Online English Summarizer tool, free and accurate!
ٌ أسئلة ٌ متكررة وإجابات ِّ متغيرة ً في أواخر الستينيات من القرن العشرين بدا واضح ٍ ا أن العالم يشهد تحولات عميقةً وهائلة، َ بل إن هناك م ٍ ن اعتقد أن العالم يمر بثورة ُ شاملة. الحركات الأمريكية امل ِدافعة عن الحقوق والاحتجاجات الطلابية في أملانيا والائتلافات بني العمال والطلاب أثناء «خريف إيطاليا الساخن» ١٩٦٩ والحشود املؤيِّ َ دة للديمقراطية في مناطق ٍ غاية في التباين والاختلاف كمدريد وتنامي التيار الكاثوليكي النقدي من أمريكا الجنوبية إلى والبشائر الأولى ملولِّد الحركات النسائية والبيئية، َ السياسة الجديدة لعقد السبعينيات من القرن العشرين؛ قد تطورت دراسة الحركات الاجتماعية، لو أن النقاد قد نعوا في نهاية أربعينيات القرن العشرين «ضحالة املستوى الوصفي للإدراك والغياب النسبي للنظرية» (شتراوس وشك َ وا في ستينيات القرن نفسه أن «الحركات الاجتماعية لم تلق سوى القليل من الاهتمام نسبيٍّا في إطار دراسة التغريات الاجتماعية» (كيليان :١٩٦٤ ٤٢٦)؛ فإن البحث املعني بالفعل الجمعي بات يُ ً عتبر «واحد ً ا من أكثر مجالات علم الاجتماع زخما َّ تحد ُ ث املعلقون عن «انفجار في السنوات العشر الأخرية في الكتابات النظرية والتجريبية التي تتناول الحركات الاجتماعية والفعل الجمعي» (موريس وهرينج :١٩٨٧ ١٣٨؛ فقد صارت دراسة الحركات الاجتماعية مبحثًا راسخ الأركان تُ وتُ غري من أهمية استقراء النشاط الشعبي أو تُ ٍ فإن الحركات الاجتماعية والأنشطة الاحتجاجية، وبوجه ُ أعم امل َّ نظمات السياسية غري ُ املنحازة للأحزاب السياسية الكبرى أو النقابات العمالية؛ الديمقراطيات الغربية، َّ والتحديات الرمزية باعتبارها «غري تقليدية»، بل إن الإشارات املرجعية إلى ما يُطلَق عليه ماير وتارو ١٩٩٨ب). وأشكاله املحددة، بيد أن التوقعات َّ التي رجحت أن موجة الاحتجاج التي شهدتها أواخر ستينيات القرن العشرين سرعان ما واملتمثِّلة في السياسة املستندة إلى ُم ِّ تنو ُ عة تبرز في السنوات الأخرية، ٌ ما فتئت أنماط احتجاجيةٌ بيسينجر ٢٠٠٢؛ جوني ٢٠٠٤). وربما لأول مرة منذ ، ١٩٦٨ بدت موجة الحشود الداعية إلى ما يُ َّسمى بالعوملة ٍّ عاملي ٍ عام؛ وذلك بجمعها بني سمات عادةً ما تُميِّز الحركات الطبقية وخصائص مرتبطة َ بالحركات الاجتماعية الجديدة؛ كالتركيز على قضايا حماية البيئة واملساواة بني الجنسني 16 ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية . دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ ٍ والحق أن ربط مصطلحات مثل «حركة العدالة العاملية» بأطراف ٍ فاعلة َّ موحدة ُوم ً تجانسة سيكون ربط ُ ا مضلًِّلا َّ للغاية؛ الجديدة شديدة التبايُن، فهي تتناول طائفة ا بحقوق الإنسان في البلدان النامية والتدخلات العسكرية من كما أنها تَتناول مثل هذه القضايا بأساليب شتى، َّ متنوعة. إن التعرض ملثل هذه املبادرات بالدراسة الفاحصة هو خري مثال ملا يَعنيه بالفعل َّ إجراء «تحليل للحركات الاجتماعية»؛ في التوصل إلى علاقة الاعتماد املتبادل بينها. ِ بادئ ذي بدء، ُّ باعتبارها تجمًعا من الأفراد الذين يُ ِّعبرون عن آرائهم حيال قضايا معينة، سواءٌ أكانت آراءً لا شك أن ظاهرة العوملة أثارت مخاوف وآمالا غري أن توزع تلك املخاوف والآمال لم يكن متساويًا بني البلدان والبيئات ٍّ على حد فلطاملا أشارت استطلاعات الرأي العام إلى انتشار مخاوف بشأن هذه املخاوف قد تكون منتشرة في أوروبا الغربية أكثر من انتشارها في الولايات املتحدة ً الأمريكية، بل وأوسع انتشار ِ ا في غريهما من البلدان، ِّ ا متشك ًكا، ومن يتبنَّون موقفً َ الصوت من الرأي العام؛ فآراؤهم تتبلو ً ر وتلقى دعما في الحوارات التي تُجرى مع نخبة كاشفني عن تكلفة العولَمة ومثالبها من ٍ منظور غربي/شمالي وكذلك من وجهة نظر شرقية/جنوبية، ومن أمثال هؤلاء الكاتبة أو الصحفي الأسترالي جون أو عالم الاقتصاد الحائز جائزة نوبل جوزيف ستايجلتس. ربما لن يكون من قَبيل 17 الحركات الاجتماعية إلى انتشار الشواغل البيئية وهو ما يَ َ رجع تاريخه إلى عقدي الستينيات والسبعينيات من كثريً ٍ ا ما تتحول الآراء واملخاوف الفردية إلى أشكال متنوعة من املشاركة السياسية ثم سرعان ما تسري الرؤى الكونية الأخلاقية والفلسفية والاعتقادات الراسخة َ امل َّ ظالم ودعم الخيارات البديلة لتسيري الحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي؛ ومن ثم بفاعلية عن معارضتهم لسيطرة الليبرالية الجديدة على التحولات العاملية. املواطنني في الحملات املناهضة للعولَمة الليبرالية الجديدة؛ وذلك بتوقيع العرائض الداعية َ الأخضر، أو ٍ قون هذا الإسهام عن طريق أفعال ً العامة، وممارساتها في مختلف أنحاء العالم الغربي، وستالي ٢٠٠٣؛ فورنو وشيكاريني تحت الطبع). ورغم كل ما سبق، ً الأفراد تجمعهم رؤ ُ ى وسلوكيات م ً تشابهة؛ لعله ً من املثري للاهتمام أيضا التركيز على سمات الفعاليات التي تعكس الصراعات بني أصحاب إلى جانب الفعاليات التي تجمع الأفراد واملؤسسات املؤيدين لقضية ما؛ وذلك ملناقشة الاستراتيجيات ووضع برامج العمل واستعراض الأجندات. ُ العدالة العاملية تنظيم الفعاليات أو إفساد فعاليات الخصوم، محقِّ 18 على الرأي العام واملشاركني على السواء. قبل معركة سياتل، كانت اللقاءات الدورية التي تَ والتي يُ ُّ حاول املشاركون فيها إفساد التجمعات ٍ املذكورة وجذب الأنظار إلى أجندات َّ بديلة (بودوبنيك ٢٠٠٤). العدالة العاملية من فعاليات، كاملنتدى الاجتماعي الأفريقي الذي عقد دورته الأولى في باماكو َّ الخامس عشر من فبراير عام ٢٠٠٣ شك ُ لت مئات الفعاليات املناهضة للحرب في مختلف إذ نزل مناهضو أنحاء العالم، غزو العراق على امتداد القارات الخمس إلى الشوارع بامللايني (والجريف وروشت تحت ولو انتقلنا إلى الصعيدين الإقليمي واملحلي، تراوحت ما بني تظاهرات تتَّسم بطابع املواجهات وعرض ُّ لتقارير أو تصريحات صحفية، وتؤيد مثل هذه الفعاليات، ً خذ من مناهضة العوملة منهجا لها. في املحلية؛ ٍ نستخدم مصطلح «حركة العدالة العاملية» في أحيان أخرى قاصدين به، ٍ ما تمارس نشاطها على أساس عابر للحدود والقوميات (بايستيدزينسكي وشاخت ٢٠٠١؛ باندي وسميث ٢٠٠٤)، ٍ الطيف السياسي. كان الأمر نفسه يَ ُصدق على النقابات العمالية، واملؤسسات الدينية الحركات الاجتماعية والجمعيات النسائية، الراديكالية املستقلة (التي يُطلق عليها في إيطاليا «املراكز الاجتماعية»)، َّ لكن حملات النقد املوج َّ هة إلى العوملة الليبرالية الجديدة قد تمخ َض ً عنها أيض ٌ ا منظمات تدافع عما يُ َّسمى ضريبة توبني لتقليص املكاسب املالية في سوق الأوراق املالية الدولية؛ يضم مئات من املجموعات في الشمال والجنوب، وهي شبكة في إيطاليا ً لعبه املؤسسات التي لا تحمل طابعا والعدالة الاجتماعية. تجدر بنا الإشارة إلى الدور الذي تَ فانتشار ممارسات التجارة العادلة يُ ِّسه َّ له وجود شبكات موسعة من ٍ جزئة في الدول الغربية، الجمعيات التعاونية وصغار البائعني بالتَّ ٍ ما تحقيق توازن بني الفعل الجمعي القائم على اعتبارات أخلاقية وبني متطلبات السوق، كما أن انتشار شبكات الثقافة املضادة التي تربط الناشطني الراديكاليني من جميع أنحاء تُ ِّقدم البنية التحتية التنظيمية اللازمة لوبيك وريفر ٢٠٠٤؛ أيٍّا كانت سماتها الخاصة، ً تضمن للفعل الجمعي استمراريته، احتماليةُ املشاركة التلقائية واملباشرة دون وساطة، بالإضافة إلى تزويده باملصادر اللازمة لخلق الولاءات ومع إقرارنا بأهمية املؤسسات العاملة في علينا ألا نقع في خطأ الربط بني الحركات واملؤسسات. بحماية البيئة؛ إذ كثريًا ما كانت املؤسسات الكبرى العابرة للحدود والقوميات، مثل السلام الأخضر أو الصندوق العاملي للحياة البرية، أو شبكة أصدقاء الأرض، تعني التركيز أو بعضها على الأقل، وهو الأهم، الاهتمام والأفراد، والفعاليات، الجمعي الأوسع نطاقً لا غرو أنه من املمكن تناولها في إطار كوكبة من الاجتماعية املعقَّ ُّ التساؤلات الفكرية الشديدة التنو ُّ ع، لكن اهتمامنا في هذا الكتاب سينصب على أربع ِحاول ربطها ِّعبر ٍ عنها بصيغة ٍ عامة شاملة، مجموعات من تلك التساؤلات سنُ ً بالقضايا النظرية والعملية الأعم والأشمل التي كانت دافع ُ ا م ً لهما لتحليل الفعل السياسي الشعبي واملقاومة الثقافية منذ ستينيات القرن العشرين. تشري املجموعة الأولى من التساؤلات إلى العلاقة الرابطة بني التغريات والتحولات تعبريًا عن الصراعات؟ وأي نوع من الصراعات؟ هل شهدت الصراعات الرئيسية التي ُّ تتناولها الحركات الاجتماعية أي تغريات؟ وعلى أي نسق سارت تلك التغريات؟ َبر املشكلات الاجتماعية مادةً محتملة للفعل الجمعي؟ كيف تسهم طائفة معيَّنة كيف تُعتَ من الفاعلني الاجتماعيِّني في تنمية حس املشاركة والتطابق والتماهي مع «الذات الجمعية» الذي تَنبثِ ِ ق منه ثقافات الحركة الاجتماعية وقيَ ُمها؟ َّ عنى بتحليل العملية التي تتحول خلالها القيم كيف يُ ٌّ النشاط الاحتجاجي وتكاليفه؟ ما طبيعة الأدوار التي تلعبها كل من الهويات والرموز والعواطف واملنظمات والشبكات في تفسري انطلاق الفعل الجمعي واستمراريته؟ ما الأشكال لطالَ ُ ما طِر ٍ حت تساؤلات بشأن كيفية تأثري سياق ٍّ اجتماعي ٍّ وسياسي وثقافيٍّ َرص النجاح القائمة أمام الحركات الاجتماعية على فُ ما الذي يفسر تفاوت حدة العنف الجمعي وغريه من أنواع ِ التحديات الجمعية املناهضة لأصحاب السلطة وذلك بمرور الزمن؟ هل تُؤثِّر سمات الأنظمة بمرور الوقت، وملاذا تتغري؟ والحركات الاجتماعية، بالفعل؛ إذ لم تشهد تلك الحقبة زيادة في الأنماط الجديدة للمشاركة السياسية فحسب، بل عاصرت تغريًا في قضايا الصراع الرئيسية؛ فقد جرت عادة الحركات الاجتماعية على التركيز في الأساس على قضايا الطبقة العاملة والشعوب. لكن منذ مطلع الستينيات برزت وقد تركز اهتمامها على قضايا مثل تحرير املرأة، وحماية ونحو ذلك من قضايا، ٌ الاحتجاج تطورات ملحوظة في املنهج الذي اعتنقه علماء الاجتماع لتناول تلك التساؤلات، وبات يُنظر إلى أهم النماذج النظرية املتاحة آنَذاك لتفسري الصراع الاجتماعي — النموذج ِ املاركسي والنموذج الوظيفي البنيوي — باعتبارها قاصرةً كثريًا ما اعتمد الباحثون في أوروبا على الفكر املاركسي لتفسري املوجة الجديدة من الاحتجاجات التي واجهوها، كما أن تَ ُ عاظم فرص الحصول على التعليم الجامعي أو ٍ الدخول الجماعي للنساء إلى سوق العمل خلق احتمالات ِب َ نيوية جديدة للصراع، املثال. لو ألقينا نظرةً عابرة على عقد الستينيات، فلن يسعنا إلا أن نلاحظ كثريًا من الفاعلني ُ امل ِ نخر ِ طني في تلك الصراعات (الشباب، والنساء، والفئات املَهنية الجديدة) لم تَ وهي الصراعات التي شك ِّ لت املكون الرئيسي من مكونات الانقسامات السياسية داخل املجتمعات الصناعية (روكان ١٩٧٠؛ الشكوك املحيطة باستمرار بقاء الطبقة العاملة في املجتمع ما بعد الصناعي هي السبب َّ الوحيد الذي قو َّ ض مكانة التفسريات املاركسية؛ إذ تعرض املنطق الذي يقوم عليه النموذج ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية . دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ فقد رفض النقاد العنصر الحتمي الراسخ في املأثورات املاركسية: ُ الإيمان بأن تطور الصراعات الاجتماعية والسياسية مشروط بمستوى تطور قوى الإنتاج علاوةً على ذلك، ٍ (ذات الحضور القوي بوجه خاص بني أصحاب الفكر املاركسي التقليدي) إلى إنكار كثرة ٍ القضايا والصراعات داخل الحركات الحقيقية وإلى الاستعاضة عنها بصور غري مألوفة ُ ع بم ًستو ٍ ى عال من القدرة الاستراتيجية ُمتجانسة تتمتَّ انظر على سبيل املثال تورين ، ً باعتباره سلوكا يُصاحب الأزمات، وبناء على تلك النظرة التي تَختزل الظواهر الجمعية َّ إلى مجموعة من السلوكيات الفردية، الحركات الاجتماعية بأنها تجسيد ملشاعر الحرمان التي يَشعر بها بعض الأفراد بالنسبة َّ التوقعات الخائبة. أو الحرب الأهلية الأمريكية، أو حركة الأمريكيِّني السود، ٍ عة لفترات من الرفاه الاقتصادي والآمال املتزايدة على نطاق عاملي جور ١٩٧٠). ً أيضا بانتشار املجتمعات الجماهريية؛ لقد أوجدت العزلة ً والاستبعاد أفرادا محدودي املوارد الفكرية واملهنية والسياسية، أو أيٍّ ُّ ا مما سبق، وهم أشد عرضةً ُ للانجذاب إلى دعوات الحركات املناهضة للديمقراطية املنتمية إلى طرفي النقيض من يمني ويسار. َ لقد صادفَ الناجمة عن التحولات الاجتماعية املتسارعة للغاية. من شأن السلوك الجمعي أن يكشف عن 23 ُّ ق السياسية والرؤى ِ السلوكيات الجمعية — كالطوائف الدينية والجمعيات السرية والفَر ً ى مزدوجا؛ فهي الاقتصادية اليوتوبية — في أوقات التحولات السريعة الواسعة النطاق معنً من جانب، من جانب آخر، الاجتماعي، ٍ خذها قواعد لبناء أسس جديدة للتضامن الجمعي. ُ مجموعة من املعتقَدات املشتركة يتَّ ِ ا للبنية الاجتماعية قد يُسهل بروز التي تعني أن نسقً ا معينً وهو ما يَعني أن على الأقل، َّ ر واملشكلات؛ و«نمو الاعتقادات املعممة وانتشارها»، ً مصدرا للتوت وهو الدور الذي تلعبه هيئات الضبط الاجتماعي وغريها من الأطراف ً الفاعلة في رسم ملامح تطور الفعل الجمعي وأشكاله (سميلزر ١٩٦٢؛ انظر أيضا كروسلي ٢٠٠٢ الفصل الثاني). يعتقد بعض الباحثني أنه من املؤسف أن بحث سميلزر ارتبط في نهاية الأمر بأزمة فبالرغم من مشكلاته، ً النموذج الوظيفي ارتباطا وثيقً َعامل لاحقً ٍ لربط عمليات ُم ِختلفة، كانت ستُ َ على قواعد راسخة (كروسلي :٢٠٠٢ ٥٣–٥٥)، َّ السنوات التي أعقبت نشر كتاب سميلزر أدى إلى تصنيفه تحت مجموعة أوسع من املناهج التي كانت تَ ُ نظ ِ ر إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها ردود فعل محضة للأزمات الاجتماعية، َ ا للانتقادات نفسها. ُ ونتيجة مترتِّبة على سوء الإدماج، َّ تبلورت الانتقادات املوج َ هة إلى املنهجني املاركسي والوظيفي في ضوء التساؤلات الأربعة التي طرحناها سلفً ا. دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ الحركات الجديدة؟ بالنظر إلى املكانة التي احتلَّها الفكر املاركسي في املناقشات الفكرية الأوروبية، ليس من ُ امل َ ستغر ً ب أن كانت العلوم الاجتماعية الأوروبية هي الأكثر حرصا على تفسري صعود حركات َ عقد َّ ي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين من خلال التناول الصريح بالنقد َ والتحليل للنماذج املاركسية املستخدمة في تفسري الصراعات الاجتماعية، ُّ ة بتشكل الوعي الطبقي (أو الطبقات في َّ ذاتها). مما لا شك ً فيه أن إدراك تلك املشكلات لم يكن مقصور ِ ا على الباحثني العاكفني على َ دراسة الحركات الجديدة؛ ٍّ توضيح عملية خلق الفاعل الجمعي، في تحد ُّ للفكرة الشائعة القائلة بالتحول شبه التلقائي للضغوط البنيوية في السلوك الواعي (تومبسون ١٩٦٣). َّ لقد أسهم الباحثون ممن لهم صلة بما يُطلق عليه منهج «الحركات الاجتماعية َّ املاركسية في كثري من الأحيان. لقد أجمع باحثو الحركات الجديدة على أن الصراع بني الطبقات الصناعية تتضاءل أهميته، ٍّ أن تصوير الحركات كمباحث متشابهة إلى حد كبري لم يَ ُع ً د أمرا ممكنً ً ا ولا معقولا، إلا أن ثمة اختلافات بينها في التركيز على إمكانية تعريف الصراع املركزي الجديد الذي من شأنه أن يُميِّز نموذج املجتمع الناشئ، واملعروف أحيانًا باسم «ما بعد الصناعي» وهو أحد الدعاة ً رين لهذا املنهج، املؤثِّ َ ا للنظام، وإنما هي القوى املركزية التي تتصارع فيما ً الاجتماعية ليست رفضا هامشيٍّ بينها في سبيل السيطرة على إنتاج املجتمع في ذاته والفعل الذي تُ ِّ سبيل تشكيل الوقائع التاريخية [بتعبري آخر املنظومة الشاملة للمعاني التي تحدد القواعد يذهب تورين إلى أنه في املجتمعات الصناعية، ُح ُّل طبقات اجتماعية جديدة محل الطبقة ِ الرأسمالية والطبقة العاملة كالفاعِلني الرئيسيِّني في الصراع الاجتماعي. َّ والحركات الجديدة قد أك ً ده أيضا عالم الاجتماع الأملاني كلاوس أوف (١٩٨٥) في ثمانينيات ِّكون موقفً ا نقديٍّا جوهريٍّ ً ا قائما على التحليل يرى كلاوس أن الحركات تُ ُ السياسي حيال املنظومة السياسية والديمقراطية النيابية ذات الطابع التمثيلي، متحديةً استحدثت الحركات الجديدة، من الأفكار، من أهمها الأيديولوجية النقدية فيما يتعلَّق بالحداثة والتقدم، والهياكل ُ املؤسسية اللامركزية القائمة على املشاركة، والدفاع عن التضام َ ن املتبادل بني الأفراد ضد البريوقراطيات العظمى، ُ املجتمعات املَبرَمجة تلك التي قدمها ألبريتو ميلوتشي (، ١٩٨٩ ١٩٩٦). استعان وذلك ليَ ِصف تَ بينما تتطلَّ ً ب في الوقت نفسه تكاملا أوثق يَ ِعتقد ميلوتشي أن الحركات الاجتماعية الجديدة محاولةً استرداد حق الأفراد ُّ في تحديد هوياتهم وتقرير حياتهم الخاصة والعاطفية في مواجهة قبضة النظام الشاملة ُ امل َّ تغلغلة في كل جوانب الحياة. يرى ميلوتشي أن الحركات الاجتماعية َّ ا للحركة العمالية، لا تقصر طموحها على السعي وراء املكاسب املادية، الجديدة، خلافً ولا يُطالب الفاعلون بل يَ ً بذلون جهد ٍّ ا خاصا ُّ ملقاومة توسع التدخل السياسي والإداري في شئون الحياة اليومية والدفاع عن الاستقلالية أدرك أوف (١٩٩٠) ما للفعل السياسي دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ ثم وج ً ه ميولتشي اهتمام ً ا متزايدا بالآليات التي ١٩٨٩ فيما يخص هذه النقطة انظر بارتولوميو وماير ١٩٩٢)، بل وذهب َ ميلوتشي إلى ما أبعد ِم َّ ن ذلك، فصرح بأن الجدل القائم حول «حداثة» الحركات املعاصرة ُعد له أهمية (انظر، ١٩٩٤ بادئ ذي بدء، ِ هذا املنهج النظر إلى العوامل الب ِّ نيوية املحد ً دة للاحتجاجات، معيدا النظر في أهمية الصراع، لقد ُ وباملقارنة باملاركسيني، ِعتبر نفسها ذات صلة في الأساس بمنظومة الإنتاج. ُعد تَ ميهيو ١٩٩٥). فإن الاهتمام ِ بالعلاقة بني الب ً نية الاجتماعية والفعل الجمعي ليس مقصورا على هذا املنظور بأي حال َ لي الفعل الج َّ معي ممن لا يَزالون ِلهم كثريً ُ ا من محلِّ لافاليت وموني ٢٠٠٠؛ لقد حاول الباحثون، ٍ رين على نطاق واسع بنظرية «النظام العاملي» لإيمانويل والرستني (، ١٩٧٤ ٢٠٠٤)، ٍ ا لإعادة الهيكلة الاقتصادية على نطاق عاملي ومن ١٩٩٩ الفصل الثالث؛ 27 والتي أعقبت إعادة الهيكلة الاقتصادية على املستوى من املتوقع أن يؤدي الإخفاق العاملي، ٍ عات الطبقة العاملة املنتمية إلى البلدان النامية إلى تأجيج موجة جديدة ُّ ِ للقوى العاملة وطابعها الع ً رقي الأكثر وضوحا؛ أريجي وسيلفر ١٩٩٩). يبدو أن مثل هذه الحجج تدعمها الأهمية املتنامية ملفهوم «العدالة ٍ العاملية» كقضية محورية (أندريتا وديلا بورتا وموسكا ورايتر ، ٢٠٠٢ ٢٠٠٣)، ً ع، الحركات الاجتماعية، ِ تحقيق التقارب في الأطر والبنى املؤسسية مع نظرياتها في الشطر الشمالي، وقد صاحب ُ كأمريكا اللاتينية والشرق الأقصى) واملعتنقة ملنهج أنطونيو جرامشي في كثري من الأحيان، مؤكدةً دور الهيمنة الثقافية. الجماهريي تلك املرتبطة باسم مانويل كاستيلز (، في مرحلة مبكرة من أبحاثه، في تشكيل إدراكنا لنشأة الحركات الاجتماعية الحضرية؛ وذلك بتسليط الضوء على أهمية العمليات الاستهلاكية (وبخاصة الاستهلاك الجمعي للخدمات فالباحثون امل ِ نخرطون في تحليل العادات ُ استعانوا بر ٍ ؤى بورديو لاستكشاف أمثلة َّ محددة للصراعات السياسية، مع التركيز على ُ دلالاتها الثقافية في إطار امليادين املحددة التي يَنتمي إليها الأفراد. 28 ُ إلى ما هو أبعد من املصالح الاقتصادية، ً تابع ُ ا للاحتياجات والرغبات امل َستم ُ دة من القيم واملعايري املميِّزة لثقافات (أو مجالات) من هذا املنطلق، بل معقول ومبرَّر (بورديو :١٩٨٠ الرئيسية عن التطبُّ ً ع والبنية والوكالة، ُّ الر ُ ؤى امل َ ستقاة من املناهج الأوروبية والأمريكية التي تبلورت عبر السنوات. ِّ كان من أهم الانتقادات التي وجهت إلى نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة أنها ٍ اتخذت من سمات معينة، لم تكن جديدة بالضرورة ولا قابلة للتعميم، خصائص أساسية ومن أمثلة تلك السمات أصول الناشطني التي تعود إلى أو الأشكال التنظيمية امل َّفككة (دانريي وإرنست وكري ١٩٩٠؛ كالهون روتس ١٩٩٢؛ روديج ١٩٩٠؛ كوبمانس ١٩٩٥؛ ديلا بورتا ١٩٩٦أ: َّ الفصل الأول). إن ِ املناهج الب ِ نيوية في العموم ع َ يب ً عليها أيضا إخفاقها في تحديد الآليات ِ نطبق ِ على علماء مثل أوف ِّ أو كاستيلز، ممن لا ينصب اهتمامهم على العمليات الصغرية أو املتوسطة. مهما يكن من أمر، فلا بد من اعتبار املناهج املطروحة ٍ نحو ُ مباشر بظهور الفعل الجماعي وتطوره قد تناولتها تقاليد ٍ فكرية أخرى على نحو ً أكثر إقناعا. 2-1) كيف نُقيِّ ٍ م القضايا باعتبارها موضوعات جديرة باملناقشة ً والفاعلني باعتبارهم أطرافا جديرة بالفعل الجماعي؟ ُّ ظواهر على قدر من التنوع مثل الحشود، ونوبات الهلع، 29 الحركات الاجتماعية وصيحات املوضة، فمن ناحية، رغم أن كثريً َّ ا منهم عر َ فوا الحركات كظواهر َّ هادفة، ً مزيدا من الاهتمام إلى الديناميكيات غري املتوقَّ ً عة — كردود الأفعال الدائرية — بدلا من َّ التركيز على الاستراتيجيات املؤسسية املتعم ٍ دة، الاستراتيجيات التي وضعتها ٌ أطراف فاعلة. فإن الفرضية القائلة بأن تلقائيٍّ ُ ا إنما هي تختزل الفعل الجمعي إلى م َّجر ٍ د حشد مختلط من السلوكيات الفردية؛ كالحركات الاجتماعية أو الثورات. الاهتمام من تحفيز الأفراد إلى دراسة أفعالهم امللحوظة. أكد مؤسسو هذا املنهج — ومن بينهم روبرت إي بارك وإرنست دبليو برجس — أن الظواهر الجمعية ليست مجرد انعكاس للأزمات الاجتماعية، ِنت ً ج أشكالا جديدة من التضامن الاجتماعي، كما نظروا إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها قوةً دافعة إلى التغيري،
دراسة الحركات الاجتماعية:
ٌ أسئلة ٌ متكررة وإجابات ِّ متغيرة
ٍّ (إلى حد ما)
ً في أواخر الستينيات من القرن العشرين بدا واضح ٍ ا أن العالم يشهد تحولات عميقةً وهائلة،
َ بل إن هناك م ٍ ن اعتقد أن العالم يمر بثورة ُ شاملة. الحركات الأمريكية امل ِدافعة عن الحقوق
ُ املدنية وامل ِ ناهضة للحرب، وعصيان مايو ١٩٦٨ في فرنسا، والاحتجاجات الطلابية في أملانيا
أو بريطانيا أو املكسيك، والائتلافات بني العمال والطلاب أثناء «خريف إيطاليا الساخن»
عام ،١٩٦٩ والحشود املؤيِّ َ دة للديمقراطية في مناطق ٍ غاية في التباين والاختلاف كمدريد
الفرانكوية وبراغ الشيوعية، وتنامي التيار الكاثوليكي النقدي من أمريكا الجنوبية إلى
روما، والبشائر الأولى ملولِّد الحركات النسائية والبيئية، التي من شأنها أن ترسم ملامح
َ السياسة الجديدة لعقد السبعينيات من القرن العشرين؛ كل هذه الظواهر، وغريها الكثري،
ُّ في طور التشكل.
ِشي ٍ بأن ثمة تغريات عميقةً
كانت تَ
ً وبناءً عليه، قد تطورت دراسة الحركات الاجتماعية، تبعا لذلك، بوترية غري مسبوقة
َ من أهم مجالات البحث. لو أن النقاد قد نعوا في نهاية أربعينيات
حتى أضحت واحدةً
القرن العشرين «ضحالة املستوى الوصفي للإدراك والغياب النسبي للنظرية» (شتراوس
َ :١٩٤٧ ٣٥٢)، وشك َ وا في ستينيات القرن نفسه أن «الحركات الاجتماعية لم تلق سوى
القليل من الاهتمام نسبيٍّا في إطار دراسة التغريات الاجتماعية» (كيليان :١٩٦٤ ٤٢٦)؛
فإن البحث املعني بالفعل الجمعي بات يُ ً عتبر «واحد ً ا من أكثر مجالات علم الاجتماع زخما
ً ونشاط ِ ا» في أواسط السبعينيات (ماركس وود ١٩٧٥). لم ينقض عقد الثمانينيات حتى
َّ تحد ُ ث املعلقون عن «انفجار في السنوات العشر الأخرية في الكتابات النظرية والتجريبية
الحركات الاجتماعية
التي تتناول الحركات الاجتماعية والفعل الجمعي» (موريس وهرينج :١٩٨٧ ١٣٨؛ انظر
ً أيضا روشت ١٩٩١أ).
َصدر له
أما اليوم، فقد صارت دراسة الحركات الاجتماعية مبحثًا راسخ الأركان تُ
َّؤسس من أجله الاتحادات املهنية. ربما خفَّت
الدوريات املتخصصة، وسلاسل الكتب، وتُ
حدة الحماس والتفاؤل اللذَين ميَّ ٍ زا حراك ستينيات القرن العشرين منذ أمد طويل، غري
أن الأحداث الاجتماعية والسياسية التي وقعت على مدار العقود الأربعة املاضية لم تُقلِّل
َّ ضعف الحاجة امللحة إليه، بل العكس صحيح؛
من أهمية استقراء النشاط الشعبي أو تُ
ٍ فإن الحركات الاجتماعية والأنشطة الاحتجاجية، وبوجه ُ أعم امل َّ نظمات السياسية غري
ُ املنحازة للأحزاب السياسية الكبرى أو النقابات العمالية؛ أصبحت م ِّكونًا ثابتًا من مكونات
الديمقراطيات الغربية، ولم يَ ُع ُ د من امل ِمكن توصيف سياسة الاحتجاج واملشاركة الشعبية
َّ والتحديات الرمزية باعتبارها «غري تقليدية»، بل إن الإشارات املرجعية إلى ما يُطلَق عليه
ٍ «مجتمع الحركات الاجتماعية» تبدو معقولة ووجيهة على نحو متزايد (نايدهارت وروشت
٢٠٠٢؛ ميلوتشي ١٩٩٦؛ ماير وتارو ١٩٩٨ب).
لقد شهدنا بالتأكيد طوال تلك الفترة تذبذبًا كبريً َّ ا في حدة الفعل الجمعي، ومدى
راديكاليته، وأشكاله املحددة، وقدرته على التأثري في العملية السياسية، بيد أن التوقعات
َّ التي رجحت أن موجة الاحتجاج التي شهدتها أواخر ستينيات القرن العشرين سرعان ما
ستَخبو جذوتها وتعقُ ُ بها عودة الأمور إلى مجراها امل ُ عتاد، واملتمثِّلة في السياسة املستندة إلى
ٍّ ت إلى حد كبري خطأها؛ إذ
َّ املصالح، واملنظمة حسب التقسيمات السياسية التقليدية؛ أثبتَ
ُم ِّ تنو ُ عة تبرز في السنوات الأخرية، م َ عتمدة على أساليب ٍ مختلفة
ٌ ما فتئت أنماط احتجاجيةٌ
ٍ ومستندة إلى طائفة واسعة من الأهداف والقيم (كريسي وآخرون ١٩٩٥؛ بيسينجر ٢٠٠٢؛
تايتارينكو ومكارثي ومكفيل وأوجوستني ٢٠٠١؛ سميث وجونستون ٢٠٠٢؛ فيليول
وبيناني-شرايبي ٢٠٠٣؛ جوني ٢٠٠٤). لم يَقف الأمر عند هذا الحد؛ فمع بزوغ الألفية
َ الجديدة، وربما لأول مرة منذ ،١٩٦٨ بدت موجة الحشود الداعية إلى ما يُ َّسمى بالعوملة
انطلاقًا من القاعدة (وكثريً ٍّ ا ما توصف بحركة العدالة العاملية) قادرة على مواجهة تحد
ٍّ عاملي ٍ عام؛ وذلك بجمعها بني سمات عادةً ما تُميِّز الحركات الطبقية وخصائص مرتبطة
َ بالحركات الاجتماعية الجديدة؛ كالتركيز على قضايا حماية البيئة واملساواة بني الجنسني
(أريجي وهوبكينز ووالرستني ١٩٨٩؛ فوكس وبراون ١٩٩٨؛ بريشر وكوستيلو وسميث
٢٠٠٠؛ والتون وسيدون ١٩٩٤؛ بيانتا ٢٠٠١ب؛ فيفيوركا ٢٠٠٣؛ ديلا بورتا وأندريتا
وموسكا ورايتر ٢٠٠٥؛ وود ٢٠٠٤؛ تارو ٢٠٠٥).
16
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
ٍ والحق أن ربط مصطلحات مثل «حركة العدالة العاملية» بأطراف ٍ فاعلة َّ موحدة
ُوم ً تجانسة سيكون ربط ُ ا مضلًِّلا َّ للغاية؛ ذلك لأن املبادرات املناهضة للعوملة الليبرالية
الجديدة شديدة التبايُن، وليس بالضرورة أن يَربط فيما بينها رابط؛ فهي تتناول طائفة
من القضايا التي تتراوح بني استغلال عمالة الأطفال من جانب العلامات التجارية العالَمية
ا بحقوق الإنسان في البلدان النامية والتدخلات العسكرية من
ُّ
ً وظاهرة إزالة الغابات، ومرور
جانب القوى الغربية. كما أنها تَتناول مثل هذه القضايا بأساليب شتى، تبدأ بالاعتراضات
والأفعال الفردية وتنتهي بالفعاليات الجماعية الحاشدة، وتعالجها من وجهات نظر
َّ متنوعة. إن التعرض ملثل هذه املبادرات بالدراسة الفاحصة هو خري مثال ملا يَعنيه بالفعل
َّ إجراء «تحليل للحركات الاجتماعية»؛ فأغلب من يتصدون لدراسة الحركات الاجتماعية
يُ ِّرك ُ زون في ممارساتهم البحثية إما على الأفراد أو املؤسسات أو الأحداث، محاولِني، في
ُّ أفضل الأحوال، التوصل إلى علاقة الاعتماد املتبادل بينها.
ِ بادئ ذي بدء، م ُ ن املمكن النظر إلى حركة املعارضة للعوملة الليبرالية الجديدة
ُّ باعتبارها تجمًعا من الأفراد الذين يُ ِّعبرون عن آرائهم حيال قضايا معينة، سواءٌ أكانت آراءً
مؤيدةً للتغري الاجتماعي أم مناهضةً ً له. لا شك أن ظاهرة العوملة أثارت مخاوف وآمالا
ُّ سواء، غري أن توزع تلك املخاوف والآمال لم يكن متساويًا بني البلدان والبيئات
ٍّ على حد
الاجتماعية والاقتصادية؛ فلطاملا أشارت استطلاعات الرأي العام إلى انتشار مخاوف بشأن
تأثري العوملة على حياة الأشخاص، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. ورغم أن مثل
هذه املخاوف قد تكون منتشرة في أوروبا الغربية أكثر من انتشارها في الولايات املتحدة
ً الأمريكية، بل وأوسع انتشار ِ ا في غريهما من البلدان، فمن املسلَّم به أن العوملة تقع حاليٍّا
في صميم اهتمامات الرأي العام (إنجلهارت ١٩٩٩؛ جراند وكال ٢٠٠٢؛ نولاند ٢٠٠٤)،
ِّ ا متشك ًكا، ومعاديً ً ا في كثري من الأحيان، يمثلون قطاع ً ا بارزا مسموع
ومن يتبنَّون موقفً
َ الصوت من الرأي العام؛ فآراؤهم تتبلو ً ر وتلقى دعما في الحوارات التي تُجرى مع نخبة
ِ اع الرأي البارزين والشخصيات العامة، كاشفني عن تكلفة العولَمة ومثالبها من
ُ من صنَّ
ٍ منظور غربي/شمالي وكذلك من وجهة نظر شرقية/جنوبية، ومن أمثال هؤلاء الكاتبة
الهندية أرونذاتي روي، أو عالم الاجتماع الفلبيني والدين بيلو، أو الصحفي الأسترالي جون
بيلجر، أو عالم الاقتصاد الحائز جائزة نوبل جوزيف ستايجلتس. ربما لن يكون من قَبيل
املبالغة أن نَنسب إلى كتب مثل كتاب نايومي كلاين «بدون شعار» (١٩٩٩) تأثريًا في هذا
السياق يُناظر التأثري الذي حققه كتاب ريتشيل كارسون «الربيع الصامت» (١٩٦٢) أو
17
الحركات الاجتماعية
كتاب «حدود النمو» (ميدوز وراندرز وبرينس ١٩٧٢) الصادر عن نادي روما بالنسبة
إلى انتشار الشواغل البيئية وهو ما يَ َ رجع تاريخه إلى عقدي الستينيات والسبعينيات من
القرن العشرين.
كثريً ٍ ا ما تتحول الآراء واملخاوف الفردية إلى أشكال متنوعة من املشاركة السياسية
ُّ والاجتماعية، ثم سرعان ما تسري الرؤى الكونية الأخلاقية والفلسفية والاعتقادات الراسخة
ُم ٍ توازية مع محاولات َّ محددة من جانب الأفراد لوقف التطورات التي تُ ِّشك ً ل تهديدا ورفع
َ امل َّ ظالم ودعم الخيارات البديلة لتسيري الحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي؛ ومن ثم
فمن املمكن دراسة حركة العدالة العاملية من خلال التركيز على أولئك الأفراد الذين يُ ِّعبرون
بفاعلية عن معارضتهم لسيطرة الليبرالية الجديدة على التحولات العاملية. قد يسهم فرادى
املواطنني في الحملات املناهضة للعولَمة الليبرالية الجديدة؛ وذلك بتوقيع العرائض الداعية
َّ إلى إسقاط ديون البلدان النامية، أو املساهمة املالية في أنشطة منظمات مثل أتاك أو السلام
َ الأخضر، أو تعبئة الحشود لوقف إنشاء السدود في الهند أو إزالة الغابات في البرازيل، أو
الاحتجاج على سلوك أفراد الشرطة في جنوة في يوليو ،٢٠٠١ أو محاولات اعتراض السفن
ِّصد ُ ر النفايات السامة إلى البلدان النامية أو القطارات الحاملة للمعدات العسكرية
التي تُ
ٍ قون هذا الإسهام عن طريق أفعال
ً استعدادا لغزو العراق في .٢٠٠٣ لكن الأفراد قد يُحقِّ
تؤثر كذلك على أنماط الحياة الفردية والسلوك الشخصيتأثريًا لا يقل عن تأثريها على الحياة
ً العامة، بل ربما يفوقه. لقد شهدت السنوات الأخرية انتشارا في منظمات التجارة العادلة
وممارساتها في مختلف أنحاء العالم الغربي، وربما يحاول الأفراد التأثري في موازين القوى
ٍ الاقتصادية على نطاق ُ واسع؛ وذلك باستهلاك م ٍ نتجات معيَّنة أو اتخاذ قرار بالتعامل
الحصري مع البنوك التي تَلتزم بمراعاة املعايري الأخلاقية والأدبية (ميكيليتي وفوليسدال
وستالي ٢٠٠٣؛ فورنو وشيكاريني تحت الطبع).
ورغم كل ما سبق، لا يُ ِمكن اختزال الحركة املناهضة للعوملة في مجموعات من
ً الأفراد تجمعهم رؤ ُ ى وسلوكيات م ً تشابهة؛ فبدلا من التركيز على الخصائص الفردية، لعله
ً من املثري للاهتمام أيضا التركيز على سمات الفعاليات التي تعكس الصراعات بني أصحاب
ٍ السلطة ومناوئيهم، إلى جانب الفعاليات التي تجمع الأفراد واملؤسسات املؤيدين لقضية ما؛
وذلك ملناقشة الاستراتيجيات ووضع برامج العمل واستعراض الأجندات. طاملا أجاد ناشطو
ِق ً ني أثرا عاطفيٍّا قويٍّا
ُ العدالة العاملية تنظيم الفعاليات أو إفساد فعاليات الخصوم، محقِّ
18
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
على الرأي العام واملشاركني على السواء. قبل معركة سياتل، كانت اللقاءات الدورية التي
ُ عقدها املنظمات الدولية املرتبطة بالأجندة الليبرالية الجديدة، كم َّ نظمة التجارة العاملية أو
تَ
صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو مجموعة الثمانية، تمثل فرصةً سانحة لسلسلة من
التظاهرات البارزة ذات الحضور الكثيف، والتي يُ ُّ حاول املشاركون فيها إفساد التجمعات
ٍ املذكورة وجذب الأنظار إلى أجندات َّ بديلة (بودوبنيك ٢٠٠٤). إن كل ما روج له ناشطو
العدالة العاملية من فعاليات، أبرزها اجتماعات املنتدى الاجتماعي العالَمي في بورتو أليجري
ومومباي، ونظرياتها الأوروبية في فلورنسا (٢٠٠١) أو باريس (٢٠٠٣) أو لندن (٢٠٠٤)،
ُ واللقاءات امل ُ وازية في الجنوب؛ كاملنتدى الاجتماعي الأفريقي الذي عقد دورته الأولى في باماكو
َّ عاصمة مالي، في يناير ،٢٠٠٢ يثبت حيوية «حركة الحركات» وقوتها (بيانتا ٢٠٠١أ). في
َّ الخامس عشر من فبراير عام ٢٠٠٣ شك ُ لت مئات الفعاليات املناهضة للحرب في مختلف
عد أكبر تظاهرة سياسية يجري تنظيمها عبر التاريخ؛ إذ نزل مناهضو
أنحاء العالم، ما قد يُ ُّ
غزو العراق على امتداد القارات الخمس إلى الشوارع بامللايني (والجريف وروشت تحت
َ الطبع). ولو انتقلنا إلى الصعيدين الإقليمي واملحلي، فسنجد أن نقاد ظاهرة العولَمة قد
َّروجوا لآلاف من الفعاليات، تراوحت ما بني تظاهرات تتَّسم بطابع املواجهات وعرض
ُّ لتقارير أو تصريحات صحفية، وبني التجمعات املسائية ذات الطابع الديني واستقطان
املباني العسكرية، وتؤيد مثل هذه الفعاليات، التي تتراوح مستوياتها بني الوطني واملغرق
ً خذ من مناهضة العوملة منهجا لها.
في املحلية؛ الرؤى الشائعة بشأن وجود حركة متميِّزة تتَّ
ٍ نستخدم مصطلح «حركة العدالة العاملية» في أحيان أخرى قاصدين به، في املقام
الأول، املنظمات العاملة في نطاق تلك القضايا. إن املعارضة للعوملة الليبرالية الجديدة كانت
ٍ ما تمارس نشاطها على أساس عابر
ٌ تضطلع بها ائتلافات واسعة من املنظمات، وعادةً
للحدود والقوميات (بايستيدزينسكي وشاخت ٢٠٠١؛ باندي وسميث ٢٠٠٤)، ولبعضها
ٌ — إن لم يكن لأغلبها — باع طويل في النشاط السياسي والاجتماعي، وتنتمي لشتى ألوان
ٍ الطيف السياسي. لقد شهدنا في سياتل كما شهدنا في جنوة وغريهما مشاركة أحزاب
سياسية قائمة ومعترف بها في التظاهرات، وكانت تنتمي في أغلبها، إن لم يكن بأكملها،
إلى تيار اليسار؛ كان الأمر نفسه يَ ُصدق على النقابات العمالية، واملزارعني، وغريها من
رقية التي تمثل كلا من السكان الأصليني واملهاجرين،
ٍّ
ِ املنظمات العمالية، واملنظمات الع
وجمعيات حماية املستهلك التي تواجه الشركات املتعددة الجنسيات، واملؤسسات الدينية
19
الحركات الاجتماعية
واملجموعات الكنسية، وجماعات حماية البيئة، والجمعيات النسائية، ومراكز الشباب
الراديكالية املستقلة (التي يُطلق عليها في إيطاليا «املراكز الاجتماعية»)، وما شابه ذلك.
َّ لكن حملات النقد املوج َّ هة إلى العوملة الليبرالية الجديدة قد تمخ َض ً عنها أيض ٌ ا منظمات
ُمعيَّنة، من بينها منظمة أتاك، تدافع عما يُ َّسمى ضريبة توبني لتقليص املكاسب املالية
في سوق الأوراق املالية الدولية؛ ومن أمثلتها الأخرى العمل العاملي للشعوب، وهو ائتلاف
يضم مئات من املجموعات في الشمال والجنوب، أو ريتي ليليبوت، وهي شبكة في إيطاليا
ً تشمل جماعات وجمعيات وأفرادا، ولها نشاط في مجال القضايا البيئية والتجارة العادلة
ً لعبه املؤسسات التي لا تحمل طابعا
والعدالة الاجتماعية. تجدر بنا الإشارة إلى الدور الذي تَ
سياسيٍّ ً ا مباشرا؛ فانتشار ممارسات التجارة العادلة يُ ِّسه َّ له وجود شبكات موسعة من
ٍ جزئة في الدول الغربية، ممن يحاولون بطريقة
الجمعيات التعاونية وصغار البائعني بالتَّ
ٍ ما تحقيق توازن بني الفعل الجمعي القائم على اعتبارات أخلاقية وبني متطلبات السوق،
كما أن انتشار شبكات الثقافة املضادة التي تربط الناشطني الراديكاليني من جميع أنحاء
ِّقدم إلى
العالم يُ ِّمه ٍ د له وجود كيانات ٍ بديلة من مقاه َ ومكتبات ومراكز ٍ اجتماعية وثقافية، تُ
املنتسبني للأوساط املتطرفة نقاط التقاء، بل ومحل إقامة أحيانًا. بالنظر إلى هذه العلاقة
ٍ من منظور مختلف بالكلية، سنجد أنه من املمكن اعتبار شبكة املدارس الإسلامية واملساجد
ِّقدم البنية التحتية التنظيمية اللازمة
ٍ وغريها من املعاهد الداعمة للإسلام الأصولي كجهات تُ
َّ لنشر هذا النموذج املعني من نماذج مناهضة العوملة الغربية (فيليول وبيناني-شرايبي
٢٠٠٣؛ لوبيك وريفر ٢٠٠٤؛ لانجمان ٢٠٠٤). إن املؤسسات، أيٍّا كانت سماتها الخاصة،
ً تضمن للفعل الجمعي استمراريته، حتى عندما تضعف، نوعا ما، احتماليةُ املشاركة
ِّزود الفعل باملوارد والفُرص اللازمة للتصعيد
التلقائية واملباشرة دون وساطة، كما أنها تُ
َ حني تكون الظروف أكثر ملاءمة، بالإضافة إلى تزويده باملصادر اللازمة لخلق الولاءات
والهويات الجمعية وإعادة إنتاجها. رغم ما سبق، ومع إقرارنا بأهمية املؤسسات العاملة في
َّ مجال الحركات، علينا ألا نقع في خطأ الربط بني الحركات واملؤسسات. كانت حركة العدالة
العاملية، إلى الآن، أقل عرضة لهذا الخطر مقارنةً بغريها من الحركات، كالحركة املعنية
بحماية البيئة؛ إذ كثريًا ما كانت املؤسسات الكبرى العابرة للحدود والقوميات، مثل السلام
الأخضر أو الصندوق العاملي للحياة البرية، أو شبكة أصدقاء الأرض، تَخطف الأضواء في
َ نهاية املطاف، وربما عن غري عمد منها.
20
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
(1) تحليل الحركات الاجتماعية: أربعة تساؤلات أساسية
إن دراسة الحركات الاجتماعية، كما يوضح مثال حملات العدالة العاملية، تعني التركيز
َّ على الجوانب التي قد ِّ منا لها للتو، أو بعضها على الأقل، كما تعني، وهو الأهم، الاهتمام
َّ بكيفية ارتباط الأفكار، والأفراد، والفعاليات، واملؤسسات بعضها ببعض في عمليات الفعل
ِّ ا، مع شيء من الاستمرارية على مرالزمن. بالنظر إلى طبيعة الحركات
الجمعي الأوسع نطاقً
ِّ دة واملتعد ُ دة الأبعاد، لا غرو أنه من املمكن تناولها في إطار كوكبة من
الاجتماعية املعقَّ
ُّ التساؤلات الفكرية الشديدة التنو ُّ ع، لكن اهتمامنا في هذا الكتاب سينصب على أربع
ِحاول ربطها
ِّعبر ٍ عنها بصيغة ٍ عامة شاملة، كما سنُ
مجموعات من تلك التساؤلات سنُ
ً بالقضايا النظرية والعملية الأعم والأشمل التي كانت دافع ُ ا م ً لهما لتحليل الفعل السياسي
الشعبي واملقاومة الثقافية منذ ستينيات القرن العشرين.
تشري املجموعة الأولى من التساؤلات إلى العلاقة الرابطة بني التغريات والتحولات
ِ الب ِ نيوية في أنماط الصراع الاجتماعي: هل بالإمكان النظر إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها
تعبريًا عن الصراعات؟ وأي نوع من الصراعات؟ هل شهدت الصراعات الرئيسية التي
ُّ تتناولها الحركات الاجتماعية أي تغريات؟ وعلى أي نسق سارت تلك التغريات؟
تتعلَّق املجموعة الثانية من التساؤلات بدور التمثيلات الثقافية في الصراع الاجتماعي.
َبر املشكلات الاجتماعية مادةً محتملة للفعل الجمعي؟ كيف تسهم طائفة معيَّنة
كيف تُعتَ
من الفاعلني الاجتماعيِّني في تنمية حس املشاركة والتطابق والتماهي مع «الذات الجمعية»
ٍ نفسها؟ وكيف يمكن اعتبار فعاليات ٍ احتجاجية َّ محددة جزءًا من الصراع عينه؟ ما املصدر
الذي تَنبثِ ِ ق منه ثقافات الحركة الاجتماعية وقيَ ُمها؟
َّ عنى بتحليل العملية التي تتحول خلالها القيم
أما الطائفة الثالثة من التساؤلات فتُ
ِصبح بالإمكان تعبئة الجماهري ومواجهة أخطار
ٍ واملصالح والأفكار إلى فعل جمعي. كيف يُ
ٌّ النشاط الاحتجاجي وتكاليفه؟ ما طبيعة الأدوار التي تلعبها كل من الهويات والرموز
والعواطف واملنظمات والشبكات في تفسري انطلاق الفعل الجمعي واستمراريته؟ ما الأشكال
التي تتَّخذها املنظمات في مساعيها لتقوية املعارضة الجمعية ونتائجها إلى أقصى حد؟
وأخريًا، لطالَ ُ ما طِر ٍ حت تساؤلات بشأن كيفية تأثري سياق ٍّ اجتماعي ٍّ وسياسي وثقافيٍّ
َرص النجاح القائمة أمام الحركات الاجتماعية
ٍّ ، أو أي من تلك التصنيفات، على فُ
َّ معني
وعلى الأشكال التي تتَّخذها. ما الذي يفسر تفاوت حدة العنف الجمعي وغريه من أنواع
ِ التحديات الجمعية املناهضة لأصحاب السلطة وذلك بمرور الزمن؟ هل تُؤثِّر سمات الأنظمة
21
الحركات الاجتماعية
ُ السياسية ومواقفها حيال مطالب امل ِواطنني على ما يُمكن أن يُحدثه املنخرطون في هذه
َّ املواجهات من أثر في الساحة السياسية؟ كيف تتغري الخطط والاستراتيجيات الاحتجاجية
بمرور الوقت، وملاذا تتغري؟
ِعكس بالكامل ثراء الحوارات الدائرة بشأن الفعل الجمعي
لا شك أن هذه التساؤلات لا تَ
والحركات الاجتماعية، بَ ً يد أنها لعبت بالتأكيد دور ً ا ملموسا في تشكيل ملامح النقاشات
على امتداد العقود السابقة. لقد كان لعقد الستينيات من القرن العشرين أهميةٌ بالغة
بالفعل؛ إذ لم تشهد تلك الحقبة زيادة في الأنماط الجديدة للمشاركة السياسية فحسب،
بل عاصرت تغريًا في قضايا الصراع الرئيسية؛ فقد جرت عادة الحركات الاجتماعية على
التركيز في الأساس على قضايا الطبقة العاملة والشعوب. لكن منذ مطلع الستينيات برزت
«الحركات الاجتماعية الجديدة»، وقد تركز اهتمامها على قضايا مثل تحرير املرأة، وحماية
البيئة، ونحو ذلك من قضايا، وقد تولَّدت عن هذه التغريات الكمية والنوعية في حركة
ٌ الاحتجاج تطورات ملحوظة في املنهج الذي اعتنقه علماء الاجتماع لتناول تلك التساؤلات،
وبات يُنظر إلى أهم النماذج النظرية املتاحة آنَذاك لتفسري الصراع الاجتماعي — النموذج
ٍّ عن أداء وظيفتها إلى حد كبري.
ِ املاركسي والنموذج الوظيفي البنيوي — باعتبارها قاصرةً
كثريًا ما اعتمد الباحثون في أوروبا على الفكر املاركسي لتفسري املوجة الجديدة من
الاحتجاجات التي واجهوها، غري أن محاولاتهم لتفسري التطورات التي طرأت على أنماط
ً الصراع في ستينيات القرن العشرين صادفت عددا من املشكلات؛ فالتحولات الاجتماعية
التي شهدتها فترةُ ما بعد الحرب العاملية الثانية أثارت الشكوك والتساؤلات حول مركزية
الصراع بني رأس املال والعمل، كما أن تَ ُ عاظم فرص الحصول على التعليم الجامعي أو
ٍ الدخول الجماعي للنساء إلى سوق العمل خلق احتمالات ِب َ نيوية جديدة للصراع، وضاع َف
َ من أهمية عدد من املعايري الأخرى للتدرج الاجتماعي — كالعلاقات بني الجنسني على سبيل
املثال. لو ألقينا نظرةً عابرة على عقد الستينيات، فلن يسعنا إلا أن نلاحظ كثريًا من الفاعلني
ِربطهم سوى
ُ امل ِ نخر ِ طني في تلك الصراعات (الشباب، والنساء، والفئات املَهنية الجديدة) لم تَ
ٍصلة َّ ضعيفة بالصراعات الطبقية، وهي الصراعات التي شك ِّ لت املكون الرئيسي من مكونات
الانقسامات السياسية داخل املجتمعات الصناعية (روكان ١٩٧٠؛ تيلي ٢٠٠٤أ). لم تكن
الشكوك املحيطة باستمرار بقاء الطبقة العاملة في املجتمع ما بعد الصناعي هي السبب
َّ الوحيد الذي قو َّ ض مكانة التفسريات املاركسية؛ إذ تعرض املنطق الذي يقوم عليه النموذج
22
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
ً التفسريي للهجوم أيض َ ا؛ فقد رفض النقاد العنصر الحتمي الراسخ في املأثورات املاركسية:
ُ الإيمان بأن تطور الصراعات الاجتماعية والسياسية مشروط بمستوى تطور قوى الإنتاج
ُ وبالديناميكيات امل ِّحددة للعلاقات الطبقية. علاوةً على ذلك، أيَّد هؤلاء النقاد تلك النزعة
ٍ (ذات الحضور القوي بوجه خاص بني أصحاب الفكر املاركسي التقليدي) إلى إنكار كثرة
ٍ القضايا والصراعات داخل الحركات الحقيقية وإلى الاستعاضة عنها بصور غري مألوفة
ُ ع بم ًستو ٍ ى عال من القدرة الاستراتيجية
ُمتجانسة تتمتَّ
للحركات باعتبارها أطرافًا فاعلةً
(انظر على سبيل املثال تورين ،١٩٧٧ ١٩٨١).
على النقيضمن الرؤية السابقة، كثريًا ما نظر الباحثون الأمريكيون إلى الفعل الجمعي
ً باعتباره سلوكا يُصاحب الأزمات، وبناء على تلك النظرة التي تَختزل الظواهر الجمعية
َّ إلى مجموعة من السلوكيات الفردية، عر ُ فت النظريات امل َستمَّدة من الدراسات النفسية
الحركات الاجتماعية بأنها تجسيد ملشاعر الحرمان التي يَشعر بها بعض الأفراد بالنسبة
إلى غريهم من الرعايا الاجتماعيِّ ٍ ني، وتجسيد ملشاعر العداء الناجمة عن طائفة واسعة من
َّ التوقعات الخائبة. إن ظواهر مثل صعود النازية، أو الحرب الأهلية الأمريكية، أو حركة
الأمريكيِّني السود، على سبيل املثال لا الحصر، كانت تُعتبر ردود فعل عدائيةً ناتجة إما عن
ٍ عة لفترات من الرفاه الاقتصادي والآمال املتزايدة على نطاق عاملي
ٍ نهاية سريعة وغري متوقَّ
أو عن آليات تُعارض املكانة الاجتماعية للفرد (ديفيس ١٩٦٩؛ جور ١٩٧٠). بالنظر إلى
ٍ الأمر من منظور ً مختلف نوعا ما لكنه لا يخلو من توافق، ارتبط ظهور التطرف السياسي
ً أيضا بانتشار املجتمعات الجماهريية؛ حيث نزعت الوشائج الاجتماعية التكاملية القائمة
ُّ على الأسرة أو املجتمع إلى التفكك (كورهاوزر ١٩٥٩؛ جاسفيلد ١٩٦٣). لقد أوجدت العزلة
ً والاستبعاد أفرادا محدودي املوارد الفكرية واملهنية والسياسية، أو أيٍّ ُّ ا مما سبق، وهم أشد
عرضةً ُ للانجذاب إلى دعوات الحركات املناهضة للديمقراطية املنتمية إلى طرفي النقيض من
1
يمني ويسار.
ٍّ ت املشكلات نفسها، إلى حد ما، أشهر نماذج املنهج الوظيفي البنيوي، ألا
َ لقد صادفَ
وهو نموذج نيل سميلزر (١٩٦٢)، الذي اعتبر الحركات الاجتماعية الأعراض الجانبية
الناجمة عن التحولات الاجتماعية املتسارعة للغاية. ذهب سميلزر في نموذجه إلى أنه في
ٍ الأنظمة التي تتكون من أنظمة فرعية متوازنة، من شأن السلوك الجمعي أن يكشف عن
َّ توترات تعجز آليات إعادة التوازن الداخلي عن امتصاصها على املدى القصري. إن لظهور
23
الحركات الاجتماعية
ُّ ق السياسية والرؤى
ِ السلوكيات الجمعية — كالطوائف الدينية والجمعيات السرية والفَر
ً ى مزدوجا؛ فهي
الاقتصادية اليوتوبية — في أوقات التحولات السريعة الواسعة النطاق معنً
تعكس، من جانب، عجز املؤسسات وآليات الضبط الاجتماعي عن إعادة خلق التماسك
ٍ برز، من جانب آخر، محاولات املجتمع الاستجابة للأزمات عن طريق تطوير
الاجتماعي، وتُ
ٍ خذها قواعد لبناء أسس جديدة للتضامن الجمعي.
ُ مجموعة من املعتقَدات املشتركة يتَّ
َّ يتكون نموذج القيمة املضافة الذي وضعه سميلزر لتفسري السلوك الجمعي من ست
ِ ا للبنية الاجتماعية قد يُسهل بروز
خطوات: «السببية البنيوية»، التي تعني أن نسقً ا معينً
ٍ أنماط َّ محددة من السلوك الجمعي أو يَمنعه؛ و«الضغوط البنيوية»، وهو ما يَعني أن
كيانًا جمعيٍّ ٍ ا ما ينظر إلى سمة واحدة، على الأقل، من سمات املنظومة الاجتماعية باعتبارها
َّ ر واملشكلات؛ و«نمو الاعتقادات املعممة وانتشارها»، واملقصود بذلك هو ظهور
ُّ
ً مصدرا للتوت
ٍ تفسري ُمشترك لوضع املجتمع ومشكلاته على يد الفاعلني الاجتماعيِّ ِّ ني؛ و«العوامل املعجلة»،
ُّ وهي الأزمات التي تدفع الفاعلني إلى التحرك واتخاذ إجراءٍ ما؛ و«استنفار الحشود»، الذي
ِّحو ٍ ل الفعل املحتمل إلى فعل حقيقي؛ و«عمل
يتمثل في الأنشطة العلائقية واملؤسسية التي تُ
الضبط الاجتماعي»، وهو الدور الذي تلعبه هيئات الضبط الاجتماعي وغريها من الأطراف
ً الفاعلة في رسم ملامح تطور الفعل الجمعي وأشكاله (سميلزر ١٩٦٢؛ انظر أيضا كروسلي
،٢٠٠٢ الفصل الثاني).
يعتقد بعض الباحثني أنه من املؤسف أن بحث سميلزر ارتبط في نهاية الأمر بأزمة
عد من أهم املساعي
َّ ا؛ فبالرغم من مشكلاته، فإن نموذجه يُ ُّ
ً النموذج الوظيفي ارتباطا وثيقً
ٍ ا باعتبارها عمليات ٍ منفصلة، في إطار نموذج
َعامل لاحقً
ٍ لربط عمليات ُم ِختلفة، كانت ستُ
متكامل ولتأسيس العملية التحليلية للحركات الاجتماعية داخل إطار علم الاجتماع العام
َ على قواعد راسخة (كروسلي :٢٠٠٢ ٥٣–٥٥)، غري أن املناخ الثقافي الذي ساد خلال
َّ السنوات التي أعقبت نشر كتاب سميلزر أدى إلى تصنيفه تحت مجموعة أوسع من املناهج
التي كانت تَ ُ نظ ِ ر إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها ردود فعل محضة للأزمات الاجتماعية،
َ ا للانتقادات نفسها. لنر الآن كيف
ُ ونتيجة مترتِّبة على سوء الإدماج، وهو ما جعله هدفً
َّ تبلورت الانتقادات املوج َ هة إلى املنهجني املاركسي والوظيفي في ضوء التساؤلات الأربعة التي
طرحناها سلفً ا.
24
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
(1-1) هل تُهيئ التغريات الاجتماعية الظروف لنشوء
الحركات الجديدة؟
بالنظر إلى املكانة التي احتلَّها الفكر املاركسي في املناقشات الفكرية الأوروبية، ليس من
ُ امل َ ستغر ً ب أن كانت العلوم الاجتماعية الأوروبية هي الأكثر حرصا على تفسري صعود حركات
َ عقد َّ ي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين من خلال التناول الصريح بالنقد
َ والتحليل للنماذج املاركسية املستخدمة في تفسري الصراعات الاجتماعية، وقد تناولَت هذه
ً الانتقادات أكثر تيارات الفكر املاركسي التزام ِ ا بالنسق البنيوي، مرجعةً الصراعات الطبقية
ُّ ة بتشكل الوعي الطبقي (أو الطبقات في
إلى أنماط الإنتاج مباشرةً ُ ، وتلك التيارات امل َّ هتم
َّ ذاتها). مما لا شك ً فيه أن إدراك تلك املشكلات لم يكن مقصور ِ ا على الباحثني العاكفني على
َ دراسة الحركات الجديدة؛ فالصعوبات نفسها أثارها م ُ ن درسوا الحركة العمالية بغرض
ٍّ توضيح عملية خلق الفاعل الجمعي، في تحد ُّ للفكرة الشائعة القائلة بالتحول شبه التلقائي
للضغوط البنيوية في السلوك الواعي (تومبسون ١٩٦٣).
َّ لقد أسهم الباحثون ممن لهم صلة بما يُطلق عليه منهج «الحركات الاجتماعية
ً إسهام ً ا مؤثرا في تطور النقاشات املعنية بتلك القضايا، مخالفني الركائز
2
الجديدة»
َّ املاركسية في كثري من الأحيان. وقد قدم هؤلاء الباحثون إسهامهم بإمعان النظر في ظاهرة
التجديد التي شهدتها الحركات املعاصرة في شكلها ومضمونها. لقد أجمع باحثو الحركات
الجديدة على أن الصراع بني الطبقات الصناعية تتضاءل أهميته، كما أجمعوا كذلك على
ٍّ أن تصوير الحركات كمباحث متشابهة إلى حد كبري لم يَ ُع ً د أمرا ممكنً ً ا ولا معقولا، إلا
أن ثمة اختلافات بينها في التركيز على إمكانية تعريف الصراع املركزي الجديد الذي
من شأنه أن يُميِّز نموذج املجتمع الناشئ، واملعروف أحيانًا باسم «ما بعد الصناعي»
ُ أو «ما بعد الفوردي» أو «التكنوقراط» أو «املَبرَمج». كان آلان تورين، وهو أحد الدعاة
ً رين لهذا املنهج، أكثر وضوح ُّ ا في إعلان تمسكه بهذا املوقف حيث قال: «إن الحركات
املؤثِّ
َ ا للنظام، وإنما هي القوى املركزية التي تتصارع فيما
ً الاجتماعية ليست رفضا هامشيٍّ
ِقدم عليه الطبقات في
بينها في سبيل السيطرة على إنتاج املجتمع في ذاته والفعل الذي تُ
ِّ سبيل تشكيل الوقائع التاريخية [بتعبري آخر املنظومة الشاملة للمعاني التي تحدد القواعد
السائدة في مجتمع ما]» (تورين :١٩٨١ ٢٩). يذهب تورين إلى أنه في املجتمعات الصناعية،
َ تتصارع الطبقة الحاكمة مع طبقة العوام كما كان الحال في املجتمعات الزراعية والتجارية،
25
الحركات الاجتماعية
ُح ُّل طبقات اجتماعية جديدة محل الطبقة
ُ وكما سيكون في املجتمعات املَبرَمجة، حيث ستَ
3
ِ الرأسمالية والطبقة العاملة كالفاعِلني الرئيسيِّني في الصراع الاجتماعي.
إن هذا الانفصام في الصلة بني الحركات الاجتماعية السائدة في املجتمعات الصناعية
َّ والحركات الجديدة قد أك ً ده أيضا عالم الاجتماع الأملاني كلاوس أوف (١٩٨٥) في ثمانينيات
ِّكون موقفً ا نقديٍّا جوهريٍّ ً ا قائما على التحليل
القرن العشرين. يرى كلاوس أن الحركات تُ
ُ السياسي حيال املنظومة السياسية والديمقراطية النيابية ذات الطابع التمثيلي، متحديةً
الافتراضات املؤسسية بشأن الأساليب التقليدية ملمارسة العملية السياسية، وذلك باسم
الديمقراطية الراديكالية. استحدثت الحركات الجديدة، خلافًا للحركة العمالية، مجموعة
من الأفكار، من أهمها الأيديولوجية النقدية فيما يتعلَّق بالحداثة والتقدم، والهياكل
ُ املؤسسية اللامركزية القائمة على املشاركة، والدفاع عن التضام َ ن املتبادل بني الأفراد ضد
البريوقراطيات العظمى، واسترداد املناطق املستقلَّ ً ة بدلا من إحراز املزايا املادية.
ُ من الإسهامات الأخرى املعنية بتعريف الخصائص املميِّزة للحركات الجديدة في
ُ املجتمعات املَبرَمجة تلك التي قدمها ألبريتو ميلوتشي (،١٩٨٢ ،١٩٨٩ ١٩٩٦). استعان
ميلوتشي بالصورة التي طرحها يورجني هابرماس عن استعمار عوالم الحياة؛ وذلك ليَ ِصف
ِستثمر مواردها على
ٍ املجتمعات املعاصرة كأنظمة على درجة عالية من التمايُز والاختلاف، تَ
ٍ نحو ُمتزايد لخلق مراكز فردية مستقلَّة للفعل، بينما تتطلَّ ً ب في الوقت نفسه تكاملا أوثق
وسيطرةً أوسع على دوافع الفعل البشري. يَ ِعتقد ميلوتشي أن الحركات الاجتماعية الجديدة
عارضة تدخل الدولة والسوق في الحياة الاجتماعية، محاولةً استرداد حق الأفراد
ُّ
تَ ُ سعى مل
في تحديد هوياتهم وتقرير حياتهم الخاصة والعاطفية في مواجهة قبضة النظام الشاملة
ُ امل َّ تغلغلة في كل جوانب الحياة. بالإضافة إلى ما سبق، يرى ميلوتشي أن الحركات الاجتماعية
َّ ا للحركة العمالية، لا تقصر طموحها على السعي وراء املكاسب املادية،
الجديدة، خلافً
َّ بل تتحد ُ ى املفاهيم املبهمة عن السياسة واملجتمع في حد ذاتهما، ولا يُطالب الفاعلون
الجدد كثريً َّ ا بزيادة تدخل الدولة من أجل ضمان الأمن والرفاه، بل يَ ً بذلون جهد ٍّ ا خاصا
ُّ ملقاومة توسع التدخل السياسي والإداري في شئون الحياة اليومية والدفاع عن الاستقلالية
الشخصية.
ُّ سيكون من قبيل التضليل التحدث عن منهج الحركات الاجتماعية الجديدة دون
َّ الإقرار بأن أهم ٍ دعاة هذا املنهج قد أخضعوا مواقفهم لتنقيحات ٍ وتعديلات بالغة بمرور
ِ الزمن؛ ففي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، أدرك أوف (١٩٩٠) ما للفعل السياسي
26
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
ُ التقليدي من تأثري على م َّ مارسات الحركات، ثم وج ً ه ميولتشي اهتمام ً ا متزايدا بالآليات التي
ِّؤدي إلى إنتاج تمثيلات معيَّ ِّ نة للعالم والهويات الفردية والجمعية كما تؤد ُّ ي إلى تحولها
تُ
بمرور الزمن (،١٩٨٩ فيما يخص هذه النقطة انظر بارتولوميو وماير ١٩٩٢)، بل وذهب
َ ميلوتشي إلى ما أبعد ِم َّ ن ذلك، فصرح بأن الجدل القائم حول «حداثة» الحركات املعاصرة
ُعد له أهمية (انظر، على سبيل املثال، ميلوتشي
إنما هو حديث عفا عليه الزمن أو لم تَ
.(١٩٩٤
بيد أن مثل هذا املنظور كان له — ولم يزل — محاسنه العديدة، بادئ ذي بدء، لفت
ِ هذا املنهج النظر إلى العوامل الب ِّ نيوية املحد ً دة للاحتجاجات، معيدا النظر في أهمية الصراع،
ُ وذلك في مرحلة كانت الصراعات غري الطبقية محل تجاهل في كثري من الأحيان. ثانيًا،
َّ ني محددتني؛ لقد
ُ وباملقارنة باملاركسيني، فإن مل ِّ نظري الحركات الاجتماعية الجديدة ميزتَ
وضعوا الأطراف الفاعلة في قلب املرحلة مرةً أخرى، وسلَّطوا الضوء على السمات التجديدية
ِعتبر نفسها ذات صلة في الأساس بمنظومة الإنتاج. علاوة على ذلك،
ُعد تَ
للحركات التي لم تَ
َّ يجدر بنا ألا ٍ ننسى وجود مجالات َ بحثية بارزة مستله ٍّ مة إلى حد كبري من فرضياتهم الأولية
(ميهيو ١٩٩٥).
َّ بالرغم من التأثري الذي أحدثه منظور «الحركات الاجتماعية الجديدة»، فإن الاهتمام
ِ بالعلاقة بني الب ً نية الاجتماعية والفعل الجمعي ليس مقصورا على هذا املنظور بأي حال
َ لي الفعل الج َّ معي ممن لا يَزالون
ِلهم كثريً ُ ا من محلِّ
َّ من الأحوال؛ فاملاركسية لم تنفك تُ
ً ولون مفهوم الطبقة الاجتماعية دورا محوريٍّا (انظر على سبيل املثال باركر وديل ١٩٩٩؛
يُ
ِ مكن النظر إلى املناهج البنيوية املتأثِّرة
لافاليت وموني ٢٠٠٠؛ كليفلاند ٢٠٠٣)، كما يُ
ِّ ممهدة للحركة البحثية املزدهرة
ً بالفكر املاركسي تأثر ً ا شديدا باعتبارها مرحلةً سابقةً
ً خذ من ظواهر العدالة العاملية موضوعا للدراسة. لقد حاول الباحثون،
حاليٍّا التي تتَّ
ٍ رين على نطاق واسع بنظرية «النظام العاملي» لإيمانويل والرستني (،١٩٧٤ ٢٠٠٤)،
متأثِّ
وضع املوجة الجديدة من تعبئة الحشود الشعبية في البلدان النامية والعالم الغربي على
ٍ ا لإعادة الهيكلة الاقتصادية على نطاق عاملي ومن
حد سواء في سياق العمليات الأوسع نطاقً
ٍّ
ٍ منظور ٍّ تاريخي طويل املدى (أريجي وهوبكينز ووالرستني ١٩٨٩؛ سيلفر وسليتر ،١٩٩٩
الفصل الثالث؛ مودي ١٩٩٧؛ ريفر ٢٠٠٤).
ٍ في انتقاد صريح للتحليلات القائلة بتلاشي الصراع الاجتماعي وإخضاعه للطابع
ٍ الفردي، وفي انتقاد أشد صراحة لنهاية الصراع حول حصص الأفراد من الثروة، يرى
27
الحركات الاجتماعية
َّ الباحثون من هذا املنظور الأزمة التي واجهتها الحركة العم َ الية في عقدي الثمانينيات
والتسعينيات من القرن العشرين، والتي أعقبت إعادة الهيكلة الاقتصادية على املستوى
تُ ِّشك ُّ ل نقطة تحو ٍّ ل إلى حد ِّ كبري. من املتوقع أن يؤدي الإخفاق
العاملي، باعتبارها ظاهرةً
ٍ عات الطبقة العاملة املنتمية إلى البلدان النامية إلى تأجيج موجة جديدة
ُّ
الشامل في تلبية توق
ِعك ً س بدورها أيض ُ ا ظاهرة التأنيث املتنامي
ُ من الصراعات الطبقية امل ِ تواصلة، والتي ستَ
ِ للقوى العاملة وطابعها الع ً رقي الأكثر وضوحا؛ وذلك عقب ديناميكيات الهجرة الجماعية
(أريجي وسيلفر ١٩٩٩). يبدو أن مثل هذه الحجج تدعمها الأهمية املتنامية ملفهوم «العدالة
ٍ العاملية» كقضية محورية (أندريتا وديلا بورتا وموسكا ورايتر ،٢٠٠٢ ٢٠٠٣)، بل إن
ً ع، شهدت تطورا في شطر العالم الجنوبي، أسهم في
الحركات الاجتماعية، وعلى غري املتوقَّ
ِ تحقيق التقارب في الأطر والبنى املؤسسية مع نظرياتها في الشطر الشمالي، وقد صاحب
ذلك تطور في الأبحاث املعنية بالحركات الاجتماعية (لا سيما في بعض املناطق الجغرافية
ُ كأمريكا اللاتينية والشرق الأقصى) واملعتنقة ملنهج أنطونيو جرامشي في كثري من الأحيان،
مؤكدةً دور الهيمنة الثقافية.
ُّ من أبرز املساعي الأخرى لربط التغري ِ ات الاجتماعية البنيوية بالفعل الجمعي
الجماهريي تلك املرتبطة باسم مانويل كاستيلز (،١٩٨٣ ١٩٩٦). أسهم كاستيلز، في
مرحلة مبكرة من أبحاثه، في تشكيل إدراكنا لنشأة الحركات الاجتماعية الحضرية؛ وذلك
بتسليط الضوء على أهمية العمليات الاستهلاكية (وبخاصة الاستهلاك الجمعي للخدمات
واملنافع العامة) بالنسبة إلى العلاقات بني الطبقات، وكذلك بتحويل تركيز التحليل الطبقي
من العلاقات الرأسمالية داخل محل العمل إلى العلاقات الاجتماعية داخل املجتمعات
الحضرية (كاستيلز ١٩٨٣). أقدم كاستيلز لاحقً ا على ربط الأهمية املتنامية للصراعات
ً حول الهوية في كل من الغرب (الحركة النسائية نموذجا) والجنوب (حركة زاباتيستا
ً والأصولية الدينية نموذجا) بنشأة «املجتمع الشبكي»، حيث تلعب تكنولوجيات املعلومات
ً الجديدة دورا محوريٍّا.
كان عالم الاجتماع الفرنسي بيري بورديو مصدر إلهام لجهد رائد آخر يسعى لربط
ِ التحليل الب ُ نيوي بتحليل الحركات الاجتماعية؛ فالباحثون امل ِ نخرطون في تحليل العادات
الثقافية (أو امليول الثقافية التي تنتجها عمليات التنشئة الاجتماعية) ومحدداتها البنيوية
ُ استعانوا بر ٍ ؤى بورديو لاستكشاف أمثلة َّ محددة للصراعات السياسية، مع التركيز على
ُ دلالاتها الثقافية في إطار امليادين املحددة التي يَنتمي إليها الأفراد. ذهب بعض الباحثني
28
ٌ متكررة وإجابات ِّ متغرية ...
دراسة الحركات الاجتماعية: أسئلةٌ
ُ إلى ما هو أبعد من املصالح الاقتصادية، م ِّفسرين نشاط الحركات الاجتماعية باعتباره
ً تابع ُ ا للاحتياجات والرغبات امل َستم ُ دة من القيم واملعايري املميِّزة لثقافات (أو مجالات)
َّ محد ِ دة؛ ومن ثم فالفعل، من هذا املنطلق، ليس عقلانيٍّ ٌ ا، بل معقول ومبرَّر (بورديو :١٩٨٠
٨٦-٨٥؛ إكشتاين ٢٠٠١؛ سومييه ٢٠٠٣). إلى جانب ذلك، استعان كروسلي (٢٠٠٢)، من
ٍ زاوية ٍ مختلفة وبإشارة صريحة إلى النظرية العامة على طريقة سميلزر، بمفاهيم بورديو
الرئيسية عن التطبُّ ً ع والبنية والوكالة، وذلك ليطرح نموذجا نظريٍّ ً ا جديد ً ا قادرا على دمج
ُّ الر ُ ؤى امل َ ستقاة من املناهج الأوروبية والأمريكية التي تبلورت عبر السنوات. شرع كروسلي
في هذه املهمة جنبً ٍ ا إلى جنب مع عمل نظري آخر داخل الإطار الأوسع لنظرية الهيكلة
(سيويل ١٩٩٢؛ ليفساي ٢٠٠٣).
ِّ كان من أهم الانتقادات التي وجهت إلى نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة أنها
ٍ اتخذت من سمات معينة، لم تكن جديدة بالضرورة ولا قابلة للتعميم، خصائص أساسية
للحركات الاجتماعية الجديدة، ومن أمثلة تلك السمات أصول الناشطني التي تعود إلى
ُ الطبقة الوسطى، أو الأشكال التنظيمية امل َّفككة (دانريي وإرنست وكري ١٩٩٠؛ كالهون
١٩٩٣؛ روتس ١٩٩٢؛ روديج ١٩٩٠؛ كوبمانس ١٩٩٥؛ تارو ١٩٩٤؛ ديلا بورتا ١٩٩٦أ:
َّ الفصل الأول). إن ِ املناهج الب ِ نيوية في العموم ع َ يب ً عليها أيضا إخفاقها في تحديد الآليات
ِ نطبق
ُّ ْ رات البنيوية إلى مرحلة الفعل. لكن، إحقاقًا للحق، لا يَ
التي تُسهم في الانتقال من التوت
هذا النقد على أعمال ميلوتشي وينطبق جزئيٍّا فقط على أعمال تورين، بينما ينطبق بالتأكيد
ِ على علماء مثل أوف ِّ أو كاستيلز، أو على منظ ُّ ري النظام العاملي، ممن لا ينصب اهتمامهم
على العمليات الصغرية أو املتوسطة. مهما يكن من أمر، فلا بد من اعتبار املناهج املطروحة
ٍ هنا بمثابة نظريات عن الصراع الاجتماعي في املقام الأول؛ وبوجه َّ أخص عن تأثري التحولات
ِ البنيوية على رهانات الصراع وأشكاله. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن املسائل املتعلِّقة على
ٍ نحو ُ مباشر بظهور الفعل الجماعي وتطوره قد تناولتها تقاليد ٍ فكرية أخرى على نحو
ً أكثر إقناعا.
(2-1) كيف نُقيِّ ٍ م القضايا باعتبارها موضوعات جديرة باملناقشة
ً والفاعلني باعتبارهم أطرافا جديرة بالفعل الجماعي؟
نزع طلاب السلوك الجمعي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين إلى تصنيف
ُّ ظواهر على قدر من التنوع مثل الحشود، والحركات، ونوبات الهلع، وحالات الهوس،
29
الحركات الاجتماعية
وصيحات املوضة، وغريها تحت العنوان نفسه، وقد نتج عن ذلك مشكلتان؛ فمن ناحية،
رغم أن كثريً َّ ا منهم عر َ فوا الحركات كظواهر َّ هادفة، فإن طلاب السلوك الجمعي وجهوا
ً مزيدا من الاهتمام إلى الديناميكيات غري املتوقَّ ً عة — كردود الأفعال الدائرية — بدلا من
َّ التركيز على الاستراتيجيات املؤسسية املتعم ٍ دة، أو بوجه أعم، الاستراتيجيات التي وضعتها
ٌ أطراف فاعلة. حسبما ذكر جيمس كوملان (:١٩٩٠ ٤٧٩)، فإن الفرضية القائلة بأن
ُّ مشاعر الإحباط وفقدان الانتماء والحرمان والتأزم الاجتماعي من شأنها أن تنتج الثورات
تلقائيٍّ ُ ا إنما هي تختزل الفعل الجمعي إلى م َّجر ٍ د حشد مختلط من السلوكيات الفردية؛
فاملذهب الوظيفي يتجاهل تلك الديناميكيات التي تولِّد فيها املشاعر الفردية ظواهر كبرى
كالحركات الاجتماعية أو الثورات.
من بني الجهود التي صدرت كرد فعل لتلك الفجوات النظرية تلك التي بذلها أصحاب
َّ نظرية التفاعل الرمزي، ممن لهم صلة بما يُسمى «مدرسة شيكاغو»، التي يُنسب إليها
ُّ تطوير الحركة التحليلية للسلوك الجمعي إلى مجال تخصصي من مجالات علم الاجتماع.
ُّ إن مفهوم السلوك الجمعي نفسه — في مقابل علم النفس الجمعي — كان يشي بتحول في
الاهتمام من تحفيز الأفراد إلى دراسة أفعالهم امللحوظة. بحلول عقد العشرينيات من القرن
ِّ العشرين، أكد مؤسسو هذا املنهج — ومن بينهم روبرت إي بارك وإرنست دبليو برجس
— أن الظواهر الجمعية ليست مجرد انعكاس للأزمات الاجتماعية، وإنما تُ ِّشكل معايريَ
ِنت ً ج أشكالا جديدة من التضامن الاجتماعي، كما نظروا إلى الحركات الاجتماعية
جديدة وتُ
ا
باعتبارها قوةً دافعة إلى التغيري، لا سيما فيما يتعلق بمنظومات القيم. عمدت لاحقً
جماعةٌ ِّ أخرى من دارسي السلوك الجمعي إلى الإشارة إلى مبادئ مدرسة شيكاغو، مركزين
ُّ اهتمامهم على حالات التغري السريع في البنى والقواعد الاجتماعية (بلومر ١٩٥١؛ ترنر
ِبرت ظواهر مثل النزوع نحو املؤسسات
4 جاسفيلد ١٩٦٣). اعتُ
وكيليان ١٩٨٧ [١٩٥٧]؛
الكبرية، والحراك السكاني، والابتكار التكنولوجي، ووسائل الاتصال الجماهريي، وتراجع
ُ الأنماط الثقافية التقليدية؛ بمنزلة ظروف م َستجَّد ٍ ة تدفع الأفراد إلى البحث عن أنماط
َّ جديدة للمؤسسات الاجتماعية. في الواقع، عرفت تلك الطائفة من الدارسني السلوك الجمعي
َّ باعتباره السلوك املعني بالتغيري (انظر على سبيل املثال بلومر :١٩٥١ ١٩٩)، والحركات
َّ الاجتماعية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من املجرى الطبيعي لحياة املجتمعات وتعبريًا عن
5
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
قبل التطرق لتعريف الملكية العقارية الخاصة نلاحظ أنها تتكون من ثلاث كلمات وجب الوقوف عند كل واحدة منه...
تتواصل حالة الجدل والصدمة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، على خلفية وفاة الطفلة ميمي مجيب البالغة من...
نفّذ مكتب الصحة العامة والسكان بمديرية لودر، صباح اليوم السبت، حملة تحصين طارئة ومصغرة في منطقة الجن...
المتمعن في الموضوعات التي يهتم بها هذا العلم يجدها متنوعة ومتناثرة، لكن في جوهرها تدور حول واقع المش...
يشرف الناظر على الاستشارة التربوية و يراقبه وهذا تحت سلطة المدير ,كما يقوم بالتنسيق اليومي مع الأسات...
نصيحة السلطان ولروم طاعته قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و...
ويقول: ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما.. لا تحزن إن الله معنا.. فتنصرف تلك الفرقة دون أن تراهما. 65 . خر...
ثالثا : اإلضاءة الخلةية تعطى اإلبااة الخلفية عمقا لمكان التصوير وذلم عن طريق زيادة اإلبااة، وفصل م...
کتاب اللؤلؤة في السلطان السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدن...
آليات المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية تتجسد في مجموعة متداخلة من الإجراءات القانونية التي تشمل المس...
اعتبر الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، الدكتور علي الذهب، أن تحليق الطائرات المسيّرة ...
شهدت بلاد المغرب الاوسط خلال العصر الوسيط لا سيما الفترة الممتدة ما بين القرنين الثالث والسابع هجري ...