Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

Summarize result (88%)

بنية القصيدة العربية عبر القرون : المقاومة والتجريب د. سلمى الخضراء الجيوسي اقترنت الحركة النقدية الحديثة عندنا ، منذ مطلع القرن العشرين ، بالاعتماد على النظرية الأدبية الغربية التي نشأت في القرون الثلاثة السابقة . إلا أن هذه النظرية كانت مبنية على دراسة الأدب الغربي ولم تستطع أن تشمل خصائص الشعر العربي التي تميز بها ، لا سيما خصائص الشكل العربي الموروث . وقد تولى بعض المستشرقين القدماء في الغرب هذا الأمر ، إلا أنهم لم يفهموا الشعرية العربية ولم يكونوا مندفعين إلى الإعتراف بالعبقرية العربية الفائقة التي ملأت الجزيرة العربية شعراً مبدعاً منذ القرن الرابع الميلادي على أقل تقدير ، وقد أطلق المستشرقون على القصيدة العربية صفات سلبية أهمها أن شكل القصيدة شكل رتيب لم يتطور لأن العرب محافظون وعقولهم جامدة فلا يتطورون وقد أخذ هذا عنهم عدد من الكتاب العرب بدءاً بنعيمة ولم تبدأ حركة إعادة النظر بأدوات النقد الحديث في التراث الشعري العربي وخصائصه المتميزة إلا في مطلع السبعينات من هذا القرن . مخلع ، متجزيء تجزؤ العقل العربي نفسه ، خطابي ، عاطفي ، يعاني من رتابة كبيرة مملة بسبب أوزانه وشكله الشعري ذي القافية الواحدة غير أن من يحب الشعر حباً حقيقياً يستطيع أن يرى الجمال في جميع الأشكال الإبداعية ، لأن ذوقه متعدد الأبعاد ، وهو لهذا يحب قصيدة النثر المبدعة بقدر ما يحب قصيدة الشطرين المبدعة . ولا بد لي من أن أذكر هنا أن الوضع ، بالنسبة إلى القصيدة العربية الموزونة ، قد تغير في الغرب كثيراً ، اليوم ، إذ قام عدد وافر من المستعربين من الجيل الجديد ومعهم عدد من النقاد العرب الجدد ، يدرسون تقنيات القصيدة العربية بصفتها تعبيراً عظيما متنوع الميزات عن إبداعات الإنسانية المبكرة . إنهم فريق من الباحثين بشروا بميلاد فترة جديدة في دراسة القصيدة العربية وعددهم يتزايد باستمرار. وهم يعملون بهدوء وثقة وجد بالغ معتمدين أدوات النقد الحديث ، ليكشفوا عن الميزات الشعرية الخاصة في القصيدة العربية، وهي ميزات لم تكتشف حتى اليوم إن تاريخ الهجوم على القصيدة العربية طويل ، وأشد ما يضايق فيه هو ذلك النقد الطائش لشكل الشطرين على أنه رتيب ومضجر . ما الذي كان يعرفه عن القصيدة أولئك المهاجمون ؟ إن القصيدة العربية لم تعط أسرارها قط لأولئك الذين قاربوها بسذاجة نقدية أو سوء ظن وإغراض . لقد تحدثوا عن ثبوت القصيدة العربية في شكلها ذي الشطرين والقافية الموحدة وكأنها لم تتغير منذ الجاهلية إلى اليوم في جميع عناصرها الأخرى : في اللغة، والصورة والموضوع والموقف واللهجة والرؤيا وبقية التقنيات من قصصية عمر بن أبي ربيعة ، إلى رمزية المتصوفة إلى زهريات العباسيين والأندلسيين ! فإذا كانت القصيدة قد مرت بكل تلك التطورات ثم خضعت لصناعة الزخرف والمحسنات اللفظية ثم عادت فاتصلت على أيدي شعراء النهضة الحديثة بالماضي العباسي وما أن استرجعت قواها حتى طاعت لتجارب الرومانسيين والرمزيين والواقعيين في هذا القرن وتعرضت تقنياتها للتغير المتلاحق في كل عنصر من عناصرها ما عدا الشكل ، إن دينامية التغير موجودة في كل فن حي - وهي مقترنة دائماً بعنصر آخر غاية في الأهمية وهو عنصر الإرهاق الجمالي Aesthetic Fatigue . إن الإرهاق الجمالي كان أبداً في الفن والحياة ، فهو ذلك الإحساس بالاكتفاء من تكرار شيء ما من مجموعة الجماليات التي يتعامل معها الإنسان باستمرار. ولعل التمثيل على هذا بأمثلة تبسيطية تنبع من التجربة الجمالية اليومية يفي بالغرض . فنحن جميعنا نعرف ما يصيب الأنغام أو الأغاني التي تشيع مدة من الزمن فلا يسمع الناس سواها تقريباً ثم يهجرونها بعد مدة ـ وكذلك ما يحدث للأزياء والألوان. ويفسر لنا ، جزئياً ، السر الذي يكمن وراء نزعة التغير المستمرة في والثاني هو الإعياء الذي يصيب خصائص المدرسة القائمة بعد تكرار متلاحق ، فتبدأ أدواتها بالتراخي وتتغلب عليها السلبيات الكامنة في المدرسة المعنية مثلاً : كان مجيء الرومانسية ضرورياً للشعر في العشرينات وما بعد كمدرسة مقاومة للمدرسة الكلاسيكية المحدثة ، جاءت لتصحح مثالها . فموضوعية الكلاسيكية المحدثة ، واهتمامها بالحدث والوصف الخارجي ، ثم ذلك التعادل الشديد فيها بين الفكرة والعاطفة والخيال ، أصبحت في النهاية في حاجة إلى ذاتية الرومانسية وخيالها المجنح واهتمامها بالتجربة الداخلية وعاطفتها الغنية لكي يعود الشعر متوهجاً بالحياة . إلا أننا ، مع السنوات ، رأينا كيف أدت وفرة العاطفة في الرومانسية إلى الميوعة العاطفية والأحزان الهروبية ، وكيف أدى التمادي في الخيال إلى الحشو والترهل إذ تتلاحق النعوت وتتكرر التعابير وتترادف المعاني في الخطاب الرومانسي مشيرة إلى إرهاق داخلي أصاب أدوات الفن فشعث سيطرة الشاعر عليها وحتم تغييرها . ونفس الشيء يحدث للمدارس جميعها فلماذا لم يصب الإرهاق بنوعيه الجمالي والتقني شكل الشطرين ، وكيف تجنب هذا الشكل الوصول لمدة خمسة عشر قرناً لم يفكر أي عربي في الشعر إلا على أنه شعر الشطرين والقافية الموحدة . وقد اقتصرت المحاولات الأولى لإحداث تغيير في نموذج الشكل على التلاعب بالقافية مما ينتج عنه المزدوج والمخمس والمسمط الخ ، ولشدة اعتزاز العرب بشعرهم أما الموشح فأمره مختلف - ذلك أنه في رأيي ، لم يكن قط تعبيراً عن ثورة شعرية ، بل كان محاولة ناجحة قام بها بعض الشعراء الشعبيين لكتابة أغان توافق ألحاناً معروفة في زمنها ، لعلها في الغالب الحان غير عربية الأصل . غير أن هذه قضية أصبحت معقدة جداً اليوم ، على بساطتها في نظري ، بسبب تدخل باحثين عرب وغير عرب في هذا الموضوع والاختلاف الشديد الذي ينتج عن ذلك . ولعل عدداً منهم يصر على أنها كانت ثورة شعرية للخروج على نظام الشطرين . إلا أن الثورات التي تنزع إلى التحرر لا تختار، عادة ، أشكالاً أكثر تعقيداً وأقسى شروطاً من النماذج التي نود التحرر منها . في العصر الحديث ، بدأت أيضاً محاولات كثيرة لتحرير الشكل الشعري وكانت كلها في البدء تستهدف القافية إما بتنويعها أو بالغائها كلياً في ما سماه الشعراء التجريبيون وقتها بالشعر المرسل . قام بهذه المحاولة الزهاوي وعبد الرحمن شكري ومحمد فريد أبو حديد وأحمد زكي أبو شادي . كما قام الأخير بمحاولة مزج البحور الشعرية العربية في القصيدة الواحدة ، غير أن كتابة الشعر المقطعي بقواف متراوحة أو محاولة كتابة الشعر المرسل مع الإبقاء على شكل الشطرين لم تفعل شيئاً نحو تحرير الشكل . نتائج سمعية : إيقاعية وموسيقية من جهة ، ونتائج أسلوبية من جهة أخرى . إن محاولة الكشف عن سر هذه المناعة في وزن الشطرين هو عمل النقد الإيجابي ، ولا شك أنها تعود إلى أسباب جمالية متداخلة في بنية القصيدة ولا علاقة لها فيما يزعمون من جمود العقل العربي وعجزه عن التغير ما أريد أن أتحدث عنه فيما يتعلق بشكل الشطرين هو أولاً قضية الرتابة المزعومة وثانياً مناعته إزاء التغير عبر أكثر من خمسة عشر قرناً ، عليها أخيراً إن لهذا الشكل منحيين رئيسيين متناقضين : الأول بساطته وليونته ، تلك المرونة الكاملة فيه التي تسمح للشاعر المجيد بالكثير من الحرية : بتلوين اللهجة ، وتراوح الإلقاء وتنويع الإيقاع والتوقيت ، وكذلك المزاج والموضوع ، دون أية تضحية بجلال أي بين الصدر والعجز ، التي لم يستطع شعراء الشطرين أن يتفلتوا منها ، فبيت القصيدة المنقسم إلى شطرين متساويين تقريباً يفرض على الشاعر وقفاً إجبارياً في نهايته أي البيت ووقفاً إختيارياً ولكن كثير الوقوع في نهاية الصدر . أما الصفة المعيقة الأخرى فإنها تنبع من النماذج الأسلوبية داخل القصيدة ، وهي نماذج نشأت من طبيعة هذه التقسيمات المفروضة على البيت الشعري الواحد جرتها إليها تحديدات الوقف هذه . وهكذا ، الأول يتصف بالحرية والسيطرة ، والثاني يتصف بالمحدودية والمقاومة . غير أن هذين العنصرين المتناقضين يعملان معاً رغم تضاربهما لكي يؤكدا سيطرة الشكل على الشعر وعلى الحساسية الشعرية عند العرب . هيمنة الشاعر وإذعان قدرته على الاختراع واضطراره إلى الإلتزام بقوانين غير مكتوبة . وقد كانت النسبة بين هذه العناصر المتضاربة عند الشاعر الواحد هي التي تحدد إن كان هذا الشاعر سيد شعره أم عبده ، سواه . كان المنحى الإيجابي في هذا الشكل ، يعطي مجالاً لا مثيل له للتلاعب بالإيقاع ، حتى إنه كان يبدو مكتفياً بذاته . وقد ملأه الصوفيون بالدعاء والمناجاة ، والرومانسيون بالمرح والأحزان ، والقوميون بالصلابة والعاطفة المشبوبة ، وطاع الشعر لهم جميعاً . وفي العصر الحديث ، يبرز شاعر كسعيد عقل ، يقف مبشراً بانجيل الرمزيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر وينتقد بقوة شعر العرب القدماء ، ومع ذلك فإنه لا يكتب شعره التجريبي إلا في شكل الشطرين الذي برهن مرة أخرى بين يديه على غناه ومرونته وبساطته وقدرته على التنوع إن للإيقاع في هذا الشكل إمكانات غنية غنى مذهلاً ، إذ ينبع هذا الإيقاع من ثمانين وزناً وأكثر هي البحور الستة عشر وتفرعاتها - هنا كان أمام الشاعر مجال لا يضاهي للتجريب في الإيقاع ومناوراته . والغريب أن هذا الغنى الإيقاعي الذي لم يحفل بمثله أي شعر أعرفه أو أعرف عنه ، لم يلفت نظر أي من أولئك الذين هاجموا الشكل الشعري فهل يؤدي هذا الشكل بالفعل إلى الرتابة ؟ إن الجواب عن هذا متعدد الجوانب . أولاً : إن كل شكل قد يؤدي إلى الرتابة في أيدي الشاعر الضعيف . في الخمسينات أذكر هذا جيداً ، هاجم شعراء الشكل الحر شكل الشطرين بحجة أنه ينضوي على رتابة مملة . غير أنه قبل أن تنقضي الخمسينات كان الشعر الحر قد دخل في رتابة واضحة مرهقة للسماع ، واحتاج شعراؤه بعد ذلك إلى إجراء تجارب كثيرة في الشكل الجديد حتى يتجنبوا الرتابة الكامنة فيه ثانياً : إن الشاعر المجيد قادر بمحض الغريزة الفنية أن يتغلب على مزالق الشكل الذي يكتب فيه ، التي يلجأ إليها الشاعر ، غريزياً ، لكي يتجنب الوقوع في سلبيات الشكل المعين . فما هي الوسائل التي لجأ إليها الشاعر العربي لكي يتجنب مزالق الرتابة في شكل الشطرين ؟ لو تأملنا القصائد العربية الشهيرة واستعنا في تأملها بقراءتها عالياً ، وجدنا ، دون استثناء ، أنها قد بنيت على دورات أو موجات تضم الواحدة عدداً من الأبيات تقل أو تكثر حسب حاجة المعنى إلى الاستيفاء ويكون المعنى داخل الدورة أو الموجة متكاملاً إلى حد كبير ولو أنه اتصل اتصالاً وثيقاً بالمعنى العام في القصيدة أو في الجزء المعين من القصيدة. ومع المعنى يجيء الإيقاع ، والعاطفة ، والصورة جميعها متكاملة داخل الدورة الواحدة . هذه العناصر تنمى داخل الدورة تدريجياً بحيث تصل عادة إلى ذروتها القصوى في نهاية الدورة . ويلاحظ الدارس أن هذه الخاصية تزداد حدة في الشعر المنبري أي الشعر الذي كتبه الشاعر ليلقيه من على المنبر . ونحن الآن في مهرجان للشعر وبالإمكان مراقبة هذا عن كتب ، يفرغها الشاعر لا في المعنى وحده ولكن أيضاً في نبرة صوته أثناء الإلقاء . وأظن أن هذا مألوف عند الجميع ، وكثيراً ما يحدث أن يكون رد الفعل هتافاً أو تصفيقاً إن هذه الدورات المعنوية المتكاملة بعناصرها واضحة في القصائد العربية التي تعلمناها من الصغر - ولو قرأنا قصيدة المتنبي ( واحر قلباه » أو قصيدة ابن زيدون أضحى التنائي ) اتضحت لنا هذه التقنية البارعة التي أتبعها الشاعر العربي غريزياً فتلافي بها إمكان الرتابة الكامنة في هذا الشكل . إن المراقب سوف يرى أن الشاعر ، بين هدوء وحرارة ، بين مد وجزر ، بين فيضان وانحسار ، يحافظ على حدود الموجة المعنوية العاطفية في تدفقها وانسجامها الدائمين ويكتب أفكاره وعواطفه وصوره وكلماته لتتناسب تماماً مع هذا التدفق والانحسار في الدورة الواحدة مناعة الشكل إن بناء القصيدة على هذه التقنية الدقيقة يعطيها نبضاً وحركة وإثارة . ولكنه لا يفسر لنا سر ثبوت الشكل الشعري ذي الشطرين كل هذه القرون الطويلة . غير أن السر إن محاولات التحرر الأولى للقصيدة الموروثة ، كما ذكرت، ركزت على القافية ، ولم تنجح أي من التجارب المتلاحقة في تنويع القافية أو الاستغناء عنها في تحرير الشكل الشطري ، لأن القصيدة في جميع هذه المحاولات بقيت قصيدة ذات شطرين متكافئين متوازنين . والدارس التاريخ هذه المحاولات سيدرك أنه ما دام الشاعر سيحتفظ بصفة التعادل والتوازن في القصيدة فإنه لن يستطيع التوصل إلى أي تحرير في الشكل . إن أولاً : الوقف بنوعيه : الوقف الاختياري في نهاية الصدر والوقف الإجباري في أهم خصائص شكل الشطرين فيما يتعلق بموضوعنا هي : نهاية البيت ثانياً : علاقة شطري البيت الواحد بالآخر ثالثاً : ما ترتب عن هذا من تقسيمات أسلوبية داخل البيت رابعاً : ما ترتب عن هذا من تقسيمات إيقاعية استقرت في الذاكرة العربية قروناً طويلة . الكثير الوقوع في آخر الصدر أي في وسط البيت لا بد أثر كثيراً في صياغة المعنى وتقسيم الكلام داخل البيت ، ومع تقسيم الكلام يجيء تقسيم الأفكار أيضاً وترتيبها . فإن من البديهي أن الأشكال الشعرية تفرض على الشاعر نوعاً من ترتيب الكلام والتحديد الجريان الألفاظ يتلاءم مع حدودها هي فالوقف في نهاية البيت معناه أن الكلام ينقطع بصرامة عادة مع نهاية هذا البيت ، وترن القافية مؤذنة بانتهائه . مكتفية بذاتها إعرابياً أما الوقف في وسط البيت فإنه يعني هذا في جميع الأحوال : هو أن الكلمة الأخيرة هذا الوقف الذي غلب على شعر الشطرين ينتج عنه أولاً تقسيم موسيقي شكلي للكلام وثانياً تقسيم الكلام في أمثلة كثيرة إلى جملتين أو جمل متكافئة أو إلى فعل الشرط وجوابه وهو تقسيم أسلوبي له علاقة حميمة بتركيب العبارة العربية في الشعر وبالتالي بالتعبير عن المعاني وأسلوب عرضها . إذاً ،


Original text

بنية القصيدة العربية عبر القرون : المقاومة والتجريب


د. سلمى الخضراء الجيوسي


اقترنت الحركة النقدية الحديثة عندنا ، منذ مطلع القرن العشرين ، بالاعتماد على


النظرية الأدبية الغربية التي نشأت في القرون الثلاثة السابقة . إلا أن هذه النظرية كانت


مبنية على دراسة الأدب الغربي ولم تستطع أن تشمل خصائص الشعر العربي التي تميز بها ،


لا سيما خصائص الشكل العربي الموروث . وقد تولى بعض المستشرقين القدماء في الغرب


هذا الأمر ، إلا أنهم لم يفهموا الشعرية العربية ولم يكونوا مندفعين إلى الإعتراف بالعبقرية العربية الفائقة التي ملأت الجزيرة العربية شعراً مبدعاً منذ القرن الرابع الميلادي على أقل تقدير ، ومثلت الإشعاع الشعري الإبداعي غربي بلاد الهند خلال القسم الأول من العصور الوسطى . وقد أطلق المستشرقون على القصيدة العربية صفات سلبية أهمها أن شكل القصيدة شكل رتيب لم يتطور لأن العرب محافظون وعقولهم جامدة فلا يتطورون وقد أخذ هذا عنهم عدد من الكتاب العرب بدءاً بنعيمة ولم تبدأ حركة إعادة النظر بأدوات النقد الحديث في التراث الشعري العربي وخصائصه المتميزة إلا في مطلع السبعينات من هذا القرن . غير أن الفترة الزمنية الطويلة قبل ذلك التي اتصفت بالأخذ الممعن من النظرية النقدية الغربية وبالهجوم الممعن على ما ظنه بعض الكتاب سلبيات الشعر القديم كانت قد أوجدت نوعاً من عدم الإعتبار لهذا الشعر ، فهو شعر أبيات لا شعر قصائد ، مخلع ، متجزيء تجزؤ العقل العربي نفسه ، خطابي ، عاطفي ، يعاني من رتابة كبيرة مملة بسبب أوزانه وشكله الشعري ذي القافية الواحدة


غير أن من يحب الشعر حباً حقيقياً يستطيع أن يرى الجمال في جميع الأشكال الإبداعية ، لأن ذوقه متعدد الأبعاد ، وعقله نشيط ومنفتح على كل تعبير جميل ، يأسره الشعر الجيد في أية لغة وفي أي شكل . وهو لهذا يحب قصيدة النثر المبدعة بقدر ما يحب قصيدة الشطرين المبدعة .


ولا بد لي من أن أذكر هنا أن الوضع ، بالنسبة إلى القصيدة العربية الموزونة ، قد تغير في الغرب كثيراً ، اليوم ، إذ قام عدد وافر من المستعربين من الجيل الجديد ومعهم عدد من النقاد العرب الجدد ، يدرسون تقنيات القصيدة العربية بصفتها تعبيراً عظيما متنوع الميزات عن إبداعات الإنسانية المبكرة . إنهم فريق من الباحثين بشروا بميلاد فترة جديدة في دراسة القصيدة العربية وعددهم يتزايد باستمرار. وهم يعملون بهدوء وثقة وجد بالغ معتمدين أدوات النقد الحديث ، ليكشفوا عن الميزات الشعرية الخاصة في القصيدة


العربية، وهي ميزات لم تكتشف حتى اليوم إن تاريخ الهجوم على القصيدة العربية طويل ، وأشد ما يضايق فيه هو ذلك النقد الطائش لشكل الشطرين على أنه رتيب ومضجر . ما الذي كان يعرفه عن القصيدة أولئك المهاجمون ؟ إن القصيدة العربية لم تعط أسرارها قط لأولئك الذين قاربوها بسذاجة نقدية أو سوء ظن وإغراض . لقد تحدثوا عن ثبوت القصيدة العربية في شكلها ذي الشطرين والقافية الموحدة وكأنها لم تتغير منذ الجاهلية إلى اليوم في جميع عناصرها الأخرى : في اللغة، والصورة والموضوع والموقف واللهجة والرؤيا وبقية التقنيات من قصصية عمر بن أبي ربيعة ، إلى رمزية المتصوفة إلى زهريات العباسيين والأندلسيين ! فإذا كانت القصيدة قد مرت بكل تلك التطورات ثم خضعت لصناعة الزخرف والمحسنات اللفظية ثم عادت فاتصلت على أيدي شعراء النهضة الحديثة بالماضي العباسي وما أن استرجعت قواها حتى طاعت لتجارب الرومانسيين والرمزيين والواقعيين في هذا القرن وتعرضت تقنياتها للتغير المتلاحق في كل عنصر من عناصرها ما عدا الشكل ، فلا بد أن يكون في الشكل الموروث


مناعة فنية تقنية هي التي منعت عنه التغير الطبيعي المحتوم


إن دينامية التغير موجودة في كل فن حي - وهي مقترنة دائماً بعنصر آخر غاية في الأهمية وهو عنصر الإرهاق الجمالي Aesthetic Fatigue . إن الإرهاق الجمالي كان أبداً في الفن والحياة ، فهو ذلك الإحساس بالاكتفاء من تكرار شيء ما من مجموعة الجماليات التي يتعامل معها الإنسان باستمرار. ولعل التمثيل على هذا بأمثلة تبسيطية تنبع من التجربة الجمالية اليومية يفي بالغرض . فنحن جميعنا نعرف ما يصيب الأنغام أو الأغاني التي تشيع مدة من الزمن فلا يسمع الناس سواها تقريباً ثم يهجرونها بعد مدة ـ وكذلك ما يحدث للأزياء والألوان. إن نفس الإحساس بالاكتفاء والتعب بعد تكرار معين يلحق بالتعابير الأرقى في اللغة ، ويفسر لنا ، جزئياً ، السر الذي يكمن وراء نزعة التغير المستمرة في


الفن - وقيام المدارس المستمرة الواحدة بعد الأخرى
غير أن الفن الأرقى يصاب بنوعين من الإرهاق قبل أن يستدعي تغيير أدواته الأول : هو هذا الإرهاق الجمالي الذي يصيب المتلقي والمؤلف معاً من كثرة التكرار ، والثاني هو الإعياء الذي يصيب خصائص المدرسة القائمة بعد تكرار متلاحق ، فتبدأ


أدواتها بالتراخي وتتغلب عليها السلبيات الكامنة في المدرسة المعنية


مثلاً : كان مجيء الرومانسية ضرورياً للشعر في العشرينات وما بعد كمدرسة مقاومة للمدرسة الكلاسيكية المحدثة ، جاءت لتصحح مثالها . فموضوعية الكلاسيكية المحدثة ، واهتمامها بالحدث والوصف الخارجي ، ثم ذلك التعادل الشديد فيها بين الفكرة والعاطفة والخيال ، أصبحت في النهاية في حاجة إلى ذاتية الرومانسية وخيالها المجنح واهتمامها بالتجربة الداخلية وعاطفتها الغنية لكي يعود الشعر متوهجاً بالحياة . إلا أننا ، مع السنوات ، رأينا كيف أدت وفرة العاطفة في الرومانسية إلى الميوعة العاطفية والأحزان الهروبية ، وكيف أدى التمادي في الخيال إلى الحشو والترهل إذ تتلاحق النعوت وتتكرر التعابير وتترادف المعاني في الخطاب الرومانسي مشيرة إلى إرهاق داخلي أصاب أدوات الفن


فشعث سيطرة الشاعر عليها وحتم تغييرها . ونفس الشيء يحدث للمدارس جميعها فلماذا لم يصب الإرهاق بنوعيه الجمالي والتقني شكل الشطرين ، وما الذي وقف عنيداً في وجه التغير التلقائي وحتى التجريب المقصود ، وكيف تجنب هذا الشكل الوصول


إلى نقطة الإرهاق والكلال ؟


لمدة خمسة عشر قرناً لم يفكر أي عربي في الشعر إلا على أنه شعر الشطرين والقافية الموحدة . وقد اقتصرت المحاولات الأولى لإحداث تغيير في نموذج الشكل على التلاعب بالقافية مما ينتج عنه المزدوج والمخمس والمسمط الخ ، ولشدة اعتزاز العرب بشعرهم


الموروث لم تدع هذه النماذج شعراً بل دعيت بأسمائها الشكلية


أما الموشح فأمره مختلف - ذلك أنه في رأيي ، لم يكن قط تعبيراً عن ثورة شعرية ، بل كان محاولة ناجحة قام بها بعض الشعراء الشعبيين لكتابة أغان توافق ألحاناً معروفة في زمنها ، لعلها في الغالب الحان غير عربية الأصل . غير أن هذه قضية أصبحت معقدة جداً اليوم ، على بساطتها في نظري ، بسبب تدخل باحثين عرب وغير عرب في هذا الموضوع والاختلاف الشديد الذي ينتج عن ذلك . ولعل عدداً منهم يصر على أنها كانت


ثورة شعرية للخروج على نظام الشطرين . إلا أن الثورات التي تنزع إلى التحرر لا تختار، عادة ، أشكالاً أكثر تعقيداً وأقسى شروطاً من النماذج التي نود التحرر منها .


في العصر الحديث ، بدأت أيضاً محاولات كثيرة لتحرير الشكل الشعري وكانت كلها في البدء تستهدف القافية إما بتنويعها أو بالغائها كلياً في ما سماه الشعراء التجريبيون وقتها بالشعر المرسل . قام بهذه المحاولة الزهاوي وعبد الرحمن شكري ومحمد فريد أبو حديد وأحمد زكي أبو شادي . كما قام الأخير بمحاولة مزج البحور الشعرية العربية في


القصيدة الواحدة ، دون نجاح .


غير أن كتابة الشعر المقطعي بقواف متراوحة أو محاولة كتابة الشعر المرسل مع الإبقاء على شكل الشطرين لم تفعل شيئاً نحو تحرير الشكل . لأن قضية الشكل الموروث برهنت على أنها ليست قضية قواف بل قضية تقسيم البيت إلى شطرين متكافئين بعدد معين من التفاعيل - أي تقسيم الكلام الشعري إلى دفقات متوازنة متكافئة ، مع ما يجره هذا من


نتائج سمعية : إيقاعية وموسيقية من جهة ، ونتائج أسلوبية من جهة أخرى .


إن محاولة الكشف عن سر هذه المناعة في وزن الشطرين هو عمل النقد الإيجابي ، ولا شك أنها تعود إلى أسباب جمالية متداخلة في بنية القصيدة ولا علاقة لها فيما يزعمون


من جمود العقل العربي وعجزه عن التغير


ما أريد أن أتحدث عنه فيما يتعلق بشكل الشطرين هو أولاً قضية الرتابة المزعومة


فيه، وثانياً مناعته إزاء التغير عبر أكثر من خمسة عشر قرناً ، أسرارها وأسلوب التغلب


عليها أخيراً


إن لهذا الشكل منحيين رئيسيين متناقضين : الأول بساطته وليونته ، تلك المرونة الكاملة فيه التي تسمح للشاعر المجيد بالكثير من الحرية : بتلوين اللهجة ، وتراوح الإلقاء وتنويع الإيقاع والتوقيت ، وكذلك المزاج والموضوع ، دون أية تضحية بجلال


الشكل وهيبته


أما المنحى المناقض ففيه صفتان تحدان من الحرية : الأولى هي تلك العلاقة العنيدة بين شطري البيت ، أي بين الصدر والعجز ، التي لم يستطع شعراء الشطرين أن يتفلتوا منها ، فبيت القصيدة المنقسم إلى شطرين متساويين تقريباً يفرض على الشاعر وقفاً إجبارياً


في نهايته أي البيت ووقفاً إختيارياً ولكن كثير الوقوع في نهاية الصدر . أما الصفة المعيقة الأخرى فإنها تنبع من النماذج الأسلوبية داخل القصيدة ، وهي نماذج نشأت من طبيعة


هذه التقسيمات المفروضة على البيت الشعري الواحد جرتها إليها تحديدات الوقف هذه .


وهكذا ، فإن عندنا تناقضاً مثيراً يعمل باستمرار في القصيدة ، الأول يتصف
بالحرية والسيطرة ، والثاني يتصف بالمحدودية والمقاومة . غير أن هذين العنصرين المتناقضين يعملان معاً رغم تضاربهما لكي يؤكدا سيطرة الشكل على الشعر وعلى الحساسية الشعرية عند العرب . لقد كان اندماجهما هو اندماج الفعل واللافعل ، هيمنة الشاعر وإذعان قدرته على الاختراع واضطراره إلى الإلتزام بقوانين غير مكتوبة . وقد كانت النسبة بين هذه العناصر المتضاربة عند الشاعر الواحد هي التي تحدد إن كان هذا الشاعر سيد شعره أم عبده ، كما تقرر أصالته وقدرته على الابتكار ، أو سلفيته واعتصامه بأقوال


سواه .


كان المنحى الإيجابي في هذا الشكل ، أي ليونته وبساطته ، يعطي مجالاً لا مثيل له للتلاعب بالإيقاع ، حتى إنه كان يبدو مكتفياً بذاته . وقد ملأه الصوفيون بالدعاء والمناجاة ، والرومانسيون بالمرح والأحزان ، والقوميون بالصلابة والعاطفة المشبوبة ، والرمزيون بالإيماء والإيحاء ، وطاع الشعر لهم جميعاً . وفي العصر الحديث ، يبرز شاعر كسعيد عقل ، يقف مبشراً بانجيل الرمزيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر وينتقد بقوة شعر العرب القدماء ، ومع ذلك فإنه لا يكتب شعره التجريبي إلا في شكل الشطرين


الذي برهن مرة أخرى بين يديه على غناه ومرونته وبساطته وقدرته على التنوع


إن للإيقاع في هذا الشكل إمكانات غنية غنى مذهلاً ، إذ ينبع هذا الإيقاع من ثمانين وزناً وأكثر هي البحور الستة عشر وتفرعاتها - هنا كان أمام الشاعر مجال لا يضاهي للتجريب في الإيقاع ومناوراته . والغريب أن هذا الغنى الإيقاعي الذي لم يحفل بمثله أي شعر أعرفه أو أعرف عنه ، لم يلفت نظر أي من أولئك الذين هاجموا الشكل الشعري


وشعروا بالضجر والتبرم منه ، ولم يجدوا فيه إلا الرتابة والتكرار


فهل يؤدي هذا الشكل بالفعل إلى الرتابة ؟


إن الجواب عن هذا متعدد الجوانب . أولاً : إن كل شكل قد يؤدي إلى الرتابة في


أيدي الشاعر الضعيف . في الخمسينات أذكر هذا جيداً ، هاجم شعراء الشكل الحر شكل الشطرين بحجة أنه ينضوي على رتابة مملة . غير أنه قبل أن تنقضي الخمسينات كان الشعر الحر قد دخل في رتابة واضحة مرهقة للسماع ، واحتاج شعراؤه بعد ذلك إلى إجراء


تجارب كثيرة في الشكل الجديد حتى يتجنبوا الرتابة الكامنة فيه


ثانياً : إن الشاعر المجيد قادر بمحض الغريزة الفنية أن يتغلب على مزالق الشكل الذي يكتب فيه ، إذ لا يمكن أن يكون الفن الأصيل مسطحاً خالياً من الإمكانات التقنية


التي يلجأ إليها الشاعر ، غريزياً ، لكي يتجنب الوقوع في سلبيات الشكل المعين . فما هي الوسائل التي لجأ إليها الشاعر العربي لكي يتجنب مزالق الرتابة في شكل


الشطرين ؟


لو تأملنا القصائد العربية الشهيرة واستعنا في تأملها بقراءتها عالياً ، وجدنا ، دون استثناء ، أنها قد بنيت على دورات أو موجات تضم الواحدة عدداً من الأبيات تقل أو تكثر حسب حاجة المعنى إلى الاستيفاء


ويكون المعنى داخل الدورة أو الموجة متكاملاً إلى حد كبير ولو أنه اتصل اتصالاً وثيقاً بالمعنى العام في القصيدة أو في الجزء المعين من القصيدة. ومع المعنى يجيء الإيقاع ، والعاطفة ، والصورة جميعها متكاملة داخل الدورة الواحدة . هذه العناصر تنمى داخل الدورة تدريجياً بحيث تصل عادة إلى ذروتها القصوى في نهاية الدورة . ويلاحظ الدارس أن هذه الخاصية تزداد حدة في الشعر المنبري أي الشعر الذي كتبه الشاعر ليلقيه من على المنبر . ونحن الآن في مهرجان للشعر وبالإمكان مراقبة هذا عن كتب ، ففي القصيدة المنبرية يكون هذا المعنى عند وصوله إلى نهاية الدورة الواحدة مصحوباً بشحنة عاطفية


يفرغها الشاعر لا في المعنى وحده ولكن أيضاً في نبرة صوته أثناء الإلقاء . وأظن أن هذا مألوف عند الجميع ، وكثيراً ما يحدث أن يكون رد الفعل هتافاً أو تصفيقاً


إن هذه الدورات المعنوية المتكاملة بعناصرها واضحة في القصائد العربية التي تعلمناها من الصغر - ولو قرأنا قصيدة المتنبي ( واحر قلباه » أو قصيدة ابن زيدون أضحى التنائي ) اتضحت لنا هذه التقنية البارعة التي أتبعها الشاعر العربي غريزياً فتلافي بها إمكان الرتابة الكامنة في هذا الشكل . إن المراقب سوف يرى أن الشاعر ، في هذه البنية المتراوحة بين انخفاض وارتفاع ، بين هدوء وحرارة ، بين مد وجزر ، بين فيضان وانحسار ، يحافظ على حدود الموجة المعنوية العاطفية في تدفقها وانسجامها الدائمين ويكتب أفكاره وعواطفه وصوره وكلماته لتتناسب تماماً مع هذا التدفق والانحسار في


الدورة الواحدة


مناعة الشكل


إن بناء القصيدة على هذه التقنية الدقيقة يعطيها نبضاً وحركة وإثارة . ولكنه لا يفسر لنا سر ثبوت الشكل الشعري ذي الشطرين كل هذه القرون الطويلة . غير أن السر


يكمن أيضاً في بنية القصيدة . إن محاولات التحرر الأولى للقصيدة الموروثة ، كما ذكرت، ركزت على القافية ، ولم تنجح أي من التجارب المتلاحقة في تنويع القافية أو الاستغناء عنها في تحرير الشكل الشطري ، لأن القصيدة في جميع هذه المحاولات بقيت قصيدة ذات شطرين متكافئين متوازنين . والدارس التاريخ هذه المحاولات سيدرك أنه ما دام الشاعر سيحتفظ بصفة التعادل والتوازن في القصيدة فإنه لن يستطيع التوصل إلى أي تحرير في الشكل .


إن أولاً : الوقف بنوعيه : الوقف الاختياري في نهاية الصدر والوقف الإجباري في


أهم خصائص شكل الشطرين فيما يتعلق بموضوعنا هي :


نهاية البيت


ثانياً : علاقة شطري البيت الواحد بالآخر


ثالثاً : ما ترتب عن هذا من تقسيمات أسلوبية داخل البيت


رابعاً : ما ترتب عن هذا من تقسيمات إيقاعية استقرت في الذاكرة العربية قروناً طويلة .


ولنبدأ بقضية الوقف : إن الوقف الإجباري في نهاية البيت والوقف الاختياري


الكثير الوقوع في آخر الصدر أي في وسط البيت لا بد أثر كثيراً في صياغة المعنى وتقسيم


الكلام داخل البيت ، ومع تقسيم الكلام يجيء تقسيم الأفكار أيضاً وترتيبها . فإن من


البديهي أن الأشكال الشعرية تفرض على الشاعر نوعاً من ترتيب الكلام والتحديد الجريان


الألفاظ يتلاءم مع حدودها هي


فالوقف في نهاية البيت معناه أن الكلام ينقطع بصرامة عادة مع نهاية هذا البيت ،


وترن القافية مؤذنة بانتهائه . فكأن كل بيت حزمة منفردة من الكلمات ووحدة تكرر نفسها


مكتفية بذاتها إعرابياً


أما الوقف في وسط البيت فإنه يعني هذا في جميع الأحوال : هو أن الكلمة الأخيرة


من الشطر الأول تنتهي بانتهاء التفعلية الأخيرة من هذا الشطر . هذا الوقف الذي غلب


على شعر الشطرين ينتج عنه أولاً تقسيم موسيقي شكلي للكلام وثانياً تقسيم الكلام في


أمثلة كثيرة إلى جملتين أو جمل متكافئة أو إلى فعل الشرط وجوابه وهو تقسيم أسلوبي له


علاقة حميمة بتركيب العبارة العربية في الشعر وبالتالي بالتعبير عن المعاني وأسلوب


عرضها .


إذاً ، فإن الوقف غير الإجباري الكثير الاستعمال في آخر الشطر الأول لعب دوراً مهما في شكل الشعر العربي فأدى به إلى نظام التوازن الشديد وهو نظام أصبح صفة ملازمة لشكل القصيدة العربية القديمة وأدى إلى نتائج موسيقية وجمالية ومعنوية كثيرة . وثانياً في أسلوب الكلام وتقسيم المعاني


وقد برهن هذا الوقف في منتصف البيت على أنه عقبة صلدة في سبيل القيام بأي تغيير جذري في شكل القصيدة العربية ، وكان على الشعراء الحديثين أن يتخطوا هذه العقبة ويزيلوها قبل أن يتمكنوا من بلوغ أي نجاح في تغيير نظام الكلام في الشعر العربي. كيف تم تقسيم الكلام داخل البيت ؟ من بين النقاد القدماء بحث ثعلب هذا الأمر في كتابه ( قواعد الشعر ( في القرن الثالث الهجري دون أن يتحدث عن الأسلوبية الشعرية غير أن انقسام البيت الشعري هذا الانقسام المتوازن قد أوجد نماذج أسلوبية تلقنها الشاعر العربي تلقائياً من صغره فأصبحت طبيعة عنده . إلا أنه لا بد من الإصرار هنا على أن الشاعر كثيراً ما كان يخترق قاعدة هذه النماذج إذ أن الإبداع لا يقيد إلى الأبد . غير أن هذه النماذج التي سأذكرها باختصار شديد كانت دائما هي الغالبة . والشاعر يستنبطها من صغره ويلجأ إليها كثيراً ولو اخترقها أحياناً . إن أهم تقسيمات الأسلوب في هذا الشكل هي :


أولاً : عندما يكون الصدر جملة كاملة . وثانياً عندما يكون الصدر مشتركاً إعرابياً


مع العجز .


أن والنوع الأول عندما يكون الصدر مكتملاً مستقلاً يجيء العجز فيه على عدة أنواع . فقد يكون العجز أيضاً مكتملاً إعرابياً ومستقلاً عن الصدر ، وهو النوع الذي يفضله ثعلب ويسميه ( المعدل ) . إلا أنه نادر في الشعر فلا يرد في معلقة زهير إلا مرتين مع الأبيات الحكمية تسمح به أكثر من سواه . ولست أتفق مع الناقد القديم في أنه أعدل الشعر وإنما يدلنا قوله على رؤيا النقد للشعر في القرن الثالث الهجري


غير أن النموذج الغالب في هذا الباب هو عندما يجيء العجز جملة كاملة ولكنها تعتمد معنوياً على الصدر ، فهي جملة تترتب عن معنى الكلام في الصدر ، فتضيف إلى هذا المعنى ، أو تضيئه أو تؤكده ، أو تصفه


وقد يجيء العجز محتوياً على جملة ظرفية أو على جار ومجرور أو على جملة تشبيهية تبدأ بكأن وقد لا يكون جملة كاملة بل عبارة وصفية أو ظرفية تضيف إلى المعنى وتفسره أو


تؤكده


وعندما يشترك الشطران إعرابياً فإن الاستعمال قد أوجد نماذج لهذا أيضاً فكثيراً ما يجيء الشطر الأول عبارة عن فعل الشرط وما يلحق به والشطر الثاني عبارة عن جواب الشرط وما يلحق به . غير أن ثمة نماذج أخرى كثيرة إلا أن سردها هكذا متعب للمستمعين


ويكفي أن أقول إن بنية الشعر على نظام الشطرين قد أوجدت أساليب راسخة في الشعر الموروث أصبحت طبيعية لدى الشاعر ، وكان على الشاعر الحديث أن يتخطى هذه الطبيعة التي انغرست فيه منذ صغره لكي يستطيع أن يتحول إلى شاعر حر . هذا يعني أنه كان عليه أن يجد طريقة يتخطى بها نظام الوقف الصلد وقانون التوازن والتكافؤ في


البيت الشعري


وفي الوقت نفسه كان شعر الشطرين بوقفتيه وتوازنه الشديد قد أوجد نظاماً موسيقياً إيقاعياً متوازناً انغرس هو أيضاً في ضمير الشاعر . وكان على هذا الشاعر أن ينفلت من أسر هذا الإيقاع والموسيقى الموروثة المتوازنة حتى يستطيع أن يتقبل الإيقاعات المغايرة الجديدة التي وفرها الشعر الحر . ولم يكن ذلك هيناً . ونحن نعرف ( ولا شك أن بعضنا يذكر أيضاً ( عذاب الشاعر الذي نشأ كلياً على النظام الموسيقي الشعري القديم يوم واجه ذلك السيل الدافق من تجارب الشعر الحر في الخمسينات ، ورفضه النهائي للتجربة الجديدة . لقد كان يرفض ما كان اختراقاً لنظام هندسي في الشكل ولنظام متوازن في


الإيقاع نشأ عليه واعتاد أن يحبه .


ولم يحدث أي تغير مهم في شكل القصيدة حتى اكتشف الشعراء طريقة يكسرون بها القاعدة الأساسية في هذا التوازن والتماثل ، ويزيلون صفة الاكتفاء الذاتي في البيت الشعري ذي الشطرين ويتغلبون على أسلوب ترتيب الجمل داخل البيت . وكانت حركة الشعر الحر نتيجة هذا البحث المستمر . إن سر التحرر في شكل الشعر الحر لا يكمن فقط في التحرر من الالتزام بعدد ثابت من التفاعيل في البيت الواحد ، بل أيضاً في التحرر من


الوقفتين ومن قانون التوازن والتماثل في شكل الشطرين القديم .


كانت العقود الأولى من القرن العشرين مسرحاً للتجريب المتلاحق في الشكل ، لا سيما بعد العقد الثاني ، وقد جرى تجريب كثير في مصر والعراق بشكل خاص . إلا أن التجربة الجادة الواعية الأولى في تحرير الشكل الشعري كانت تجربة علي أحمد باكثير فقد قام
سنة ١٩٣٦ بترجمة فصل من مسرحية روميو وجولييت لشكسبير بناها لا على وحدة البيت الشعري بل على الجملة الكاملة التي يمكن أن يمتد معناها فيشمل بيتين أو ثلاثة يتيح للقارىء القراءة دون توقف حتى ينتهي المعنى في الجملة . وقد كانت هذه التجربة حرة كذلك لأنها لم تلتزم بعدد معين من التفعيلات . غير أن ما أساء إليها هو انتقال الشاعر المفاجيء من وزن إلى وزن - غير أنه تلافى ذلك سنة ١٩٤٣ في مسرحية أخرى هي السماء واخناتون ونفرتيتي ، بناها على بحر المتدارك وحده . وقد كان من اكتشافه أيضاً أن البحور التي تسمح بهذا هي البحور المفردة التي تقوم على تكرار تفعيلة واحدة . ولا شك أن باكثير كان صاحب تجربة شديدة الوعي ، إلا أنه أولاً لم يستهدف الشعر بل المسرحية الشعرية ، كما أنه لم يكن شاعراً كبيراً بالمعنى الشعري المألوف ، فبقيت مغامرته المهمة مغمورة إلى حد كبير ، تلقفتها بصمت أيدي المبدعين العراقيين ، نازك والسياب ،


وبنيا عليها حركة الشعر الحر .


وكان هذا الاكتشاف لسر التحرر وسر المقاومة في الشكل الشعري الموروث أكبر


ثورة شكلية في تاريخ الشعر العربي نفسه


فما تأثير الشعر الغربي على كل هذا ؟


كان الأثر الناجم عن احتكاكنا بالثقافة الغربية حاسما في جميع هذه الحركات التي استهدفت تغييراً جذرياً في القصيدة العربية . فمنذ مطلع القرن راح الريحاني يحدث العرب عن إمكان كتابة الشعر بالنثر ، وعن شعر والت ويتمان الذي تأثر به ، والريحاني أبو الشعر المنشور ولعله اكتسب اللقب لا بقدرة تأثير إنتاجه من الشعر المنثور على القارىء العربي ،


بل بقوة تأثير الأفكار ، والنظريات التي رافقت هذا الإنتاج


إنما أهم شيء في حدوث هذا التغيير هو أن الأذن العربية التي لم تألف يوماً إلا إيقاعات الشعر الشطري المتوازنة ، تعرضت لإيقاعات الشعر الغربي ، في لغته ، وفي


ترجماته العربية


هذا جعل الخروج على إيقاعات الشعر المأثور ممكناً ، ولقد احتاجت الأذن العربية إلى ثلاثة أجيال من قراء الشعر العربي والغربي المترجم حتى استطاعت أن تألف إيقاعات


مغايرة وأن تنسجم مع إيقاعات الشعر الحر ، وتتقبلها وتتفاعل معها .


وكذلك كانت النماذج الشعرية الغربية المتحررة مثالاً حاول الشاعر الحديث أن يحتذيه . ولا شك أن التعددية الثقافية حافز مستمر على التأثير و التأثر ، إنما فيما يتعلق


بتجارب الشعر العربي الموزون المحرر فهذه نبعت من قلب النظام الشعري العربي وليست هجينة عليه ، بل كانت كامنة فيه يوم تمسك به نظام الشطرين . أما الشعر المنثور وقصيدة النشر فهذان لهما قصة مختلفة ، وهي قصة طويلة ومجالها دراسة أخرى.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate


Latest summaries

رفعت منظمة أوبك...

رفعت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمقدار 190 ألف برميل يوميًا، ليصل ...

مفهوم التغذية ا...

مفهوم التغذية الراجعة يكون ربح المكبر في الحلقة المفتوحة كبير جاد ولذلك يتم إدخال شبكة تغذية عكسية...

في الأصل هذا ال...

في الأصل هذا المنهج مرتبط بد ا رسة الظواهر غير العادية )المرضية(كما تدل عليه كلمة كلينيك ) clinique ...

تُبرز المستجدات...

تُبرز المستجدات الأخيرة في مجال التعليم تحولاً عالمياً واضحاً نحو أساليب التدريس المبتكرة والمعززة ب...

رفعت منظمة أوبك...

رفعت منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمقدار 190 ألف برميل يوميًا، ليصل ...

الأصل في العقود...

الأصل في العقود أنها ظاهرة إرادية، تعبر عن حرية الاختيار سواء من حيث المبدأ في الإقدام أو الإحجام عل...

1. استلام الشكو...

1. استلام الشكوى أو البلاغ توثيق تاريخ ووقت استلام البلاغ. تحديد مقدم الشكوى أو مصدر المعلومة. وصف م...

الدعم الإلكترون...

الدعم الإلكتروني في المنصات الرقمية التعليمية هو مجموعة الوسائل والاستراتيجيات التي تقدم للمتعلمين ع...

Mitha Slide 8: ...

Mitha Slide 8: Blackboard بلاك بورك "Now I will talk about Blackboard. Blackboard is an online learn...

فجّرت واقعة اعت...

فجّرت واقعة اعتداء همجي، بطلها مدير عام مديرية الشمايتين بمحافظة تعز المدعو عبدالعزيز الشيباني المحس...

محمد ايهاب عاطف...

محمد ايهاب عاطف محمود عبدالعزيز محمد ايهاب عاطف محمود عبدالعزيز محمد ايهاب عاطف محمود عبدالعزيز محمد...

بسط المعدلة ورد...

بسط المعدلة ورد المظالم بصرك واكفف عني غربك. فإن سمعت خطأ أو زللا فدونك والعقوبة. قال: قل فقال: عصى ...