Home

Lakhasly

Online English Summarizer tool, free and accurate!

ورثنا عن العهد الجاهلي أدباً ناضجاً ولغة رائعة، و ممّا يجدر بالذكر هنا أنّ الشعر الذي وصل إلينا لا يحوي جميع الشعر الذي نظّم في العهد قبل الإسلام؛ فما وصل إلينا من ذلك الشعر هو الذي نظّم خلال القرنين قبل انبثاق نور الإسلام في شبه الجزيرة العربية . وقد أشار الجاحظ إلى هذه القضية قائلا: "وأمًا الشعر فحديث الميلاد صغير السن. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له - إلى أن جاء الإسلام - خمسين ومئة عام وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام . وقد ضاع الكثير من الشعر الذي قرضه العرب قبل الإسلام وما وصل إلينا منه هو قليل. وقال أبو عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلّه ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير". بدأ العرب بالمرسل ثم انتقل إلى السجع، ومن السجع إلى الرجزء ثم تدرجوا من الرجز إلى القصيد. ومن أقدم الشعراء وأجودهم الذين وصلت إلينا أخبارهم وأشعارهم هم: امرؤ القيس بن حجر الكندي؛ وعبيد بن الأبرص ومهلهل بن ربيعة وعمرو بن قميئة والمرقّش الأكبر والمرقش الأصغر وزهير بن أبي سلمى وعنترة العبسي وطرفة بن العبد والحارث الحلّزة والنابغة الذبياني وحسّان بن ثابت والحطيئة  وتأبّط شراء والمهلل عدي بن ربيعة وحاتم الطائي وأكثم بن صيفي وأميّة بن أبي الصلت؛ وقد تناقل هذا الشعر بالأفواه والرواة الذين كانوا يتناقلون الأشعار الجاهلية عن طريق الرواية والحفظ. والأسباب الرئيسة لذلك تعود إلى انتشار الأمية عند العرب في ذلك العهد وقلة وسائل التدوين والكتابة لديهم. وعلى الرغم من ذلك فإنَ العرب اهتمّوا بشعرهم كثيراء فحفظوه ونقلوه جيلا بعد جيل. بدأ نشاط حركة رواية الشعر مع بدء العهد الأموي بوجه عام وفي القرن الثاني بوجه خاص. ظهر في تاريخ العرب الرواة الوضّاع، وهؤلاء الرواة الوضّاعين وضعوا شعرا كثيرا ونسبوه إلى بعض الشعراء الجاهليين لغاية العصبية القبلية أو رفدا للقصص والأخبار أو لإذاعة النزاعات الشعوبية أو الإرهاص للبعثة النبوية. ومن هؤلاء الرواة خلف الأحمر وحمّاد الراوية وغيرهما. ولكن في نفس الوقت ظهرت جماعة من الرواة الثقات من أهل البصرة والكوفة أمثال المفضّل الضبّي والخليل بن أحمد الفراهيدي؛ وأبي عمرو بن العلاء؛ بذل هؤلاء الرواة الثقات مساعيهم المخلصة في تمييز الشعر الصحيح من الشعر الزائف. وكل من له إلمام بتاريخ الشعر الجاهلي يعرف جيّدا أنّ هناك أشعارا منحولة وأخبارا غير الموثوق بها في تراث الأدب العربي الجاهلي. قد عالج العديد من كبار الأدباء والنقاد موضوع انتحال الشعر الجاهلي في كل العصر وحاولوا تمييز الشعر الصحيح من الشعر الزائف، وممّن أثار موضوع الانتحال من المستشرقين والدارسين العرب في الشعر الجاهلي هو المستشرق الإنجليزي مرغليوثك الذي نشر سنة 1925م مقالة له بعنوان: "أصول الشعر العربي" وأنكر فيها صحة الشعر الجاهلي جملة، أقام مذهبه هذا على عديد من المزاعم والتصورات المتناقضة. وهذا الإدعاء جعل بعض المستشرقين أنفسهم يردون عليه، اتبع طه حسين رأي مرغليوث في كتابه : "في الشعر الجاهلي" الذي نشر عام 1926. وقال فيه إن جميع الشعر الجاهلي منحول، وقد وضع هذا الشعر في العهد الإسلامي أو الأموي لغايات سياسية ودينية واجتماعية. وهذه الآراء لطه حسين بشأن الشعر الجاهلي أغضبت العديد من الأدباء والنقّاد العرب؛ فردوا على آرائه الجريئة والخطيرة، ومن أبرز هؤلاء النقّاد مصطفى الرافعي مما نسمّيه أدبا جاهلياً - ليست من الجاهلية في شيء وإِنّما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثّل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر ممًا تمثّل حياة الجاهليين"، ثم ظهر عديد من النقّاد وفي مقدّمتهم ناصر الدين الأسد الذين أثبتوا وجود الشعر العربي الجاهلي، وقد وجد الباحثون المعاصرون بين أيديهم عدداً من مصادر الشعر الجاهلي التي جاءت عن طريق الرواة الأمناء الصادقين؛ الذين وقفوا جهودهم على التحري والتثبت. المعلّقات مجموعة من أهمّ قصائد شعراء العهد الجاهلي وأروعها، اختلف الرواة والنقاد حول تسمية هذه المعلّقات وعددها؛ فسمّيت أيضا السبع الطوال، ومن أقوال تسميتها بالمعلقات هي أنّ العرب انتقوها من شعر فحولهم؛ وناطوها بالكعبة تشريفًا لها وتعظيمًا لمقامها  وكتبت بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بأستار الكعبة. وقيل إنها سمّيت بذلك لأنها من القصائد المستجادة التي كانت تُعلّق في خزائن الملوك أو لأنها تجدر أن تعلق في أذهان الناس لجمالها. وشعراء المعلقات هم امرؤ القيس، وزهير بن أبي سلمى؛ والحارث بن الحزة اليشكري والنابغة الذبياني، اتّفق معظم نقّاد الشعر على ريادة الشعراء السبعة؛ فوضعوهم في الطبقات الأولى من الشعراء الجاهليين. ويغلب على هذه القصائد الطوال بداوة التعبير، وطزاجة اللغة: "فقد جاء الأدب الجاهلي ابن بيئة يمثّلها في الفطرة والبداهة الشائعتين في أغراضه ومعانيه ولغته وتصاويره. كان الشاعر في هذا العصر لا يحاول تأليف معانيه؛ وإنما يرسلها إرسالًا يخلو من الترتيب"  يرى بعض النقّاد أن "حمّاد الراوية" (م155 أو 158 ه) هو أول من جمع هذه المعلقات من مجموعات الشعر المتاحة لديه. ويقول آخرون إن هذه المعلّقات جمعها بعض رواة الشعر الجاهلي قبل حمّاد الراوية. ومن أشهر هذه الشروح المعروفة: شرح ابن الأنباري المسمّى ب"شرح القصائد السبع" وشرح أبي جعفر أحمد بن مد النحاس النحوي؛ وشرح أبي إسماعيل ابن قاسم القالي وشرح الشنقيطي "شرح المعلقات العشر"؛ وأبو بكر عاصم بن أيوب البطليموسي والشيخ أبو زكريا يحيى بن علي المعروف بابن الخطيب التبريزي ومحمد بن محمود بن مد المسكان والإمام الدميري الشافعي؛ والقاضي الإمام المتحقق أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزَّورّني في "شرح المعلقات السبع"؛ نظّمت المعلّقات في نظام معين من المعاني والموضوعات ؛ وبكاء على آثار الديار ثم يصفون رحلاتهم في الصحراء؛ وما يركبونه من إبل وخيل وكثيرًا ما يشبّهون الناقة في سرعتها ببعض الحيوانات الوحشية ويمضون في تصويرها ثم يخرجون إلى الغرض من قصيدتهم مديحًا أو هجاء أوفخرًا أو عتابًا أو رثاء. وللقصيدة مهما طالت تقليد ثابت في أوزانها وقوافيها فهي تتألف من وحدات موسيقية يسمّونها الأبيات وتتحد جميع الأبيات في وزنها وقافيتها وما تنتهي به من رَوِي. فنون الشعر الجاهلي وأغراضه: يقولون إن الشعر ديوان العرب ومرآة للحياة البدوية مع أنّه نبغ في المدن العديد من الشعراء. يقدّم الشعر الجاهلي صورة حقيقية للبيئة التي نشأ فيها أصحابه قبل الإسلام في كثير من جوانبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمعرفية والدينية كما يعكس ذلك الشعر طائفة من الجوانب النفسية والمثل الأخلاقية للعرب من شجاعة وفروسية وفتوة، ولذلك تعددت أغراض الشعر الجاهلي وفنونه؛ كما كان فيه فخر ورثاء وهجاء؛ والجدير بالذكر هنا أن الشعر العربي القديم كله غنائي أو وجداني. وهو الشعر الذي يعبّر فيه الشاعر عن نفسه؛ ومعظم فنون الشعر الجاهلي هي كما يلي: وللغزل النصيب الأكبر بين جميع الفنون للشعر الجاهلي، وذلك لأنّه أعلق الفنون الشعرية بالقلوب، ويسمّى الغزل أيضا التغزل؛ والنسيب والتشبيب ومن أبرز سماته عند الجاهليين ظاهرة التعلق بالمرأة والسعي إلى مودتها ووصف مفاتنها الجسدية. وإمام شعراء الغزل هو امرؤ القيس الكندي، ولاسيّما معلقته صوّرا وحكايات كانت بينه وبين النساء. ومعظم هؤلاء الشعراء العشاق عرفوا بالعفة والبعد عن الأوصاف للجسد ومعاناة الأشواق اللاّذعة. ويمكن أن يعد غزلهم النواة الأولى للغزل العذري الذي عرف في العصر الأموي. وفي غزلهم اقترن كل واحد منهم اسمه بصاحبته التي اشتهر بها. وفي العصر الجاهلي كانت للناس مثل أعلى وعادات سامية ورثوها جيلا بعد جيل كالشجاعة والكرم وحماية الجار وإغاثة الملهوف وعراقة النسب. والشعر المديح يمل هذه الأخلاق والسجايا والعادات والسمات الجاهلية العالية الأخرى. وقام المديح مقام السجل الشعري في رسمه لنواح كثيرة من حياة الأعلام: ملوكاً وسادة؛ وأحيانا كان يمتزج بالإسراف والمبالغة يختلط فيه الواقع بالخيال والعقل بالعاطفة والحق بالباطل. استخدم الشعر المديح إمَا لاكتساب المال كما فعل حمتان بن ثابت قبل الإسلام أو لإظهار الإعجاب والشعور الصّادق والحب العميق والإحساس النقي كما فعل زهير بن أبي سلمى. إن بين المدح والفخر صلة قويّة؛ فالمعاني التي تتردد في المدح يتغنّى بها الشعراء المفتخرون. والفخر إما يتغنّى به الشعراء بالبطولات وشنّ الغارات وتمجيد الانتصارات وكثرة العدد والعدة ومنازلة الأقران ونجدة الصريخ؛ والحفاظ على الشرف والجار. كون ذاتي ينبعث من نفوس تهوى العزة والمجد وتحرص على بناء المكارم؛ والتباهي بمآثرها الفردية. ومن خير ما يمثل هذا الفخر القبلي الحماسي معلقة عمر بن كلثوم التغلبي الذي سجّل فيها انتصارات قبيلته؛ وما يتحلى به أفرادها من شجاعة وإقدام؛ وسطوة وهيبة وأنفة وإباء. الرثاء والمديح كلاهما إشادة بالمرء وإعلاء شأنه؛ والثاني إشادة بالحي وتمديد لمآثره وسجاياه. ويمتاز الرثاء أيضا بأنه فن شعري ثابت المعاني والهدف؛ لأنه يعبّر في معظم أحواله عن انفعال وجداني وشعور عميق بالحزن والألم. وهذه المعاني والأفكار تتردد في أشعار الرثاء عند الجاهليين. ومن الشعراء الجاهليين الذين أجادوا الرثاء هم: المهلهل بن ربيعة ودريد بن الصمة وأعشى باهلة ولبيد بن ربيعة وطفيل الغنوي وأوس بن حجر وأبو دواد الإيادي. كما عرفت كثير من النساء بإجادة هذا الفن الشعري والنبوغ فيه كالخنساء تماضر وجليلة زوجة كليب وسعدى بنت الشمردل وغيرهنّ. ولهذا الفن في الشعر الجاهلي حظ قليل بالنسبة للفخر والغزل؛ ولكنّ أثره كبير في النفوس ووقعه أليم في القلوب؛ لأنّه يقوم على إذلال المهجوء وتجريده من الفضائل والمثل التي يفتخر بها القوم أو التي بها يمدحون. والهجاء في الشعر الجاهلي هو انتقاص للخصم، وتعيير له بجملة من المخازي والمساوئ التي يستهجنها مجتمعه. والهجاء عندهم إِمَا فردي أو جماعي يتّجه إلى القبيلة نفسها وقد يجمع الشاعر بينهما. ومن سمات هجاء الجاهليين التجتّب من الإفحاش والشتيمة الصريحة؛ ولكن ربما داخله شيء من السخرية والتعريض والتلميح الموجع؛ الحكمة هي فنّ قديم في أشعار الجاهليين؛ لأننا نجدها في أشعار أوائلهم؛ كملك الشعراء امرئ القيس. وحكم وأمثال الشعراء الجاهليين مستمدة من بيئتهم التي عاشوها وما جرت فيهم من الحروب والأوضاع السلمية والعلاقات والعادات والأخلاق. وهذه الحكم والأمثال تمثل صفاء الفطرة ودقة الإحساس وغنى التجارب والقدرة على استخلاص العبرة من الحوادث ولا تخلو من قيمة تاريخية ودلالة اجتماعية ونواح أخلاقية وفلسفة عملية. والمعلقات هي أوضح الأمثلة للقصائد التي تحفل بالحكم على تنوع موضوعاتها وأغراضها. الوصف: يغلب الوصف على جميع أبواب الشعر الجاهلي، يحوي كل ما يقع تحت الحواس من ظواهر طبيعية حيّة كانت أو وصامتة. يمثّل هذا النوع من الشعر حياة الشعراء الذين عايشوا الصحراء في حلهم وترحالهم وألفوا القفار الموحشة وما فيها من جبال ووديان ومياه وحيوانات أليفة وغير أليفة فوصفوا ذلك كله لأنّه وثيق الصلة بحياتهم وتقلباتهم. وكانت الناقة صاحبة الشاعر في جوبه لتلك الفيافي والمفاوز ولذلك أكثر فيها القول وافتن في وصف أجزاء جسمها وصور كل أحوالها في سيرها وسرعتها وصبرها على مشاق السفر. والفرس هو الحيوان الثاني الذي يرافق الشاعر الجاهلي ويقاسمه العيش ويتحمل معه التعب والعناء والسير والسرى ولاسيما في خروجه إلى الصيد وخوضه الحروب. والشعراء الجاهليون وصفوا ضروب الحيوان الأخرى ولاسيّما الثور الوحشي والبقرة الوحشية وجعلوا وصفهم لهذين الحيوانين ذريعة إلى وصف الناقة بالسرعة والخفة عن طريق تشبيهها بأحدهما. وورد في القصائد أيضا أوصاف لحيوانات أخرى: كالهرة والديك والحيّة والذئب والنعامة والغراب. وهذه الأوصاف كلها تأتي في ثنايا القصائد الطويلة، التي تؤلف ركنا ثابتً في أول القصيدة الطويلة. ومظاهر الطبيعة حولهم كالليل والسحاب والرعد والبرق . ووصف الشعراء الجاهليون أيضا الخمر ومجالس الشرب واللهو والحرب وأسلحته المختلفة. ورد في الكتب ذكر عشرات الشعراء الجاهليين الذين نالوا صيتا ذائعا بقصائدهم الرائعة في عهدهم وفي العهود اللاحقة وكل واحد يستحق الذكر والاعتناء في هذه الصفحات.

Original text

الشعر في العهد الجاهلي:
ورثنا عن العهد الجاهلي أدباً ناضجاً ولغة رائعة، و ممّا يجدر بالذكر هنا أنّ الشعر الذي وصل إلينا لا يحوي جميع الشعر الذي نظّم في العهد قبل الإسلام؛ فما وصل إلينا من ذلك الشعر هو الذي نظّم خلال القرنين قبل انبثاق نور الإسلام في شبه الجزيرة العربية .وقد أشار الجاحظ إلى هذه القضية قائلا: "وأمًا الشعر فحديث الميلاد صغير السن... فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له - إلى أن جاء الإسلام - خمسين ومئة عام وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام . وقد ضاع الكثير من الشعر الذي قرضه العرب قبل الإسلام وما وصل إلينا منه هو قليل. وقال أبو عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلّه ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير".
بدأ العرب بالمرسل ثم انتقل إلى السجع، ومن السجع إلى الرجزء ثم تدرجوا من الرجز إلى القصيد. ومن أقدم الشعراء وأجودهم الذين وصلت إلينا أخبارهم وأشعارهم هم: امرؤ القيس بن حجر الكندي؛ وعبيد بن الأبرص ومهلهل بن ربيعة وعمرو بن قميئة والمرقّش الأكبر والمرقش الأصغر وزهير بن أبي سلمى وعنترة العبسي وطرفة بن العبد والحارث الحلّزة والنابغة الذبياني وحسّان بن ثابت والحطيئة  وتأبّط شراء والمهلل عدي بن ربيعة وحاتم الطائي وأكثم بن صيفي وأميّة بن أبي الصلت؛ ومن سواهم. وقد تناقل هذا الشعر بالأفواه والرواة الذين كانوا يتناقلون الأشعار الجاهلية عن طريق الرواية والحفظ. والأسباب الرئيسة لذلك تعود إلى انتشار الأمية عند العرب في ذلك العهد وقلة وسائل التدوين والكتابة لديهم. وعلى الرغم من ذلك فإنَ العرب اهتمّوا بشعرهم كثيراء فحفظوه ونقلوه جيلا بعد جيل. 


بدأ نشاط حركة رواية الشعر مع بدء العهد الأموي بوجه عام وفي القرن الثاني بوجه خاص. وبهذه الأنشطة الشعرية؛ ظهر في تاريخ العرب الرواة الوضّاع، وهؤلاء الرواة الوضّاعين وضعوا شعرا كثيرا ونسبوه إلى بعض الشعراء الجاهليين لغاية العصبية القبلية أو رفدا للقصص والأخبار أو لإذاعة النزاعات الشعوبية أو الإرهاص للبعثة النبوية. ومن هؤلاء الرواة خلف الأحمر وحمّاد الراوية وغيرهما. ولكن في نفس الوقت ظهرت جماعة من الرواة الثقات من أهل البصرة والكوفة أمثال المفضّل الضبّي والخليل بن أحمد الفراهيدي؛ وأبي عمرو بن العلاء؛ والفراء؛ وابن سلّام الجمحي وغيرهم، بذل هؤلاء الرواة الثقات مساعيهم المخلصة في تمييز الشعر الصحيح من الشعر الزائف. وكل من له إلمام بتاريخ الشعر الجاهلي يعرف جيّدا أنّ هناك أشعارا منحولة وأخبارا غير الموثوق بها في تراث الأدب العربي الجاهلي. 
قد عالج العديد من كبار الأدباء والنقاد موضوع انتحال الشعر الجاهلي في كل العصر وحاولوا تمييز الشعر الصحيح من الشعر الزائف، وممّن أثار موضوع الانتحال من المستشرقين والدارسين العرب في الشعر الجاهلي هو المستشرق الإنجليزي مرغليوثك الذي نشر سنة 1925م مقالة له بعنوان: "أصول الشعر العربي" وأنكر فيها صحة الشعر الجاهلي جملة، أقام مذهبه هذا على عديد من المزاعم والتصورات المتناقضة. وهذا الإدعاء جعل بعض المستشرقين أنفسهم يردون عليه، اتبع طه حسين رأي مرغليوث في كتابه : "في الشعر الجاهلي" الذي نشر عام 1926. وقال فيه إن جميع الشعر الجاهلي منحول، وقد وضع هذا الشعر في العهد الإسلامي أو الأموي لغايات سياسية ودينية واجتماعية. وهذه الآراء لطه حسين بشأن الشعر الجاهلي أغضبت العديد من الأدباء والنقّاد العرب؛ فردوا على آرائه الجريئة والخطيرة، ومن أبرز هؤلاء النقّاد مصطفى الرافعي مما نسمّيه أدبا جاهلياً - ليست من الجاهلية في شيء وإِنّما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثّل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر ممًا تمثّل حياة الجاهليين"، ثم ظهر عديد من النقّاد وفي مقدّمتهم ناصر الدين الأسد الذين أثبتوا وجود الشعر العربي الجاهلي، وقد وجد الباحثون المعاصرون بين أيديهم عدداً من مصادر الشعر الجاهلي التي جاءت عن طريق الرواة الأمناء الصادقين؛ الذين وقفوا جهودهم على التحري والتثبت.
المعلقات وأهميتها:
المعلّقات مجموعة من أهمّ قصائد شعراء العهد الجاهلي وأروعها، اختلف الرواة والنقاد حول تسمية هذه المعلّقات وعددها؛ فسمّيت أيضا السبع الطوال، والمذهبات، والسموط وغيرها. ويبلغ عددها عشرة أو أكثر. أمَا السبع منها فهي الأروع والأفضل. ومن أقوال تسميتها بالمعلقات هي أنّ العرب انتقوها من شعر فحولهم؛ وذهّبوها على الحرير، وناطوها بالكعبة تشريفًا لها وتعظيمًا لمقامها  وكتبت بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بأستار الكعبة. وقيل إنها سمّيت بذلك لأنها من القصائد المستجادة التي كانت تُعلّق في خزائن الملوك أو لأنها تجدر أن تعلق في أذهان الناس لجمالها. وشعراء المعلقات هم امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى؛ ولبيد بن ربيعة، وعمروبن كلثوم، وعنترة بن شدّاد، والحارث بن الحزة اليشكري والنابغة الذبياني، والأعشى ميمون، وعبيد بن الأبرص. اتّفق معظم نقّاد الشعر على ريادة الشعراء السبعة؛ فوضعوهم في الطبقات الأولى من الشعراء الجاهليين. ويغلب على هذه القصائد الطوال بداوة التعبير، وطزاجة اللغة: "فقد جاء الأدب الجاهلي ابن بيئة يمثّلها في الفطرة والبداهة الشائعتين في أغراضه ومعانيه ولغته وتصاويره.
كان الشاعر في هذا العصر لا يحاول تأليف معانيه؛ وإنما يرسلها إرسالًا يخلو من الترتيب"  يرى بعض النقّاد أن "حمّاد الراوية" (م155 أو 158 ه) هو أول من جمع هذه المعلقات من مجموعات الشعر المتاحة لديه. ويقول آخرون إن هذه المعلّقات جمعها بعض رواة الشعر الجاهلي قبل حمّاد الراوية. وقد شرحها الكثيرون من النقاد والكتاب. ومن أشهر هذه الشروح المعروفة: شرح ابن الأنباري المسمّى ب"شرح القصائد السبع" وشرح أبي جعفر أحمد بن مد النحاس النحوي؛ وشرح أبي إسماعيل ابن قاسم القالي وشرح الشنقيطي "شرح المعلقات العشر"؛ والخطيب التبريزي "شرح القصائد العشر"؛ وأبو بكر عاصم بن أيوب البطليموسي والشيخ أبو زكريا يحيى بن علي المعروف بابن الخطيب التبريزي ومحمد بن محمود بن مد المسكان والإمام الدميري الشافعي؛ والقاضي الإمام المتحقق أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزَّورّني في "شرح المعلقات السبع"؛ أما أقدم الشروح لها فهو شرح الأعلم الثتنتمرى المتوفي سنة 476 ه. نظّمت المعلّقات في نظام معين من المعاني والموضوعات ؛ فنوى أصحابها يفتحونها غالبًا بوصف الأطلال؛ وبكاء على آثار الديار ثم يصفون رحلاتهم في الصحراء؛ وما يركبونه من إبل وخيل وكثيرًا ما يشبّهون الناقة في سرعتها ببعض الحيوانات الوحشية ويمضون في تصويرها ثم يخرجون إلى الغرض من قصيدتهم مديحًا أو هجاء أوفخرًا أو عتابًا أو رثاء. وللقصيدة مهما طالت تقليد ثابت في أوزانها وقوافيها فهي تتألف من وحدات موسيقية يسمّونها الأبيات وتتحد جميع الأبيات في وزنها وقافيتها وما تنتهي به من رَوِي.


فنون الشعر الجاهلي وأغراضه:
يقولون إن الشعر ديوان العرب ومرآة للحياة البدوية مع أنّه نبغ في المدن العديد من الشعراء. يقدّم الشعر الجاهلي صورة حقيقية للبيئة التي نشأ فيها أصحابه قبل الإسلام في كثير من جوانبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمعرفية والدينية كما يعكس ذلك الشعر طائفة من الجوانب النفسية والمثل الأخلاقية للعرب من شجاعة وفروسية وفتوة، ومن إكرام للضيف وإغاثة للصّريخ وغير ذلك . ولذلك تعددت أغراض الشعر الجاهلي وفنونه؛ فكان فيه غزل؛ ومدح؛ كما كان فيه فخر ورثاء وهجاء؛ فضلاً عن الحكمة والوصف. والجدير بالذكر هنا أن الشعر العربي القديم كله غنائي أو وجداني. وهو الشعر الذي يعبّر فيه الشاعر عن نفسه؛ وينقل عن قلبه، ويتحدث عن شعوره.


ومعظم فنون الشعر الجاهلي هي كما يلي:
الغزل:
وللغزل النصيب الأكبر بين جميع الفنون للشعر الجاهلي، وذلك لأنّه أعلق الفنون الشعرية بالقلوب، وأقربها إلى النفوس. ويسمّى الغزل أيضا التغزل؛ والنسيب والتشبيب ومن أبرز سماته عند الجاهليين ظاهرة التعلق بالمرأة والسعي إلى مودتها ووصف مفاتنها الجسدية. وإمام شعراء الغزل هو امرؤ القيس الكندي، تعكس أشعاره؛ ولاسيّما معلقته صوّرا وحكايات كانت بينه وبين النساء. ومعظم هؤلاء الشعراء العشاق عرفوا بالعفة والبعد عن الأوصاف للجسد ومعاناة الأشواق اللاّذعة. ويمكن أن يعد غزلهم النواة الأولى للغزل العذري الذي عرف في العصر الأموي. وفي غزلهم اقترن كل واحد منهم اسمه بصاحبته التي اشتهر بها. وأحيانا كانت هؤلاء الصواحب نساء أسطوريات.
المديح:
وفي العصر الجاهلي كانت للناس مثل أعلى وعادات سامية ورثوها جيلا بعد جيل كالشجاعة والكرم وحماية الجار وإغاثة الملهوف وعراقة النسب. والشعر المديح يمل هذه الأخلاق والسجايا والعادات والسمات الجاهلية العالية الأخرى. وقام المديح مقام السجل الشعري في رسمه لنواح كثيرة من حياة الأعلام: ملوكاً وسادة؛ وأجواداً. وأحيانا كان يمتزج بالإسراف والمبالغة يختلط فيه الواقع بالخيال والعقل بالعاطفة والحق بالباطل. استخدم الشعر المديح إمَا لاكتساب المال كما فعل حمتان بن ثابت قبل الإسلام أو لإظهار الإعجاب والشعور الصّادق والحب العميق والإحساس النقي كما فعل زهير بن أبي سلمى.
الفخر:
إن بين المدح والفخر صلة قويّة؛ فالمعاني التي تتردد في المدح يتغنّى بها الشعراء المفتخرون. والفخر إما يتغنّى به الشعراء بالبطولات وشنّ الغارات وتمجيد الانتصارات وكثرة العدد والعدة ومنازلة الأقران ونجدة الصريخ؛ والحفاظ على الشرف والجار.
كون ذاتي ينبعث من نفوس تهوى العزة والمجد وتحرص على بناء المكارم؛ والتباهي بمآثرها الفردية. ومن خير ما يمثل هذا الفخر القبلي الحماسي معلقة عمر بن كلثوم التغلبي الذي سجّل فيها انتصارات قبيلته؛ وما يتحلى به أفرادها من شجاعة وإقدام؛ وسطوة وهيبة وأنفة وإباء.
الرثاء:
الرثاء والمديح كلاهما إشادة بالمرء وإعلاء شأنه؛ إلا أنّ الأول هو إشادة بالميّت وخصاله؛ والثاني إشادة بالحي وتمديد لمآثره وسجاياه. ويمتاز الرثاء أيضا بأنه فن شعري ثابت المعاني والهدف؛ لأنه يعبّر في معظم أحواله عن انفعال وجداني وشعور عميق بالحزن والألم. وهذه المعاني والأفكار تتردد في أشعار الرثاء عند الجاهليين. ومن الشعراء الجاهليين الذين أجادوا الرثاء هم: المهلهل بن ربيعة ودريد بن الصمة وأعشى باهلة ولبيد بن ربيعة وطفيل الغنوي وأوس بن حجر وأبو دواد الإيادي. كما عرفت كثير من النساء بإجادة هذا الفن الشعري والنبوغ فيه كالخنساء تماضر وجليلة زوجة كليب وسعدى بنت الشمردل وغيرهنّ.
الهجاء:
ولهذا الفن في الشعر الجاهلي حظ قليل بالنسبة للفخر والغزل؛ ولكنّ أثره كبير في النفوس ووقعه أليم في القلوب؛ لأنّه يقوم على إذلال المهجوء وتجريده من الفضائل والمثل التي يفتخر بها القوم أو التي بها يمدحون. والهجاء في الشعر الجاهلي هو انتقاص للخصم، وتعيير له بجملة من المخازي والمساوئ التي يستهجنها مجتمعه. والهجاء عندهم إِمَا فردي أو جماعي يتّجه إلى القبيلة نفسها وقد يجمع الشاعر بينهما. ومن سمات هجاء الجاهليين التجتّب من الإفحاش والشتيمة الصريحة؛ ولكن ربما داخله شيء من السخرية والتعريض والتلميح الموجع؛ بدلاً من الهجاء المباشر.


الحكمة:
الحكمة هي فنّ قديم في أشعار الجاهليين؛ لأننا نجدها في أشعار أوائلهم؛ كملك الشعراء امرئ القيس. وحكم وأمثال الشعراء الجاهليين مستمدة من بيئتهم التي عاشوها وما جرت فيهم من الحروب والأوضاع السلمية والعلاقات والعادات والأخلاق. وهذه الحكم والأمثال تمثل صفاء الفطرة ودقة الإحساس وغنى التجارب والقدرة على استخلاص العبرة من الحوادث ولا تخلو من قيمة تاريخية ودلالة اجتماعية ونواح أخلاقية وفلسفة عملية. والمعلقات هي أوضح الأمثلة للقصائد التي تحفل بالحكم على تنوع موضوعاتها وأغراضها.
الوصف:
يغلب الوصف على جميع أبواب الشعر الجاهلي، يحوي كل ما يقع تحت الحواس من ظواهر طبيعية حيّة كانت أو وصامتة. يمثّل هذا النوع من الشعر حياة الشعراء الذين عايشوا الصحراء في حلهم وترحالهم وألفوا القفار الموحشة وما فيها من جبال ووديان ومياه وحيوانات أليفة وغير أليفة فوصفوا ذلك كله لأنّه وثيق الصلة بحياتهم وتقلباتهم. وكانت الناقة صاحبة الشاعر في جوبه لتلك الفيافي والمفاوز ولذلك أكثر فيها القول وافتن في وصف أجزاء جسمها وصور كل أحوالها في سيرها وسرعتها وصبرها على مشاق السفر. والفرس هو الحيوان الثاني الذي يرافق الشاعر الجاهلي ويقاسمه العيش ويتحمل معه التعب والعناء والسير والسرى ولاسيما في خروجه إلى الصيد وخوضه الحروب.
والشعراء الجاهليون وصفوا ضروب الحيوان الأخرى ولاسيّما الثور الوحشي والبقرة الوحشية وجعلوا وصفهم لهذين الحيوانين ذريعة إلى وصف الناقة بالسرعة والخفة عن طريق تشبيهها بأحدهما. وورد في القصائد أيضا أوصاف لحيوانات أخرى: كالهرة والديك والحيّة والذئب والنعامة والغراب. وهذه الأوصاف كلها تأتي في ثنايا القصائد الطويلة، أما مطالع تلك القصائد فقد استأثر بها وصف الأطلال والرسوم الدارسة؛ التي تؤلف ركنا ثابتً في أول القصيدة الطويلة. ومظاهر الطبيعة حولهم كالليل والسحاب والرعد والبرق . ووصف الشعراء الجاهليون أيضا الخمر ومجالس الشرب واللهو والحرب وأسلحته المختلفة. ورد في الكتب ذكر عشرات الشعراء الجاهليين الذين نالوا صيتا ذائعا بقصائدهم الرائعة في عهدهم وفي العهود اللاحقة وكل واحد يستحق الذكر والاعتناء في هذه الصفحات. ولكن ليس المجال متسعا للكلام عن حياة جميع الشعراء الجاهليين ولا يمكن ذكر شعرهم في هذه الصفحات.


Summarize English and Arabic text online

Summarize text automatically

Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance

Download Summary

You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT

Permanent URL

ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.

Other Features

We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate

Latest summaries

من حياة الرسول ...

من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أ- كان فقيرًا لا يملك شيئًا، وكان يكتسب قوته من رعي الغنم، ولكنه ف...

ما كان للدولة ك...

ما كان للدولة كشخص معنوي أن تقوم بالأنشطة الموكلة لها إلا إذا توفرت لها قوة بشرية يتم من خلالها التع...

نتيجةً لهذه الت...

نتيجةً لهذه التقنية، يتزايد عدد العاملين الذين يعملون عن بُعد، من منازلهم بشكل منتظم. يمكن أن يجلب ه...

نقاط القوة (Str...

نقاط القوة (Strengths) • عراقة العلامة التجارية وخبرتها الطويلة: تأسست الشركة عام 1959، ولما يزيد ع...

تثير مسألة تملك...

تثير مسألة تملك الأجانب للعقارات إشكالية دقيقة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الأج...

المواطنة في بعد...

المواطنة في بعدِها السياسي ​مقدمة: لا تنحصر المواطنة في البعد القانوني بل تتعداه إلى البعد السياسي ف...

تكبدت مليشيا ال...

تكبدت مليشيا الحوثي خسائر بشرية جديدة في صفوف قياداتها الميدانية والضباط الميدانيين، حيث شيعت الجماع...

• Time Manageme...

• Time Management and Self-Development: I successfully balanced a rigorous high school curriculum wi...

يمكن الاعتقاد أ...

يمكن الاعتقاد أن تحقيق التوازن بين هذه المدارس الفقهية يعد أمراً ممكناً، وذلك من خلال اتباع منظور شا...

وكذا مراحله. 1-...

وكذا مراحله. 1- مراحل الاحتلال الفرنسي للجزائر: مرّ الاحتلال الفرنسي للجزائر بثلاث مراحل: أ- مرحلة ا...

بمدح المصطفى تح...

بمدح المصطفى تحيا القلوب وتغتفر الخطايا والذنوب ومن لي أن أرى منه محيا يس...

النشرة الطبية ل...

النشرة الطبية لدواء دوليبران (Doliprane) • المادة الفعالة: باراسيتامول (Paracetamol) بنسبة 500 مجم ...

Tech news