Online English Summarizer tool, free and accurate!
يُناقش النص منهجين نقديين بارزين: الشكلانية والنقد الجديد. برزت الشكلانية في روسيا كرد فعل على هيمنة النقد السوسيولوجي، متأثرة بحلقتي موسكو وبطرسبورغ اللغويتين. ركز الشكلانيون على النص الأدبي كبنية مغلقة، مستقلة بذاتها، متجاهلين السياقات الخارجية، مع التركيز على "الأدبية" كخاصية جوهرية تتعلق بالشكل اللغوي والصياغة وليس المضمون. رفضوا ربط الأدب بالبيئة أو المُؤلف، مُؤكدين على أهمية "الوسيلة" و "الوظيفة" في التحليل. رغم الاضطهاد الذي واجهه الشكلانيون، إلا أن تأثيرهم ظلّ باقياً، متمثلاً في مفاهيم كـ"الشكل" و"الأدبية".
ظهر "النقد الجديد" في الجامعات الأمريكية، متأثراً بأعمال نقاد كجريفز وأليوت. ركز هذا المنهج على "القراءة الفاحصة" للنص، مُؤكداً على "التجربة" كجوهر العمل الأدبي، ورفض الربط بين النية المُؤلفية والعمل، أو بين العمل وآثاره النفسية. اعتمد هذا المنهج على تحليل البنية النصية، مع التركيز على وحدة الشكل والمضمون، مُقدمًا مفاهيم كـ"التوتر" و"التركيب". رغم نجاحه، إلا أن النقد الجديد واجه انتقادات بسبب غموضه وعدم ارتباطه بالحياة العامة، مما مهد لظهور اتجاهات نقدية جديدة.
ثانياً: المناهج المحايثة
1 - المنهج؛ الشكلاني والنقد الجديد: كان النصف الأول من القرن العشرين إيذاناً بظهور منهجين نقديين أصبحا فيما بعد رافدين أساسيين من روافد ما سمي بالمنهج البنيوي أو البنائي في دراسة النص الأدبي وتحليله.
يرجع المنهج الشكلاني الذي يمثل أحد الاتجاهين النقديين المذكورين من النقاد والدراسين الروس الذين أحدثوا انعطافة جديدة في نظرية الأدب وتحليل النص الأدبي، بعد أن واجهت الدراسات النقدية أزمة حادة وضعتها أمام طريق مسدود، كان الأدب الروسي في أثنائها راسخًا لهيمنة نقد سوسيولوجي ذي بعد أ أيدي وتوجه سياسي جعل العلاقة بين الأدب والحياة تبدو أشبه شيء بالعقيدة المغلقة، وهو ما عكس حالة من الاغتراب عن النص الأدبي، فكان ذلك واحداً من أبرز حوافز ازدهار هذا المنهج النقدي
يعد المنهج الشكلاني ثمرة التقاء تجمعين أدبيين، هما: حلقة موسكو اللغوية وحلقة بطرسبورغ. فقي عام ۱۹۱۵ أسس مجموعة من الطلبة، ممن كانوا يدرسون بجامعة موسكو (۱)، بينهم (جاكبسون)، حلقة سميت حلقة موسكو اللغوية، هدفها إنجاز دراسات لسانية وشعرية وعروضية وفولكلورية، ما لبثت أن استقطبت جل الشباب المهتمين باللسانيات، إلى جانب بعض الشعراء والمفكرين البارزين أمثال الشاعر ما يكوفسكي وجوستاف سبيت، تلميذ الفيلسوف هوسرل
وعقب سنة من تأسيس حلقة موسكو، اجتمع في شتاء ١٩١٥-١٩١٦ عدد من الفيلولوجيين الشباب ومؤرخي الأدب في بطرسبورغ وكونوا جمعية لدراسة اللغة الشعرية عرف باسم أبوياز (أوبوياز) (۲).
عملت هاتان الجماعتان على تأسيس تقاليد حوار وإثارة جدل مهم بناء اتخذ شكل حلقات دراسية، قدم أعضاؤها فيها طروحاتهم، مجسدين بذلك ازدواجية اهتماماتهم الألسنية والجمالية معاً، ساعين إلى تقليص الهوة بين حقليهما، ومعمقين الاهتمامات المشتركة فيما بينهما، مما ترك أثراً واضحاً في تجانس هذه الجماعة ومرونتها وتفاعلها (۳).
أراد الشكلانيون الروس أن يقيموا أسس ثورة نصح جديدة في دراسة اللغة والأدب، بجعل الآثار الأدبية محور النشاط ومركز الاهتمام النقدي، في مقابل إغفال ما يتصل بها من عوامل ومرجعيات، ساعين إلى خلق علم أدبي
مستقل، انطلاقاً من الخصائص الجوهرية للأدب (1)، مكتفين بالنظر في عناصر بنية النص الأدبي، وفي نظام حركة هذه العناصر وتماسكها.
من هنا سعى الشكلانيون إلى مقاربة النص الأدبي مقاربة محايثة، بوصفه بنية مغلقة مكتفية بذاتها، لا تحيل على وقائع خارجية عنها إلى ما يتجاوز لغتها ويتصل بالذات المنتجة لها أو بسياق إنتاجها، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط.
ويمكن القول إن الاهتمام الأساس لأصحاب هذا الاتجاه، تركز بشكل لافت في تحليل النص الأدبي، بوصفه نقطة البدء والمعاد، لينأوا من ثم بالنقد عن ميدان العلوم الإنسانية الأخرى التي ظلت مهيمنة على خطاب الأدب زمناً غير قليل، متنكبين لجميع المقاربات النقدية السابقة عليهم، التي أولت اهتمامها لما هو خارج النص، من تاريخ وعلم نفس واجتماع.
لكن تجاهل الشكلانيين للمناهج الخارجية في دراسة الأدب لم يكن يعني لديهم إنكارهم قيمتها ، بقدر ما يعني تحديدهم مجال اشتغالهم النقدي و تمييزهم بين دراساتهم ودراسات العلوم الإنسانية وأهدافها، كما هو واضح من قول بوريس أخينباوم، أحد أقطاب هذا الاتجاه:
"إننا في دراستنا لا نتناول القضايا البيوغرافية أو النفسية المتعلقة بالإبداع، مؤكدين على أن هذه القضايا التي تبقى جد مهمة ومعقدة في الآن نفسه، يجب أن نبحث عن مكانها في العلوم الأخرى (٢) أو في اعترافه في مناسبة أخرى بفاعلية الدراسات الماركسية للأدب، ويبعدها عن اهتمامه الخاص كناقد يدرس الخصائص الأدبية وما يحصل فيها من تطور (٢).
على هذا النحو آمن أصحاب المنهج الشكلاني بأن جوهر الظاهرة الأدبية لا يتلخص في علاقتها بمنشئها أو ببيئتها، بقدر ما يتلخص في كينونتها الموضوعية، بوصفها بنية مستقلة. كما آمنوا بأن قوام النص الأدبي وجوهره الأساس إنما يكمن في الكلمات وليس في الأفكار. فليس معنى النص أو مضمونه، ولا مؤثراته الخارجية، ما يمنح الأدب هويته وإنما صياغته وطريقة تركيبه ودور اللغة فيه، هو ما يجعل من الأدب أدباً. وفي ذلك ما يكشف عن تأثر الشكلانيين، ولا سيما في مرحلتهم الأولى، ببعض مقولات مالارميه، الشاعر الرمزي الشهير (۱)، فضلاً عن تأثرهم بالشعراء الرمزيين الروس.
يأتي على هذا الرأي قول الشكلانيين بانتفاء صفة (الأدبية) عن النصوص الأدبية، حالما ننقل معانيها إلى لغة الخطاب العلمي أو الفلسفة لتتحول إلى نصوص عادية من الكلام ذات صفة معرفية، وهو ما يمنح التصور الشكلاني صدقيته، ونظريتهم مشروعيتها. يقول تيتانوف أحد رجال هذا الاتجاه
"إن التساؤل عما يعبر عنه الآثار الأدبية تساؤل عقيم، فالكيفية التي تعبر بها الآثار هي المظهر الجوهري للإنتاج الأدبي."(٢).
يميل إلى الوقوف على هذه الخصيصة هو الذي قاد الشكلانيين إلى اكتشاف ما عرف عندهم بمصطلح (الأدبية) ولا سيما عند ناقدهم المعروف (جاكوبسون).
لقد ظهر مفهوم الأدبية في النقد الغربي من جراء اهتمام الشكلانيين بالآثار الأدبية ولا سيما مبدأ ثنائية الشكل والمضمون الذي تمسكت به
المناهج القديمة، منتهين في دراساتهم إلى أن ما يميز النصوص الأدبية من سائر الأنظمة الاجتماعية والفكرية هو بروز شكلها، و "أن موضوع علم الأدب ليس الأدب ولكن "الأدبية" الأدبية أي ما يجعل من أثر ما أثراً أدبياً (...) فإذا كانت الدراسات تريد لنفسها صفة علمية، فعليها أن تجعل من الوسيلة موضوعها الوحيد. (1).
وإذ يركز الشكلانيون على اللغة ودورها في العمل الأدبي فإنهم يعدون العمل الأدبي نظاماً منغلقاً وبنية مستقلة بذاتها ذات قوانين ونظم داخلية ينبغي الاقتصار عليها تمنع سائر المقاربات. وفي ذلك يقول فيكتور أرليخ: إن مكمن خاصية الأدب ينبغي البحث عنها في الأثر الأدبي نفسه وليس في الحالة النفسية للمؤلف أو القارئ» (3).
لقد بدا واضحاً أن ما يميز الاتجاه الشكلاني من سواه، تلك الرغبة الملحة، والسعي الحثيث نحو تأسيس علم مستقل للأدب، انطلاقاً من خصائص اللغوية للأثر الأدبي وعناصر تكوينه من هنا كان المنطلق النظري للشكلانيين هو التمييز بين اللغة الشعرية واللغة اليومية على أساس من الفوارق المترتبة على اختلاف وظائف كل منهما، ما قادهم إلى مراحل من التطور، خلال المرحلة الممتدة من ١٩١٥ - ۱۹۳۰ من عمر الحركة، أنضجوا فيها عدداً من المفاهيم، منها مفهوم الشكل ومفهوم الوسيلة ومفهوم الوظيفة.
ولعل الأكثر تميزاً مما عرفوا به، فهمهم الجديد لما عرف عندهم بالشكل From وكان مصدر نعت خصومهم لهم بالشكلانيين، تلك التسمية التي لم ترق لهم برغم ملازمتها لهم واشتهارهم بها. ولطالما شكا الشكلانيون منها وحاولوا التنصل منها وإيجاد تسمية بديلة لها، لكنهم فشلوا على ما يبدو في كل ما حاولوه.
لقد أريد بهذه التسمية احتقار دعاتها وإظهارهم بمظهر من يناصر الشكل وينشغل به على حساب المضمون، ما رأوا فيه ظاهرة لا تخلو من سطحية، يقول أيخنباوم : " يوصف منهجنا عند العموم (كذا) "بالشكلانية" وأفضل أن أسميه منهجاً مورفولوجياً، وذلك لأجل تمييزه عن المنظورات الأخرى مثل المنظور النفسي والاجتماعي وغيرهما، حيث لا يكون الأثر الأدبي نفسه موضوع البحث، وإنما يكون موضوع البحث في رأي الدارس هو ما ينعكس على الأثر الأدبي "(1).
ومن المفاهيم الأخرى للشكلانيين مفهوم الوسيلة Procedure الذي عرف عندهم، ذلك المفهوم الذي قادهم إلى مفهوم آخر جديد هو مفهوم الوظيفة Founction الذي عني به الشكلانيون، ولا سيما في مرحلة متقدمة من حركتهم، كما هو واضح عند فلاديمير بروب (۲) مثلاً، وبما يسقط المزاعم التي حاول بعض خصومهم المهم بها، من ذلك تصنيفهم ضمن أنصار ما عرف بمدرسة (الفن للفن).
فعلى صعيد النثر وفن الرواية على وجه التحديد، تجاوز هؤلاء المفهوم المألوف لكل من الفكرة والشخصية في الفن الروائي، ليتوصلوا ولا سيم عند بروب، أحد أبرز المهتمين بدراسة الحكاية الخرافية عندهم، إلى أن الشخصية الروائية ليست هي محور الاهتمام، كما أنها ليست التي تشدنا إليها، إذ هناك ما هو أهم منها، وهو الوظيفة) التي تقوم بها تلك الشخصية، فكان أن شكل بدراساته تلك منعطفاً مهماً في الدراسات المهتمة بالسرد.
ومن إنجازاتهم الأخرى، تمييزهم بين عنصرين أساسيين من عناصر الرواية، هما: (القصة) و (الحبكة)، إذ رأوا أن القصة هي مجموع الأحداث ومادة الرواية، أما الحبكة، فعندهم أنها وسيلة تقديم الأحداث وطريقة عرضها (۱)، فضلاً عن مصطلحي المبنى الحكائي) و (المتن الحكائي) المشهورين عندهم.
هكذا يبدو أن تركيز الشكلانيين على مفاهيم الأدبية والشكل، لم يكن ليعني إنكارهم ما عداهما من عناصر مهمة أخرى. وليس أدل على ذلك من قول جاكبسون، أحد أكبر دعاتهم، في حديثه عن النص الأدبي بقوله: "لا يغدو ممكناً تعريفه كأثر يشغل بصورة استثنائية وظيفة جمالية، ولا كأثر يشغل وظائف أخرى بل يجب أن يعرف في الواقع كإبلاغ لغوي تكون فيه الوظيفة الجمالية مهيمنة، وتعريف الوظيفة الجمالية كقيمة مهيمنة للأثر الأدبي يكمن في تحديد التراتبية الموجودة بين مختلف الوظائف اللغوية داخل الأثر الأدبي. هكذا تكون هيمنة الجانب الجمالي في اللغة، هي المميز الوحيد للغة الشعرية. "(٢).
وليس أدل على أهمية الاتجاه الشكلاني، برغم التحولات التي تلته، ذلك التأثير البالغ الذي ترك بصماته في سائر المناهج والاتجاهات النقدية التي أعقبته، حتى ليمكن القول: إن كثيراً من المقولات والمنطلقات التي أنضجتها هذه الحركة لا تزال حاضرة في المسار النقدي.
وليس قليلاً أن يثمر هذا الاتجاه النقدي وينمو، وسط جو من التجاهل والمحاربة والقمع الذي مورس ضده وظل يحيا فيه زمناً غير قليل، ليخرج منه منتصراً. فقد حاربه إلى جانب النقاد وأساتذة الجامعة عدد من رجال الفكر والسياسة، أمثال تروتسكي ولونا تشارسكي الناقد الذي وصف الشكلانية "أن تخريب إجرامي ذو طبيعة أيديولوجية "(1).
لقد جلب التوجه النقدي للشكلانيين ضروباً من العسف والخصومات والأذى، فتوالت عليهم الضربات، واتهموا بمختلف التهم، ونفي بعضهم، وقتل الآخرين، وتخفى بعضهم بأسماء مستعارة، ما أدى إلى توقف نشاط الحركة وهجرة كثير من أعضائها إلى خارج روسيا، فكانت سنة 1930 بداية نهاية الشكلانيين، برغم تمكن جاكبسون من نقل الحركة اللسانية إلى براغ، ليتولد عنها ما عرف فيما بعد باللسانيات البنيوية ويمكن القول إن من أبرز الأسماء النقدية التي أثرت الاتجاه الشكلاني وتألقت فيه: (جاكوبسون) و (ايخنباوم) و (مكاروفسكي) و (بروب) و (شلوفسكي) و (توماشفسكي) وسواهم (۲).
ولا ريب في أن من المكاسب المهمة التي قدمها النقاد الشكلانيون للدرس النقدي أنهم أعادوا للنص الأدبي حرمته، حين حرروه مما أثقل به من معارف وأخبار، ووثائق وأيدات، ونوايا مسبقة، غلبت ما هو خارجي، ليس من جوهر النص وبنيته التركيبية، على حقيقة النص وجوهره الأدبي. بهذا أفسح هؤلاء النقاد المجال لتقديم دراسات تعنى بطبيعة التركيب اللغوي للأعمال الأدبية، وبالتماسك الداخلي لها، وبالوحدة الخيالية للعمل الأدبي والقوة الانفعالية له، وبأنماط الأخيلة الشعرية والحق فإنه على الرغم من قصر المدة الزمنية التي شهدها الاتجاه الشكلاني، فإنه ظل بشهادة كثير من الدارسين المنصفين، الحركة الأكثر أهمية وأصالة وتأثيراً، حتى لتبدو اليوم أنها أكبر من عمرها وخارجة عن إطار الزمن (1).
و "النقد الجديد" تسمية أطلقت على الحركة النقدية التي ظهرت في أعقاب أقول الاتجاه الشكلاني السابق في الثلاثينات)، متخذة من الجامعات الأمريكية وجامعات الجنوب الأمريكي تحديداً، مركزاً لها (٢).
يرجع عدد من النقاد ظهور حركة النقد الجديد إلى تلك الأفكار التي بشرت بها بعض الأعمال النقدية المهمة للناقدين المعروفين روبرت جريفز) و (ت. اس. أليوت)، إذ ينتمي الأول إلى ما عرف في النقد باتجاه التحليل اللفظي، في حين يُعد أليوت رائد ما عرف في النقد الغربي بالاتجاه الموضوعي.
يتجلى أثر الجهود النقدية المتميزة الجريفز في تكريسه مفهوم القراءة الجيدة وفي عنايته الواضحة بما سمي بـ ( أكثر المعاني صعوبة وجعلها محور اهتمامه وغاية ما يطمح إليه في منجزاته النقدية.
أما أثر اليوت في النقاد الجدد، وبخاصة في مرحلته الجمالية المبكرة، فلا سبيل إلى إقاله ولا سيما في نقد رائد الحركة ( جون كرورانسوم). فكثيراً ما نظر إلى حركة النقد الجديد على أنها خارجة من معطف اليوت ونقده الموضوعي (1).
ضمت حركة النقد الجديد عدداً من النقاد البارزين ممن عرفوا باللماحية والذكاء، يقف على رأسهم رائدهم (جون) كروانسوم) و (كلينيث بروكس) و (روبرت بن وارن) و (دونالد ديفدسون) و (ميريل مور) و (ألن تيست) و (بلاكمور).
عرف عن كرور انسوم بأنه رائد هذه الحركة وأكبر سناً بين أعضائها، كما عرف عنه ميله إلى التفكير الفلسفي، حتى سمي بـ (الأرسطي الجديد). لكن الذي بلغ بأفكار رانسوم النقدية غايتها النهائية واستقطب اهتمام النقاد، التي بنج به سيار راستم اسب يا رب
تلميذه الشهير (ألن تيت) الذي وصف هربرت ريد) مقالاته النقدية التي ضمها كتابه (مجموعة المقالات) بأنها من نتاج أهم ناقد امريكي منذ بو (2).
تعود عبارة (النقد الجديد) إلى كتاب لكرور انسوم صدر عام 1940) وجعلها عنواناً له. لكنه كان يعني بها أعمال النقاد الذين ينتمون إلى حركة الحداثة الجديدة وقتئذ كـ"رتشاردز" و"اليوت" و"ليفيز" و"امبسون"، ثم ما لبثت أن غدت تسميها أطلقت على أتباعهم، وهم نقاد هذه الحركة وعلى ما أنجزوه من دراسات (3).
ويمكن القول إن الحركة ذات نزعة جمالية رفض مقاربات النقد التاريخي وادعاءاته الجماعية، كما رفض إقحام العلم في ميادين الروح، ولا تتردد في قبول اتهام الآخرين لها بالمحافظة والرجعية نهدف إلى محاولات كرورانسوم التوفيق بين النقد الأدبي وعلم الجمال واضحًا، فلطالما اتهم الأحكام الأخلاقية والبحث عن النوايا في الأدب وعن بواعثه النفسية بالعقم، منتهيًا إلى أن النهج الوحيد المشروع هو النقد الجمالي الذي يتيح لنا فرصة إضاءة العمل الأدبي من داخله إضاءة حقيقية وأكثر قيمة (٢).
يرفض الناقدان "كلينث بروكس" و "روبرت بن وارن" في مقدمة كتابهما المهم "فهم الشعر"، الصادر عام ۱۹۳۸ استخدام الشعر لأي هدف غير ذاته، سواء أكان هذا الهدف تاريخياً أم أخلاقياً، إذ يريان أنه "إذ كان الشعر جديراً بأن يدرس أساساً، فإنه جدير بأن يدرس كشعر (۳).
ومن الأفكار الأساسية لحركة النقاد الجدد زعمهم أن معنى العمل الأدبي لا يكمن في القضية التي يعالجها، إذ ليس مطلوباً منه البرهنة على قضية ما، على نحو ما تفعل الفلسفة، على سبيل المثال، وإنما يكمن معناه في أنه (تجربة) ما محسوسة أو متخيلة، تتجلى في شكل شبكة معقدة من الأحداث، أو الأحاسيس أو الانطباعات، أو التأملات التي توظف إمكانات اللغة جميعاً؛ من مجاز وتصوير وغموض وإيقاع وتكرار وغير ذلك، لتبدو هذه الأساليب في شكل مؤشرات ودوال على التجربة.
وقد ترتب على هذا الفهم تعميقهم مبدأ (أدبية الأدب) الذي يحصر أهمية التجربة الأدبية في كيفية التعبير عن القول وليس في ما تقوله، إذ الشاعر عندهم صانع أكثر منه موصلاً لشيء ما، فهو يستكشف ويدعم ويصوغ خبراته الكلية في خلاصة إبداعية هي القصيدة كما يقول بروكس. إلى جانب حصرهم مهمة النقد في كشفه كيفية هذه التجربة وأسلوبها اللذين تراهما هذه الحركة شيئاً واحداً لا يمكن إدراكهما منفصلين، وهو ما قادهم إلى تعميق فكرة وحدة الشكل والمضمون، وواحد الفهم والتقويم (1).
ومما يتصل برفضهم انفصال الشكل عن المضمون رفضهم الفصل بين التجربة الأدبية ومعناها. يقول ألن تيت: " إن الفكرة كلمة لا معنى لها. فليس هناك شيء اسمه الفكرة بدون القصيدة، ومرة أخرى أقول: إن الفكرة لا تسبق قط القصيدة أو تصنعها ... لأن القصيدة هي التي تصنع الفكرة وتخلقها (٢).
لقد استبدل النقاد الجدد مصطلح القراءة الفاحصة بالثوابت البيوغرافية لدى الاتجاهات السابقة عليهم، رافضين بذلك أي محاولة للانشغال بحياة الكاتب أو المجال الثقافي الذي يحيط به، ومثله الاهتمام بتاريخ الأدب، قاصرين مهمة الناقد الأدبي على فحص الأعمال الأدبية المفردة.
ولعل من بين هذه المحاولات المهمة، محاولتي (ويمزات) المهمة و (مونروبير دسلي) في مقالتين نقديتين لهما بعنوان (مغالطة النية) و (المغالطات الوجدانية). ففيهما يسعيان إلى رفض أي محاولة للربط بين نية المؤلف وعمله الأدبي وبين هذا الأخير وأي من آثاره النفسية أو اتخاذها معياراً للحكم على التجربة الأدبية. يقول الناقدان: " إن تصميم أو نية الكاتب لا هي بالأمر الممكن التوصل إليه، ولا هي بالأمر المستحسن كمعيار للحكم على نجاح عمل من أعمال فن الأدب "(1).
ويقولان في الثانية: "إن المغالطة الوجدانية خلط بين القصيدة وآثارها ... فهي تبدأ بمحاولة استمداد معيار للنقد من الآثار النفسية للقصيدة وتنتهي بالانطباعية والنسبية "(٢).
وإذا كانت هذه الأفكار تنتهي إلى جعل النص الأدبي نقطة بدء المقاربات النقدية ومنتهاها عند النقاد الجدد، فإنها تسعى كما أراد لها أصحابها مراراً إلى ألا تكون التجربة الإبداعية قيمة معرفية وإنما قيمة إبداعية مستقلة بذاتها، وهو ما سبقهم إليه رتشاردز في جميع مؤلفاته. وها هو "ألن تيت" يتحدث عن وظيفة النقد بقوله: " إن وظيفة النقد كان ينبغي أن تكون في زماننا - كما هو الشأن في كل الأزمنة - هي تبيان والمحافظة على تلك المعرفة الخاصة والفريدة والكاملة التي تزودنا أشكال الفن العظيمة بها "(1).
ومن الأفكار التي سعى النقاد الجدد إلى تجليتها وإشاعتها قولهم بالصفة التركيبية للأدب، في مقابل رفض فكرة البساطة. وهذا الطابع التركيبي للأدب عندهم تتويج لتجانس عنصري (التضاد) و (السخرية) فيه.
ومع النقاد الجدد وحركة الحداثة عامة شهدت الأحكام النقدية منعطفاً جديداً، إذ أصبحت جزءاً من الإجراء التحليلي للعمل الأدبي أكثر منها أحكاماً مطلقة، تهتم بشرح حيثيات الأحكام النقدية للقارئ وكشف مسوغاتها، من دون أن تدعي لنفسها تلك السلطة المطلقة التي تخفى النقد وراءها زمناً طويلاً، ما جعل القارئ شريكاً للناقد في المشروع النقدي الجديد، وانتهى بالنقد إلى استبدال مصباح أضاءته بصولجان الحكم العتيد.
والحق فليس ثمة أكثر إخلاصاً وجدية من حركة النقد الجديد في اتخاذها من المفهوم المركزي لها القراءة الفاحصة)، أداة لتحليل البنية النصية للعمل الأدبي، في تراكيبه اللغوية والنحوية ومجازاته وصوره ورموزه وإشاراته التي جسدتها تحليلاتهم التطبيقية المضنية لما أسموه بالعناصر الجوهرية للنص.
ولعلنا لا نستطيع إدراك القيمة الحقيقية التي تنطوي عليها جهود نقاد هذه الحركة، ما لم نلم ببعض ما قدموه للحركة النقدية، من مصطلحات ومفاهيم غدت جزءاً من معجم النقد الحداثي فيما بعد. فإلى جانب المفهوم المركزي للحركة القراءة الفاحصة) ابتكر : ألن تيت" مصطلح "التوتر" ليقيم عليه نظرية جمالية متكاملة، قيل إنه أفاد فيها من إليوت ومفهوم المعادل الموضوعي عنده. أما "كرور انسوم" فقد كان وراء ظهور
مصطلحي "التركيب" و"النسيج" اللذين شاعا في لغة النقد الحديث حتى يومنا هذا. ومثلهما مصطلح "المفارقة" الذي ابتكره "كلينيث بروكس"، إلى جانب المفاهيم الأخرى التي عرفتها حركتهم، كمفهوم "التورية الساخرة" و"التضاد" و"النمو الخيالي" و"السخرية" و"التركيب" و"البنية الداخلية" و" وحدة التجربة" و"التجانس" و"المغالطة الوجدانية "(1).
لقد بدت حركة "النقد الجديد" في أثناء بزوغ نجمها ما بين الثلاثينيات والأربعينيات في الجامعات الأمريكية وكأنها نسمة هواء منعش، فلم تكن الحركة عقيدة جامدة أو نظريات شكلية، بقدر ما كانت حركة ذات نزعة تطبيقية وطريقة تدريسية، حتى ليمكن القول إنها "تمثل أخصب إسهام للذكاء النقدي في قرننا العشرين، وذلك لما نمت عنه أعمال ممثليها من عمق
التفكير، ورهافة الحس والطنة (2). وإن شاب جهودهم بعض الاختلافات.
لقد سعى "روبرت بن وارن وحده لإعادة تقييم التراث الأدبي الأمريكي واكتشاف مناحي الجمال فيه، ليشكل بنقده لبنة جديدة في صرحالنقد الجديد (3).
خاصم حركة "النقد الجديد" عدد من النقاد المناوئين لها، فشنوا عليها هجوماً عنيفاً، كما هو الحال مع معظم الحركات والاتجاهات النقدية، إذ هاجمها مؤرخو الأدب والنقاد الاجتماعيون والنقاد الأيديولوجيون ودعاة ربط الأدب بالسياسة حتى بلغت التهمة الموجهة إلى الحركة إلى حد المساواة يشمل وبين اتجاهات أدبية ماتت منذ زمن بعيد كـ (الجمالية) و (الفن للفن) و (الانطباعية) و (الانعزالية) و(الهروب) (*).
يهدف من بين التهم الأخرى الموجهة للحركة، تهمة مجافاتها روح (الديمقراطية الأدبية) بسبب من تصويرهم لها يتبع تترفع على جمهور الأدب، ويعمل في دائرة شبه مغلقة على نفسها، حتى بدا القراء "أنهم أمام نقاد يعرفون وحدهم سر صنعتهم ويضعون به على من سواهم". إلى جانب اتهامهم نقاد الحركة بتقطيعهم أوصال العمل الأدبي وتركيزهم على خيط واحد هو القالب الأدبي)، وعزله عن بقية خيوط النسيج، ومعاملته على أنه النسيج كله (1).
ومع بداية الستينيات من هذا القرن بدأت أصوات تتعالى لإزاحة حركة النقد الجديد، واحتلال مكانها استناداً للدعاوى السابقة، إخراج النقد من لغة الغموض والمضامين والاقتراب به من لغة الحياة العامة. وكان من أعلى الأصوات النقدية وأقواها دون منازع صوت الناقد "نورثروب فراي" الذي مزج خطابه النقدي بين المنهجين النفسي والأسطوري رفض فراي رؤية النقاد الجدد الذين يرون في العمل الأدبي كيانًا مستقلاً عن المجتمع الأدبي الذي يندرج عنده في نسق آخر هو المجتمع العام، داعياً إلى البحث عن نظام قبلي يمثل نموذجاً أعلى ترتد إليه الأعمال الأدبية إذا ما خلص الخطاب النقدي من طابع الاجتهاد الفردي وإكسابه سمة العلم.
من هنا عد "نورثروب فراي"، في إيلائه الخطاب العادي عناية خاصة، وشرحه العلاقة فيما بينه وبين خطاب الأدب، واحداً ممن مهدوا بجهودهم لظهور ما عرف فيما بعد بالنقد البنيوي، بل كثيراً ما وصف بأنه (نصف بنيوي) (1).
Summarize English and Arabic text using the statistical algorithm and sorting sentences based on its importance
You can download the summary result with one of any available formats such as PDF,DOCX and TXT
ٌYou can share the summary link easily, we keep the summary on the website for future reference,except for private summaries.
We are working on adding new features to make summarization more easy and accurate
الليلة الأولى وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بال...
لا تخافي ترا التوتر ما ينفع يخليك تفقدي من بدري وانتي عندك شهر وقت كاافي جدا انك تخلصي يا كثر الي قف...
د.رقية العلواني الرئيسية ‹ تدبر القرآن ‹ سورة التغابن ‹ حلقة 2 تدبر سورة التغابن: الحلقة الثانية - ...
و من أهم المعوقات التي تواجه نبات الشماري هي انخفاض قدرته على التكاثر بالطرق التقلدية سواء بالبذوراو...
تعتبر اليابان نموذجًا للدول الصناعية الكبرى، حيث تحولت إلى قوة تكنولوجية بدون موارد باطنية كافية، مس...
السودان يمتلك بالفعل كافة المقومات الجغرافية والطبيعية التي تؤهله ليكون "سلة غذاء العالم" وقوة اقتصا...
يُعدّ هذا الفصل التطبيقي الجوهر الإجرائي لدراستنا، حيث ننتقل فيه من التنظير إلى الممارسة من خلال إخض...
Research Summary The study addresses one of the important topics in semantics, which is minor deriva...
لا شك في أن الظروف الدولية والإقليمية السائدة والتي يكون لها انعكاسات على منطقة الساحل، يكون لها تأث...
لم تُعرَّف جريمة الإبادة الجماعية بصورتها القانونية الحالية إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعا...
ديم إشكالي نهجت الأنظمة الدكتاتورية سياسة التوسع لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، فاصطدمت بمصالح الأن...
يُمثل الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الساحل الإفريقي بُعداً حيوياً ومحورياً في صياغة العقيدة الأمنية والسي...