عن الولاء لعقيدة عبادة الإمبراطورية.


ولكن سرعان ما انتهى الأمر بأن أصبحت كل محاولة لعمل التماثيل ذات الأبعاد الثلاثة نادرة جدا . فالفنانون المسيحيون لم يأخذوا أنفسهم بذلك الفن إلى أي مدى. ذلك أنه فن لا يحظى بتقدير الشرقي، كما أن المسيحي الشرقي بدأ منذ وقت مبكر يرى أنه (أي فن صنع التماثيل هو نفس الشكل المجسد الذي حرمه يهوه (يهوفا) . فلم يبق له إلا ناحية واحدة فقط يتجلى فيها هي بعض صور الأباطرة غير الشخصية إلى حد ما، التي كانت تصنع بالقسطنطينية وتقام بها في بعض الأحايين احتفاء بالجلالة الإمبراطورية أو يبعث بها إلى مجتمعات تدين بالتبعية مثل روما، حتى يكون الإمبراطور حاضراً معهم في جميع مداولاتهم ومباحثاتهم. وسرعان ما أصبح فن النحت فن حفر بارز خفيف البروز لا يخرج عن كونه أحد أفرع التصوير، مع اتخاذ الظلال بديلاً من مؤثرات اللون. وإن فراويز الأبواب وجوانب منابر الكنائس أو منصاتها أو النواويس في الأزمان الباكرة، لتنحت من الخشب أو الحجر حسب أصول فنية تصويرية ذات بعدين. ولكن الفنان حاول في البداية أن يحفظ بقدرته على إبراز خلفية بأن كان يعمد إلى ملئها ملنا تاما رأسيًا مستقيما خلف الموضوع الرئيسي؛ فيخرج الشكل في صورة المنظور عند الصينيين أو يكاد . ثم عاد فأقلع فيما بعد عن تلك المحاولة غير الناجحة.


وأنجح أنواع الحفر البارز هي التي كانت تصنع على معيار أصغر، وهي نحائت


صنعت من المعادن ومن حجر الصابون ولكن غالبيتها من العاج (۱۷)، وكان العاج المنحوت


وكانت المواد التي تستخدم تختلف باختلاف المناطق، فالأقاليم التي تكثر بها الحجارة تكسى فيها الحوائط بالأحجار المشغولة مع وضع كسارة الحجر في الداخل. وقد بنيت القسطنطينية بصفة رئيسية من الطوب الأحمر، وإن استخدم الحجر غاليا في طبقات متبادلة مع الطوب رغبة فى زخرفة ظاهر المبنى، والغالب أن الحجر الذي يستخدم في الجدران الخارجية كان يشكل أو ينحت، وكان ذلك شائعا بصفة خاصة بأرمينية وبالنواحي التي تغلب عليها المؤثرات الشرقية مثل بلاد اليونان، وخير مثال لذلك كنيسة العاصمة «المتروبوليس الصغيرة بأثينا . وكانت الجدران الداخلية للمباني الهامة تكسى بمواد زخرفية، كأن تصفف في شكل منظم ألواح من الرخام المتنوع الألوان، كما توضع أعلى ذلك فصوص الفسيفساء. وقد أصبح من المألوف في الأحياء الفقيرة وبالقسطنطينية لعهد البيت الباليولوجى يوم شحت الأموال . أن تزين الجدران بأسرها بالصور الجصية الجدارية (frescoes) . وأصبحت العمدان وقد زادت حمولتها من الأثقال عما كانت عليه في العصور الكلاسيكية - أقوى وأصلب، وبخاصة من حيث تيجانها . وكانت هذه التيجان تنحت في العادة نحتا دقيقا متقناً. وقد بقيت هناك أشكال معدلة للعمود الكورنثى المنحوت على هيئة ورقة السنط «الأكانثوس»، بيد أن التصميمات الشبيهة بالسلال وأشكال الحيوانات والجامات المستديرة (الميداليونات)


الحاوية للطغراءات المسيحية البسيطة شاع استخدامها .


وانتصر الشرق في فن النحت أيضًا؛ وهنا حل بهذا الفن انقلاب لا تطور. ذلك أن فن النحت الكلاسيكي ذي الأبعاد الثلاثة كان شيئًا غريبا ودخيلاً على الآراميين. فإن الآرامي كان يرى الأشياء مسطحة وذات بعدين اثنين، ويحس بها من الناحية التصويرية لا النحتية . لذا وجب لديه أن ينظر إلى التماثيل من وجه واحد فقط؛ ولم يكن ثمة شيء يستطيع تمثيل البعد الثالث سوى التظليل. واتفق أن صادف بروزه على المسرح ورود عناصر فنية بنماذج من إيران. وأخذت الخطوط المنحوتة التي تمثل الثياب تسير وفق نماذج هندسية بدلاً من المنحنيات المتمشية مع الواقع (الطبيعية) والمعروفة في الفن الهللينستي. وغالباً ما كانت تماثيل الفن الجديد غير سارة للعين أو تكاد .. فإن حب الآرامي للمؤثرات الحسية يدفعه إلى المبالغة في قسمات الوجه؛


فإن قيام الحروب إلى الجنوب بعيدا عنها وضعها على مفرق ومن المحتمل أن الصليب اليونانى نشأ بأرمينية، وزادت فتوح العرب من أهمية التجارية أمنا بين الشرق والغرب، كما أن الأرمن أخذوا يلتمسون حظهم في الفكرات الفنية الآتية من كل من بلاد الشرق والغرب، وذلك فضلا عما وهبوه من ذكاء الإمبراطورية زرافات متزايدة العدد في كل آن. وساعدهم موقعهم الجغرافي على تقبل فى أخريات القرن الثامن فى مدينة سكيبرو بولاية بؤوتيا، وهى على علاقات وثيقة إجراء التجارب على تلك الفكرات. ويظهر الصليب ببلاد اليونان بالشرق وأشهر أمثلته هو الكنيسة الجديدة التي أمر ببنائها باسيليوس الأول فى الأطراف المحيطة بالقصر (۱۲) . فإن تلك الكنيسة التي دمرها الأتراك كانت في الراجع المبنى الكبير الوحيد المشيد على شكل صليب يوناني. إذ إن العادة جرت آنذاك بأن العنوان الكنائس البيزنطية صغيرة الحجم. حيث غلب على القوم الاتجاه إلى الرشاقة والخفة، فلم يزد ثمة شيء إلا الارتفاع وحده الا في بعض الأحيان كان المعماريون يستخدمون منذ القرن السادس بقصد تخفيف الأثر حنية ثلاثية في الطرف الشرقى في الحلية الثلاثية الأوراق المسماة تريكورا أو تريفويل (trichora or trefoil). وقد أصبحت تلك الحنية بعد ذلك أشيع استعمالاً. وأخذت الأعمدة تحل محل الأكتاف الله كانت تسند القبة؛ وربما جاز إقامة القبة نفسها على رقبة عالية. وربما وضعت على أذرع الصليب أنصاف قباب وحلت منحنيات محل الخطوط المستقيمة بالجملون. وأدى الاتصال بالغرب إلى ظهور أبراج الأجراس بين الفينة والفينة وبها الأجراس التي حلت محل النواقيس الخشبية (Simandra) التي كانت تدعو المستمسكين بالعقيدة . الصحيحة إلى الصلاة، وعلى هذا النحو من التحوير أو التنقيح ظل الصليب اليوناني ولا يزال إلى اليوم - أساسًا لكل الهندسة المعمارية في الكنسية الأرثوذكسية تقريباً. بيد أنه لم يبلغ من الشيوع في القسطنطينية أبدا مبلغ شيوعه في الولايات، التي يبدو


أن مهندسي العمارة فيها كانوا إلى حد كبير من الأرمن.


ومن العسير أن نتناول بالكلام أشكال المبانى العلمانية لقلة ما تبقى منها . وكانت قاعات القصور مثل قاعة الطعام الذهبية (Chrysotriclinus) أو قاعة الاستقبال ذات العقود الثلاثة (Triconchus) في القصر الأكبر مشيدة شأن الكنائس المعاصرة لها


وطبيعي أن الأولين - أعنى السكندريين - واصلوا الاحتفاظ بما لهم من ميول نزعات هللينستية. فإن خريطة الإسكندرية المصورة على الفسيفساء في القرن لخامس والموجودة بمدينة جراش يتجلى فيها الطابع الهللينستي واضحا مميزا، وخريطة فلسطين ومصر بمدينة مأدبا بموآب والمصنوعة في القرن السادس غير محددة الشكل والمعالم إلى حد أكبر وإن حوت مع ذلك قدرا معينا من الرقة. وكان الأرمنيون يعملون طبقا لمزيجهم الإيراني الخاص الذي يجمع بين النموذج و التمشى مع الطبيعة. وفسيفساءات الأرضية تغدو نادرة بعد القرن السادس، وبدلاً من ذلك تكسى


الأرضية بتصميمات هندسية صارخة مصنوعة من الرخام الملون.


والظاهر أن تحلية المخطوطات بالصور كانت في الأصل فنا إسكندرانيا . وكانت النماذج الإسكندرانية تنتقل من موطنها إلى الخارج كما كانت تحاكي في كل أرجاء


العالم اليونانى الروماني. وظلت هذه النماذج تعد كلاسيكية حتى القرن السادس. وإن لفيفة (۲۲) يوشع (Joshua Roll) من القرن الخامس وهي التي ليس لدينا منها إلا صورة ترجع إلى القرن العاشر، تحاول استخدام فن المنظور وإظهار الأشخاص في جميع أنواع الاتجاهات والأوضاع، والصور مموهة فقط بألوان مجردة، كما أنها مدرجة تدريجا رشيقا . فالإلياذة الموجودة بمتحف الامبروسيانا (۲۳)، التي ترجع إلى نفس ذلك العهد ند كلاسيكية تماماً في طريقة المعالجة. وفى المؤلفات التي ترجع إلى القرن السادس


مضامة أي وسط تصويري آخر. مع العلم أنه يكاد يكون من المحال في الفسيفساء إظهار الجلاء (۲۱) والقيمة فى الصورة (chiaroscuro) بطريقة رقيقة، فلابد أن يكون الرسم واضحاً جلياً، وأن تكون الألوان متضادة متباينة والتصميم خاليا من كل تعقيد. ونوافه لا لزوم لها ، وكان من الطبيعى أن تسير الصور الجصية الجدارية في إثر خطوات الفسيفساء، ولم تتم الغلبة للأصول الفنية الهللينستية إلا في الصور الصغيرة وفي المخطوطات المحلاة بالصور، وبالتالى لم يتجل استمرار تيار النفوذ الهللينستي إلا في المخطوطات، كما أن ذلك النفوذ قد أظهر تأثيره المحسوس عن طريق المخطوطات وذلك أن فناني الفسيفساء والصور الجدارية الجصية جعلوا مصدر إلهامهم صوراً مصغرة رقيقة وصغيرة وسهلة الحمل.


بيد أن المدرسة الهللينستية ظلت حتى في مضمار الفسيفساء - بما أتيح لها من الفنانين الممتازين على كل من عداهم - صامدة طويلاً في الميدان، وإن كيفت نفسها قليلاً لمطالب الزمان. وفي مبانى القرن الخامس مثل مقبرة «جالاً بلاسيديا» أو كنيسة القديس جورج بسللانيك - كانت الموضوعات تعالج بطريقة فياضة متمشية مع الطبيعة. وقد تملأ الخلفية مؤخرة الصورة ملنا تاما أحيانًا . وذلك لأن الفنانين شأن فناني النقوش البارزة، لم يكونوا يطيقون أن يتركوها خالية غير مملوءة. ولكن تمشيهم مع الطبيعة كانت تخالطه بالفعل طريقة الإيرانيين فى التمشى مع الطبيعة. ذلك أن الطواويس والجريفونات التي أخذت موضوعاتها تزحف إلى فنهم كان مصدر الإلهام فيها هو الشرق القصى؛ كما أن إيران التي كانت تعتمد في فنها على الفنانين الأرمنيين كانت تلقن الناس كيف يستخدمون الحيوانات كوحدة زخرفية وليس كصورة، وذلك دون التضحية بالدقة في الرسم. حتى إذا وافى القرن السادس إذا بالمؤثر السامي (Semitic) يشتد قوة. ذلك أن صور يوستنيانوس وثيودورا وحاشيتهما في كنيسة سان فيتالي براثنا تتسم بتوخيها أسلوباً مرعيًا من نوع معين وبصلابتها مع قوة تأثيرها . ولعل فسيفساءات كنيسة آيا صوفيا من نفس ذلك الطراز، ومع ذلك، فإن الفكرات الهللينستية دامت بسلانيك مدة أطول. فإن زخارف القرن السادس بكنيسة القديس ديمتريوس تحتفظ بالشيء الكثير من قديم التمشى مع الروح الطبيعية.


وفيه كان التصميم يبرز كنوع من أشغال المشبكات Lace work)، منفصلاً انفصالاً ظاهراً عن الخلفية على هذا المنوال صنعت تيجان الأعمدة الشبيهة بالسلال بكنيسة القديسة صوفيا وجميع تيجان الأعمدة بكنيسة القديسين سرجيوس وباكوس. ثم فقد فن النحت المخرم أهميته بعد القرن السابع، وإن لم يفيد البتة نبدا تاما، حيث يمكن مشاهدته مجتمعا مع الفصوص في أشغال القرن الرابع عشر بمسترا، وذلك أن النحت التطريزي Embroidery sculpture) صار أكثر انواع النحت استعمالاً في القرون المتأخرة، أى من القرن السابع فصاعدا، وهنا كان التصميم ينفذ على الحجر المستوى السطح فى صورة أشرطة وأربطة متشابكة، وهي تحيط فى الغالب بأشكال هندسية أو لوحات (بانوهات) عليها أشكال حيوانات أو حليات بشكل الورود (rosettes). وتيجان الأعمدة المنحوتة بهيئة الحيوان منقورة بهذا النوع من الأشغال. وكان الشكل الرابع هو المسمى بالشامبلفى (Champlévé)(۱۹) ، وفيه تملأ الثقوب التي تكون الخلفية بمادة بنية محمرة مصنوعة في معظم أمرها من الشمع الذي يوضح التصميم ويبرزه. وقد أصبح هذا هو الطراز الشائع في قرابة القرن


العاشر. وهو يمثل خير تمثيل في كنيسة القديس ثيودور الصغيرة بأثينا.


وقد فاز التصوير إلى حد ما (۲۰) في نفس الحلبة التي خسر فيها النحت الحر معركته وانتصر فيها الشرق ومؤثراته، وكان التصوير الهللينستي قد اعتراه الانحلال فأصبح لا يعدو ملاحة رشيقة. وأدخل الفنان الآرامى عنصراً جديداً هو استقامة نظرته وعمق إحساسه . وكانت الصدمة نافعة، خاصة وأن المؤثر الهللينستي لم يقض عليه قط قضاء تاما . فظل الطرازان عائشين جنبا إلى جنب، وكل منهما يكبح أخطاء الآخر. ولم تستطع طريقة الرسم الآرامية المقترنة بالإهمال أن ترضى الجمهور، ولكنه كان يتطلب مع ذلك قدراً من العاطفة لم يكن في وسع الهللينستيين تقديمه، وكان يحب أن يحس على الفور الفحوى الروحى للصورة. كما أن المادة التي كانت تصور بها آنذاك الأشغال الهامة، زادت من قوة النصر الآرامي. وقد فاقت الفسيفساء بما قيض لها من و شكمجيات الجواهر أو علب الآثار المقدسة واللوحات القنصلية ذات الطينين (١٨) وأغلفة الكتب والسجلات التعبدية ذات الطيتين وذات الطيات الثلاث تصنع طوال تاريخ الإمبراطورية بأكمله، وكانت المؤثرات الفنية الشرقية هي السائدة المتغلبة في السنوات الخمسمائة الأولى المنتهية بالقرن التاسع . فكانت للتماثيل رءوس كبيرة معبرة سيئة التناسب وسيئة الرسم فى الغالب؛ حتى إذا جاءت النهضة الكلاسيكية التي حدثت في القرنين التاسع والعاشر دخل على الفن ملكة الإنشاء والتصنيف مع مراعاة الرشاقة دون القضاء على بساطة المدرسة الشرقية وقوتها . وإلى هذه الفترة تعزى خير المنحوتات البيزنطية الصغيرة هي شكمجية» الفيرولى المحفوظة بمتحف فكتوريا وألبرت ولوحة رومانوس ويودوكيا في قاعة المداليات (Cabinet de Médailles). وإن الأخيرة لهى والحق يقال من مفاخر الصنعة البيزنطية الرائعة، وقد صيغت صياغة يتجلى فيها الوجدان والمهارة، وهي جيدة فى رسمها مثيرة للإعجاب في صنعها . ثم ما لبث الحفر على العاج أن اضمحل بعد القرن الحادى عشر؛ إذ يبدو أن النحاتين قد فقدوا الذوق والقدرة الفنية وسرعان ما أدى فقر الإمبراطورية المتزايد إلى جعل اقتناء مثل تلك القطع الغالية فوق الطاقة المالية للناس. وكانت نحائت العاج تزين في العادة


بالذهب، بل يلوح أنها كانت ملونة في الغالب.


والناظر إلى النحت الزخرفي المعماري في تشكيل الأبواب وتيجان الأعمدة يتجلى له من تنوع تصميماته اختلاط أصوله. إذ لا يخفى أن ورقة السنط (الأكانثوس) وصور الحيوانات المطابقة للطبيعة تنمى إلى الهللينستية الخالصة، ثم إن التصميمات الهندسية التي غالبا ما تفيض بالرشاقة الهللينستية تعيد إلى الذاكرة النماذج الإيرانية؛ فإن السطح العادى كان يزين على طريقة المأساة الصارمة عند الآراميين، بطغراء قائمة بمفردها للمسيح. وإنك لتعثر على جميع هذه الطرز من القرن الخامس فصاعدا، وهي حاوية لأصول فنية دامت محتفظة بمستوى متعادل إلى حد ما. ومع ذلك، فإن الطريقة ألم بها بعض التغير الطفيف. وكانت أولى وسائل معالجة هذا النحت الزخرفي هي الشغل المثقب، الذي بلغ ذروته في القرن الخامس. والطراز الذي يمثل ذلك الشغل هو تاج العمود الثيودوسي أو تاج الأكانثوس السنط)، حيث تبرز الورقة باهتة اللون من فوق خلفية سوداء عميقة التثقيب. ثم عاد الشغل المخرم فخلف الشغل


غير أن القسطنطينية نفسها كانت تفضل أن تجد في المزيج الفني الذي بين ديها شدى هللينستيا أقوى. وهناك سفر مزامير يرجع إلى القرن العاشر موجود المكتبة الأهلية (٢٢) بباريس ويكاد يعود هو وسفر مزامير باسيليوس الثاني بالبندقية (٢٢) إلى النزعات الهللينستية التي رانت فى القرن الخامس. ولعلهما مقتبسان عن مشق اسكندرانى قديم. وليس هناك من شيء يدل على أثر الكنيسة إلا قدر معين من الوضوح وعدم الالتواء في الإنشاء. ثم إن التقويم الكنسي الشهير المحفوظ بالفاتيكان (٢٤) والذي تم وضعه في عهد باسيليوس الثاني يتجلى فيه اختلاط الأصول والمصادر أكثر من هذا قليلاً . وهو اختلاط أوتى نجاحا أكثر، وإن أفسد تأثيره الحسن وجود قدر معين من الرتابة في الصور. وفيه يقف الشخص الرئيسي بارزا كما يكون نويا في بعض الأحيان، ومن ورائه خلفية بسيطة من فن العمارة العادي أو منظر عام للطبيعة . والرسم بسيط ولكنه رشيق وقوى التأثير؛ والتلوين دسم ولكنه مدرج. وكل صورة محوطة بإطار له حواف أنيقة من مختلف الرسوم. وفي الإمكان رؤية نفس المزيج الفني (synthesis) على صفحة الفسيفساء، وذلك بكنيسة نياموني بجزيرة خيوس، كما يُشاهد على صورة أكمل بكنيسة دافنى بأتيكا، وكلا المبنيين من القرن الحادي عشر. وكلاهما يعوزه ما في فسيفساءات كنيسة لوقا المقدس من قوة ووجدان؛ وفي كتيسة دافني تبدو أجسام القديسين الذاوية ووجوههم الشفيقة الرقيقة أرشق وأرشق وأضعف وأضعف بالموازنة إلى المسيح القاهر الشاخص بالقبة، حيث أطلق أحد المقتدرين من فناني الأديرة العنان لفكرته عن عظمة الله الرهيبة، دون أية مراعاة لذوق


القسطنطينية.


وتواصل تأثير المؤثرات الهللينستية إبان القرن الثاني عشر؛ ولكن ذلك تم على حساب القوة والوحدة. فإن الفسيفساءات التي نفذها لعمانوئيل الفنانون اليونانيون بكنيسة الميلاد ببيت لحم من النوع الزخرفى ولكنها ضعيفة؛ أما تلك التي صنعها أساتذة الفن من البيزنطيين لحكام صقلية النورمان فهي عظيمة في دسامتها الجامدة التامة المواجهة بل أخذت تتثنى فى أوضاع رشيقة وعاد من المنظور إلى الصورة مرة أخرى، ولكن تلك الروح الهللينستية الحديثة (Neo- Hellenism) ازدادت ثراء بما أضيف إليها من نماذج الشرق من الطواويس إلى أوراق الشجر المجدولة، ولم يبق من هذا الفن العلماني شيء يستحق الذكر، فنحن لا نعرفه إلا عن طريق الأوصاف، مثل أوصاف القاعات التي شادها ثيوفيلوس وزينها في القصر الكبير (٢١) . أو أوصاف فسيفساء الغرفة الكبرى لديجينيس أكريتاس - وإن شيدت تلك الغرفة بعد انتهاء حقبة تحطيم الصور - كما نعرفه أيضا في صور موسى وشمشون وقد زج بها إلى جوار صور أخيل أو الإسكندر (۳۰). ولعل مخطوطة الصيد والقنص (Cynegetica) الأوبيان المحفوظة بالبندقية تعطينا فكرة لا بأس بها عن هذا الطراز العلماني، وهنا تكاد الموضوعات تكون مشابهة لتلك التي دونت عن قاعة ديجينيس، كما يزيدها بهاء مناظر الصيد مرسومة فى حليات زخرفية مستديرة (medallions).


وكانت نتيجة انتصار عبادة «الصور» إعادة الدين إلى حظيرة الفن. بيد أن رعاة الفنون ولا سيما في القسطنطينية كانوا يميلون إذ ذاك إلى الطراز الهللينستي الحديث. ومن ثم وجب على المصورين الدينيين أن يكيفوا أنفسهم وفق جمهور هللينستي النزعة، مثلما كيف المصورون الهلينستيون أنفسهم قبل ذلك بأربعة قرون وفق جمهور ديني. وأوتى ذلك المزيج الفنى (Synthesis) نجاحاً عجيبا . وكان القرنان العاشر والحادي عشر أبدع فترة لفن التصوير البيزنطي، مثلما كانا أعلى أيام النحت البيزنطي كعبا . ولا يزال في الإمكان التعرف على العنصرين الهللينستي والآرامي ولكنهما تقاربا جدا. ويتجلى في المصورين الدينيين من أمثال الفنانين الذين زخرفوا كنيسة القديس لوقا بولاية فوكيس، تلك الكنيسة المقامة في أخريات القرن العاشر يتجلى فيهم حمية القرون الباكرة وشدتها ، ويتصف الرسم والتلوين بنفس الجرأة والقوة ولكن زالت منهما الفجاجة القديمة. فإن الأوضاع تختلف كما أن الجمود القديم تحول إلى مهابة .. ومن الكتب التي من نفس الطراز سفر المزامير المحفوظ بالمتحف البريطاني والذي أتمه في ١٠٦٦ ثيودور من قيصرية (۲۱). والشخوص هنا جيدة الرسم


وكان لحركة تحطيم الصور في القرن الثامن أثر أعمق أو يكاد على فن التصوير. وكان الأمر من الناحية الفنية كفاحا بين الطابعين الآرامي والإيراني مع تدخل الطابع الهلينستي بينهما وخروجه من الأمر منتصرا عليهما جميعا، و لكن مع حصوله على العظم الفائدة من كل من الخصمين. وكان المرسوم الذي يحظر عبادة الأيقونات معناه أن من التمثيل التشكيلي الديني فقد كل رعاية علمانية كان يلقاها وأصبح ملكا خفياً بواريه عن الأنظار الرهبان المضطهدون فكأنه قد قضى عليه والحالة هذه ألا يكون حظه من النجاح إلا قليلاً . وشجعت السلطات الإمبراطورية بدلاً منه فنا قائما على النماذج قوامه الأشكال الهندسية، فضلاً عن تلك التصميمات الانسيابية السيالة للطيور والأوراق التي كانت تبهج فؤاد الإيراني والأرمني. بيد أنه لم يكن في الإمكان القضاء على تصوير الأشخاص؛ وكل ما في الأمر أنه اصطبغ بالصباغ العلماني. وطور الفنانون زخارفهم من الطيور والحيوانات والأشجار وحولوها إلى مناظر صيد اعتبرها أباطرة تحطيم الصور غير الأتقياء زخارف صالحة لتزيين الكنائس. بيد أن البيزنطي كان شرقيًا بقدر جعله يعشق القصص. فإن لم يجز له أن يروى أقاصيص دينية، ولم بجز له أن يرسم المسيح على الصليب أو القديسين وهم في انتظار الاستشهاد، فإنه انقلب راجعا إلى المصدر الآخر للأساطير لديه وهو الرطازات (الميثولوجيا) الكلاسيكية ، وجلب القرن التاسع معه نهضة كلاسيكية قوبلت في مضمار الفن باشتياق. ولكن لم يكن بد من أن تخرج إلى النور جميع النظريات الهللينستية القديمة عن التصوير. فلم تعد أشكال الأشخاص تصور بعد ذلك وهي واقفة تلك الوقفة


الطوبوغرافي المسيحى فوزمة الملاح الهندى والتاجر الأخلاقي النزعة، وقد نقلت كلها في الراجح عن أصل سطر فى القرن السادس - وردت فيها صور الموضوعات غير الدينية بطريقة كلاسيكية، على حين أن الصور الدينية لها طابع شرقى قوى (٢٥)، بل الواقع الذي لا شك فيه أن التحلية بالصور الدينية قد غلبت عليها آنذاك تماما الروح الشرقية، وغالبا ما كانت الثمار التي ظهر إنتاجها فاخرة ممتازة، فإن لكل من الإنجيل (٢٦) المحفوظ في روسانو وسفر التكوين (۲۷) الموجود بمدينة فينا خلفية من اللون الأرجواني الخالص، كما أن حروف الأخير كتبت بمداد من خالص الفضة، وغالبا ما كانت النماذج الزخرفية رقيقة وفخمة وفاخرة. بيد أن تصوير الشخوص كان فجيجا وقبيحاً غليظا ؛ وكان الرسم المنظور الرأسى يستخدم عادة بغير نجاح في تصوير الخلفيات.


وهكذا بلغ فن التصوير البيزنطى فى القرن السادس مرحلة قلقة في تكوينه وتركيبه الذي أصبح فيه العنصر الغالب هو العنصر الشرقي. وفي القرن السابع أحدثت الفتوح العربية انقلابًا، فاقتطعت الولايات السامية من جسد الإمبراطورية. بينما زادت التأثيرات الأرمنية نموا وقوة. وفى نفس الحين، وجد المسلمون وهم على ما هم عليه من كراهية لفن تمثيل الأجسام بالصور، وجدوا بإيران أثناء تقدمهم شرقا، فنا زخرفيا يناسبهم بصورة رائعة. فاتخذوه لأنفسهم قنية وبعثوا فيه من روحهم حياة. ومن ثم صار الفن الآرامي بما فيه من صور أشخاص صماء حادة . الملك الخالص الوحيد لرهبان بيزنطة. وكان القرن السابع من شدة الاكتظاظ بالأحداث بحيث لم ينتج ثمارا فنية كثيرة. والمجاميع الهامة الوحيدة من الفسيفساء قد أُقيمت بالبلاد الإسلامية بقبة الصخرة ببيت المقدس وبفناء المسجد الأموي بدمشق. وقد استخدم الخلفاء الأوائل


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

ضربة موجعة ومؤل...

ضربة موجعة ومؤلمة تلقتها القيادات العليا لميليشيا الحوثي عقب صدور بيان رسمي حاسم ادخل الفرح والسرور ...

أعادت وفاة طفل ...

أعادت وفاة طفل في منطقة الصباحة بالعاصمة المختطفة صنعاء، إثر إصابته بداء الكلب بعد تعرضه لعضة كلب شا...

العَقيدةُ والإي...

العَقيدةُ والإيمانُ والتَّوحيدُ: هي في الجُملةِ ألفاظٌ مُتقارِبةٌ عند أهل السُّنَّةِ، إلَّا أنَّهم ق...

كلُّ شخصٍ يرى غ...

كلُّ شخصٍ يرى غيرَه ينتمي إلى فرقةٍ ضالّةٍ و الفئة باغية بس في الحقيقة هو الذي ينتمي إلى هذه الفئة ل...

لما كانت الفكرة...

لما كانت الفكرة النظامية تتخطى الأركان الموضوعية للشركة وتنظر اليها كمجموعة أجهزة متعددة تتكامل وظائ...

شنّ الصحفي وائل...

شنّ الصحفي وائل البدري هجومًا لاذعًا على الرئيس السابق لجهاز الأمن القومي، علي حسن الأحمدي، متهمًا إ...

استقبل رئيس مجل...

استقبل رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، اليوم الخميس، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ا...

المبحث الأول: م...

المبحث الأول: مفهوم القيادة والقيادة النسوية تمهيد: تعد القيادة الركيزة الأساسية التي تستند إليها ال...

Statistics will...

Statistics will be essential for my future career in medicine because they help doctors make decisio...

تساهم المنصات ا...

تساهم المنصات الرقمية المدعمة بالذكاء الاصطناعي في رفع مستوى طموح الطالبات من خلال التفاعل المستمر، ...

أثار تأخر صرف م...

أثار تأخر صرف مرتبات منتسبي اللواء الثاني مشاة بحري بمنطقة بالحاف موجة استياء وغضب واسعة في أوساط ال...

أكد رئيس حلف قب...

أكد رئيس حلف قبائل دهم في محافظة الجوف "الشيخ عبد الرحمن مرعي"، (الخميس)، أن قضية "الشيخ حمد بن فدغم...