Lakhasly
Online English Summarizer tool, free and accurate!
Summarize result (100%) Using the AI
خلق أفعال العباد
(٩٧ - ٨١) قوله: (وأفعال العباد خلق اللّٰه وكسب من العباد) (1).
ش: اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية. فزعمت الجبرية - رئيسهم الجهم بن صفوان الترمذي -: أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجازا وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله! وقابلتهم المعتزلة، فقالوا : إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق اللّٰه تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن اللّٰه تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟!.
وقال أمل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه.
فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفؤا صنع العبد أصلاً، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات، فشبهوا. والقدرية نفاةُ القدر جعلوا العباد خالقين مع اللّٰه تعالى. ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس أثبتوا خالقَيْن، وهم أثبتوا خالقِين!! وهدى اللّٰه المؤمنين أهلَ السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن اللّٰه خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح، وحركات الأشجار. وكل دليل صحيح يقيمه القَدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقةً، وأنه مريد له مختارٌ له حقيقةً، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته. فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من حق إلى حق الأخرى فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب اللّٰه المنزلة، من عموم قدرة اللّٰه ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقةً، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم.
وهذا هو الواقع في نفس الأمر فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدّق بعضه بعضاً، ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافا وتتساقط، ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر. ولكن أذكر شيئاً مما استدل به كل من الفريقين، ثم أبيّن أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل.
ذكر أدلة الجبرية:
١ - فمما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنّ) [الأنفال: ١٧]. فنفى اللّٰه عن نبيه الرمي، وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد.
٢ - قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله وَل الن يدخل أحدٌ الجنة بعمله) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّٰه برحمة منه وفضل» (١).
ذكر أدلة القدرية :
١ - ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْحَلِقِينَ ) [المؤمنون: ١٤].
٢ - قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض، كما قال تعالى: (جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧، والأحقاف: ١٤ ، والواقعة: ٢٤]. (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (ب) [الزخرف: ٧٢]. ونحو ذلك.
نقض أدلة الفريقين:
١ - فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهِ رَمَى) [الأنفال: ١٧] فهو دليل عليهم؛ لأنه تعالى أثبت لرسوله كلة رمياً، بقوله: (إِذْ رَمَيْتَ) ، فعلم أن المثبت غيرُ المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء: فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رمياً،
فالمعنى حينذ - والله تعالى أعلم - وما أصبتَ إذْ حذَفتَ ولكن اللّٰه أصاب.
وإلا فطرْدُ قولهم: وما صليتَ إذْ صليت ولكن اللّٰه صلى! وما صمت إذْ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت!! وفساد هذا ظاهر.
٢ - وأما ترتّب الجزاء على الأعمال، فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدَى اللّٰه أهل السنة، وله الحمد والمنَّة. فإن الباء التي في النفي غيرُ الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله 1: «لن يدخل الجنة أحد بعمله)) باء العِوَض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحق دخول الجنة على ربه بعمله! بل ذلك برحمة اللّٰه وفضله. والباء التي في قوله تعالى: (جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧] ونحوها، باء السبب؛ أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل اللّٰه ورحمته.
٣ - وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْحَلِقِينَ) [المؤمنون: ١٤] فمعنى الآية: أحسن المصوّرين المقدّرين. والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: (اللّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيء) [الرعد: ١٦، والزمر: ٦٢]، أي خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم: كل. وما أفسد قولهم في إدخال كلام اللّٰه تعالى في عموم: كل، الذي هو صفة من صفاته، يستحيل عليه أن يكون مخلوقاً! وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم: كل!! وهل يدخل في عموم: كل إلا ما هو مخلوق؟!
فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها. وكذا قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
- [الصافات: ٩٦]. ولا نقول: إن ((ما) مصدرية أي: خلقكم وعملكم إذ سياق الآية يأباه (١)؛ لأن إبراهيم لي إنما أنكر عليهم عبادةً المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتاً إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقاً لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقاً لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقاً له، بل الخشب أو الحجر لا غير.
لا منافاة بين إثبات القدر وكون العبد محدثاً لفعله :
لا منافاة بين كون العبد محدثاً لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة اللّٰه تعالى، كما قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنهَا ٣) فَأَلْهُمَهَا لجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا ) [الشمس: ٤٨ - ٧. فقوله: (فَأَلْمُمَهَا لَجُورَهَا وَتَقْوَنهَا () إثبات للقدَر بقوله: (فَأَلْهَمَهَا)، وإثباتٌ لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية. وقوله بعد ذلك: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَلَّنهَا ٢) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا (١) [الشمس: ١٠ - ٩] إثباتٌ أيضاً لفعل العبد. ونظائر ذلك كثيرة.
شبهة للمعتزلة وردها :
قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن اللّٰه يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقاً على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته.
والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يُبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقاً لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئةُ بعدها. فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضاً .
يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: هو عقوبة أيضاً على عدم فعل ما خُلق له وفُطر عليه، فإن اللّٰه سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، فلما لم يفعل ما خُلق له وفطر عليه، من محبة اللّٰه وعبوديته، والإنابة إليه عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلباً خالياً قابلاً للخير والشر، ولو كان فيه الخيرُ الذي يمنع ضدَّه لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْنَحْشَاءُ إِنَّمُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَمِينَ) [يوسف: ٢٤].
وإذا قيل: خَلْقُ الفعل مع العقوبة عليه ظلم؟! كان بمنزلة أن يقال: خلقُ أكل السم ثم حصول الموت به ظلم!! فكما أن هذا سببّ للموت، فهذا سبب للعقوبة، ولا ظلم فيهما.
أفعال العباد نوعان:
وإذا ثبت كونُ العبد فاعلاً، فأفعاله نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، فيكون صفةً له ولا يكون فعلاً، كحركات المرتعش، ونوع يكون منه مقارناً لإيجاد قدرته واختياره، فيوصف بكونه صفةً وفعلاً وكسبا للعبد، كالحركات الاختيارية. والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلاً مختاراً، وهو الذي يقدرُ على ذلك وحده لا شريك له. ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا يكون إلا مع الإكراه، يقال: للأب ولايةُ
إجبار البكر الصغيرة على النكاح، وليس له إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة. والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار؛ لأنه سبحانه خالق الإرادة والمراد، قادرٌ أن يجعله مختاراً بخلاف غيره. ولهذا جاء في ألفاظ الشارع: (الجبْل)) دون ((الجبر) كما قال لأشجّ عبد قيس: (إن فيك لخَلَّتين يحبهما الله: الحلمُ والأناة)) فقال: أخُلقين تخلقتُ بهما؟ أم خُلقين جُبلتُ عليهما؟ فقال: (بل خُلقين جُبلتَ عليهما) فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّٰه ورسوله»(١) والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري. والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول.
خلاصة القول في خلق أفعال العباد:
فالحاصل: أن فعل العبد فعلٌ له حقيقةً، ولكنه مخلوقٌ لله تعالى ومفعول لله تعالى، ليس هو نفسَ فعل الله. ففرْقٌ بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ له بقوله: وأفعال العباد خلقُ اللّٰه وكسبٌ من العباد أثبت للعباد فعلاً وكسباً، وأضاف الخلق إلى اللّٰه تعالى: والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفعٌ أو ضرر، كما قال تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].
تعاليه سبحانه عن الأضداد والأنداد:
(٢٦ - ٨٢) قوله: (وهو متعال عن الأضداد والأنداد).
ش: الضد: المخالف، والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء اللّٰه كان وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَمُ كُنُوا أَحَدٌ () [الإخلاص: ٤]. ويشير له - بنفي الضد والند - إلى الرد على المعتزلة، في زعمهم أن العبد يخلق فعله.
Original text
خلق أفعال العباد
(٩٧ - ٨١) قوله: (وأفعال العباد خلق اللّٰه وكسب من العباد) (1).
ش: اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية. فزعمت الجبرية
- رئيسهم الجهم بن صفوان الترمذي -: أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجازا وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله! وقابلتهم المعتزلة، فقالوا : إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق اللّٰه تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن اللّٰه تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟!.
وقال أمل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه.
فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفؤا صنع العبد أصلاً، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات، فشبهوا. والقدرية نفاةُ القدر جعلوا العباد خالقين مع اللّٰه تعالى. ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس أثبتوا خالقَيْن، وهم أثبتوا خالقِين!! وهدى اللّٰه المؤمنين أهلَ السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن اللّٰه خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح، وحركات الأشجار. وكل دليل صحيح يقيمه القَدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقةً، وأنه مريد له مختارٌ له حقيقةً، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته. فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من حق إلى حق الأخرى فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب اللّٰه المنزلة، من عموم قدرة اللّٰه ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقةً، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم.
وهذا هو الواقع في نفس الأمر فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدّق بعضه بعضاً، ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافا وتتساقط، ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر. ولكن أذكر شيئاً مما استدل به كل من الفريقين، ثم أبيّن أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل.
ذكر أدلة الجبرية:
١ - فمما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنّ) [الأنفال: ١٧]. فنفى اللّٰه عن نبيه الرمي، وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد.
٢ - قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله وَل الن يدخل أحدٌ الجنة بعمله) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّٰه برحمة منه وفضل» (١).
ذكر أدلة القدرية :
١ - ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْحَلِقِينَ )
[المؤمنون: ١٤].
٢ - قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض، كما قال تعالى:
(جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧، والأحقاف: ١٤ ، والواقعة: ٢٤]. (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (ب) [الزخرف: ٧٢]. ونحو ذلك.
نقض أدلة الفريقين:
١ - فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهِ رَمَى) [الأنفال: ١٧] فهو دليل عليهم؛ لأنه تعالى أثبت لرسوله كلة رمياً، بقوله: (إِذْ رَمَيْتَ) ، فعلم أن المثبت غيرُ المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء: فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رمياً،
فالمعنى حينذ - والله تعالى أعلم - وما أصبتَ إذْ حذَفتَ ولكن اللّٰه أصاب.
وإلا فطرْدُ قولهم: وما صليتَ إذْ صليت ولكن اللّٰه صلى! وما صمت إذْ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت!! وفساد هذا ظاهر.
٢ - وأما ترتّب الجزاء على الأعمال، فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدَى اللّٰه أهل السنة، وله الحمد والمنَّة. فإن الباء التي في النفي غيرُ الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله 1: «لن يدخل الجنة أحد بعمله)) باء العِوَض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحق دخول الجنة على ربه بعمله! بل ذلك برحمة اللّٰه وفضله. والباء التي في قوله تعالى: (جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧]
ونحوها، باء السبب؛ أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل اللّٰه ورحمته.
٣ - وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْحَلِقِينَ)
[المؤمنون: ١٤] فمعنى الآية: أحسن المصوّرين المقدّرين. والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: (اللّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيء) [الرعد:
١٦، والزمر: ٦٢]، أي خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم: كل. وما أفسد قولهم في إدخال كلام اللّٰه تعالى في عموم: كل، الذي هو صفة من صفاته، يستحيل عليه أن يكون مخلوقاً! وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم: كل!! وهل يدخل في عموم: كل إلا ما هو مخلوق؟!
فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها. وكذا قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
- [الصافات: ٩٦]. ولا
نقول: إن ((ما) مصدرية أي: خلقكم وعملكم إذ سياق الآية يأباه (١)؛ لأن إبراهيم لي إنما أنكر عليهم عبادةً المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتاً إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقاً لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقاً لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقاً له، بل الخشب أو الحجر لا غير.
لا منافاة بين إثبات القدر وكون العبد محدثاً لفعله :
لا منافاة بين كون العبد محدثاً لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة اللّٰه تعالى، كما قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنهَا ٣) فَأَلْهُمَهَا لجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا
) [الشمس: ٤٨ - ٧. فقوله: (فَأَلْمُمَهَا لَجُورَهَا وَتَقْوَنهَا () إثبات للقدَر بقوله: (فَأَلْهَمَهَا)، وإثباتٌ لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية. وقوله بعد ذلك: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَلَّنهَا ٢) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا (١) [الشمس: ١٠ - ٩] إثباتٌ أيضاً لفعل العبد. ونظائر ذلك كثيرة.
شبهة للمعتزلة وردها :
قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن اللّٰه يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقاً على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته.
والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يُبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقاً لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئةُ بعدها. فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضاً .
يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: هو عقوبة أيضاً على عدم فعل ما خُلق له وفُطر عليه، فإن اللّٰه سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، فلما لم يفعل ما خُلق له وفطر عليه، من محبة اللّٰه وعبوديته، والإنابة إليه عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلباً خالياً قابلاً للخير والشر، ولو كان فيه الخيرُ الذي يمنع ضدَّه لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْنَحْشَاءُ إِنَّمُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَمِينَ) [يوسف: ٢٤].
وإذا قيل: خَلْقُ الفعل مع العقوبة عليه ظلم؟! كان بمنزلة أن يقال: خلقُ أكل السم ثم حصول الموت به ظلم!! فكما أن هذا سببّ للموت، فهذا سبب للعقوبة، ولا ظلم فيهما.
أفعال العباد نوعان:
وإذا ثبت كونُ العبد فاعلاً، فأفعاله نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، فيكون صفةً له ولا يكون فعلاً، كحركات المرتعش، ونوع يكون منه مقارناً لإيجاد قدرته واختياره، فيوصف بكونه صفةً وفعلاً وكسبا للعبد، كالحركات الاختيارية. والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلاً مختاراً، وهو الذي يقدرُ على ذلك وحده لا شريك له. ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا يكون إلا مع الإكراه، يقال: للأب ولايةُ
إجبار البكر الصغيرة على النكاح، وليس له إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة. والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار؛ لأنه سبحانه خالق الإرادة والمراد، قادرٌ أن يجعله مختاراً بخلاف غيره. ولهذا جاء في ألفاظ الشارع: (الجبْل)) دون ((الجبر) كما قال لأشجّ عبد قيس: (إن فيك لخَلَّتين يحبهما الله: الحلمُ والأناة)) فقال: أخُلقين تخلقتُ بهما؟ أم خُلقين جُبلتُ عليهما؟ فقال: (بل خُلقين جُبلتَ عليهما) فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّٰه ورسوله»(١) والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري. والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول.
خلاصة القول في خلق أفعال العباد:
فالحاصل: أن فعل العبد فعلٌ له حقيقةً، ولكنه مخلوقٌ لله تعالى ومفعول لله تعالى، ليس هو نفسَ فعل الله. ففرْقٌ بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ له بقوله: وأفعال العباد خلقُ اللّٰه وكسبٌ من العباد أثبت للعباد فعلاً وكسباً، وأضاف الخلق إلى اللّٰه تعالى: والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفعٌ أو ضرر، كما قال تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].
تعاليه سبحانه عن الأضداد والأنداد:
(٢٦ - ٨٢) قوله: (وهو متعال عن الأضداد والأنداد).
ش: الضد: المخالف، والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء اللّٰه كان وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَمُ كُنُوا أَحَدٌ () [الإخلاص: ٤]. ويشير له - بنفي الضد والند - إلى الرد على المعتزلة، في زعمهم أن العبد يخلق فعله.
Summarize English and Arabic text online
Summarize text automatically
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
Download Summary
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
Permanent URL
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
Other Features
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
Latest summaries
دخلت أزمة المعلمين في ساحل حضرموت مرحلة جديدة مع بدء إدارات التربية والتعليم تسليم إشعارات لمعلمي ال...
بحث عضو مجلس ال...بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير، في نيويورك، مع المديرة العامة لصندوق ال...
ما الذي يجعل ال...ما الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في العمل الفني؟ الذي يجعل اللون يبدو فاتحًا أو داكنًا في...
في 15 فبراير 19...في 15 فبراير 1944، وبالتزامن مع إحدى أبشع الجرائم في التاريخ الحديث بحق المسلمين، وُلد أحد أعظم القا...
رغم الطابع الهز...رغم الطابع الهزلي في النص، يحمل أبعادًا نقدية جادة تتعلق بانتقاد السلوك البشري والعبثية في النزاعات ...
تزداد أنصاف أقط...تزداد أنصاف أقطار الذرات كلّما اتجهنا من أعلى المجموعة إلى أسفلها؛ حيث تُضاف إلكترونات إلى مستويات ا...
ضعف الروابط الأ...ضعف الروابط الأسرية وغياب الزيارات المتبادلة، مع فقدان القدرة على بناء علاقات واقعية وتراجع التواصل ...
تصدر يوسف بزشكي...تصدر يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران، ...
جاء في الصبح ال...جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: "وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد"، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ...
نعم، جاءت الألف...نعم، جاءت الألفاظ والعبارات ملائمة تماماً لتجسيد هذه العاطفة وصادقة في التعبير عنها.التعليل:قوة الأل...
تتسع رقعة الموا...تتسع رقعة المواجهات بين القوات المسلحة اليمنية ومليشيات الحوثي التابعة لإيران في جبهات غرب تعز وشمال...
The technique i...The technique involves measuring the diffraction patterns of X-rays as they interact with the materi...