Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

!! و إذا بالشأن السياسي يُتَرْجَمُ إلى أزمة فكريّة تأمّليّة خانقة، و في مقدّمتها الفنّ المسرحي الذي كثيرا ما رفع راية الثورة و التحدّي، و يدفع بالكتابة المسرحيّة نحو الإقرار بحبائل الإنشقاق الممضّ في بيئة عربيّة تحكمها سلطة فرديّة مطلقة بالحديد و النار. وهو يقدم على كتابة مسرحيّة"، و ينزعون أغشية الدلالات، تطلب الغطس غوصا عن درّ كامن، أنثى هي في المسرحيّة متأبّية متمنّعة تطلب صبرا و مراودة. إنّها تنطلق من العنوان، فهل أنّ اِعتماد التاريخ في تخيّل أحداث النصّ المسرحي هو إسقاط لقضايا الراهن على الماضي أم هو تحيين لقديم مستعاد؟ فماهي أهم المظاهر الشاهدة على ذلك. 2-الجوهر: فركّز على تغلغل فكرة الإنتقام و الثأر على شخصية البطل، و حاشية و رجال دين مثل المغنّي"مزهود"الذي أشار على"رمضان باي"بسمل عيني مراد وهو لا يزال حدثا للتخلّص منه و الإنفراد بالحكم، و الشيخ العواني مفتي الديار و الكنانيّ. ثُمَّ عساكر و رعيّة. خاصّة و أنّ مراد تدفعه الشهوة إلى سفك الدماء بدعوى"البالة جاعت"(هو إسم سيفه التركي)و لا يتحرّج من سرد صور التعذيب الذي يمارسه على خصومه للتأثير في مخاطبيه و حملهم على الرّضوخ لأوامره، و دفعهم إلى الخوف من بطشه و انتقامه العنيف، فيقول:"قتلتُ العواني و سجنتُ الشيخ البكري في تونس. هل تريدون أن أسرد عليكم كلّ ما فعلته؟". و إذلال الأفراد و الجماعات، و يتجاوز بذلك القصاص إلى الإنتقام، بل إلى الظلم و الأخذ بالشبهات. تنمو و تتكاثر حتّى تحوّل إرادته إلى مارد زاحف إذا تحرّك على أرض سوّى بها ما عليها، و ويل لمن تمرّد و لم يطأطئ الرأس، أليس مراد هو من أمر كلّ من بايعه بالسجود إليه؟ هو ذا الحاكم الجائر، و على قدر جوره يشتدّ بالنفوس البلاء، و ينتظر من كلّ ذلك شكرًا، و كيف لا تشكر رعيّة و قد أنعم عليها ببقاء الأنفاس؟ القابض على رقاب العباد و الماسك بزمام البلاد، و هذا ما جعله يدخل في صدام مع حاشيته المقرّبة منه التي عارضت سياسته الوحشية و إفراطه في القتل. و حتّى من أقاربه كنقمة اِبنة عمّه أمينة عليه على خلفيّة قتل زوجها بسيفه البالة، أبقاك الله. الناس تستنكر قتل الشيخ محمد العواني و تعذيب الشيخ أبي غيث البكري. ". فإنّ بطل بولعراس يخالفهم الرأي، و لا يقرّ بقانون انتهك حرمته الجسدية، فصرّح بذلك قائلا:"تدافعون عن نظام كنت أنا ضحيّته. فليقوّضه سيفي و يفوقه في الدماء". و مع كلّ هذا العنف و القسوة التي اتّسمت بها شخصية مراد ، وهي تحاول الإنقضاض عليه ، و خنق أنفاسه، فتكدّر صفو حكمه، و تشمت في تتالي المصائب عليه. حالة مراد هذه صوّرها الحبيب بولعراس في نصّه المسرحيّ و قد استبدّ ببطله جنون العظمة بإعتبارها خاتمة رحلة تسافر فيها النفس الحاكمة مع وساوسها فتتدرّج على سلالم الوهم، جنون العظمة صورة ممتلئة بفراغات مرّت عليها ريشة الزمن فلوّنتها بأصباغ متلاحقة:فتنة الألقاب و مهابة السلطان و منازع التقديس و التوق إلى التألّه و نشوة عند رؤية دماء بريئة تسيل غزيرة أمام عيني الحاكم بأمره. فإنّ شخصيّته تحكمها صراعات داخليّة عنيفة ، تعصف بكيانه، فرضتها مشاعره التي جمعت بين المتناقضات:الحبّ و الكراهية، الحقّ و الباطل. و لئن بدا مراد في الظاهر متعدّد الجوانب، فإنّه في حقيقة الأمر واحد تتصارع في أعماقه قوى عديدة هي عماد حياته و جوهر مأساته مثلما بيّن ذلك المؤلّف الحبيب بولعراس في مقدّمة المسرحيّة:"إنّ حساسيّة مراد أدمتها الفواجع التي عاشها منذ نعومة أظفاره جعلته يجابه مصيره وحده، إنّ مراد ليس كبقيّة الحكّام، يسائله باِستمرار، يعانيه مأساويّا، أراد الكاتب أن ينتقد مشكلة الحكم الفردي، و اِنسياق الحاكم خلف اِشباع شهوة ذاتية. فالكاتب على وعي بأنّ تلك الحاشية متى كانت سلبيّة و غير قادرة على الحاكم و ترضى بالقمع. و لكنّ الزمان لا ينصف مظلوما رضي بالظلم و سكن للمذلّة و وطأة القهر. و لذلك صوّر الحبيب بولعراس في مسرحيّته كيف رضخت خاصّة مراد لسطوته، و رضيت بظلمه، نزلت من شامخ عزّها لا محالة، و أشرفت على حضيض التلاشي و الفناء، و لا تنبت العظماء من الرجال إلاّ في القليل. و مهلك كلّ مارد معتد. تلك هي العدالة التي ينشدها مراد، عمياء كصاحبها، قد سُمِلت عيناها فعجزت عن إدراك حقائق الأمور. و تلك هي سياسة الاِستبداد:قمع و ظلم و جور و طغيان، و ما الحريّة في نظام كهذا سوى أكذوبة، فهي المكبوت و المغيّب و المسكوت عنه على الدوام. فأيّة خصائص فنيّة ارتآها بولعراس لطرق هذه القضايا السياسية الشائكة. بالتوازي مع كلّ هذه المضامين و القضايا الحسّاسة، و يستسيغ المشاهد معانيها متى عرضت المسرحية على الركح. من ذلك ما نجده في تدافع التدخّلات و تسارعها، كقول مراد مخاطبا حاشيته بنبرة حادّة:"كفّوا. بل تخلق وجودها ذاته عبر منطوقها. لذلك نرى الشخصية في مسرحيّة"مراد الثالث"تفضح نفسها، وهي تتكلّم، استوجب جزالة و قوّة و جديّة للفظ مثلما يتّضح في قول"محمد خوجة"للعلماء لحثّهم على خلع مراد من الحكم و الثورة عليه:"إنّ بيدكم السلاح الذي دعاكم مراد من أجله. و سيكون الجند عندئذ معكم". فهو لا يستخدم إلاّ أبسطها، محمّلا إيّاها من المعاني المكثّفة و الدلالات الكثير. و نوّع في مواقعها فجعلها سابقة للحوار تارة، أو في وسطه في مواضع كثيرة لوصف جوانب من نفسية الشخصيات و خاصة بطله مراد، ثمّ لتحديد طبيعة العلاقات بينها و بينه، و دفعه نحو لحظة التأزّم. بحيث أدّت تلك الإشارات-متكاملة مع الحوار-وظائف فنية عديدة، و خاصة حين صوّرت البطل عنيدا مكابرا طورا، و منكسرا يائسا طورا آخر. 3-الخاتمة: و من كلّ ما تقدّم، جهر النصّ بأوجاع لا حصر لها و متاعب شتّى، و يتوغّل في ثنايا شخصياته و تشعّباتها، و نجح في العثور على الرابط الدقيق و الخفيّ في العلاقات السياسية و القيم و المواقف التي اتّصلت جميعها بالحكم الفردي المطلق الإستبدادي، فبدت تلك العلاقات واهنة تكاد تتصدّع في كلّ حين لأنّها لم تكن يوما مدعومة بأسس قانونيٌة تمكنّها من الثبات و الرسوخ. و لا يدرك أبدا متى و كيف ينتهي، هي لعبة مرآوية تُسلَب فيها الإرادة سلبا،

Original text

& ثالثة آداب:مسرحية مراد الثالث..!!


1- مقدّمة:


   من أدقّ ما يحصل في منعطفات تاريخ العرب المحرجة أنّ الفكر يتيه أحيانا بين أخلاط المتناقضات،و إذا بالشأن السياسي يُتَرْجَمُ إلى أزمة فكريّة تأمّليّة خانقة،يتأوّلها الأدب بأجناسه المختلفة،و في مقدّمتها الفنّ المسرحي الذي كثيرا ما رفع راية الثورة و التحدّي،و اندفع بالفكر السياسي نحو أسئلة مأهولة بالفجيعة،و يدفع بالكتابة المسرحيّة نحو الإقرار بحبائل الإنشقاق الممضّ في بيئة عربيّة تحكمها سلطة فرديّة مطلقة بالحديد و النار.

و لا شكّ أنّ "الحبيب بولعراس"،وهو يقدم على كتابة مسرحيّة"،قد حلّق في فضاء النصّ التاريخي لسكب منجزه على الواقع السياسي المعاصر فتغيّى بالأساس مناقشة قضيّة محوريّة مدارها كيف يروّض ذلك الحكم الفردي النّفوس على مداراة الظلم و التسلّط،عبر زرع الرعب في قلوب الناس و زعزعة توازنهم النفسي،و استنزاف سكينتهم الروحيّة التي تقحمهم رغما و كرها في مواثيق الإتّقاء،فتراهم يمزّقون أغلفة الألفاظ،و ينزعون أغشية الدلالات،فيكبتون فروق المعاني كي تسقط الحدود بين الخوف و الحذر و الجبن.


  تسكن الدلالة من نصّ"مراد الثالث"الأغوار،تطلب الغطس غوصا عن درّ كامن،توهم بإستعصائها أنّها ثمينة.أنثى هي في المسرحيّة متأبّية متمنّعة تطلب صبرا و مراودة.إنّها تنطلق من العنوان،فهل أنّ اِعتماد التاريخ في تخيّل أحداث النصّ المسرحي هو إسقاط لقضايا الراهن على الماضي أم هو تحيين لقديم مستعاد؟

الأكيد أنّ الكاتب عمد إلى مناقشة قضية الحكم الفردي و اِبراز مختلف عيوبه و مساوئه ملتزما بالوقائع التاريخيّة عبر نصّ اِستطاع أن يثبت قدرة صاحبه على كتابة مسرحيّة تأتلف فيها المضامين و الأشكال التعبيريّة.
فماهي أهم المظاهر الشاهدة على ذلك..؟


2-الجوهر:


 تناول الحبيب بولعراس في مسرحيّته الوقائع السياسية التي حفّت بحكم مراد الثالث،فركّز على تغلغل فكرة الإنتقام و الثأر على شخصية البطل،و التي تطال الجميع مدنا و قرى(مثل اِعتدائه على مدينتي باحة و القيروان و ما تعرّضتا له من ترويع و تقتيل)و أقارب مثل عمّه"رمضان باي"و زوج اِبنة عمّة أمينة،و حاشية و رجال دين مثل المغنّي"مزهود"الذي أشار على"رمضان باي"بسمل عيني مراد وهو لا يزال حدثا للتخلّص منه و الإنفراد بالحكم،و الشيخ العواني مفتي الديار و الكنانيّ...ثُمَّ عساكر و رعيّة...فصوّرت المسرحيّة قسوة القصاص و بشاعة الإنتقام،خاصّة و أنّ مراد تدفعه الشهوة إلى سفك الدماء بدعوى"البالة جاعت"(هو إسم سيفه التركي)و لا يتحرّج من سرد صور التعذيب الذي يمارسه على خصومه للتأثير في مخاطبيه و حملهم على الرّضوخ لأوامره،و دفعهم إلى الخوف من بطشه و انتقامه العنيف،فيقول:"قتلتُ العواني و سجنتُ الشيخ البكري في تونس.هل تريدون أن أسرد عليكم كلّ ما فعلته؟".
و قد نقل المؤلّف مظاهر القسوة الجسديّة سردا،و لم تجسّد في مشهد ليؤكّد على تفنّن مراد في سفك الدماء،و إذلال الأفراد و الجماعات،و يتجاوز بذلك القصاص إلى الإنتقام،بل إلى الظلم و الأخذ بالشبهات.
إنّ هذه الأزمة العميقة التي تكاد تعصف بكيان مراد توضّح مكامن الحكم الإستبدادي المطلق الذي لا يعترف "بألوهيّة الحاكم"،فللطغيان جنات دمويّة تفرّخ في خلايا الآمر الناهي،تنمو و تتكاثر حتّى تحوّل إرادته إلى مارد زاحف إذا تحرّك على أرض سوّى بها ما عليها،و حوّلها إلى خراب.و ويل لمن تمرّد و لم يطأطئ الرأس،أليس مراد هو من أمر كلّ من بايعه بالسجود إليه؟

هو ذا الحاكم الجائر،و على قدر جوره يشتدّ بالنفوس البلاء،يترصّد الأفراد لينقضّ عليهم بالمخالب (سيفه البالة)كجارحة تلهو بطريدتها ثمّ تمعن نهشا و تنكيلا و تشفّيا،فذاك مزاج من أمزجة الإستبداد،يسلب سلبا و يأخذ غصبا ،و ينتظر من كلّ ذلك شكرًا،و كيف لا تشكر رعيّة و قد أنعم عليها ببقاء الأنفاس؟
لهذه الأسباب الذاتية التي تتعالق مع أهواء الحاكم بأمره،القابض على رقاب العباد و الماسك بزمام البلاد،لم يسلم من بطش مراد الأقوياء و العلماء و الجند و رجال الدين..و هذا ما جعله يدخل في صدام مع حاشيته المقرّبة منه التي عارضت سياسته الوحشية و إفراطه في القتل.فبلغ الأمر حدود رفض خاصته-تلك الفئة الوفيّة له-لإمعانه في سفك دماء رعاياه،و من أبرز هؤلاء الحنفي و السهيلي و ابراهيم الشريف...و حتّى من أقاربه كنقمة اِبنة عمّه أمينة عليه على خلفيّة قتل زوجها بسيفه البالة،فيعلن السهيلي عن ذلك بقوله:"سيّدنا،أبقاك الله...الناس تستنكر قتل الشيخ محمد العواني و تعذيب الشيخ أبي غيث البكري...".
و لكنّ البطل يكشف عن تبرّمه من تغافل بعض حاشيته بشاعة الجريمة التي اُرتُكِبت في حقّه مقابل اِعتراضهم على أفعاله الإنتقاميّة تجاه من اعتبرهم جناة يستحقّون العقاب.
و رغم أنّ معارضيه من الخاصّة و العامَّة يرون أنّ هيبة القانون و سيادته و حفظ النظام هي أبرز مسؤوليات الحاكم،فإنّ بطل بولعراس يخالفهم الرأي،فهو لا يعترف بنظام سمّل عينيه،و لا يقرّ بقانون انتهك حرمته الجسدية،فصرّح بذلك قائلا:"تدافعون عن نظام كنت أنا ضحيّته...لسنا في صفّ واحد و نظامكم لا شأن لي به،فليقوّضه سيفي و يفوقه في الدماء".
و مع كلّ هذا العنف و القسوة التي اتّسمت بها شخصية مراد ،فإنّه يظلّ على قناعة بأنّه ضحية دسائس و مؤامرات دبّرتها عديد الأطراف ،و في هذا إقرار منه بشقاء مصيره و تزايد مشاعر الوحدة و العزلة عن الآخرين،و كأنّ كوابيس تقضّ مضجعه،و أشباح ضحاياه تتراءى له في نومه و يقضته،وهي تحاول الإنقضاض عليه ،و خنق أنفاسه،فتكدّر صفو حكمه،و تشمت في تتالي المصائب عليه.
حالة مراد هذه صوّرها الحبيب بولعراس في نصّه المسرحيّ و قد استبدّ ببطله جنون العظمة بإعتبارها خاتمة رحلة تسافر فيها النفس الحاكمة مع وساوسها فتتدرّج على سلالم الوهم،ثمّ تكفّ عن رؤية العالم من حولها كما هو لتراه كما تحبّ أن يكون،جنون العظمة صورة ممتلئة بفراغات مرّت عليها ريشة الزمن فلوّنتها بأصباغ متلاحقة:فتنة الألقاب و مهابة السلطان و منازع التقديس و التوق إلى التألّه و نشوة عند رؤية دماء بريئة تسيل غزيرة أمام عيني الحاكم بأمره.


  بالتوازي مع الصراع الخارجي الذي خاضه البطل مع أطراف عديدة،فإنّ شخصيّته تحكمها صراعات داخليّة عنيفة ،تعصف بكيانه،فرضتها مشاعره التي جمعت بين المتناقضات:الحبّ و الكراهية،الحقّ و الباطل..و لئن بدا مراد في الظاهر متعدّد الجوانب،فإنّه في حقيقة الأمر واحد تتصارع في أعماقه قوى عديدة هي عماد حياته و جوهر مأساته مثلما بيّن ذلك المؤلّف الحبيب بولعراس في مقدّمة المسرحيّة:"إنّ حساسيّة مراد أدمتها الفواجع التي عاشها منذ نعومة أظفاره جعلته يجابه مصيره وحده،فلم يستطع أن ينجو بنفسه من الهوّة التي تردّى فيها في نهاية الأمر".

و بهذا أ يمكن الجزم بأنّ أحداث"مراد الثالث"هي مأساة بالمفهوم الدقيق للكلمة أم أنّها لا تعدو أن تكون مسرحيّة مأساويّة في طابعها لا غير،بالرجوع إلى الوقائع الثابتة تاريخيّا؟و إلى أيّ أنواع المآسي تنتمي و مع أيّ منها تتناغم ؟مع مأساة الإغريق و روح التطهير أم مع روح التغيير؟
إنّ مراد ليس كبقيّة الحكّام،بل هو مسكون بهاجس الثأر و الاِنتقام يستحضره على الدوام،يسائله باِستمرار،يعانيه مأساويّا،إنّه لا يعيش و لا يحكم إلاّ ليقتصّ من المجرمين،فلا يكاد القارئ أو مشاهد العرض على الركح المسرحيّة يجد حميميّة في علاقة البطل بالشخصيّات المحيطة به بل هو التصادم و الكراهيّة دائماً.
و من خلال التصوير الدقيق الذي تعلّق بمظاهر الصراعات المختلفة التي حفّت بفترة حكم مراد الثالث،أراد الكاتب أن ينتقد مشكلة الحكم الفردي،فبيّن حالة التناحر على السلطة،و ركّز على عاقبة الإستبداد بالرأي و بالقرار،و اِنسياق الحاكم خلف اِشباع شهوة ذاتية.و أوضح أنّ للحاشية دورا و مسؤوليّة في اِنحرافات الحكّام لأنّها مدعوّة بتقديم النصح لصاحب السلطة و حماية الدولة من أخطار سوء تصرّفه.فالكاتب على وعي بأنّ تلك الحاشية متى كانت سلبيّة و غير قادرة على الحاكم و ترضى بالقمع.فلا خير فيها لأنّ أيّ اِنسان من هذه الفئة لا يتجاوز ظلّه تاركا للزمان اِنصافه،و لكنّ الزمان لا ينصف مظلوما رضي بالظلم و سكن للمذلّة و وطأة القهر.
و لذلك صوّر الحبيب بولعراس في مسرحيّته كيف رضخت خاصّة مراد لسطوته،و رضيت بظلمه،مشيرا إلى أنّ الإستبداد يعقد الألسنة على ما في طيّها أحيانا من الفصاحة،و ينفث فيها لكنة و عِيّا.و هو يشير إلى أنّ النظام السياسي الأمثل هو ذاك المبنيّ على الديموقراطيّة و اِحترام القانون حتّى تُصان حريّات الرعيّة،و تضمن الدولة هيبتها.و إذا أنشئت السلطة برعاياها مخالب الإستبداد،نزلت من شامخ عزّها لا محالة،و أشرفت على حضيض التلاشي و الفناء،إذ لا غنّى لصاحب الحكم من رجال يستضيء بآرائهم في مشكلات الدولة،و آخرين تشقّ بكفاءتهم و عدالتهم بعض مهمّاتها،و الأرض التي اندرست فيها أطلال الحريّة إنّما تؤوي الضعفاء و السّفلة،و لا تنبت العظماء من الرجال إلاّ في القليل...لهذه الأسباب كانت نهاية حياة مراد بمثابة حكم أصدره القدرْ بعد أن صار همّا ثقيلا و عبئا جاثما على صدور الرعيّة لأنّ السلطان الجائر قصير العمر فالقدر قاصم كلّ جبّار عنيد،و مهلك كلّ مارد معتد.تلك هي العدالة التي ينشدها مراد،عمياء كصاحبها،قد سُمِلت عيناها فعجزت عن إدراك حقائق الأمور.و تلك هي سياسة الاِستبداد:قمع و ظلم و جور و طغيان،و ما الحريّة في نظام كهذا سوى أكذوبة،فهي المكبوت و المغيّب و المسكوت عنه على الدوام.
فأيّة خصائص فنيّة ارتآها بولعراس لطرق هذه القضايا السياسية الشائكة..؟


   بالتوازي مع كلّ هذه المضامين و القضايا الحسّاسة،كان اهتمام الحبيب بولعراس بالجوانب الفنيّة جليّا لأنّه بحث عن تقديم نصّ مسرحيّ متكامل يجمع بين الموضوع(القضية)و عناصر الفرجة،فجعل الحوار واضحا مكتوبا بلغة متينة يفهمها القارئ،و يستسيغ المشاهد معانيها متى عرضت المسرحية على الركح.كما بدا الفضاء الذي تحرّكت فيه الشخصيات زاخرا بالعناصر السمعية التي لا قيمة للأثر بدونها لأنّها تشحنه بطاقة جماليّة و تأثيريّة كبيرة.لذلك جعل المؤلّف الحوار في مسرحيّته صراعيّا لتنمية الجانب الدرامي،فبرز هذا الطابع الصراعي عبر تلك التدخّلات القويّة المتشنّجة،و خاصّة من جانب البطل،فتتّخذ في أغلب الأحيان نسقا تصاعديّا يعبّر عن الإحتداد و التوتّر،من ذلك ما نجده في تدافع التدخّلات و تسارعها،كقول مراد مخاطبا حاشيته بنبرة حادّة:"كفّوا..كفّوا..الشياطين توسوس في الصدور و لا ترى..الدسائس فعل لا شيء ملموس".و من ناحية أخرى فإنّ الحوار الذي نهض بالأحداث،و اِستوعب القضايا يمتاز بالوضوح حين يجعل الكاتب كلّ شخصية من شخصياته تعبّر عمّا بداخلها،و توجّه حركاتها،بل تخلق وجودها ذاته عبر منطوقها.لذلك نرى الشخصية في مسرحيّة"مراد الثالث"تفضح نفسها،وهي تتكلّم،و تعرّف بآرائها،و تكشف عن خواطرها بل حتّى عن رمزيّتها بشفافية كبيرة.و بدا أيضاً هذا الحوار الدراميّ مجهورا قويّا،استوجب جزالة و قوّة و جديّة للفظ مثلما يتّضح في قول"محمد خوجة"للعلماء لحثّهم على خلع مراد من الحكم و الثورة عليه:"إنّ بيدكم السلاح الذي دعاكم مراد من أجله..أصدروا فتوى في راحة البلاد منه و اِنقاذ المسلمين من ظلمه،و سيكون الجند عندئذ معكم".

و الكاتب المسرحي عالج مواضيعه المختلفة التي تمسّ جوهر النظام السياسي دون أن يستسلم لبريق الألفاظ،فهو لا يستخدم إلاّ أبسطها،محمّلا إيّاها من المعاني المكثّفة و الدلالات الكثير.
و كثّف بولعراس من توظيف الإشارات الركحية،و نوّع في مواقعها فجعلها سابقة للحوار تارة،و لاحقة له تارة أخرى،أو في وسطه في مواضع كثيرة لوصف جوانب من نفسية الشخصيات و خاصة بطله مراد،ثمّ لتحديد طبيعة العلاقات بينها و بينه،و تطوّرها من الإتّصال إلى الانفصال،بالإضافة إلى دورها الهام في تصعيد الفعل الدرامي،و دفعه نحو لحظة التأزّم.فللإشارات الركحيّة وظيفة حيوية إذ تعمل على استبطان الشخصيات و الكشف عن خواطرها و انفعالاتها و مواقفها الممزّقة بين لحظتين من حياتها:لحظة ماضية و أخرى قادمة،بحيث أدّت تلك الإشارات-متكاملة مع الحوار-وظائف فنية عديدة،و خاصة حين صوّرت البطل عنيدا مكابرا طورا،و منكسرا يائسا طورا آخر.و ما بين البداية و النهاية عانى مراد من تشتّت ذهنيّ و تمزّق نفسيّ بسبب قسوة القدر و تماديه في الاِنتقام،فيتحسّس الفاجعة،و يستشعر قرب نهايته المأساويّة و كأنّه يستشرف دنوّ الكارثة و بداية الإنهيار،بعد أن عبثت به الخواطر،و اِستبدّت به أحلام مزعجة،فيقول:"كأنّ الصراع الذي خضته ضدّ الباطل قد أشرف على النهاية،و كأنّ الحقّ الذي سخّرني له القدر و اِختطّ سيفي له في الرقاب طريقا أصبح في غنّى عن سيفي.إنّ السماء قبضت عنّي رحمتها،و هاهو الأجل يقترب..يقترب..يقترب منّي و لا يرهب سيفي."


3-الخاتمة:
و من كلّ ما تقدّم،جهر النصّ بأوجاع لا حصر لها و متاعب شتّى،و استطاع المؤلّف أن يعكس قضايا الأمّة،و يتوغّل في ثنايا شخصياته و تشعّباتها،و نجح في العثور على الرابط الدقيق و الخفيّ في العلاقات السياسية و القيم و المواقف التي اتّصلت جميعها بالحكم الفردي المطلق الإستبدادي،فبدت تلك العلاقات واهنة تكاد تتصدّع في كلّ حين لأنّها لم تكن يوما مدعومة بأسس قانونيٌة تمكنّها من الثبات و الرسوخ.
إذن ينزاح المشهد عن سمته فتتبدّل خصائص الموقف هنا و هناك بين إستبداد الحاكم العربي و بين شعوب ساكنة واضحة لأقدارها السياسية.
و انتهت المسرحية إلى القول أنّ اِعترار النفس سفر يعرف المرء كيف يبدأ،و لا يدرك أبدا متى و كيف ينتهي،هي لعبة مرآوية تُسلَب فيها الإرادة سلبا،فإذا كان صاحبها على سدّة الأوامر و النواهي اِستطالت بين جوانحه أصابع الجبروت،و كلّما قبض على من حوله انطلق المارد من أحشائه،متمرّدا عليه،قابضا على أنفاسه،تراه الحاكم في الجهر و هو المحكوم في الأسرار.
فكيف الطريق إلى تسييج محاصن الفرد ضمن حقوق الجماعة من تغوّل السلطة..؟؟./.


            £ محمد رمضان الشابي £

Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

فال تستق ر الحق...

فال تستق ر الحقائق من الحدس وااللهام ، قوم فكرة الفلسفة الواقعية عىل ان مصدر كل الحقائق هو هذا العا...

أفادت مصادر عسك...

أفادت مصادر عسكرية وميدانية بإستشهاد أربعة قياديين بارزين في القوات المسلحة اليمنية، إلى جانب عدد من...

واسمه العلمي In...

واسمه العلمي Inia geoffrensis، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنواع الدلافين النهرية...

الدلفين الوردي،...

الدلفين الوردي، واسمه العلمي _Inia geoffrensis_، ويُعرف أيضًا بدلفين الأمازون أو البوتو، هو أحد أنوا...

Introduction Ap...

Introduction Appréciée par certains, redoutée par d'autres, la communication orale peut être très ut...

تؤثر سهولة استخ...

تؤثر سهولة استخدام المتجر ووضوح الأسعار وخيارات الدفع والتوصيل وسرعة الاستجابة للاستفسارات في رضا ال...

إن الرؤية التي ...

إن الرؤية التي انطلق منها هذا الحدث ترتكز على إزالة العوائق النفسية والبيئية والمكانية التي تواجه أص...

Hormones act on...

Hormones act on target glands or tissues and influence cellular activity, growth and maturation. The...

الفراشات التي ن...

الفراشات التي نستمتع بمشاهدتها وهي تطير في الحقول في فصل الربيع وتنتقل من زهره الى زهره تطورت من حال...

Interstitial (t...

Interstitial (tissue) fluid bathes nearly all body cells except the outer layers of skin. It is the ...

تبرز الحاجة إلى...

تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تجعل المتحف الجزائري مؤسسة منفتحة على المجتمع، تواكب التحولات العلمي...

مرحبا ، قصتي رب...

مرحبا ، قصتي ربما تكون بعض الشي ، اسمى اسراء في الثامنه عشر من عمري ، جميله كما يقول الجميع ، طولي 1...

Tech news