Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه أحدها: أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سُخف، وسب وكذب وباطل على الجملة. والثاني: أن يذمه لأنه موزون مُقفّى، والثالث: أن يتعلق بأحوال الشعراء، فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش، وعلى خلاف ما وبالضد مما جاء به الأثر، الرد على من ذم الشعر لما فيه من هزل ] فينبغي أن وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفُحش، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، قالوا: وكان الحسن البصري - رحمه الله - يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، اليوم عندك دلّها وحديثها وغدا لغيرك كفَّها والمعصم (۳) وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي ومحمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، عليه زيد بن ثابت الله فقال : يا أمير المؤمنين، وقال: هذه لمحمد بن حاطب، فقال عمر : أيهات أيهات!! وتمثل بشعر عمارة بن أسرك لما صرع القوم نشوة خروجي منها سالما غـيـر غـــارم بریـــا كــأني قبل لم ألك منهم وليس الخــداع مرتضى في التنــادم رُدَّها ! ثم قال : ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل. وقال : أدخل يدك فخذ حـلـة وأنت لا قال عبد الملك: فلم أر قسمة أعدل منها. وعمارة هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة، خطب امرأة من قومه فقالت: لا أتزوجك أو فأبى ثم اشتدَّ وجده بها فحلف لها ألا يشرب، ثم مر بخمار عنده شرب فنحر لهـم ناقته وسقاهم ببرديه، ولكننـــا يــــا أم عمــــرونــــديمنا بمنزلة الريان ليس بعائم(۱) رُبَّ هزل صار أداة في جد وكلام جرى في باطل، ثم استعين به على حق، رُبَّ شيء خسيس تُوصل به إلى شريف، بأن ضُرِبَ مثلاً فيه، والله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس فرُبَّ كلمة حق أريد بها باطل، ورُبَّ قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى قال: رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن يوسف، اليمن، فقال: ما ظننتُ أن قول سبحان الله يكون معصية الله حتى كان اليوم، فقال رجل من أهل المجلس: سبحان الله !! ليُغضِبَ ابن يوسف. واجعله حكما بينك وبين الشعر. وبعد؛ أن كان فيه ومجتمع فرق وترسل بين ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب حتى ترى به آثار الماضين مخلّدةً في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف، ومُذكَّر ومُعرّفا وواعظا ومثقفًا (١) ، فلو كنت ممن ينصفُ كان في بعض ذلك (۲) ما يغيّر هذا الرأي منك، وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به، وعشر على الصديق وكيف (۳) رَوَيْت: «الأن يمتلئ جوف أحدكم قَيْحًا فيرِيَهُ، شعرا» (٤)، وإنَّ من البيان لسحرا» (٥)؟ أما أمره به، فمن المعلوم ضرورةً، فقد كان حسان وعبد الله بـن وكان يذكر لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه وما كان ربُّك نسيا شعرًا ا قُلْتَهُ ، قال : وما هو يا رسول الله؟ قال: زعمت سخينة أن ستغلب ربَّها وليُغلبنَّ مُغالِبُ الغَلابِ (۱) وأما استنشاده إياه فكثير من ذلك الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسُقِي. يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل الأبيات. وعن الشعبي له عن المسروق ، عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله ﷺ إلى القتلى يوم بدر مصرعين فقال لأبي بكر : لو أن أبا طالب حيٌّ لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل». قال: وذلك لقول أبي طالب: كذبتم وبيت الله إن جـد مـا أرى لتلتبِسَن أسيافنا بالأنامل(۲) ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري، جمعه وابن أبي حـدرد الأسلمي الطريق، فقال الحسان بن ثابت: أنشدني قصيدةً من شعر الجاهلية، شعرها وروايته»، رسول الله، وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني -وفي خبر آخر فشعث مني - وإنه سأل هذا عني فأحسن القول. كثيرًا ما يقول: «أبياتكِ». فأقول: ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يجزيك أو يثني عليك وإن من يوما فتدركه العواقب قد نَمَى قالت: فيقول الله: «يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده: صنع إليك عبدي معروفًا قال: فيقول الله : لم إذ لم تشكر من أجريته على يده». وأما علمه ال بالشعر، عدي وتيم تبتغـــي مــــن تُحالِفُ المعنى، هذا، و تمام هذا الشعر ، وهو لقيس بن معدان الكلبي من بني يربوع: فحالف ولا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف رقة مكة : فقال النبي : يا أبا بكر ، أهكذا قال الشاعر ؟ قال : لا يا رسول الله، وأما ارتياحه للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر من وجوه من ذلك حديث بَلَغْنَا السَّماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال: «أجل إن شاء الله». ولا خير في جهل إذا لم يكـــن لـــه حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا قال الراوي: فنظرتُ إليه، ما سقطت له سن ولا انفلت، فقال كعب البجير : الْقَ هذا الرجل وأنا مقيم هاهنا، فانظر ما يقول. فعرض عليه الإسلام فأسلم، فقال في ذلك شعرا، فأهدر النبي ﷺ دمه، فكتب إليه بجير يأمره أن يُسْلِم ويُقبل إلى النبي ﷺ، ويقول: إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل منه رسول الله ، وأسقط ما كان قبل ذلك. بانت سعاد فقلبي اليــوم متبول متيم إثرها لم يفد مغلـــــول وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول حتى أتى على آخرها، فلما بلغ مديح رسول الله ﷺ: إنَّ الرسول السيف يستضاء بـــه في فتية من قريش قال قائلهم زالوا فما زال أنكاس ولا كُشف عند اللقاء ولا ميل معازيل أشار رسول الله ﷺ إلى الحلق أن اسمعوا. قال: وكان رسول الله ﷺ يكون من أصحابه والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة، وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفّى، الكلام إذا نُظم نَظْم الشعر (۲) اتضع في نفسه (۳) ، وتغيّرت حاله فقد أبعد، له معنى، وخالف العلماء في قولهم: «إنما الشَّعر كلام فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، ذلك عن النبي لم مرفوعا أيضا فإن زعم أنه إنما كره الوزن؛ ندعه إلى الشعر من أجل ذلك (۱) ، وإلى حُسْن التمثيل والاستعارة ، وإلى صنعة ولا ضرر علينا فيما فليقل في الوزن ما شاء، أمره، ولا هو مرادنا مـن هـذا يس:١٦٩]، وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، وذاك أنا نعلم أنه لم يمنع من الشعر من أجل أن كان قولاً فصلاً وكلاما جزلاً ومنطقا حسنا وبيانا بينا، وحماه الفصاحة والبراعة، وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ ، وهذا جهل عظيم وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه لو كان أفصح العرب ، وإذا بطل أن يكون المنع من أجل ونحدوه بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية محالاً، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالاً (٢) . فإن قال: إذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ [يس: ٦٩] فقـد كـره للنبي ومن حيث أنه بليغ بين وفصيح حسن ونحو ذلك، حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام، ولم تلتبس به من حيث هذا محال وإذا كان لا بدَّ لك من ملابسة موضع الكراهة، فـقـد لـزم الـعـيـب بروايـة قيل له: وذلك أنه لو كان الكلام إذا وُزِن حَطَّ ذلك من قدره وأزرى به، لكان من حق العيب أن يكون على فإني وأجعله مثالاً فأرى موضع الإعجاز وأقف على الجهة التي منها كان، وألا أؤاخذ بـه؛ و قصد إليه، ليعرفوا فرق ما بين المعجزة والحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البر؛ إذ كان وإذا نحن رجعنا إلى ما قدَّمنا من الأخبار وما صح من الآثار وجدنا الأمر على ورأينا السبيل في منع النبي الله الوزن، الموزون غير ما ذهبوا إليه، الشاعر لا يُعان على وزن الكلام وصياغته شعرًا ولا يُؤيد فيه بروح القدس. بل سبيل الوزن في منعه الله إياه سبيل الخط حين جعل الله لا يقرأ ولا يكتب، في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط، ولتكون أكعم ) للجاحد وأقمع للمعاند، وأردّ لطالب الشبهة، الرد على من تعلل بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ] به أن يجعله حجة في ذمّ الشعر وتهجينه والمنع من حفظه وروايته، والعلم بما فيه من بلاغة، استشهادهم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن وفي غريبه وغريب

Original text

فصل
في الكلام على من زهد في رواية الشعر
وحفظه وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه
لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور:
أحدها: أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سُخف، وهجاء
وسب وكذب وباطل على الجملة.
عنه.
والثاني: أن يذمه لأنه موزون مُقفّى، ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد فيه والتنزه
والثالث: أن يتعلق بأحوال الشعراء، وأنها غير جميلة في الأكثر، ويقول: قد ذُمُّوا في
التنزيل.
وأي كان من هذه رأيا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش، وعلى خلاف ما
يوجبه القياس والنظر، وبالضد مما جاء به الأثر، وصح به الخبر.
الرد على من ذم الشعر لما فيه من هزل ]
أما من زعم أن ذَمَّهُ له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب وباطل، فينبغي أن وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفُحش، وفيها ذِكْرُ الفعل
القبيح، ثم لم يعبهم ذلك؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يَرْوُوا الشعر
من أجله (۱)
قالوا: وكان الحسن البصري - رحمه الله - يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، وكان
من أوجعها عنده:
اليوم عندك دلّها وحديثها وغدا لغيرك كفَّها والمعصم (۳)
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ، ذكره المرزباني في كتابه بإسناد، عن عبد الملك بن
عمير أنه قال: أتي عمر - رضوان الله عليه - بحلل من اليمن، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي
طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل
عليه زيد بن ثابت الله فقال : يا أمير المؤمنين، هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة. فقال:
ائذن لهم يا غلام. فدعا بحلل، فأخذ زيد أجودها [حُلةً]، وقال: هذه لمحمد بن حاطب،
وكانت أمه عنده، وهو من بني لؤي ، فقال عمر : أيهات أيهات!! وتمثل بشعر عمارة بن
الوليد:
أسرك لما صرع القوم نشوة خروجي منها سالما غـيـر غـــارم
بریـــا كــأني قبل لم ألك منهم وليس الخــداع مرتضى في التنــادم
رُدَّها ! ثم قال : ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل. وقال : أدخل يدك فخذ حـلـة وأنت لا
تراها فأعطهم. قال عبد الملك: فلم أر قسمة أعدل منها.
وعمارة هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة، خطب امرأة من قومه فقالت: لا أتزوجك أو
تترك الشراب. فأبى ثم اشتدَّ وجده بها فحلف لها ألا يشرب، ثم مر بخمار عنده شرب
يشربون، فدعوه فدخل عليهم، وقد أنفدوا ما عندهم ، فنحر لهـم ناقته وسقاهم ببرديه،


ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشـوا ثياب الندامى عندهم كالغنائم
ولكننـــا يــــا أم عمــــرونــــديمنا بمنزلة الريان ليس بعائم(۱)
أسرك ... البيتين؟
فإذن، رُبَّ هزل صار أداة في جد وكلام جرى في باطل، ثم استعين به على حق، كما أنه
رُبَّ شيء خسيس تُوصل به إلى شريف، بأن ضُرِبَ مثلاً فيه، وجعل مثالاً له. قال أبو تمام:
والله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس
وعلى العكس، فرُبَّ كلمة حق أريد بها باطل، فاستحق عليها الذم، كما عرفت من خبر
الخارجي مع عليّ - رضوان الله عليه، ورُبَّ قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى
قبيح، كالذي حكى الجاحظ، قال: رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن يوسف، وهو
يومئذ والي ،اليمن، فقال: ما ظننتُ أن قول سبحان الله يكون معصية الله حتى كان اليوم،
رجلاً أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما، فقال رجل من أهل المجلس: سبحان الله !!
سمعت
كالمستعظم لذلك الكلام، ليُغضِبَ ابن يوسف.
فبهذا ونحوه فاعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر.
وبعد؛ فكيف وَضَع من الشعر عندك ، وكَسَبَهُ المقْتَ منك أنك وجدت فيه الباطل
والكذب وبعض ما لا يَحْسُن، ولم يرفعه في نفسك، ولم يوجب له المحبة من قلبك، أن كان فيه
الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب، وأنْ كان تجني ثمر العقول والألباب، ومجتمع فرق
الآداب، والذي (۲) قيَّد على الناس المعاني الشريفة، وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين
الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب
إلى الشاهد، حتى ترى به آثار الماضين مخلّدةً في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين،
وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل منارا مرفوعا وعلما وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل منارًا مرفوعا وعلما
منصوبًا وهاديًا مرشدًا ومعلما مسدّدًا، وتجد فيه للنّائي عن طلب المآثر والزاهد في اكتساب المحامد داعيًا ومحرّضًا وباعثًا ومحضّضًا، ومُذكَّر ومُعرّفا وواعظا ومثقفًا (١) ، فلو كنت ممن
ينصفُ كان في بعض ذلك (۲) ما يغيّر هذا الرأي منك، وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه،
ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به، ولكنك أبيت إلا ظنا سبق إليك، وإلا بادي رأي عـن لـك
فأقفلت عليه قلبك، وسددت عما سواه سمعك، فَعَيَّ الناصح بك، وعشر على الصديق
الخليط تنبيهك .
نعم، وكيف (۳) رَوَيْت: «الأن يمتلئ جوف أحدكم قَيْحًا فيرِيَهُ، خير لـه مـن أن يمتلئ
شعرا» (٤)، ولهجت به و ترکت قوله : «إنَّ من الشَّعر حِكمة، وإنَّ من البيان لسحرا» (٥)؟
وكيف نسيت أمره ﷺ بقول الشعر، ووعده عليه الجنة، وقوله الحسان: «قُلْ وروحُ القُدُسِ
معك»، وسماعه له، واستنشاده إياه، وعلمه ، به واستحسانه له، وارتياحه عند سماعه.


أما أمره به، فمن المعلوم ضرورةً، وكذلك سماعه إياه، فقد كان حسان وعبد الله بـن
رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويسمع منهم ويصغي إليهم، ويأمرهم بالرد على المشركين
فيقولون في ذلك، ويعرضون عليه، وكان يذكر لهم بعض ذلك، كالذي روي من أنه
قال لكعب: «ما نسي ربُّك، وما كان ربُّك نسيا شعرًا ا قُلْتَهُ ، قال : وما هو يا رسول الله؟ قال:
«أنشده يا أبا بكر»، فأنشده أبو بكر -رضوان الله عليه:
زعمت سخينة أن ستغلب ربَّها وليُغلبنَّ مُغالِبُ الغَلابِ (۱)
وأما استنشاده إياه فكثير من ذلك الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسُقِي.
قول أبي طالب:
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه شمال اليتامى عصمة للأرامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل
الأبيات.
وعن الشعبي له عن المسروق ، عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله ﷺ إلى القتلى يوم بدر
مصرعين فقال لأبي بكر : لو أن أبا طالب حيٌّ لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل».
قال: وذلك لقول أبي طالب:
كذبتم وبيت الله إن جـد مـا أرى لتلتبِسَن أسيافنا بالأنامل(۲)
وينهض قوم في الدروع إليهم نهوض الروايا في طريق حلاحل
ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري، جمعه وابن أبي حـدرد
الأسلمي الطريق، قال: فتذاكرنا الشكر والمعروف، قال: فقال محمد: كنا يوما عند النبي ﷺ
فقال الحسان بن ثابت: أنشدني قصيدةً من شعر الجاهلية، فإنَّ الله تعالى قد وضع عنا آثامها في
شعرها وروايته»، فأنشده قصيدة للأعشى هَجَا بها عَلقمة بن عُلاثة: علقـم مـــــا أنـــــت إلى عـــــامر الناقض الأوتــــــار والـــــــواتر فقال النبي


ﷺ: «يا حسان لا تَعُدْ تُنشدني هذه القصيدة بعد مجلسك هذا»!! فقال: يـا
رسول الله، تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر !! فقال النبي ﷺ: «يا حسان، أشكر
الناس للناس أشكرهم الله تعالى، وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني -وفي
خبر آخر فشعث مني - وإنه سأل هذا عني فأحسن القول. فشكره رسول
الله ﷺ على ذلك.
وروي من وجه آخر أن حسان قال: يا رسول الله من نالتك يده وجب علينا شُكْرُه .
ومن المعروف في ذلك خبر عائشة - رضوان الله عليها - أنها قالت: كان رسول الله ﷺ
كثيرًا ما يقول: «أبياتكِ». فأقول:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه
يجزيك أو يثني عليك وإن من
يوما فتدركه العواقب قد نَمَى
أثنى عليك بما فعلت فقد جزی
قالت: فيقول الله: «يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده: صنع إليك عبدي معروفًا
فهل شكرته عليه؟ فيقول: يا رب علمتُ أنه منك فشكرتك عليه، قال: فيقول الله : لم
تَشكُرْني؛ إذ لم تشكر من أجريته على يده».
وأما علمه ال بالشعر، فكما روي أن سودة أنشدت:
عدي وتيم تبتغـــي مــــن تُحالِفُ
فظنّت عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - أنها عرضت بهما، وجرى بينهنَّ كلام في هذا
المعنى، فأخبر النبي ﷺ فدخل عليهن وقال: «يا ويلكن ليس في عَدِيكُنَّ وَلا تَيْمِكنَّ قيـل
هذا، وإنما قيل في عدي تميم وتيم تميم».
و تمام هذا الشعر ، وهو لقيس بن معدان الكلبي من بني يربوع: فحالف ولا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف
ألا مَنْ رأى العبدين أو ذُكِرَا لــه عدِيٌّ وتيم تبتغي مَنْ تحالف
وروى الزبير بن بكار :قال مرَّ رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر ه برجل يقول في بعض
رقة مكة :
يا أيها الرّجلُ المحول رحله هلا نزلت بآل عبد الدار


فقال النبي : يا أبا بكر ، أهكذا قال الشاعر ؟ قال : لا يا رسول الله، ولكنه قال:
يا أيها الرجل المحول رحله
فقال رسول الله ﷺ: «هكذا كنا نسمعها».
هلا سألت عن آل عبد مناف
وأما ارتياحه للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر من وجوه من ذلك حديث
النابغة الجعدي، قال: أنشدت رسول
الله ﷺ قولي:
بَلَغْنَا السَّماء مجدنا وجدودنا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي : أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت الجنة يا رسول الله. قال: «أجل إن شاء
الله». ثم قال: «أنشدني». فأنشدته من قولي:
ولاخير في حلم إذا لم تكــــن لــــه بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكـــن لـــه حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال : «أجَدْتَ لا يفضض الله فاك».
قال الراوي: فنظرتُ إليه، فكأن فاه البَرَد المنْهَل، ما سقطت له سن ولا انفلت، تَرِفُ
غُرُوبُه.
ومن ذلك حديث كعب بن زهير : روي أن كعبا وأخاه بجيرًا خرجا إلى رسول الله ﷺ
حتى بلغا أبرق العَزَّاف، فقال كعب البجير : الْقَ هذا الرجل وأنا مقيم هاهنا، فانظر ما يقول.
وقدم بجير على رسول الله ﷺ، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وبلغ ذلك كعبا، فقال في ذلك
شعرا، فأهدر النبي ﷺ دمه، فكتب إليه بجير يأمره أن يُسْلِم ويُقبل إلى النبي ﷺ، ويقول: إن
من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل منه رسول الله ، وأسقط ما كان قبل ذلك. قال: فقدم كعب وأنشد النبي قصيدته المعروفة:
بانت سعاد فقلبي اليــوم متبول متيم إثرها لم يفد مغلـــــول
وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهــــل بــــالراح معلـــــول
سحَ السُّقاة عليها ماء تحنية من ماء أبطح أضحى وهو مشمول وَيْلُ آمَهَا خُلةٌ لو أنها صدقت موعودهـا أو لــو أن النصح مقبول
حتى أتى على آخرها، فلما بلغ مديح رسول
الله ﷺ:
إنَّ الرسول السيف يستضاء بـــه
في فتية من قريش قال قائلهم
مهند من سيوف الله مسلول
ببطن مكة لما أسلموا زولـوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كُشف عند اللقاء ولا ميل معازيل
لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما بهم عن حياض الموت تهليل
شُمُّ العرانين أبطال البوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل
أشار رسول الله ﷺ إلى الحلق أن اسمعوا. قال: وكان رسول الله ﷺ يكون من أصحابه
مكان المائدة من القوم، يتحلقون حلقة دون حلقة، فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء.
والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة، والأثر به مستفيض.
الرد على ذمّ الشعر لما فيه من وزن وتقفية ]
وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفّى، حتى كأن الوزن عيب، وحتى كأن
الكلام إذا نُظم نَظْم الشعر (۲) اتضع في نفسه (۳) ، وتغيّرت حاله فقد أبعد، وقال قولاً لا يُعرف
له معنى، وخالف العلماء في قولهم: «إنما الشَّعر كلام فَحَسَنُهُ حَسَنٌ، وقبيحه قبيح»، وقد روي
ذلك عن النبي لم مرفوعا أيضا فإن زعم أنه إنما كره الوزن؛ لأنه سببٌ لأن يُتَغَنَّى في الشعر ويُتلهى به، فإنا إذا كنا لم
ندعه إلى الشعر من أجل ذلك (۱) ، وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل، والقول الفصل والمنطق
الحسن والكلام البيّن، وإلى حُسْن التمثيل والاستعارة ، وإلى التلويح والإشارة، وإلى صنعة
تعمد إلى المعنى الخسيس فتشرفه، وإلى الضئيل فتفخمه، وإلى النازل فترفعه، وإلى الخامل فتنوه
به وإلى العاطل (۲) فتحلّيه، وإلى المشكل فتجليه، فلا متعلق له بما ذكر (۳)، ولا ضرر علينا فيما
أنكر، فليقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد، فليس يعنينا ،أمره، ولا هو مرادنا مـن هـذا
الذي راجعنا القول فيه.
وهذا هو الجواب المتعلق إن تعلق بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ
[يس:١٦٩]، وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر، ومن حفظه وروايته). وذاك أنا نعلم أنه
لم يمنع من الشعر من أجل أن كان قولاً فصلاً وكلاما جزلاً ومنطقا حسنا وبيانا بينا،
كيف؟ وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة، وحماه الفصاحة والبراعة،
وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن العبارة وشرف اللفظ ، وهذا جهل عظيم وخلاف لما عرفه البلغاء وأجمعوا عليه من أنه لو كان أفصح العرب ، وإذا بطل أن يكون المنع من أجل
هذه المعاني)، وكنا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها، ونحدوه بطلبه على طلبها، كان
الاعتراض بالآية محالاً، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالاً (٢) .
الرد على من تعلق بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشَّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ]
فإن قال: إذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ [يس: ٦٩] فقـد كـره للنبي
الشعر ونزّهه عنه بلا شبهة، وهذه الكراهة وإن كانت لا تتوجّه إليه من حيث هـو كـلام،
ومن حيث أنه بليغ بين وفصيح حسن ونحو ذلك، فإنها تتوجه إلى أمر (۳) لا بـد لـك مـن
التلبس به في طلب ما ذكرت أنه مُرادك من الشعر، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تميز كونه
كلاما عن كونه شعرًا، حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام، ولم تلتبس به من حيث
هو شعر. هذا محال وإذا كان لا بدَّ لك من ملابسة موضع الكراهة، فـقـد لـزم الـعـيـب بروايـة
الشعر وإعمال اللسان فيه (٤) .
قيل له:
هذا منك كلام لا يتحصل، وذلك أنه لو كان الكلام إذا وُزِن حَطَّ ذلك من قدره وأزرى
به، وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما، وكسبه ذمّا، لكان من حق العيب أن يكون على
واضع الشعر أو من يريده لمكان الوزن خصوصا دون من يريده لأمر خارج منه، ويطلبه
لشيء سواه) فأما قولك: إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما يكره، فإني
إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه ولم أُرِدْه له، وأردته لأعرف به مكان بلاغة، وأجعله مثالاً
في براعة، أو أحتج به في تفسير كتاب وسنة، وأنظر إلى نظمه ونظم القرآن، فأرى موضع
الإعجاز وأقف على الجهة التي منها كان، وأتبيَّن الفصل والفرقان (۲) فحق هذا التلبس (۳) ألا
يُعتد علي ذنبًا، وألا أؤاخذ بـه؛ إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقـع المكروه
و قصد إليه، وقد تتبع العلماء الشَّعوذة والسحر وعُنُـوا بالتوقف (الوقوف) عـلـى حيـل
المموهين؛ ليعرفوا فرق ما بين المعجزة والحيلة، فكان ذلك منهم من أعظم البر؛ إذ كان
الغرض كريما والقصد شريفا (٤).
، وإذا نحن رجعنا إلى ما قدَّمنا من الأخبار وما صح من الآثار وجدنا الأمر على
خلاف ما ظنَّ هذا السائل، ورأينا السبيل في منع النبي الله الوزن، وأن ينطلق لسانه بالكلام
الموزون غير ما ذهبوا إليه، وذاك أنه لو كان منع تنزيه وكراهة، لكان ينبغي أن يُكره له سماع الكلام موزونًا وأن يُنزّه سمعه عنه كما نُزِّه لسانه، ولكان ﷺ لا يأمر به ولا يحث عليه، وكان
الشاعر لا يُعان على وزن الكلام وصياغته شعرًا ولا يُؤيد فيه بروح القدس.
وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يُعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه وكراهة، بل سبيل
الوزن في منعه الله إياه سبيل الخط حين جعل الله لا يقرأ ولا يكتب، في أن لم يكن المنع من
أجل كراهة كانت في الخط، بل لأن تكون الحجة أبهر وأقهر والدلالة أقوى وأظهر، ولتكون
،
أكعم ) للجاحد وأقمع للمعاند، وأردّ لطالب الشبهة، وأمنع من ارتفاع الريبة.
الرد على من تعلل بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ]
وأما التعلق بأحوال الشعراء بأنهم قد ذُمُّوا في كتاب الله تعالى(٢)، فما أرى عاقلاً يرضى
به أن يجعله حجة في ذمّ الشعر وتهجينه والمنع من حفظه وروايته، والعلم بما فيه من بلاغة،
وما يختص به من أدب وحكمة، ذاك لأنه يلزم على قود (۳) هذا القول أن يعيب العلماء في
استشهادهم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن وفي غريبه وغريب
الحديث، وكذلك يلزمه أن يدفع سائر ما تقدم ذكره من أمر النبي
ﷺ بالشعر وإصغائه إليه
واستحسانه له.
هذا، ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله، وأنه يحمل ذنب الشاعر على الشعر لكان
ينبغي أن يُخص ولا يُعم، وأن يُستثني، فقد قال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا ﴾ [الشعراء: ۲۲۷]، ولولا أن القول يجرُّ بعضه بعضا، وأن الشيء يُذكر لدخوله


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

في عصر الضعف لم...

في عصر الضعف لم يكن النثر أوفر حظا من الشعر فيعدوه الإسفاف، وكلاهما رُزِئ ببلاغته، ومضى عهد فرسانه ا...

يستدعي استشراف ...

يستدعي استشراف آفاق التعاون الليبي السعودي في قطاع النفط الصخري لما بعد عام 2026 تبني رؤية تحليلية ق...

حذر مركز التنبؤ...

حذر مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد بالعاصمة عدن،...

الاجابة علي تسا...

الاجابة علي تساؤلات البحث : السؤال الأول : ما السمات المميزة لدائرة الابراج المصرية ( زودياك دندرة )...

مقدمة التعريف ب...

مقدمة التعريف بقانون المرافعات المدنية والتجارية يتمتع الفرد في المجتمعات المتحضرة بأن يستوفي حقه با...

دروس في المال: ...

دروس في المال: كيف أنقذ "شاكيل أونيل" نفسه من مصير الإفلاس الذي يلاحق لاعبي السلة؟ مفارقة غريبة لكن...

درك الإمام أن ط...

درك الإمام أن طرد البرتغاليين من الحصون الساحلية يستحيل دون تأمين جبهة داخلية موحدة، فوضع خطة عسكرية...

2 - بداية عصر ا...

2 - بداية عصر الانقلابات -1-2- انقلاب حسني الزعيم 1949 م لقد كان لتردي الأوضاع الداخلية فضلا على الص...

بالقرب من مدينة...

بالقرب من مدينة أور الأثرية. كان من المقرر أن يمتد موسم التنقيب لهذا العام من منتصف شهر سبتمبر/أيلول...

This is my Engl...

This is my English timetable. I have three English classes every week. My classes are on Sunday, Tue...

ينتسب المعنيون ...

ينتسب المعنيون الى الأمير معن بن ايوب الملقب بابي ربيعة، وهم عرب يمنيون نزحوا من شمالي بلاد الشام وم...

زار وفد شركة «م...

زار وفد شركة «موف وان» (Move One) العالمية للخدمات اللوجستية، البريطانية الأمريكية، برئاسة السيد جيس...

Tech news